Subscribe:

Ads 468x60px

30 مايو، 2013

أيكون رداً على السيسي؟

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 20 رجب 1434 -  30 مايو 2013
أيكون رداً على السيسي؟ - فهمي هويدي

في أعقاب حرب عام ٧٣، التي اعتبرها الرئيس السادات آخر الحروب، سمح لمهندسي القوات المسلحة، سواء كانوا ضباطا أو مجندين، بالتصويت والترشح لنقابة المهندسين، وهو ما كان محظورا عليهم في السابق.
وطوال الفترة بين عامي ٧٥ و١٩٨٥ هيمن ضباط القوات المسلحة على مجلس إدارة النقابة،

وقد اكتسح المهندس عثمان أحمد عثمان المرشحين لمنصب النقيب في عام ١٩٨١ لأنه تحالف مع القوات المسلحة التي كانت تحمل رجالها في حافلات إلى لجان التصويت في كل مرة لإنجاح الضباط المرشحين،

وحين قرر الإخوان دخول الانتخابات بقائمة ضمّت ١٧ عضوا في سنة ١٩٨٥ فوجئ الجميع بأنّ أصوات القوات المسلحة ذهبت إلى قائمتهم التي نجحت كلها، حينذاك،

وهو ما تكرر في انتخابات النقابة عام ١٩٨٧، التي جرى الاعتراض فيها على تخصيص لجان للانتخابات داخل ثكنات القوات المسلحة، كانت نتائجها بداية النهاية لهيمنة ضباط القوات المسلحة على النقابة، وهو الوضع الذي لم يستمر طويلا، لأن النقابة وضعت تحت الحراسة وجمدت ابتداء من عام ١٩٩٣.

هذه القصة أسوقها كي أنبّه إلى أنّ السماح للعسكريين بالتصويت يمثّل مغامرة كبرى، ليس فقط لأنه سيؤدي إلى إغراق الجيش والشرطة في أوحال السياسة وإلهاء الطرفين عن مسؤولياتهما الوطنية الأصلية،

ولكن أيضا لأن نتائج التصويت في تلك الحالة قد لا تحقق للداعين إليه مرادهم.

وأزعم في هذا الصدد أنّنا حين نحذّر من أنّ إقحام العسكريين في ساحة التجاذب السياسي لا يقلقنا كثيرا فيه تأثيرهم على العملية التصويتية،
ولكن ما يزعجنا كثيرا هو أثر ذلك على الأوضاع والمهام الوطنية الجليلة التي يفترض أن تنهض بها القوات المسلحة والشرطة.

ذلك أنّ فتح ذلك الباب من شأنه أن يحدث صراعا بين الحقوق والنظم،
إذ إنّ ممارسة حق التصويت ستكون على حساب النظم المستقرة لدى العسكريين في القطاعين.

ولك أن تتصور الأجواء في داخل القوات المسلحة مثلا حين يتوزع الضباط على القوى السياسية المتصارعة،
وحين يحدث ذلك بين الجنود،
وكيف يمكن أن يؤثّر ذلك على علاقة الطرفين، خصوصا في ظروف الاستقطاب الحاد المخيم على الواقع المصري.

إنّ الذين يتحدثون عن السماح للعسكريين بالتصويت في الانتخابات في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة وكندا يتجاهلون الفروق في الأوضاع الاجتماعية والتحديات السياسية والإستراتيجية بيننا وبينهم،
كما أنّهم يتجاهلون واقع الإمكانيات والأساليب المستخدمة في عملية التصويت لدى تلك البلدان ونظائرها في بلادنا.

لقد كان وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي مدركا لمسؤوليات القوات المسلحة وواعيا بحدود مسؤوليتها الوطنية حين أعلن رفض المطالبات التي دعت إلى تدخل الجيش في الشأن السياسي، في حديث صريح وجّهه قبل أسبوعين.

وأغلب الظن أنّه لم يكن يخطر على باله حين حسم الأمر على ذلك النحو أنّ المحكمة الدستورية ستصدر قرارا يلزم القوات المسلحة بالتدخل في الشأن السياسي من خلال التصويت في الانتخابات.

ولا بد أن يثير انتباهنا في هذا الصدد أن يصدر قرار الدستورية بعد أيام قليلة من إعلان الفريق السيسي، ولا أعرف ما إذا كانت تلك مجرد مصادفة أم لا،
إلاّ أنّ الملاحظة تظلّ جديرة بالتسجيل في كل الأحوال،

علما بأنّ انخراط المحكمة الدستورية في الشأن السياسي يوسع من دائرة الاحتمالات ويفتح الباب لإساءة الظن بذلك التتابع،
 الأمر الذي لا يستبعد أن يكون قرار إلزام العسكريين بالتصويت في الشأن السياسي بمثابة رد على إعلان الفريق السيسي رفضه الزجّ بالقوات المسلحة في التجاذب السياسي.

وهو ما قد يفسر لنا لماذا سكتت الدستورية عن هذا الموضوع حين تلقّت مشروع قانون مباشرة الحقوق السياسية في المرة الأولى،
 ثم أثارته بعد ذلك في المرة الثانية، بعدما «تصادف» أن أعلن الفريق السيسي عن موقفه سابق الذكر.

مثل هذه الشكوك لا تأتي من فراغ، لكنها تستند إلى خلفية تسييس بعض الأحكام التي أصدرتها المحكمة الدستورية أكثر من مرة،

إضافة إلى ممارسات أخرى صدرت عنها، من قبيل مشاركة اثنين من قضاة المحكمة في مؤتمر قضائي دولي عقد في كوريا الجنوبية،
ومحاولتهما تحريض المؤتمر ضد الوضع القائم في مصر.

من تلك الممارسات أيضا أنّ الدستورية جرى تمثيلها في مؤتمر تدويل أزمة القضاة مع السلطة الذي عقد أخيرا فى القاهرة، في حين أنّ المجلس الأعلى للقضاء نأى بنفسه عن ذلك.

الشاهد أنّنا صرنا إزاء أزمة جديدة تتطلّب من عقلاء القضاة والسياسيين أن يتعاملوا معها بحكمة وبعد نظر، تصوب الأخطاء التي وقعت، وتسهم في مواصلة السير نحو تأسيس النظام الجديد،
ومن ثم تحبط محاولات تجميد تلك المسيرة أو إجهاضها.
.......................

29 مايو، 2013

خطأ مهني جسيم


صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 19 رجب 1434 -  29 مايو 2013
 خطأ مهني جسيم – فهمي هويدي

هل تشكّل المحكمة الدستورية حزبا سياسيا معارضا في مصر؟

هذا سؤال جاد لا هزل فيه، لم أكن لأجرؤ على طرحه قبل إصدار قرارها هذا الأسبوع الذي ألزمت فيه مجلس الشورى بالسماح لضباط وجنود الجيش والشرطة بالتصويت في الانتخابات بحجة إرساء قاعدة المساواة بين المواطنين.
وهو ما اعتبرته كلاما مباشرا وصريحا في السياسة، بعيدا كل البعد عن القانون.

ليس جديدا تسييس أحكام الدستورية، ذلك أنّنا تلقّينا أول رسالة بهذه المعنى في الحكم الذي أصدرته بحلّ البرلمان المنتخب،
 وتطوّعت بذلك دون أن يطلب منها الفصل في الموضوع الذي أحيل إليها من المحكمة الإدارية العليا،

 لكن الرائحة التي فاحت في العام الماضي وأثارت شكوك الكثيرين وحيرتهم، تحول الشك فيها إلى يقين هذا الأسبوع،
لأن السياسة في القرار الأخير كانت مباشرة، ودخلت علينا من الباب الواسع،

ذلك أنّ حجة المساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم التي استندت إليها المحكمة في قرارها تصدم أي دارس مبتدئ للقانون وتثير دهشته،

 إذ إنّ القاعدة المتعارف عليها بين القانونيين والتي قررتها أحكام محكمتي النقض والدستورية، أنّ تلك المساواة ليست مطلقة، ولكنها تتوافر في حالة واحدة هي تلك التي تتساوى فيها المراكز القانونية بين مختلف الأطراف،

ففي الضريبة التصاعدية مثلا لا يستطيع صاحب الملايين أن يطلب مساواته في قيمة الضريبة التي يدفعها بموظف الحكومة الذي يتقاضى مئات معدودة من الجنيهات، لأن لكل منهما وضعه القانوني الخاص،

وفي مصر فإنّ الشرطة والجيش يتولون تأمين الانتخابات،
وليس مفهوما كيف يمكن أن يقوموا بتلك المهمة بينما هم يشاركون فى التصويت.

ثم إنّ هناك سؤالا يثار حول ما إذا كان الإلزام الذي دعا إليه قرار المحكمة الدستورية يسري على حق الشرطة والجيش في التصويت فقط أم أنّ ذلك يعطيهم الحق في الترشح أيضا عملا بالمفهوم المسطح والمبتسر لفكرة المساواة الذي تبنّته المحكمة،

 وفي هذه الحالة فإنّ الحظر المفروض على ترشح القضاة وانضمامهم إلى الأحزاب السياسية يجب أن يسقط أيضا.
الأمر الذي يزجّ بالجميع في أتون الصراع السياسي ويهدد حياد واستقلال المؤسسات الوطنية في البلد.

إنّ قضاة المحكمة قرأوا المادة 55 من الدستور التي اعتبرت أنّ مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني وقررت حق كل مواطن في الانتخاب والترشيح، لكنهم أغمضوا أعينهم عمّا قررته ديباجة الدستور التي تشكّل مفتاح القراءة الصحيحة له،

إذ نصّ البند الثامن من الديباجة على أنّ
«قواتنا المسلحة مؤسسة وطنية محترفة محايدة لا تتدخل في الشأن السياسي».

والعبارة واضحة وحاسمة في أنّ القوات المسلحة محظور عليها ليس فقط التصويت أو الترشح للانتخابات، ولكن الحظر يتجاوز تلك الحدود بمراحل، يشمل كل ما له علاقة بالشأن السياسي على إطلاقه.

حين تقرأ المحكمة المادة 55 من الدستور وتتجاهل نص ديباجته، فإنّ ذلك يفتح الباب لتساؤلات كثيرة تشكك في براءة الدوافع التي أدّت إلى ذلك،

وإذا قاومنا تلك الفكرة وافترضنا حسن النيّة فيما جرى فإنّنا لا نستطيع أن نصف موقف المحكمة الدستورية بأقل من أنّه بمثابة خطأ مهني جسيم يسيء إلى المحكمة قبل أيّ طرف آخر،

ذلك أنّه يعيب المحكمة أن تقرأ نصا في الدستور وتتجاهل ديباجته،
ويشينها أن تكون قد استوعبت النصين وتعمّدت تجاهل أحدهما كي تحقق غرضا ما.

يضاعف من حيرتنا وشكوكنا أنّ المحكمة الدستورية حين تلقّت مشروع قانون الانتخابات في المرة الأولى فإنّها أبدت عليه خمس أو ست ملاحظات، لم يكن من بينها حكاية الإلزام بالسماح لجنود الشرطة والجيش بالتصويت،
إلاّ أنّ المجلس حين أعاد النظر في المشروع وبعث به إلى المحكمة مرة ثانية، فإنّها ضاعفت من ملاحظاتها؛ صار عددها ١٢، وأثارت موضوع العسكريين وتصويتهم،

الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل:
لماذا سكتت المحكمة في المرة الأولى ثم فجّرت الموضوع في المرة الثانية؟
نحاول الإجابة عن السؤال غدا بإذن الله.
.....................

28 مايو، 2013

نجحنا في مادة ورسبنا في الامتحان النهائي – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 18 رجب 1434 -  28 مايو 2013
نجحنا في مادة ورسبنا في الامتحان النهائي – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

أما وقد هدأت العاصفة التي اجتاحت مصر إثر اختطاف الجنود السبعة في سيناء. فاسمحوا لنا أن نستعيد بعض خلفيات الحدث ومشاهده. كي نستخلص منها ما تيسر من الخبرة والعبرة.

(1)

بمجرد أن نفتح ملف اختطاف الجنود سنفاجأ بأن الحادث له سابقة مسكوت عليها أو نسيناها،

ففي يوم 12 نوفمبر عام 2008 تناقلت المواقع الإخبارية قصة خلاصتها أن البدو اختطفوا 21 من الضباط والجنود، أحدهم برتبة عقيد عند النقطة 36 وسط سيناء،

ونقلت عن المصادر البدوية قولها إن المختطفين بمثابة «رهائن» تم إيداعهم في منطقة «وادي العمر» معقل قبيلة الترابين لحين تقديم الضباط المسؤولين عن قتل 4 من البدو إلى محاكمة عادلة ــ وكان آخرهم مواطن يدعى ربيع أبوسنجر (42) قتلته قوات الأمن.

وقد عقد اللواء منتصر شعيب، مدير أمن سيناء اجتماعا صباح ذلك اليوم (الأربعاء) بحضور اللواء عدلي فايد مساعد وزير الداخلية للأمن العام واللواء محمد عبدالفضيل شوشة، ومعهم مشايخ الترابين وبعض مشايخ القبائل الأخرى،

وتمت خلال الاجتماع مناقشة ملابسات وأسباب التوتر القائم بين الأجهزة الأمنية والبدو، واستعادة الضباط والجنود المختطفين، على أن يتم إطلاق سراح عدد من عناصر البدو الذين ألقى القبض عليهم خلال اليومين السابقين.

كان موقع «اليوم السابع» قد ذكر في يوم سابق (الثلاثاء 11 نوفمبر) أن البدو المعتصمين استولوا على مركز شرطة بلدة مدفونة، بالقرب من الحدود بين مصر وقطاع غزة،

حدث ذلك في الوقت الذي اتخذت فيه الأجهزة الأمنية بشمال سيناء العديد من التدابير لامتصاص غضب قبيلة الترابين، قبل تصعيد اعتصامهم الذي استمر طوال اليوم السابق (الاثنين 10/11)  فى قرية نجع شبانة على الحدود المصرية الإسرائيلية،

وفيه أطلقت الأعيرة النارية وتم إحراق إطارات السيارات، في نفس المكان الذي شهد في السابق اعتصامات مفتوحة للمطالبة بحقوق البدو وإطلاق سراح المعتقلين من أبناء سيناء.

على ذات الموقع وفي الفترة ذاتها (نوفمبر 2008) أخبار عدة تتعلق باشتباكات وصدامات بين البدو والأجهزة الأمنية،
أحدها تحدث عن تجمع عشرات من أبناء قبائل سيناء على الحدود المصرية الإسرائيلية فى منطقة نجع شبانة، حيث نظموا اعتصاما مفتوحا اعتراضا على تفجير قوات الأمن المصرية سيارة كان يستقلها اثنان من أبناء الترابين،
 الآخر تحدث عن مقتل اثنين برصاص الشرطة أحدهما من قبيلة الترابين والثاني من قبيلة الرياشات.
الخبر الثالث تحدث عن أن ضابطا صغيرا تسبب فى معارك بين الأمن والبدو، ونقل عن بعض عناصر البدو قولهم، من الآن فصاعدا لا وجود للحكومة فى سيناء.. الخ.

(2)

هذه الخلفية تنبهنا إلى أربع ملاحظات هي:

< أن هناك احتقانا له تاريخ بين بعض قبائل سيناء وبين الأجهزة الأمنية، وأن محاولات امتصاص ذلك الاحتقان لم تنجح خلال العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل.

< أن الاحتقان له مصدران أساسيان،
 أولهما فكرة التعامل مع سيناء باعتبارها حالة أمنية، الأمر الذي صرف الانتباه عن الجهد الذي ينبغي أن يبذل لتنمية مجتمعاتها للنهوض بها وليس فقط لجذب السياح وتوفير أسباب الراحة لهم.
المصدر الثاني تمثل في إساءة معاملة الشرطة لأهالي سيناء على نحو مهين لم يكن ممكنا القبول به أو احتماله في ظل التركيبة القبلية الراسخة هناك.

< أن التوتر الذي شاع في سيناء لم تكن له في البداية دوافع أيديولوجية، حيث لم تكن قد ظهرت على السطح الجماعات السلفية أو التكفيرية التي يتواتر الحديث عنها هذه الأيام،
وهو يعني أن للغضب وجودا وجذورا سابقة على ظهور تلك الجماعات، الأمر الذي يعني أنها جاءت كاشفة لمشاعر النقمة والغضب وليست منشئة لها.

< الملاحظة الرابعة هي أن الحدث جرى احتواؤه في هدوء حينذاك، حيث أعطى حجمه الطبيعي باعتباره إشكالا بين الأهالي والشرطة جرى حله من خلال التفاهمات التي قادها الوسطاء،

ورغم أن الذين تم اختطافهم آنذاك كانوا ثلاثة أضعاف الجنود الذين اختطفوا مؤخرا، إلا أن الحدث لم يثر الصدمة أو الدوى الذي شهدته مصر في الأسبوع الماضي،

وهذا الاختلاف في الأصداء وثيق الصلة باختلاف ظروف كل من الحدثين،
فالحدث الأخير وقع في أجواء استقطاب داخلي وصراع حاد وهو ما لم يكن قائما منذ خمس سنوات، حين وقعت حادثة الاختطاف سابقة الذكر وتلك مسألة تحتاج إلى وقفة.

(3)

لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن حادث اختطاف الجنود السبعة سلط الأضواء على مشكلة القاهرة وليس مشكلة سيناء.

إذ منذ اللحظات الأولى استخدم الحدث في اتجاهين متوازيين،
أحدهما وجه الاتهام بالتآمر والفشل إلى الرئيس مرسي وجماعته،
والثاني استغاث بالجيش واستنفره لمحو «العار» الذي لحق بمصر جراء ما وصف بأنه تطاول على سيادتها وإهانة لكرامة جنودها.

تعددت صياغة التعبير عن هذا المعنى أو ذاك،

وكان عدد جريدة الدستور الصادر في 21 / 5 حالة قصوى في هذا الصدد،
 إذ اعتبرت أن عملية الخطف من تدبير جماعة الإخوان، ووصفتها بالعملية الإرهابية «رفح2»، معتبرة أن قتل الـ16 جنديا فى شهر رمضان الماضي هي رفح واحد،
 وذكرت فى عناوين كبيرة بسطتها على الصفحة الأولى أن العملية استهدفت أربعة أمور هى:
كسر هيبة الجيش وإهانة كرامة شعبنا أمام العالم
 ــ إبعاد الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس المخابرات ضمن عشرة من قيادات القوات المسلحة، تمهيدا للإطاحة بعشرة آلاف ضابط وتحويلهم إلى وظائف مدنية أو إحالتهم إلى التقاعد
ــ السيطرة على مفاتيح الجيش الذي يمثل العقبة الرئيسية التي تتطلع الجماعة للاستيلاء على ممتلكات الدولة الإستراتيجية
 ــ إلهاء الشعب عما يحدث فى مصر الآن من كارثة اغتصاب ممتلكات الدولة وبيع أصولها بالصكوك إلى جانب تمرير مشروع احتلال قناة السويس.

على الصفحة ذاتها عناوين أخرى عرضت لما اعتبرته أسبابا للخلاف بين الجماعة والقيادات العسكرية.
وكيف أن تلك الأسباب هي محور الصدام بين الطرفين الكامن وراء مؤامرة اختطاف الجنود السبعة
(بالمناسبة ستة منهم من الشرطة ويتبعون الأمن المركزي).

التعبئة الإعلامية تحركت في ذلك الإطار الذي لم يذكر سيناء. ولا أشار إلى شيء من مشكلاتها،

أستثنى من ذلك بيانا رصينا أصدرته منظمات حقوق الإنسان المصرية (في 20/5) انتقد تجاهل مظلومية أهالي سيناء واحتجاز نفر منهم في السجون بالمخالفة للقانون،
وحذر من أن تقتصر استجابة سلطات الدولة كالمعتاد على الحل الأمني قصير النظر الساعي لإطلاق سراح الجنود المختطفين دون معالجة جذور الأزمة الحالية، التي لم تكن لتقع إلا بسبب تجاهل الدولة لأبسط قواعد العدالة والقانون، ورفضها الاستجابة لمطالب لم تنقطع منذ سنوات لإنهاء الظلم المزمن الواقع على أبناء سيناء وسجنائهم»،
وأكد بيان المنظمات الثماني الموقعة عليه على «أن الحل الجذري للازمة الممتدة فى سيناء يبدأ وينتهي بإنهاء التهميش السياسي والاقتصادي لأهالي سيناء، وبرد حقوقهم ورفع المظالم عنهم».

(4)

بيان منظمات حقوق الإنسان بدا سباحة ضد التيار وتغريدا خارج السرب، لسبب جوهري هو أنه كان محاولة للفت الانتباه إلى التشخيص الصحيح لمشكلة سيناء، فى حين أن الخطاب الإعلامي السائد لم يكن معنيا بتصحيح التشخيص، بل لم يكن معنيا بسيناء كلها،
لأن تصفية حسابات القاهرة كانت الهدف والموضوع الأساسي للحملة السياسية والإعلامية.

كما لم يؤخذ بيان منظمات حقوق الإنسان على محمل الجد، فإن البيان الذي أصدرته السلفة الجهادية ونفت فيه علاقتها بخطف الجنود لقي نفس المصير،
وكانت النتيجة أننا لم نفهم حقيقة ما حدث في سيناء،
وحاول البعض إبراء ذمتهم إزاء ما جرى باستسهال المطالبة بدخول الجيش إلى الساحة والقيام بعملية عسكرية لتحرير «الرهائن»، دون إدراك لمغزى هذه الخطوة وعواقبها،

ونحمد الله على أن الجيش كان أكثر حكمة، فدعا إلى التريث رغم أنه كان تحت تصرفه أمر عمليات وقعه رئيس الجمهورية، في أعقاب عقده مع وزير الدفاع وقيادات القوات المسلحة.

المدهش في الأمر أن كثيرين تحدثوا عن ضياع هيبة الدولة والمساس بكرامتها والعار الذي لحق بها جراء خطف الجنود السبعة،

وتجاهلوا أن انتقاص سيادة الدولة على سيناء وتقييد حركة قواتها على أرضها يجسد كل تلك المعاني.

 لكن الأغلبية تتجاهل تلك الحقيقة وتغض الطرف عنها.

وهو ما ذكرني بمقولة الشيخ محمد الغزالي التي انتقد فيها خلل التفكير وشيوع قصر النظر عند الذين تستبد بهم الغيرة ويثورون لكرامتهم إذا ما اغتصبت فتاة من أهليهم،
 في حين لا يحركون ساكنا إذا اغتصبت بلادهم، وهو بالضبط ما فعله أصحابنا هؤلاء.

إن أخشى ما أخشاه أن يغلق ملف سيناء بعد إطلاق سراح الجنود وعودتهم إلى أهاليهم لتعود بعد ذلك «ريمة إلى عادتها القديمة».
فتنسى مسألة المطالبة ببسط سيادة مصر على أراضيها كاملة وتعود الأجهزة الأمنية إلى استخدام أساليبها المعروفة فى التحفظ على الأهالي واستنطاقهم.
وتبقى مظلومية أهالي سيناء على حالها،
ويغرق الجميع فى مستنقع مراراتهم وحساباتهم الخاصة، ناسين الوطن وناسه ومستقبله،

وحين يحدث ذلك فإننا لا نستطيع أن نتفاءل كثيرا بالمستقبل، لأن خياراتنا ستصبح بين سلطة لا تحسن الإدارة ومعارضة لا تحسن التقدير،
كأنما دخل الاثنان في مسابقة لقلة الحيلة وقصر النظر،

 لقد نجحنا حقا في إطلاق سراح الجنود المختطفين لكننا رسبنا فيما عدا ذلك، الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إننا نجحنا في مادة واحدة لكننا رسبنا في الامتحان النهائي.
...............

Delete this element to display blogger navbar