Subscribe:

Ads 468x60px

09 نوفمبر، 2013

عمراننا الذي فسد

صحيفة السبيل الأردنيه السبت  5 المحرم 1435 –  9 نوفمبر 2013
عمراننا الذي فسد – فهمي هويدي

حين وقعت على صورتين لمبنى الإسكندرية البديع قبل وبعد الانقضاض عليه وتشويهه قلت إنهما صورتان لمصر قبل الثورة وبعدها.
ولا يحسبن أحد أن لدي أي تعاطف مع نظام ما قبل الثورة الذي أطل علينا بعض أذنابه برؤوسهم هذه الأيام.
 ذلك أنني، أعتبره فاعلا أصيلا في الجريمة، لأنه من زرع الفساد الذي كان يشويه المبنى ووجه مصر كلها من بعض حصاده.

أتحدث عن الصورة التي أبرزتها جريدة «الأهرام» على صفحتها الأولى يوم الأربعاء الماضي 6/11، التي أظهرت لنا بناية أثرية في الإسكندرية تنتسب إلى الطراز الإيطالي،
 انقض عليها أحدهم فهتك جمالها وأزال ما فيها من بهاء وأصالة، لكي يضيف إليها بعض الطوابق، ويضفي على البناية مسخا ودمامة لكي يتكسب من ورائهما بما يشبع نهمه وجشعه.

 وتلك ليست حالة استثنائية، لأنها صارت تعبيرا عن ظاهرة تفشت في الإسكندرية حتى أتت على وجه المدينة الصبوح، وملأته بالندوب والتشوهات.

وقد حمدت للأهرام ما نشره ليس فقط لأنه سلط الضوء على الواقعة التي أزعم أنها بمثابة جرس إنذار ينبه إلى الظاهرة، وإنما أيضا لأنه اعتنى بشيء مما يحدث على أرض الواقع ويهم المجتمع.

وهو ما يعد خروجا على مألوف الصحافة وبقية وسائل الإعلام في مصر، المستغرقة في ملاحقة تجاذبات وصراعات النخبة، بما تستصحبه من ثرثرة وتكهنات،
بعضها يتعلق بفرعون مصر القادم،
والبعض الآخر يدور في فلك جهود الكهنة وحظوظهم،
إلى غير ذلك من العناوين مقطوعة الصلة بالهموم الحقيقية للمجتمع.

لقد دعا الأهرام إلى محاسبة مالك العقار، لكني أزعم أنه ليس الجاني الوحيد، لأن فساد المحليات له دوره في التستر على مثل هذه الجرائم والترخيص بها في كثير من الأحيان،
كما أن انشغال السلطة بالأمن السياسي وانصرافها عن أمن المجتمع. شجع أمثال هذا المالك على ان يتجرأ على القانون، وهم مطمئنون إلى أن الدولة غائبة ومنشغلة بغيرهم.
 ثم إننا لا نستطيع أن نعفي الرقابة الشعبية من المسؤولية أيضا.
حيث من حقنا أن نسأل:
لماذا أغمض المجتمع أعينه عما جرى لهذه البناية التاريخية وغيرها،
 ولماذا لم يتحرك ممثلو المجتمع ونخبه التليفزيونية للدفاع عن جماليات المكان وبهائه.

أعترف بأن لدي فضلا عما سبق دافعي الخاص في انتقاد هذه الفوضى التي ملأت وجه مصر بالدمامة والقبح.

 ذلك أنني أسكن في حي هادئ بمصر الجديدة، تعرض لهجمة تتارية من ذلك القبيل الذي نحن بصدده خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
 فتحول من منطقة سكنية وادعة إلى ساحة مورست فيها مختلف أشكال العربدة العمرانية التي ملأت الحي في غفلة من الجميع بالأبراج العالية والمقاهي الصاخبة،
حتى صار سكانه يشعرون بغربة شديدة. ولا يجدون من يجيب عن تساؤلاتهم التي لا تتوقف عن شبكة المصالح وثغرات القانون ومظان الفساد التي وقفت وراء ذلك الانقلاب الذي حول حياة السكان إلى جحيم طارد لراحتهم، بل طارد لوجودهم فيه.

إنني لا أخفي شعورا بالذنب وأنا أكتب هذه الكلمات التي ظللت أحبسها طول الوقت وأتاحت لي واقعة الإسكندرية أن أبوح بها أخيرا،

 ذلك أنني استشعر حرجا شديدا حين أبث هموم بعض سكان المدن سواء تعلقت بجمالياتها أو فساد العمران فيها،
 لأنني أعرف جيدا أن معاناة وعذابات أهلنا في أنحاء الدلتا وفي صعيد مصر وفي سيناء، أضعاف هذا الذي نشكو منه،
وقد يبدو هذا الذي نتحدث عنه نوعا من الترف الممجوج، لأن هؤلاء البعيدين عن القلب وعن العين يحسدوننا على هذا الذي نتبرم به ونتأفف منه،
ذلك أنهم يعيشون في ظل جحيم من نوع آخر، أقسى وأفدح.

بين أناس يشربون مياها ملوثة،
وآخرين لم يعرفوا التيار الكهربائي أو الصرف الصحي،
 وأناس يعانون من البلهاريسيا والكبد والوبائي، ويفتقدون إلى أبسط الخدمات التي تحفظ لهم الحد الأدنى من الإنسانية، في التعليم والصحة والإسكان.

كما يتضاعف شعوري بالخجل حين أشكو من زحف الأبراج وفوضى المقاهي وضجيجها،
في حين أجد أن 40٪ من أبناء الشعب المصري يعيشون تحت حد الفقر.

صحيح أننا نتفاوت في المعاناة، إلا أن ذلك لا يغيب حقيقة أننا جميعا ضحية الدولة الظالمة، التي شغلتها مغانم السلطة عن رعاية مصالح الخلق، فقوي الرأس وتهتك الجسد،
 وحين صرنا بلا عافية ولا حول شاع بيننا فساد العمران وعانى منه الجميع في المدن والقرى.

.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar