Subscribe:

Ads 468x60px

28 فبراير، 2013

«التطبيع» مع السودان وليبيا


صحيفة السبيل الأردنيه الخميس  18 ربيع آخر 1434 -  28 فبراير 2013
«التطبيع» مع السودان وليبيا – فهمي هويدي

حين تتحدث التقارير الصحفية عن بوادر أزمة بين مصر والسودان أو عن غيوم وسحابات داكنة فى العلاقات المصرية الليبية، فإن ذلك يعد اقترابا من الخطوط الحمراء، لا ينبغي السماح به أو السكوت عليه.

 وكانت صحيفة «الحياة» اللندنية قد نشرت تقريرا (في 26/2) تحدث عن «انتقادات سودانية مبطنة لمصر».
وذكر أن بوادر أزمة ظهرت بين البلدين، بسبب عدم تطبيق مصر لاتفاق الحريات الأربع (التنقل والعمل والإقامة والتملك)،
ونقل على لسان مسؤول مصر في الخارجية السودانية عصام عوض قوله إن الحكومة المصرية ماطلت في إعادة 100 سيارة وأجهزة للتنقيب عن الذهب صادرها الأمن المصري من سودانيين اعتقلوا العام الماضي؛ لدخولهم الأراضي المصرية عن طريق الخطأ، وأفرجت القاهرة عن هؤلاء بعد تدخل الحكومة السودانية.

ورأى عوض أن مصر تلكأت في توقيع اتفاق الحريات الأربع لاعتراضها على حرية التملك والتنقل للفئات العمرية ما بين 18 و49 من الرجال السوادنيين تخوفا من أن تمثل تلك الفئة مشكلة أمنية.

كما ان القاهرة اعترضت على حرية التملك أيضا، موضحا أن مصر تطالب بأن يكون حق التملك حرا، بينما ملكية الأراضي في السودان تتم وفق قانون الحكر (بموجب عقد يكسب المحتكر بمقتضاه حق الانتفاع بالأرض لقاء أجر محدود)،

وأضاف أن مصر أظهرت عدم رغبتها في توقيع اتفاق بين الخرطوم والقاهرة لتبادل المجرمين،
كما تحدث عن موافقة الخرطوم على طلب مصر تأجيل افتتاح معبري قسطل ووادي حلفا البريين اللذين كان منتظرا تدشينهما مطلع مارس المقبل.

وأكد موافقة الحكومة المصرية على طلب السودان إلغاء كلمة الحدود الدولية في اتفاقية المعابر، مشيرا إلى أن الدولتين اتفقتا على الاكتفاء ببند خط عرض 22 كحدود بين البلدين لميناء قسطل ووادي حلفا، دون التطرق إلى أي موانئ أخرى، في إشارة إلى مثلث حلايب المتنازع عليه.

ولفت إلى قبول الجانب المصري اعتراض السودان على عبارة الحدود الدولية التي وردت في بروتوكول التعاون المشترك بينهما. قائلا «لو قبلنا بها كان ذلك سيعد اعترافا بحق مصر فى حلايب وشلاتين».

على صعيد آخر ذكر مسؤول مصر في الخارجية السودانية أن فتح ملف النزاع على مثلث حلايب والمناطق الحدودية مع مصر «مرجأ إلى حين» وان الوقت مازال غير مناسب للتعاطي مع القضية نظرا إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية بمصر، إلا أنه جدد تمسك حكومته بالمثلث على اعتبار كونه أرضا سودانية قائلا إننا«لن نجامل في حق السودان».

الأمر مع ليبيا أكثر تعقيدا، فقد تفجرت في الآونة الأخيرة قضية تأشيرات الدخول خاصة على المصريين الذين يعيشون في محافظة مرسي مطروح الحدودية، وهم الذين يرتبطون بعلاقات تاريخية، قبلية وعائلية، مع نظرائهم في الجانب الليبي.

 وهو ما دفعهم إلى قطع الطريق بين البلدين، ما أدى إلى توقف وتكدس مئات الشاحنات التي تنقل البضائع بين البلدين

وكانت السلطات الليبية قد أغلقت حدودها مع كل من مصر وتونس في الفترة ما بين يومي 14 و18 فبراير، وأبلغت السلطات المعنية في البلدين ان ذلك إجراء مؤقت اتخذ كاحتياط بسبب احتفالات ذكرى الثورة الليبية (في 17 فبراير)، خصوصا في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة داخل البلاد.

إلا أن فرض التأشيرات على سكان مطروح التي درج العمل على إعفائهم منها، أعطى انطباعا بأن هناك إجراءات جديدة من شأنها تعويق حركة الانتقال ووقف وتبادل المصالح على الجانبين.

 وفيما علمت فإن الخارجية المصرية تحركت بسرعة لمحاولة حل الإشكال. وقام السفير يوسف الشرقاوي نائب مساعد الوزير لشؤون المغرب العربي باتصالات عدة مع المسؤولين الليبيين، الذين وعدوا بإعادة الأمر إلى ما كان عليه، إلا أن الخارجية المصرية لم تتلق بيانا رسميا يؤيد ذلك.

فهمت أيضا أن رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل يوجه اهتماما خاصا للعلاقة مع ليبيا، وقد عقد في العاشر من فبراير الحالي اجتماعا خاصا لبحث هذا الموضوع، اتخذت فيه عدة قرارات مهمة لتفعيل علاقات البلدين، وتنشيط اللجان الأمنية والقضائية والبرلمانية المشتركة مع الجانب الليبي. إلا أن الطريق ليس ممهدا تماما أمام تلك الرغبات التي عبر عنها أيضا السيد محمد يوسف المقريف رئيس المؤتمر الوطني الليبي حين زار القاهرة في العام الماضي.

ذلك ان ثمة عوامل عدة كان لها تأثيرها السلبي على مسار تلك العلاقات. منها على سبيل المثال:

-
قلق السلطات الليبية من وجود بعض أنصار القذافي في مصر، وهؤلاء يتراوح عددهم بين 27 و150 شخصا (بعضهم لهم صلات بالدولة العميقة).
وهم يديرون استثمارات تقدر بأكثر من 20 مليار جنيه مصري. وثوار طرابلس يطالبون القاهرة بتسليمهم، لكنها لم تستجب لذلك لأسباب عدة أهمها أن التسليم له شروط دولية يجب مراعاتها، من بينها صدور أحكام إدانة نهائية بحق المطلوبين، وسلطات طرابلس ليست واثقة من أن هؤلاء ليس لهم علاقة بالاضطرابات الحاصلة في ليبيا.

-
مسعى بعض الأطراف الليبية للوقيعة وإثارة المخاوف بين البلدين، خصوصا ما كان منها مخاصما للتيار الإسلامي.
وكانت صحيفة «الديار» اللبنانية قد نشرت في يناير الماضي خبرا مدسوسا على لسان الدكتور هشام قنديل نسب إليه قوله: إن مصر لها حقوق تاريخية في إقليم برقة المتاخم لحدودها(ليبيا مكونة من ثلاث ولايات هي برقة وطرابلس وفزان) وهو ما كذبته القاهرة بسرعة.
كما ان السيد محمود جبريل رئيس تحالف القوى الوطنية الليبي (علماني ليبرالي) ادعى على شاشة التليفزيون أن الإسلاميين الذين يحكمون في مصر وتونس يتطلعون إلى النفط الليبي لإنقاذ بلديهم من أزمتهما الاقتصادية، وأنهم لن يترددوا في استخدام القوة المسلحة لأجل ذلك.
-
القلق من الهجرة غير المشروعة وتهريب السلاح والبضائع عبر الحدود.

حين تلوح أية غيوم في علاقات مصر بالشقيقتين الأقرب في السودان وليبيا، فذلك أمر ينبغي أن يعالج بمنتهى السرعة والحسم.

وأيا كانت النوايا الطيبة التي تحرك الجهود الحاصلة الآن في ذلك الاتجاه، فالشاهد انها غير كافية، لأن الوضع الاستثنائي للبلدين في الرؤية الاستراتيجية المصرية، يتطلب جهدا استثنائيا في «تطبيع» العلاقات معهما.
........................

