Subscribe:

Ads 468x60px

06 مايو، 2013

فتوى فاسده


صحيفة الشرق القطريه الاثنين   26جمادى الآخره 1434 -  6 مايو 2013
فتوى فاسده – فهمي هويدي

فتوى القيادي الإخواني بعدم جواز تهنئة الأقباط بعيد القيامة لم يحالفها التوفيق لا في المضمون ولا في التوقيت.

صاحب الفتوى هو الدكتور عبدالرحمن البر الذي أصدرها بصفتين
 إحداهما أنه عضو في مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان،
 والثانية أنه أستاذ علم الحديث بجامعة الأزهر.

وقد ذكر فيها ما خلاصته أن تهنئة شركاء الوطن من الأقباط في مناسباتهم وأعيادهم المختلفة من الإحسان والبر الذي أمر به الله وحث عليه القرآن، طالما أن تلك التهنئة لم تشتمل على التلفظ بشعارات أو عبارات دينية تتعارض مع مبادئ الإسلام.

وقد اعتبر أن تهنئتهم بعيد الميلاد من الأمور المقبولة والمستحبة،
 لأن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عليه السلام هو رسول من أولي العزم من الرسل،
وأنه بشر كانت ولادته آية من آيات الله، وكانت خيرا على البشرية.

 إلا أنه اعتبر التهنئة بعيد القيامة أمرا غير مشروع، لأنها من قبيل الأمور التي تتناقض مع عقائد المسلمين الذين يعتبرون أن المسيح لم يصلب حتى تكون له قيامة، وإنما عصمه الله من اليهود ورفعه إليه.

وهو يسجل هذا الموقف ذكر أن ما ذهب إليه لا ينفي الإقرار بحق شركاء الوطن في أن يعتقدوا ما يشاءون أو أن يفعلوا ما يشاءون.

 وقال إن التحية والمجاملة بمثل عبارة كل سنة وأنتم طيبون،
«لا حرج على الإطلاق في أن يقولها المصري المسلم لغير المسلم في أي وقت وفي كل مناسبة».

بالمعيار النسبي تعد فتوى الدكتور البر أفضل وأكثر تقدما من فتاوى بعض السلفيين الذين لهم خصومتهم التقليدية مع الأقباط، بل ومع بعض المسلمين أيضا،

 وإذا قارنت نص فتواه المنشورة على شبكة التواصل الاجتماعي، والتي تحدث فيها عن استمرار تواصله مع الأقباط وتعدد زياراته للكنيسة، بآراء الآخرين الذين لم يجيزوا إلقاء السلام عليهم أو مصافحتهم في أعيادهم، فستجد أن كلامه أكثر إيجابية من غيره،

مع ذلك فإنني ما تمنيت أن أقارنه بالأسوأ، لأن التقييم الصحيح له يتم من خلال المقارنة بالأفضل والأكثر التزاما بمقاصد الشرع ومصلحة الوطن.

من هذه الزاوية فإنني أزعم أن مقارنة فتواه بموقف الخطاب السلفي شبيهة بالمقابلة بين العور والعمى.

وإذا حصرنا المقارنة في هذه الدائرة فسوف نفضل الأولى على الثانية، بطبيعة الحال. إلا أننا إذا وسعنا الدائرة فسنجد أن تمام الإبصار أفضل بمراحل من هذين الخيارين.

لقد ذكرت أن التوفيق لم يحالف شيخنا الجليل في مضمون ما أفتى به وتوقيته.

ومشكلة المضمون تكمن في أنه حمل التهنئة ببعد عقدي، في حين أنها في نظر المواطن العادي من قبيل المجاملة والتعبير عن المودة الإنسانية والمجتمعية التي لا شأن لها بالخلفية العقدية.

وللعلم فإننا لو حكَّمنا المنطق الذي اعتمده فلن نجيز تهنئة الأقباط بعيد ميلاد المسيح، رغم أنه أيدها.
ذلك أن هناك خلافا عقديا حول تقييم شخصية المسيح بين المسلمين وعموم المسيحيين.

فالأولون يرون أنه نبي الله،
والمسيحيون يعتبرونه ابن الله.

وإذا استخدمنا منطق الدكتور البر فلن نعدم أحدا يقول إن تهنئة الأقباط بتلك المناسبة تعد إقرارا من المسلمين بما يخالف رأي الإسلام في نظرته إلى طبيعة المسيح.

وإذا أخذنا برأيه في أن تحية المسلم للقبطي في هذه المناسبة تعد من قبيل المجاملة التي لا تعني الإقرار بالموقف العقدي فإن الحجة ذاتها تبرر التحية التي يمكن أن تصدر في مناسبة عيد القيامة. ومن ثم تهدم تحفظه على مبدأ تهنئته للأقباط في تلك المناسبة.

إن شيخنا رأى في التهنئة التي رفضها عنصرا ظنيا لا يخطر على بال المواطن العادي.
لكنه لم ير بعدا قطعيا يصب في صلب المصلحة العامة ووحدة الجماعة الوطنية.
وهو اعتبار يستدعي فكرة الملاءمة في توقيت إصدار الفتوى.

ذلك أن وحدة الجماعة الوطنية مطلوبة في كل الأوقات، إلا أنها في الظروف الراهنة أشد إلحاحا.
 ليس فقط بسبب الاحتقان الطائفي الطارئ على المجتمع المصري،
ولكن أيضا لأن الإخوان المسلمين أصبحوا يشكلون طرفا أساسيا في الحكم.
ومن ثم تعين عليهم أن يقدموا نموذجا إيجابيا في تأسيس علاقتهم بالأقباط.

وهذا الذي قال به الدكتور عبدالرحمن البر لا يخدم ذلك الهدف، بل يضر به.
لأنه في نهاية المطاف يبعد ولا يقرب ويضعف الوشائج ولا يوثقها ويقويها.

إن نقطة الضعف الأساسية في الفتوى أنها ركزت على ما هو عقدي وتجاهلت ما هو سياسي.

وذلك أمر يمكن تفهمه طالما أنه اجتهاد داخل الإخوان، ولكن حين تكون الجماعة طرفا أساسيا في حكم البلاد فإن رؤية المصلحة الوطنية تصبح أمرا واجبا وملزما
 بذلك أزعم أن موقف الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة كان أكثر صوابا حين تقدم بالتهنئة للأقباط بالمناسبة، في مبادرة تجاوز فيها رأي الدكتور البر وانحاز إلى مصلحة الوطن.

وهو أمر محزن حقا أن تتحول مسألة تهنئة الأقباط بعيد لهم إلى موضوع للمناقشة في وقت يواجه الوطن والثورة فيه تحديات كبرى تستحق من الجميع عقلا أكبر ونظرا أبعد وإدراكا أعمق للمقاصد والمصالح.

 إن بعض فقهائنا يخدمون الإسلام أكثر إذا سكتوا فاستراحوا وأراحوا.
......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar