Subscribe:

Ads 468x60px

05 نوفمبر، 2013

في فض أساطير المرحلة – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء  1 المحرم 1435 –  5 نوفمبر 2013
في فض أساطير المرحلة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

تروج في مصر هذه الأيام مجموعة من الأساطير التي بات تفكيكها ضروريا لاستعادة الوعي وترشيده، كي نخلص الحقائق من ركام الخرافات والأوهام.

(1)

أحد أشهر تلك الأساطير تتمثل في شيوع الاعتقاد بأن الحل الأمني كفيل بإنهاء الأزمة الراهنة في مصر، 
وهو ما يعني أن الصراع الحاصل لن يحله غير الجيش والشرطة،
ويعني أيضا أن العقل السياسي سوف ينحى جانبا ويمنح إجازة مفتوحة،
وأن إدارة الصراع ستتكفل بها الأجهزة الأمنية والمحاكم العسكرية، محروسة بقانون الطوارئ، وبالمدرعات والأسلاك الشائكة،
كأننا بصدد شعار يقول:
 الاستئصال والقمع هما الحل.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ذلك ليس شعار المؤسسة والأجهزة الأمنية فحسب،
ولكنه تحول إلى هتاف يومي تردده شبيحة الوضع المستجد، الذين مارسوا قدرا مشهودا من الإرهاب الفكري الذي لم يسلم منه كل من سوّلت له نفسه أن يدعو إلى تفاهم يحكم العقل والمصلحة، ويقود البلد إلى بر السلام والأمان.

فلا يكاد ينطق واحد بشيء من ذلك القبيل حتى تنفتح عليه أبواب الجحيم، فيتهم بالخيانة والإرهاب ويتعرض لمختلف صور الاغتيال المعنوي والتكفير السياسي،
ومن ثم صارت القضية المحورية التي شغلت هؤلاء وفتحت شهيتهم للاجتهاد هي
 كيف يتم الاجتثاث، وكيف تحقق الإبادة غايتها.

كان زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء قد استخدم في مرة وحيدة تعبير الحل السياسي،
فشاهدت مذيعا تلفزيونيا يقرأ تصريحه بقرف شديد ويعيد الكلمات وهو يمصمص شفتيه،
ويعرب عن الاستياء والدهشة من جرأة زياد على التفوه بمثل هذه الكلمات "الخارجة" التي أقحمت السياسة في الموضوع حتى إنه شك في أن يكون الرجل قد تفوه بهذه الكلمات.

وقال إنه إذا كانت قد صدرت عنه فعلا، فإن صاحبنا -المذيع- لم يستبعد أن يكون قد فعلها وهو في حالة غير طبيعية! (كأن يكن قد شرب حاجة صفراء مثلا).

في الـ15 من الشهر الماضي نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية مقالة تحت عنوان
 "مصر وثمار القمح المسمومة"،
كتبته أستاذة جامعية خبيرة بالشأن المصري هي سوفى بومييه، وقد أيدت فيه دهشتها من استمرار التعويل على الحل الأمني في مصر.

وقالت إن الاستبداد أرسى نموذجا ثنائيا للحكم يقوم على طرف قامع وآخر مقموع،
بحيث إن مصر لم تعد تعرف نموذج المساومة والحوار.

وهو تقييم أكثر ما ينطبق على المرحلة الراهنة، صحيح أن الخطاب السياسي ما برح يشير إلى استبعاد فكرة الإقصاء، إلا أن البديل المطروح في هذه الحالة لم يكن الاحتواء، لكنه الإبادة والاجتثاث.

أدري أن ثمة كلاما كثيرا ينبغي أن يقال في شأن الحل السياسي، الذي له أجواؤه وشروطه، إلا أنني لم أجد مبررا للخوض في هذا الشق لأنني أزعم أن إرادة ذلك الحل ليست متوفرة في الوقت الراهن،
 وأن ثمة أطرافا في دائرة القرار لا تزال تعول على الحل الأمني، رغم مضي أربعة أشهر على اختباره وثبوت فشله وارتفاع تكلفته.

(2)

الأسطورة الأخرى التي كادت تتحول إلى مسلمة في خطابنا الإعلامي على الأقل تتمثل في الادعاء بأن الولايات المتحدة منحازة إلى الإخوان وتضغط وتتآمر لإعادة الرئيس محمد مرسي إلى السلطة،
 وهي من تجليات التبسيط والتسطيح الذي يعتبر أن كل من ليس مع مصر هو ضدها.

وهو ذلك التبسيط الذي أقنع البعض بأن أوباما شخصيا -وليس شقيقه فقط- على علاقة بتنظيم الإخوان الدولي،
 وأنه ثمة أخونة للإعلام الألماني،
وأن جريدة الغارديان البريطانية أصبحت من الصحف الصفراء،
 لمجرد أن كل هؤلاء لم يقفوا إلى جانب النظام في مصر، ولم يرددوا ما تنشره الصحف القومية المصرية وقنوات التهليل التلفزيونية.

هذا الادعاء لا يصدقه أحد خارج مصر، والدبلوماسيون الذين أعرفهم يعدونه أمرا مضحكا يتعذر أخذه على محمل الجد ويصنفونه ضمن مظاهر التهريج السياسي والإعلامي،
 وقد وقعت على نصين نشرتهما جريدة "الشروق" في الآونة الأخيرة تكفلا بتفنيد المقولة وتكذيبها.

النص الأول للسفير إيهاب وهبة مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأميركية
(نشر في 2نوفمبر/تشرين الثاني الجاري تحت عنوان أخطاء شائعة حول المساعدات الأميركية)،

والثاني للكاتب الباحث محمد المنشاوي المقيم بالولايات المتحدة، والذي يراسل جريدة "الشروق" من هناك

وقد نشرت له الجريدة في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي مقالة تحت عنوان "كلمات منسية في الأزمة المصرية الأميركية".

ما كتبه الخبيران يصعب تلخيصه لأنه تعرض لمختلف عناوين العلاقات بين البلدين،

مع ذلك فبوسعي أن أقول إنهما حرصا على إبراز ثلاث نقاط هي:

- أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن لم تكن في أحسن حالاتها أثناء حكم مرسى،
فالإدارة الأميركية ظلت تدعوه طيلة فترة حكمه إلى تحقيق التوافق مع مختلف فئات الشعب،
وفي خطبة له في الأول من يوليو/تموز الماضي قال الرئيس أوباما إن الديمقراطية لا تنحصر في إجراء الانتخابات وإنما أيضا في كيفية تعامل الحكم مع قوى المعارضة.

كما أن الرئيس الأميركي لم يحرص على لقاء الرئيس المصري حين ذهب إلى نيويورك لإلقاء كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2012،
وهو من قال في حوار تلفزيوني جرى بثه في منتصف سبتمبر/أيلول 2012 إنه لا يعتبر المصريين بمثابة حلفاء، لكنه لا ينظر إليهم باعتبارهم أعداء.

وكانت تلك هي المرة الأولى أن ترد كلمة "الأعداء" في قاموس العلاقات المصرية الأميركية.

-
إن ما يقلق الولايات المتحدة ليس عزل مرسى، لكن ما يزعجها حقا أمران،
أحدهما إقصاء جماعة سياسية بقوة وثقل جماعة الإخوان.
وثانيهما افتقاد مصر إلى ديمقراطية تشمل الجميع وحكومة مدنية منتخبة تعبر حقا عن ديمقراطية الاحتواء.
الفكرة رددها جون كيري وزير الخارجية الأميركي حين زار القاهرة هذا الأسبوع.

-
إن أكثر ما يهم واشنطن في نهاية المطاف ليس بالضرورة عودة الإخوان إلى السلطة، وإنما عودة الاستقرار إلى مصر على نحو يحفظ للولايات المتحدة نفوذها ومصالحها في قناة السويس والمجال الجوي المصري والتعاون الاستخباري.

(3)

الأسطورة الثالثة تتلخص في الادعاء بأن مصر تستطيع أن تستعيد عافيتها من خلال الاعتماد على المعونات والقروض الخارجية،
وهو ما نلحظه في الانزعاج من احتجاز واشنطن لمبلغ 360 مليون دولار من المعونة السنوية التي تقدم إلى القاهرة،
ونلاحظه بصورة أكبر في هرولة المسؤولين المصريين والوفود الشعبية نحو الدول الخليجية، التي سارعت إلى مساندة النظام المصري الجديد.

في المقابل لم نلحظ توجها جادا لمخاطبة الشعب المصري لاستدعاء طاقاته وتوظيفها للإسهام في استعادة عافية الاقتصاد وتحريك مياهه الراكدة،
وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن التطلع إلى الخارج في حل المشكلة الاقتصادية لا يزال متقدما كثيرا على جهد الاستعانة بالداخل.

اللقطة الكاشفة في هذا الصدد تمثلت في اللغط الذي أثير في وسائل الإعلام المصرية في أعقاب نشر تصريح للشيخ منصور بن زايد نائب رئيس الوزراء لشؤون الرئاسة في دولة الإمارات العربية
 نسب إليه قوله إن على مصر أن تعتمد على نفسها في تقوية اقتصادها من خلال حلول مبتكرة وغير تقليدية،
 وإن الإمارات حريصة على إنجاح الشراكة الاقتصادية معها، إلا أن استمرار المساعدات إلى ما لا نهاية يبدو خيارا غير منطقي.

وقد اعتبرت هذا التصريح في حينه نصيحة مخلصة من رجل دولة مسؤول أراد أن ينبه إلى أن دولة كبيرة مثل مصر تعداد سكانها 90 مليونا لا تستطيع أن تعتمد في اقتصادها على المعونات الخارجية،
خصوصا أنها تنفق كل أسبوع سبعة ملايين دولار على الاستيراد من الخارج،
وأنها مدينة الآن بما يعادل تريليوني جنيه، تدفع عنها فوائد سنوية بما يعادل 240 مليار جنيه، بمعدل مليار جنيه لكل يوم عمل.

هذا التصريح نفي بعد نشره في وسائل الإعلام، وحين رجعت إلى حازم الببلاوي رئيس الوزراء الذي كان وقتذاك في زيارة لأبو ظبي على وفد اقتصادي حكومي، فإنه نفى صدور الكلام عن الشيح منصور بن زايد،
وقال إنه هو من عبر عن ذلك المعنى حين قال إن اقتصاد مصر لن يتعافى إلا استنادا إلى سواعد أبنائها، إلا أن تصريح الببلاوي لم يوقف اللغط الإعلامي (لم تشر إليه وسائل الإعلام).

ذلك أنني تابعت حوارا جرى بثه تلفزيونيا، حرص مقدموه على التأكيد على أن الإمارات سوف تستمر في دعم الاقتصاد المصري إلى أن يتعافى،
وكأنما تلك كانت الرسالة التي أريد لها أن تصل إلى المشاهد المصري، وهو ما علقت عليه بالتساؤل عما إذا كانت تلك الرسالة تطمئن المشاهد أم تؤرقه وتقلقه.

(4)

الأسطورة الرابعة تتمثل في الاعتقاد بأن إسرائيل تقف على مسافة من المشهد المصري وأنها تقوم بدور المتفرج عليه. وذلك وهم كبير.

إذ رغم أن إسرائيل تتكتم على دورها المباشر وغير المباشر في الأحداث التي شهدتها مصر قبل الانقلاب،
فإن دورها مشهود في الدفاع عن النظام المصري في مجلس الشيوخ وفي كواليس البيت الأبيض، ومنشور على الملأ انتقادها للقرار الأميركي الخاص بحجب جانب من المعونات الاقتصادية.

أما حماس معلقيها لدعم النظام فقد لفت انتباهي في هذا الصدد ما كتبه واحد من أبرز الكتاب الإسرائيليين رون بن يشاي المعلق العسكري لموقع واي نت،
حيث قال إن على إسرائيل عمل المستحيل لإنجاح الانقلاب الذي حدث في مصر، لأسباب ثلاثة عرضها على النحو التالي:

-
أن الانقلاب سمح بنشوب حرب ضد كل الذين يحاولون إعادة الإسلام إلى صدارة العالم.

-
أنه جعل مصر على رأس الدول التي تخوض مواجهة مفتوحة ضد قوى الجهاد العالمي التي تهدد مصالح إسرائيل.

-
إفشال انقلاب يعني حرمان الغرب من تمتع الطيران الحربي باستخدام الأجواء المصرية والتوقف عن منح حاملات الطائرات الأميركية الأفضلية لدى الإبحار في قناة السويس، وهو ما يشكل أيضا ضررا بالمصالح الإسرائيلية.

أضاف رون بن يشاي أنه لأجل ذلك يتعين على الغرب أن يضخ مليارات الدولارات لمنع حدوث انهيار اقتصادي في مصر يؤجج مشاعر السخط والغضب ضد حكم العسكر.

وفي رأيه أنه من المهم للغاية أن يركز الاستثمار في البداية على دعم الجيش والأجهزة الأمنية التي تتولى مهمة قمع المتطرفين.

وقد ختم تعليقه بقوله إن إسرائيل يجب ألا تخجل من دورها في دعم حكم السيسي، لأنها بذلك تقوم بنفس الدور الذي تؤديه دول الخليج والأردن.

ليست هذه كل الأساطير الرائجة في زماننا، ولكن القائمة طويلة، لأن الأجواء المخيمة ما برحت تطرح لنا أسطورة جديدة بين الحين والآخر،
 وربما تتيح لنا التطورات المتلاحقة أن نعود إلى الموضوع مرة أخرى.

..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar