Subscribe:

Ads 468x60px

31 يناير، 2013

في تفسير رفض الحوار


صحيفة الشرق القطريه الخميس  19 ربيع أول 1434 -  31 يناير 2013
في تفسير رفض الحوار – فهمي هويدي

هل المعارضة المصرية حريصة حقا على التوصل إلى وفاق وطني أم لا؟

هذا السؤال يطرح نفسه بعدما توالت البيانات والتصريحات التي أطلقها بعض رموز المعارضة في الآونة الأخيرة، وهي التي رفضت الحوار أو وضعت شروطا تعجيزية له.

وقد أعطاني ذلك انطباعا بأن أجواء ذكرى 25 يناير وخروج جموع الغاضبين إلى الميادين والشوارع دفعت البعض إلى ركوب الموجة والمزايدة على الجميع والاستقواء بالشارع ومحاولة إحداث انفلات في البلد يمكن أن يكرر ما حدث إبان الثورة،
ويؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام لصالح المنافسين المتربصين.

ولذلك ارتأى هؤلاء أن التسخين والتصعيد يمكن أن يحققا هذه النتيجة.
ولذلك فلا داعي لإجراء أي حوار، لأن التوافق من شأنه أن يطيل من أجل النظام الذي قرروا أنه على وشك السقوط أو أنه مؤهل لذلك.

لا أستطيع أن أتجاهل أن الدكتور مرسي يتحمل قسطا من المسؤولية عن تعثر الحوار أو إساءة الظن به، هذا إذا صح ما قيل من أنه سبق له أن اتفق قبل انتخابه رئيسا مع عدد غير قليل من المثقفين الوطنيين على أمور لم يف بها، ولم يفسر لهم السبب في ذلك.
وذلك غير ما جرى في الحوار الوطني الذي دار أخيرا، ثم أعلن ممثل للإخوان بأن الجماعة غير ملزمة به، الأمر الذي حول الحوار إلى ثرثرة على مقهى لا طائل من ورائها.

هذه خلفية ينبغي أن تذكر، لأنها أسهمت في إضعاف الحماس لفكرة المشاركة في الحوار.

لكنني أفرق بين إضعاف الحماس للفكرة وبين إغلاق الباب أمام الحوار ومقاطعته،
كما أفرق بين مناخ الشد والجذب الذي كان سائدا في مرحلة،
وبين نزول الجماهير إلى الشارع وتحول الشد والجذب بين القوى السياسية إلى إصابة الحياة بالشلل في القاهرة ومدن أخرى،
وإلى تخريب وتدمير وترويع، وتحول التراشق بالحجج والاتهامات، إلى تراشق بقنابل المولوتوف والخرطوش، وهو ظرف انفلت فيه العيار على نحو يتعين التعامل معه بما يستحقه من مسؤولية تفرض المسارعة إلى احتواء الحريق وليس إلى تأجيج ناره وتوسيع نطاقه.

إن الرئيس مرسي يواجه في الوقت الراهن مشكلتين وليس مشكلة واحدة.
الأولى مع قوى المعارضة التي تتحداه مستقوية في ذلك بالجماهير المحتشدة في الميادين والشوارع، وبالمنابر الإعلامية الصحفية والتليفزيونية التي اصطفت في الجانب المخاصم له.

 المشكلة الثانية هي مع المجتمع الذي ارتفع سقف توقعاته عاليا بعد قيام الثورة لكنه لم يلمس إنجازا يخفف من معاناته ولم يتلق وعدا بتحقيق حلمه في المستقبل.
وليس صحيحا أن الجماهير خرجت استجابة لدعوات قوى المعارضة ورموزها، وإنما الأصح أن الجماهير التي احتشدت في ذكرى الثورة لكي تجدد مطالبتها بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية،
ثم صعدت على أكتافها الأحزاب والجماعات السياسية لكي تطالب بإسقاط الحكومة وتعطيل الدستور وحل مجلس الشورى ومنع أخونة الدولة وتقنين وضع الإخوان.

 أو قل إن الجماهير ما إن خرجت إلى الميادين مطالبة بحقوقها ثم فوجئت بأحزاب المعارضة وقد نصبت منصتها وسط ميدان التحرير وراحت تبث خطابها الذي لم تكن الجماهير معنية به.

وأزعم في هذا الصدد أن الرئيس مرسي لو استجاب لمطالب أحزاب المعارضة لما أدى ذلك إلى انسحاب الجماهير من الميادين وعودة المتظاهرين إلى بيوتهم.
وهو ما يعيدنا مرة أخرى إلى معادلة النخبة الافتراضية التي تحتل الفضاء والأضواء طوال الوقت، والجماهير الحقيقية الثابتة على الأرض ولا تسلط عليها الأضواء إلا في المناسبات.

لقد سمعت أحدهم مرة يقول في برنامج تليفزيوني إن مطالب مجموعته هي مطالب الشعب، وهو ادعاء لا دليل عليه، لأن من وصفتهم بأنهم يمثلون النخبة الافتراضية هم اختيار الآلة الإعلامية وليسوا اختيار الشعب.
ولن يكتسبوا شرعية إلا إذا احتكموا إلى الآلة الديمقراطية التي تحدد لنا أوزانهم الحقيقية وماذا يمثلون في نظر الشعب.

في أجواء الهرج السائد، اختلطت الأوراق وأوهمتنا الآلة الإعلامية بأن مطالب النخبة الافتراضية هي ذاتها مطالب الشعب، وأن الاستجابة لدعوات إبطال الدستور وتقنين الجماعة وحل مجلس الشورى هي ما يحقق للثورة أهدافها، ذلك من قبيل التغليط السياسي الذي يوظف لصالح صراع الأنصبة والحظوظ والتنافس على الكراسي، ولا علاقة له بالثورة وأهدافها.
وهو ما يفسر لنا لماذا يحرص البعض على رفض الحوار ووضع شروط تعجيزية للمشاركة فيه رغم الحاجة الملحة إليه اليوم قبل غد.
..............

30 يناير، 2013

أسئلة الميليشيات


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء  18 ربيع أول 1434 -  30 يناير 2013
أسئلة الميليشيات – فهمي هويدي

أمس الأول (الأحد 28/1) نشرت صحيفتا «الشروق» و«المصري اليوم» خبرا خلاصته أنه تم إلقاء القبض في ميدان التحرير على عامل زراعي عمره 30 عاما (مقيم بمحافظة الشرقية) اسمه محمد. ف وبحوزته طبنجة صوت و50 طلقة ومبلغ مالي 400 جنيه.

 وأثناء استجوابه اعترف بانضمامه حديثا إلى حركة «بلاك بلوك» (الكتلة السوداء) وأنه حصل على السلاح من شخص يدعى عبده، وكان في طريقه لتسليمه إلى شخص آخر يدعى مكي مقابل 2500 جنيه للطبنجة و400 جنيه للطلقات.

كما اعترف بشرائه طلقات خرطوش من ذات الشخص أكثر من مرة وبيعها إلى المعتصمين والثوار بميدان التحرير.
ومما ذكره أثناء الاستجواب أن انضمامه إلى الحركة المذكورة تم بواسطة شخصين أحدهما باسم أ.ج مقيم بشارع فيصل بالجيزة. وم.ب من حركة 6 أبريل.

في اليوم نفسه، نشرت صحيفة «الوطن» أن حركة بلاك بلوك ذكرت في بيان نشرته على صفحتها على موقع «فيس بوك» أن أعضاءها تلقوا تدريبات ميدانية للمشاركة في كافة الفعاليات التي شهدتها مصر خلال العامين الماضيين.
وأن عددهم يربو على عشرة آلاف على مستوى الجمهورية، وهدفهم الأساسي هو مهاجمة مقار الإخوان.

كانت صحيفة «الوطن» قد نشرت صفحة كاملة عن المجموعة الجديدة في عدد الأحد 27 يناير، ذكرت في تقديمها أن الـ«بلاك بلوك» نتاج طبيعي لاستبداد نظام الإخوان..

وتضمنت الصفحة حوارا مع أحد مؤسسي الحركة (طالب بكلية الإعلام من أبناء المحلة الكبرى اسمه شريف الصرفي) نقل عنه قوله إن: دم الشهيد هو الهدف الأول والأخير.. وأن الحكومة لن تنعم بالنوم إن لم نجد القصاص يطبق على الأرض.
وإذا لم يتحقق ذلك «فالقادم أسوأ».

يوم الثلاثاء 29/1 أبرزت صحيفة المصري اليوم على رأس صفحتها الثالثة تقريرا عن اجتماع لبعض عناصر المجموعة بالقاهرة من عناوينه: ثورتنا ضد الإخوان ــ و.. تشكيل مجموعات منظمة لأداء عمليات محددة ضد النظام وليس ضد مؤسسات الدولة.

وفي التقرير قال أحدهم إن العنف المستخدم ضد النظام له ما يبرره،
وقال آخر إنهم يوم الخميس الماضي نفذوا مهام محددة «كان من بينها تحطيم محلين تجاريين لشركة مؤمن (لبيع الأطعمة والسندوتشات) في منطقة باب اللوق، ومتجر «التوحيد والنور» للاحتياجات المنزلية في شارع نوبار.
وعلق على ذلك قائلا : إن هدفنا يقتصر على إسقاط نظام الإخوان بمقاره وشركاته ومحلاته وحماية المتظاهرين فقط.

أما صحيفة «الوطن» التي صدرت في اليوم ذاته فقد أبرزت على الصفحة الثالثة تقريرا إخباريا تحت عنوانين هما: بلاك بلوك تتحدى مرسي: فقدت شرعيتك وانتظر ردنا ــ بلاك ماسك (القناع الأسود) سنصفي جسديا من يقترب من الإعلاميين والإنقاذ.

وفي التقرير أن المجموعتين أصدرتا بيانا قالتا فيه إن تهديداتك وصلت إلينا، وانتظروا ردنا.
وقالت الكتلة السوداء إنها حددت قائمة بمنشآت الإخوان المستهدفة تضمنت ما يقرب من 45 مؤسسة وشركة إضافة إلى مقرات حزب الحرية والعدالة.
وهددت حركة القناع الأسود بأنها ستلجأ إلى «التصفية الجسدية» لكل قيادات «المتأسلمين»، إذا جرى المساس بأي شخصية من قيادات جبهة الإنقاذ أو الأقباط أو الإعلاميين.

على صفحة داخلية أفردتها الوطن لمجموعة بلاك بلوك في الإسكندرية، قالت إنهم يعتبرون أنفسهم «درع الثورة وحماتها».
وأجرت حوارا مع من اعتبرته قائد المجموعة بالمحافظة قال فيه صراحة: هدفنا إسقاط نظام الإخوان،
وفهمنا أن المجموعة لها ثلاثة أذرع، مسؤول الذراع الأولى قال ما نصه: عرض علينا أكثر من مرة من قبل بعض رجال الأعمال تسليحنا ومدنا بأي شيء نريده ولكننا رفضنا هذه الفكرة تماما.

قد يرى البعض أن من الكلام السابق ذكره ما لا يستحق أن يؤخذ على محمل الجد. وهو ما لا أستبعده، لكنني أزعم أنه لا ينبغي أيضا تجاهله. أن تستوقفنا فيه ثلاثة أمور

الأول خطورة بعض المعلومات المعلنة التي تحدثت عن هدف التخريب أو الذين يتولون تجنيد الأعضاء أو الدور الذي يؤديه بعض رجال الأعمال في المشهد..

الثاني وقوف الأجهزة الأمنية موقف المتفرج من الممارسات المعترف بها،

أما الثالث فهو الحفاوة الإعلامية الشديدة بها، وكذلك ترحيب المعارضة بظهور المجموعة وسكوتها على ممارساتها وخطابها.

وحتى إذا كانت المسألة كلها مجرد فرقعة في الهواء، فإن تلك الحفاوة وذلك الترحيب من دلائل التردي الذي وصلت إليه الخصومة السياسية، الذي أصبح البعض في ظلها مستعدا لإحراق البلد لمجرد الخلاص من الإخوان.

للأمن دور ينبغي أن يؤديه في هذا الصدد ولابد أن ندهش إذا ما تقاعس عنه. لكني أدعو مجلس الشورى إلى تقصي الحقيقة في ظاهرة العنف وإرهاصات الفاشية التي تلوح في الأفق.

إذ من الأمور العبثية أن يستمر الحديث عن ميليشيات للإخوان وأخرى لمن يسمون أنفسهم حازمون وثالثة باسم الحرس الثوري المصري وأخيرا عن الكتلة أو القناع الأسود.
ثم نظل نحن تائهين وغير فاهمين لحدود الجد والهزل فيه، ولا يبقى بين أيدينا غير منابر الإعلام غير البريء الذي نسي المهنة وأصبح طرفا في الخصومة والكيد والتدليس.
..............

29 يناير، 2013

بانتظار مبادرة شجاعه لمواجهة الأزمة – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  17 ربيع أول 1434 -  29 يناير 2013
بانتظار مبادرة شجاعه لمواجهة الأزمة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

حتى إذا بدا الأفق مسدودا والاحتقان في مصر على أشده والانقسام حتى النخاع، فإن الأزمة ليست بلا حل.

(1)

لئن قيل إن فهم المشكلة يمثل نصف الطريق إلى حلها، فإن ذلك ينطبق على ما نحن بصدده أيضا.
وفي محاولة الفهم ينبغي أن نضع في الاعتبار ما يلي:

< إن ما تشهده مصر الآن أقرب إلى الهزات الأرضية التي تظل تتوالى بعد حدوث الزلزال، الأمر الذي لا ينبغي له أن يصدمنا،
حيث أكرر ما سبق أن قلته من أن ذلك من طبائع فترات الانتقال التي تعقب الثورات وما تستصحبه من تحولات كبرى تستهدف بناء نظام جديد فوق أنقاض ومخلفات النظام السابق.

< إن الثورة تسلمت مصر بعدما تم تدميرها على مختلف الأصعدة.
نلمس ذلك في كلام وزير النقل حين قال إن 85٪ من قطارات السكة الحديد انتهى عمرها الافتراضي.
وحديث وزير الصحة عن انتهاء العمر الافتراضي لأربعة آلاف مستشفى.
 وتصريح وزير الشباب بأن 42٪ من المواطنين محرومون من الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والصرف الصحي والمياه النظيفة.
وهو ما أكده وزير المرافق الذي نشر على لسانه قوله إن 50٪ من قرى مصر محرومة من الصرف الصحي، الأمر الذي يعني أن صحة 40 مليون مصري في خطر.

وقبل أيام سمعت من وزير التربية والتعليم أنه يحاول جاهدا معالجة آثار الانهيار إلى حل في قطاع التعليم بسبب تراكمات وإهمال السنوات السابقة، حتى باتت الوزارة بحاجة إلى 50 مليار جنيه لكي تؤدي وظيفتها بشكل مرض يطمأن إليه.
وهذه مجرد أمثلة فقط ترسم ملامح التركة الثقيلة التي يتعين على النظام الجديد أن يتحمل عبئها.

< إن الخراب تجاوز قطاعات الخدمات والإنتاج وإنما طال أكثر مؤسسات الدولة، وأصاب في مقتل الحياة السياسية فيها.

وهذه الأخيرة تهمنا لأنها وثيقة الصلة بالأزمة الراهنة للثورة المصرية.
ذلك أن التدمير الذي أحدثه النظام السابق لم يكتفِ بتقزيم بعض الأحزاب السياسية وإصابتها بالإعاقة، وتحويل البعض الآخر إلى أبواق للسلطة وأجنحة للحزب الحاكم فحسب،
وإنما أدى إلى تشويه علاقات القوى السياسية، وحرق البدائل المستقبلية للنظام.

وكانت نتيجة ذلك التشويه والإخصاء ــ إذا جاز التعبير ــ إن القوى السياسية التي ظهرت بعد الثورة بدأت الرحلة من الصفر.
فلم تبلور مشروعا، ولم تألف العمل مع بعضها البعض، حيث لم تكن هناك حياة أو ممارسات ديمقراطية تسمح بذلك. فلا تبادلت الثقة فيما بينها، بل وأساءت الظن ببعضها البعض.

< هذه الخلفية تفسر لنا لماذا كانت الثورة بلا مشروع وبلا قيادة أو زعامة، لأن الممارسة والسياسة بأشكالها وأوعيتها هي المختبر الذي يتم من خلاله اكتشاف القيادات وإنضاج خبراتها.

وهو ما يدعونا إلى القول إن الذين تصدروا واجهات السياسة بعد الثورة لم يكونوا مبرأين من التشوهات التي أصابت رؤى وعلاقات القوى السياسية في ظل النظام السابق،

 كما أنهم كانوا عديمي الخبرة السياسية، حيث ظلوا دائما ــ وفي أحسن فروضهم ــ على هامش السياسة وليس في قلبها. وصاروا كمن دخل إلى الحلبة بغير تأهيل أو تدريب.
وكانت الجماعات الإسلامية ضمن هؤلاء إلا أن وضعها كان أكثر تعقيدا كما سنرى توا.

(2)

سأتحدث عن الوضع في مصر، ليس فقط لأن الصورة التي أعنيها أكثر وضوحا فيه، ولكن أيضا لأن مصر هي الدولة العربية الأكبر التي يمكن أن يؤثر مصير الثورة فيها على مستقبل الربيع العربي كله.
ذلك أن الجماعات الإسلامية في مصر، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، أتيح لها لأول مرة منذ أكثر من ستين عاما أن نشارك في الحياة السياسية بصورة شرعية، بعدما ظلت محظورة طوال تلك السنوات.

لقد شاءت المقادير أن تنتقل تلك الجماعات من موضع المطارد من جانب السلطة إلى موقع الشريك في السلطة، بل المتربع على رأسها.

هذه النقلة فوجئت بها الجماعات الإسلامية ولم تتحسب لها.
لذلك فإنها أصبحت مواجهة بتحد جديد يتمثل في كيفية تحويل الشعارات والتعاليم إلى سياسات. وهو ما لم تكن مضطرة إليه طوال سنوات الإقصاء بسبب الانسداد الديمقراطي الذي أخرجها من المعادلة.
وكانت النتيجة أنها عانت الارتباك، ولم تنجح في التعامل مع الوضع المستجد واستيعاب المشهد الذي فرض عليها الانتقال من إدارة الجماعة ومحيط الأنصار إلى إدارة الوطن بفضائه الذي يموج بأطياف عدة تضم مخالفين ومتوجسين وخصوما.

التجربة التركية نجحت في التعامل مع ذلك التحدي بسبب المهمش الديمقراطي الذي سمح للحركة الإسلامية بالمشاركة في الانتخابات منذ عام 1970، من خلال حزب النظام الوطني الذي أسسه حينذاك الأستاذ نجم الدين أربكان،
صحيح أن الحزب تعرض للملاحقة والحل عدة مرات، لكنه ظل حاضرا بفضل المهمش الديمقراطي الذي سمح لقياداته بالعودة إلى المشاركة تحت مسميات جديدة.

 المهم في التجربة أن المشاركة التي لم تتوقف سلحت كوادر الحزب بخبرات جيدة في العمل العام، من خلال الاشتراك في البلديات والبرلمان والحكومة.
لكن الأهم من ذلك أنها سمحت لتلك الكوادر بتطوير أفكارهم وإنضاجها، الأمر الذي دفع بعضا منهم إلى الخروج من عباءة حزب أربكان (الذي كان قد حمل اسم الرفاه) وتأسيس حزب جديد في عام 2011 بقيادة كل من رجب طيب أردوغان وعبدالله جول،
ولأن هذه المجموعة كانت قد تمرست، ونجحت في وضع سياسات خدمت الناس وتفاعلت مع مختلف فئات المجتمع، فإن الحزب فاز بأغلبية الأصوات في انتخابات عام 2002، ولا يزال يواصل نجاحاته إلى الآن مدعوما بأصوات الأغلبية.

هذا المعنى أشرت إليه في محاضرة عن الوضع في مصر ألقيتها مؤخرا في مدينة «استنبول»،
وقلت فيها إن الحركة الإسلامية في مصر لا تزال أسيرة ثقافة المرحلة الأربكانية (نسبة إلى نجم الدين أربكان)، ولم تنقل بعد إلى نضج المرحلة الأردوغانية. التي مثلها رجب طيب أردوغان.

(3)

هذه الخلفية توفر لنا عدة مفاتيح لفهم خلفيات النخبة التي تتصدر المشهد السياسي في مصر.

وبالتالي تضع أيدينا على أهم جوانب الأزمة وجذورها.
ذلك أننا بإزاء نخبة فاقدة الثقة في بعضها البعض، وتقوم علاقاتها على التصيُّد.
وقد عبر عن ذلك الدكتور حازم الببلاوي نائب رئيس الوزراء السابق، الذي نشرت له جريدة «الشروق» مقالا في الثالث من شهر أبريل الماضي (عام 2012) تحت عنوان دال هو: التربص وعدم الثقة.
ذلك أن تلك المجموعات المختلفة لم يتح لها أن تعرف أو تعمل مع بعضها البعض بسبب الغياب الطويل للديمقراطية.

بالتالي فإنها لم تتسلح بالخبرة السياسية التي تمكنها من أن تدير خلافاتها على النحو الذي لا يضر بمصالح الوطن،
لذلك لا يستغرب منها أن تستسلم للانقسام وتقع في فخ الاستقطاب بسرعة.

وإذا كانت القيادة السياسية ممثلة في رئاسة الجمهورية تنتمي إلى نموذج للمرجعية الإسلامية التي لم تطور مشروعها بحيث تحوله من شعارات وتعاليم إلى سياسات ورؤية وطنية واضحة المعالم، فلا يفاجئنا أن تغيب عنها الرؤية التي تطلق مبادرات تشحذ الهمم وتحقق الإجماع الوطني.

وللإنصاف فإن غياب الرؤية والمشروع ليس مقصورا على إدارة الرئيس محمد مرسى وحدها، ولكنها سمة للأحزاب الجديدة والقوى المعارضة أيضا، التي ظل مشروعها المعلن على الملأ على الأقل محصورا في العمل على هزيمة الرئيس مرسي والإخوان والتنديد بالخطوات التي اتخذها طوال الأشهر السبعة التي قضاها في السلطة، دون أن تجيب عن السؤال:
ما الذي ينبغي عمله في اليوم التالي لإعلان هزيمته وهدم ما بناه؟

إذا جاز لي أن ألخص ما أتصوره جذورا للأزمة فلعلي أقول إنها تتمثل في غياب الثقة بين الجماعات السياسية، وضبابية الرؤية لدى القيادة، وغياب الحلم المشترك الذي يشد الجميع ويلهمهم.

(4)

ما العمل إذن؟

قدر الدكتور محمد مرسي أن يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية مواجهة الأزمة باعتباره رئيس الجمهورية والطرف الأهم في المعادلة.
لست ألغي الطرف الآخر أيا كان تقييمنا له. لكنه يظل في المقام الثاني من المسؤولية. وللأسف فإن دعوة الرئيس إلى الحوار الوطني لم تؤخذ على محمل الجد.
لذلك فإن الحديث مجددا عن ذلك الحوار سوف يستقبل بفتور وربما بإعراض من الأطراف الأخرى.

مع ذلك فالحوار لا مفر منه ولا بديل عنه في نهاية المطاف، إلا أن نجاحه مرهون بضمانات الجدية التي تتوافر له، وتلك ينبغي أن تكون جزءا من حزمة إجراءات إعادة الثقة المفقودة بين الطرفين. التي على الرئيس أن يقدمها من جانبه بها مهتديا في ذلك بأمرين أساسيين هما:
 تحقيق وحدة الجماعة الوطنية،
 والالتزام بأهداف الثورة.

أعيد التذكير هنا بالقصة القرآنية التي ذكرت في سورة «طه»، وقبل فيها النبي موسى موقف أخيه هارون حين سكت على تحول قومه من عبادة الله إلى عبادة العجل من دونه.
ولم يدفعه إلى ذلك السكوت إلا خشيته من أن ينفرط عقد الجماعة وينشق صفهم إذا ما نهاهم عن فعلتهم التي كانت بمثابة ارتداد إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى.

ويحضرني أيضا موقف قيادة حركة النهضة في تونس، التي قبلت باستبعاد الإشارة إلى مرجعية الشريعة في الدستور الجديد. والاكتفاء بالنص على أن تونس بلد يدين بالإسلام،
وقول رئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي إنهم أرادوا بذلك أن يتجنبوا الشقاق بين القوى السياسية في المجتمع.
وقد تراجع حزب العدالة والتنمية في تركيا عن إلغاء القيود التي فرضت على ارتداء الحجاب، بل وسحب مشروع قانون قدم إلى البرلمان يجرم الزنا، لا لشيء إلا لتجنب الانقسام في المجتمع.

إن هناك أكثر من سبب أسهم في إحداث الانقسام وتعميقه في مصر (في نصوص الدستور وقانون الانتخابات مثلا)،
ولذلك فإنه سيكون من الحكمة والشجاعة أيضا أن يعلن الرئيس عن التزامه بالاستجابة لتحفظات المعارضة بخصوصها، حتى إذا لم يكن مقتنعا بأهمية أو جدية تلك الأسباب، لكي يزيل أسباب الانقسام ويستعيد الثقة المفقودة.
وستكون شجاعة منه إذا بادر بالإعلان عن إجراء انتخابات رئاسية مع الانتخابات النيابية التي يفترض أن تتم بعد ثلاثة أشهر.

وليته أيضا يدعو إلى فتح ملفات السياسة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعليم والعشوائيات وغيرها من هموم المصريين، من خلال مجالس تضم أبرز الخبرات والأطياف المصرية لتقدم لنا رؤية واضحة للمستقبل الذي تطلعت إليه الثورة.

وبالمناسبة فإن الدكتور عماد شاهين أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية له أفكار محددة ومقترحات جيدة بخصوص المبادرات الشجاعة المرجوة من الرئيس مرسي وإدارته،

ولست أشك في أن الخبراء من أمثاله لديهم مقترحات أخرى جديرة بالنظر للخروج من الأزمة.
ويظل من المهم أن تتوافر الإرادة ويستوعب الخيال حلم الوطن ويظل قابضا عليه ومتشبثا به.
..............

Delete this element to display blogger navbar