27 فبراير، 2013

ارفعوا أيديكم عن الجيش

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء  17 ربيع آخر 1434 -  27 فبراير 2013
ارفعوا أيديكم عن الجيش – فهمي هويدي

انتقلنا من مرحلة استنفار الجيش وتحريضه إلى مرحلة الجهر باستدعائه.

وبعدما ظلت الهتافات تردد في الفضاء المصري هتاف «يسقط.. يسقط حكم العسكر»،
وجدنا أصواتا متزايدة ترفع الآن شعار «العسكر هم الحل».

وفي حين كانت تلك الأصوات تصدر عن بعض الهواة المحدثين في عالم السياسة والصحافة. فإننا فوجئنا أخيرا ببعض السياسيين المحترمين يدخلون على الخط،
الأمر الذي يدعونا إلى أخذ الكلام على محمل الجد، لأنني أزعم أن هذا موضوع لا يحتمل الخفة أو الهزل.

وأذهب في ذلك إلى أنه إذا كان هناك حديث نبوي يتحدث عن ثلاث هزلهن جد وجدهن جد (الزواج والطلاق والعتاق)، فإن ثمة أمورا في عالم السياسة ينطبق عليها ذات الكلام، منها الجيش والعسكر.

ذلك أن المسؤولية الوطنية والمصلحة العليا للبلد تفرض على الجميع أن يتوخوا الحذر في الخوض في الموضوع، هازلين كانوا أم جادين.

أدري أن بعض الأصوات تثير المسألة في نقطة وسط بين الهزل والجد، هي نقطة الوقيعة والكيد.
 بمعنى أن أصحابها لا يهزلون كما أنهم ليسوا جادين في الدعوة لاستدعاء الجيش وتسلمه للسلطة، ولكنهم يريدون الوقيعة بينه وبين السلطة أو بينه وبين الإخوان.

وقد كان ذلك التصنيف في ذهني إلى أن قرأت ما نسب إلى القيادي الإخواني الذي نقل عنه قوله إن المجلس العسكري دبر حادث الهجوم على الضباط والجنود
(الذين قتل منهم في رفح 16 شخصا خلال شهر رمضان الماضي)،
 لإحراج الرئيس محمد مرسي، وهي القصة التي نشرتها جريدة «الشروق» يوم الاثنين 25/2،
وذكرت أنها حصلت على شريط «فيديو» لمحاضرة ألقاها القيادي المذكور، على إخوان كفر الدوار (محافظة البحيرة) في نهاية الشهر الماضي،
وكانت تلك الإشارة ضمن ما قاله.

وإذا كان ذلك صحيحا فإنه يضيف تصنيفا آخر يتمثل في الخطاب غير المسؤول، الذي لا هو هازل ولا هو جاد ولا هو ساع إلى الكيد والوقيعة.
ولكنه مؤيد للسلطة وله موقعه داخل الإخوان، لكنه حين أراد أن يدافع عن الدكتور مرسي، فإنه قال هذا الكلام بحسن نية شديد، ولم ينتبه إلى أنه جرح الجيش وأساء إليه، بما يستحق التصويب فضلا عن الاعتذار عنه.

لي في مسألة المطالبة باستدعاء الجيش عدة ملاحظات هي:

< إنها دعوة ضد التاريخ وضد الديمقراطية. ذلك أن أي حكم رشيد يبدأ بإقصاء العسكر وإخراجهم من ملعب السياسة، تمهيدا لتولي الشعب المهمة من خلال مؤسساته الديمقراطية والدستورية.
وللعلم فإن هذه المعركة لم تكسبها تركيا إلا بعد مضى 40 عاما من النضال السياسي.

< إن الجيش المصري ظل بمنأى عن الصراع السياسي طول الوقت. ولم يحدث أن تدخل لصالح طرف ضد طرف آخر. لأن ثقافته وعقيدته العسكرية جعلت منه جيشا وطنيا محترفا بمعنى أنه حارس للوطن بالدرجة الأولى،
 وربما كان ذلك واضحا في خطاب وزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسي الذي حذر فيه ذات مرة من انهيار الدولة التي هو حارس لها. وفي غير ذلك فإنه يظل بعيدا عن أية صراعات سياسية.

< إن تجربة المرحلة التي تولى فيها المجلس العسكري السلطة في مصر لم تكن مشجعة، لأن إدارة البلد عرضت الجيش وقيادته لسهام كان في غنى عنها، ووضعت الشرطة العسكرية غير المدربة على التعامل مع الجماهير في المظاهرات في مواقف أساءت إليها وكانت بدورها في غنى عنها.

< إن الجيش المصري بعد الثورة يشهد تطورات كبيرة من شأنها استعادة شبابه ورفع قدراته المهنية والاحترافية.
ولأن وزير الدفاع يولي هذه المهمة أولوية قصوى فإنه يبدأ عمله كل يوم في الخامسة والنصف صباحا، في حين أن رئيس الأركان لا يغادر مكتبه قبل الواحدة بعد منتصف الليل.

وتبرز أهمية ذلك التوجه إذا لاحظنا أنه طوال سنوات حكم مبارك الثلاثين كان الاهتمام بالشرطة يحظى بالقسط الأكبر من الاهتمام لأنه ظل الحارس الحقيقي للنظام الذي اعتمد عليه في قمع المعارضين وتزوير الانتخابات وترتيب التوريث.

< إن الذين يدعون إلى تدخل الجيش لمجرد إسقاط ما يسمونه حكم الإخوان، لا يقحمونه فقط في الصراع السياسي ولا يقدمون لنا تصورا لما يمكن أن يحدث في اليوم التالي فقط ومن ثم يسلموننا إلى مجهول لا يعرف إلا الله تداعياته، وإنما الأخطر من ذلك والأسوأ أنهم يسعون إلى توريط الجيش في معركة فرعية وتكتيكية، مضحين في ذلك بالدور المحوري والاستراتيجي الذي ينهض به الآن مستهدفا به استعادة عافيته ورفع كفاءته ومهنيته.
كأنهم باتوا مستعدين لإسقاط حكم الإخوان بأي ثمن، حتى إذا كان ذلك على حساب الجيش ومستقبله.
الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل عما إذا كانت تلك الدعوة لأجل الثورة أم لصالح خصومها.
......................

26 فبراير، 2013

في الدعوة لإسقاط نظام مبارك – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  16 ربيع آخر 1434 -  26 فبراير 2013
في الدعوة لإسقاط نظام مبارك – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

من مفارقات حياتنا في مصر أن بعض الأصوات أصبحت تنادي بإسقاط النظام الذي استجد في البلد، في حين أننا لم نتخلص بعد من النظام القديم الذي ثرنا عليه.

(1)

لم أصدق عيناي حين وقعت في ذلك الصباح على خبر يقول إن مجموعة من الناشطين أطلقوا مبادرة عنوانها «وطن بلا تعذيب»، لأنني تصورت أن هذا موضوع حسم قبل سنتين، منذ اليوم الأول للثورة.

وقلت إن ثمة أهدافا للثورة تحتاج إلى وقت طويل لتحقيق (العدالة الاجتماعية مثلا)، أما مسألة التعذيب، وغيرها من الأمور التي تتعلق بالكرامة الإنسانية. فإنها من الأمور التي يفترض أن تتوقف على الفور. إلا أن الشواهد دلت على أن الأمر ليس بهذه السهولة. لأن تقارير التعذيب التي توالت خلال الآونة الأخيرة اتفقت على أن الظاهرة لا تزال مستمرة، وأن مدرسة التعذيب لا تزال تمارس نشاطها، خصوصا في الأماكن البعيدة عن الأعين (في معسكرات الأمن المركزي مثلا).

على الأقل فهذا ما سجلته ثلاثة مراكز حقوقية معنية بالموضوع، هي مركز النديم والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان.
وقد تابع كثيرون في الأسبوع الماضي على شاشات التلفزيون حلقة برنامج الزميل يسري فودة، التي خصصها لفضح ممارسات التعذيب التي تتم على أيدي عناصر الأجهزة الأمنية، التي لا تزال تعيش زمن وأساليب نظام مبارك والعادلي.

لن أختلف مع من يقول إن ثمة اختلافا في نطاق التعذيب في العهدين، فهو إذا كان قاعدة قبل الثورة. فإنه أصبح استثناء بعدها.

وهذا حق لا ريب، يرد عليه بأننا لم نكن غاضبين على حجم التعذيب ومداه، ولكننا كنا ومازلنا نرفضه من حيث المبدأ. فقليله مرفوض ومستهجن كما أن كثيره كذلك.

ذلك أن تعذيب أي مواطن هو إهانة لكل المواطنين، وقد سبق أن قلت إنه قياسا على النص القرآني الذي يقرر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، باعتباره عدوانا على الحق في الحياة، فلنا أن نقول نفس الشيء بالنسبة لمن عذب إنسانا، لأن ذلك يشكل عدوانا على الحق في الكرامة، الذي كفله الله سبحانه لكل بني البشر (ولقد كرمنا بني آدم).

أيا كان حجم التعذيب الحاصل، فمجرد استمراره بعد سنتين من قيام الثورة يعد أمرا مشينا يشوه صفحتها، ويؤكد أن سياسات النظام القديم وأساليبه لم تتغير في ذلك القطاع المهم.
وهو ما يثير سيلا من الأسئلة، بعضها يتعلق بتجذر تلك السياسات وصعوبة اقتلاعها،
وبعضها يتعلق بموقف قيادات الأجهزة الأمنية ومدى استعدادهم لتغير تلك السياسات.
ومن ثم مدى تجاوبهم مع الثورة التي قلبت نظاما كانت تلك الأجهزة سنده الحقيقي وسلاحه في مواجهة المجتمع.

وهناك سؤال مهم آخر حول قدرة الرئيس على إعادة هيكلة تلك الأجهزة لتصبح أكثر تجاوبا والتزاما بقيمة النظام الديمقراطي الجديد.
وهذه نقطة دقيقة وحساسة تحتاج إلى وقفة خاصة.

(2)

أستشهد هنا بما قاله الرئيس محمد مرسي يوم السبت الماضي (2/22) عن الصعوبات الجمة التي تعترض عملية إعادة بناء المؤسسات في مصر وقوله إن دونها عقبات جسام يتعين التعامل معها، ولست متأكدا من أنه يعني الأجهزة الأمنية تحديدا، أم أنه يتحدث عن موقف الجهاز البيروقراطي العتيد في مصر.

لكنني أسمح لنفسي أن أقول بأن استمرار النظام السابق لثلاثين عاما متصلة، مكنه من أن يترك بصمات قوية على ذلك الجهاز، ودلت تجربة ما بعد الثورة أن تلك البصمات أعمق مما كان متصورا، كما أن امتداداته وأصابعه لم يكن من السهل بترها بمجرد سقوط رأس النظام. وهذه الامتدادات ليست كامنة فحسب، ولكنها متحركة أيضا.

وغني عن البيان أن حركتها لا تصب في صالح تأسيس النظام الجديد، وإنما العكس هو الصحيح لأن القرائن المتوافرة دلت على أن تلك الأصابع الموزعة على بعض أجهزة الدولة المهمة عملت على تعويق المسيرة وليس الإسهام في انطلاقها.

هذه نقطة مهمة وحساسة، ينبغي أن يشار إليها بقدر ما ينبغي عدم التفصيل فيها لأسباب أرجو أن تكون مفهومة.
 وهذه المعادلة تسوغ لي أن أكتفي بالإشارة إلى أن أطرافا في بعض أجهزة الدولة تبنت مواقف وثبت ضلوعها في ممارسات مناهضة للنظام الجديد.
تشهد بذلك قصة الضابط رفيع الرتبة الذي يعمل في أحد الأجهزة السيادية وألقي القبض عليه في مظاهرات الإسكندرية.
كما تبين أن هناك اختراقات غير محمودة لبعض تلك الأجهزة لم توفر شعورا كافيا بالاطمئنان إلى تمام ولائها.

وهذه الملابسات تستدعي إلى أذهاننا فكرة «الدولة العميقة» التي عرفتها تركيا، ولا تزال حكومة حزب العدالة والتنمية منذ عشر سنوات تحاول تتبع خيوطها وكشف أصابعها المبثوثة في مفاصل الدولة وأجهزتها الحساسة.

ذلك أن خبرة الأشهر التي خلت والممارسات التي تمت خلالها أكدت بما لا يدع مجالا للشك وجود ركائز للدولة العميقة في مصر، جمعت أشتات الذين أضيروا من قيام الثورة وخصوم التوجه الإسلامي.
وهؤلاء خليط من رجال الأجهزة الأمنية وأعضاء الحزب الوطني الذي هيمن طوال عهد مبارك الذين تحولوا إلى مراكز قوة في تلك المرحلة، فضلا عن بعض رجال الأعمال المحسوبين على ذلك النظام، إضافة إلى شخصيات نافذة في عالم البلطجة. وثمة لغط مثار حول مصادر تمويل الناشطين في ذلك المجال، داخلية كانت أم خارجية.

(3)

قبل أسابيع قليلة نشرت إحدى الصحف أن الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء سمح لرجال الشرطة أن يستخدموا الرصاص الحي ضد المتظاهرين.
وفوجئ الرجل بذلك لأن الخبر كان مكذوبا من أساسه، فقدم بلاغا إلى النيابة العامة ضد الجريدة طالبا فيه التحقيق في ادعائها.
وقال لي إنه استغرب ليس فقط لإقدام الجريدة على اختلاق الخبر، ولكن لأن بلاغه لم يتم التحقيق فيه، الأمر الذي دفعه إلى الاتصال بوزير العدل ليستفهم منه عن سبب تجاهل بلاغه.

نفس الشيء حدث مع وزير التنمية المحلية الدكتور محمد علي بشر الذي نقلت الجريدة ذاتها على لسانه اتهامه للحكومة بأنها عاجزة، ولأن الكلام لم يصدر عنه، فإنه قدم بلاغا مماثلا إلى النيابة. لقي نفس مصير بلاغ الدكتور هشام قنديل.

هذا النوع من الأخبار المكذوبة، أصبح أحد الأسلحة المستخدمة في تسميم الأجواء وإشاعة البلبلة في المجتمع.
إذ منها ما يسعى إلى استثارة الجيش وإقحامه في الصراع السياسي
والتلويح بإقالة قادته وفي مقدمتهم الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع،
ومنها ما يتحدث عن مخططات أخونة الشرطة والجيش، أو يروج للتقارير التي تستهدف التخريب والترويع تارة، واغتيال بعض الشخصيات تارة أخرى.

ولحبك العملية فإن ذلك يتم من خلال اصطياد مجهولين أو ملتاثين يتبنون هذه المواقف.
هذا بخلاف الشائعات عن «قطرنة» مصر، وبيع قناة السويس لقطر، وتسليم سيناء لحركة حماس، وغزو إيران لمصر،

وقد سمعت من مسؤول بالدولة أن رئيس الجمهورية الإيرانية أحمدي نجاد حين جاء إلى القاهرة للمشاركة في القمة الإسلامية، فإنه أحضر معه 70 مليون دولار محملة في حقائب وسلمها إلى السفارة الإيرانية بالقاهرة لاستخدامها في مخططات الغزو والاختراق المزعومة.
ولم تدهشني الشائعة بقدر ما استغربت تصديق الرجل لها، وهو المسؤول المحترم.

كنت قد رصدت تلك الوقائع في أحد الأعمدة قبل عشرة أيام، وقلت إنها صدى للمعارك التي خاضها إعلام مبارك، الذي أدار ظهره لما يقوم به الأمريكيون والإسرائيليون في مصر، واعتبر أن خصومته ومعركته الإستراتيجية هي ضد الإسلاميين في الداخل وضد حماس وإيران وقطر في الخارج.

 وأردت بذلك أن أنبه إلى أن إعلام مبارك لا يزال حاضرا وفاعلا في مصر بعد الثورة، وأن أبواقه لا تزال تواصل بثها في ذات المسارات التي حددها نظامه، الأمر الذي لم يمكن للأصوات الوطنية والمستقلة من أن تعبر عن الواقع الذي استجد بعد الثورة، وفاقم المشكلة أن بعض معارضي النظام لجأوا إلى تطبيع علاقاتهم مع إعلام مبارك، فاستخدموا منابره لرفع أصواتهم وتوصيل رسالتهم، وتصور بعضهم أنه يدافع عن أهداف الثورة، في حين أنه يتحرك في حضن الثورة المضادة.

(4)

ما سبق ذكره يسلط بعض الضوء على جوانب من مخلفات النظام القديم وصعوبات إقامة النظام الجديد، ولست أشك في أن تلك الخلفية لها أثرها في تعقيد حسابات الرئيس محمد مرسي وبطء حركته وربما في تردده.
ولا أعرف بالضبط إلى أي مدى أثرت على قراراته.

وفي هذا الصدد فلا مفر من الاعتراف بأننا لا نكاد نرى في تلك القرارات ما يعبر حقا عن تطلعات الثورة، ذلك أنها وباستثناء قرار حل المجلس العسكري بدت إصلاحية في عمومها،

ومن ذلك النوع الذي يمكن أن يصدر عن أي حكومة حسنة النية، ودونما حاجة إلى ثورة تطيح برأس النظام وتزلزل قواعده، وتسيل فيها دماء ويسقط شهداء كثر جراء ذلك.

ذلك كله لا يعفي الرئيس محمد مرسي وإدارته من المسؤولية، لأنه من الطبيعي أن تواجه الثورة تحديات داخلية وخارجية (دولية وإقليمية) أثناء سعيها لإقامة النظام الجديد.
وفي هذه الحالة تقاس الكفاءة بمعيار قدرة النظام الذي أفرزته الثورة على مواجهة تلك التحديات.

ورغم أن ثمانية أشهر من حكم الرئيس محمد مرسي لا تكفي للحكم على تجربته، إلا أن خبرة الأشهر الثمانية كشفت عن ثلاث ثغرات أو عورات أساسية أحسب أنها عوقت بدورها التقدم صوب إقامة النظام الجديد، وهذه العورات تتمثل فيما يلي:
غياب الرؤية ــ قلة الخبرة ــ سوء التقدير.

وبسبب غياب الرؤية وجدنا الرئاسة تمضي على ذات الطريق الذي رسمه النظام السابق، وذلك أوضح ما يكون في السياسة الاقتصادية التي علقت الآمال على الاقتراض من صندوق النقد الدولي وعلى دور رجال الأعمال في صناعة القرار السياسي.

وبسبب الخبرة ارتبكت عملية صناعة القرار ولم تنجح الرئاسة في مخاطبة الرأي العام والتواصل معه. الأمر الذي غيب الشفافية عن الكثير من ممارساتها.

وبسبب سوء التقدير انقسم الصف الوطني وفشلت مساعي التوافق مع بقية القوى السياسية، الأمر الذي أضعف موقف الرئيس بل أضعف موقف الثورة كلها سواء في مواجهة فلول النظام السابق أو قوى الضغط في الخارج.

الأفق ليس مسدودا كما يبدو لأول وهلة. إذ لا يزال أمام الرئيس مرسي مهمتان لكي يتقدم على طريق إقامة النظام الجديد.

الأولى عاجلة تتمثل في إطلاق مبادرات تستلهم روح الثورة وأهدافها خصوصا ما تعلق بتحقيق العدل الاجتماعي ومواجهة مشكلتي العشوائيات والبطالة، أو ما تعلق بتطبيق الحد الأدنى والأقصى للأجور، أو باستصلاح الأراضي وتوزيعها على الفلاحين...الخ.

أما المهمة الثانية والآجلة فتتمثل في تفكيك مؤسسات الدولة القديمة وإعادة هيكلتها، والعمل على استثمار الطاقات والخبرات والإمكانيات الوطنية المحلية واعتبارها قاطرة التنمية والاستقلال الاقتصادي.

وهذه مجرد أمثلة استلهمتها مما سمعته من خبراء ناقشتهم في مخارج الأزمة التي تمر بها مصر، في المقدمة منهم الدكاترة حازم الببلاوي ومحمد محسوب وعماد الدين شاهين وحامد الموصلي.

ولست أشك في أن الإنصات إليهم هم وأمثالهم يمكن أن يثري محاولة العثور على ضوء نهتدي به في مسعى إسقاط نظام مبارك، وإجهاض الدعوة للانتحار ووأد النظام الجديد.
...................

Delete this element to display blogger navbar