Subscribe:

Ads 468x60px

16 أبريل، 2013

صحوة الفلول وأزمة الثورة – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء   6جمادى الآخره 1434 -  16 أبريل 2013
صحوة الفلول وأزمة الثورة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

فاجأنا ما حدث في مصر هذا الأسبوع، لكنه ذكرنا بما كدنا ننساه من أمر الثورة، وفتح أعيننا على ما لم ندركه أو نراه.

(1)

في بداية الأسبوع حضر الرئيس السابق حسني مبارك بشخصه إلى الواجهة، حين شارك في أولى جلسات إعادة محاكمته.
في إطلالته بدا وكأنه قادم من عطلة أمضاها في أحد المنتجعات، وعاد لكي يستأنف عمله في القاهرة (!).

فقد ظهر بشعره الأسود المصبوغ ونظارته الشمسية وثيابه الأنيقة البيضاء،
وحرص على أن يحتفظ بابتسامته طول الوقت، ولم يبخل على مؤيديه الذين شهد بعضهم الجلسة بالتحية، حيث ظل يلوح لهم بيده اليمنى عدة مرات.

وعلى عكس الصورة التي ظهر بها أمام المحكمة من قبل، فإنه تمدد في وضع سمح له بمواجهة الجمهور، الأمر الذي تجنبه في المرات السابقة، حيث كان يحرص على أن يبقى ممددا على ظهره ومكتفيا بأن يحيل النظر في سقف القاعة وفضائها،

ليس ذلك فحسب وإنما ظهر الرجل متعافيا ومطمئنا وبروح معنوية عالية،

وكما ذكرت صحيفة «المصري اليوم» في عدد الأحد 14/4 فإنه «حاول إبعاد صورة الرجل المنكسر المستسلم التي علقت في الأذهان خلال محاكمته الأولى».

كان العنوان الرئيسي للجريدة له مغزاه حيث ذكرت أن: «مبارك يسترد هيبته في قفص الإخوان»،
 في إيحاء بأن الذي يحاكمه هو الإخوان وليس الثورة، وأنه جاء متحديًا ومنازلا لهم شأنه في ذلك شأن غيره من المصريين الغاضبين هذه الأيام.
وهو ما يمكن أن يقرأ بحسبانه رسالة تكاد تقلب الصورة رأسا على عقب،
إذ بمقتضاها تبدو المشكلة مجرد تصفية حسابات بين مبارك والإخوان، وليست بين مبارك والمجتمع الذي انتفض وثار عليه وأصر على الإطاحة به، غضبا لكرامته واحتجاجا على فساد نظامه وسعيا لاسترداد حريته.

وفي حين اعتبر البعض أن أداء مبارك وتلويحه لأنصاره استفزازا لغالبية المصريين وازدراء لضحاياه، فإن أنصاره ادعوا أن مشتركي صفحتهم على الإنترنت زادوا عشرة آلاف شخص خلال ساعات المحاكمة وبعدها. وأن عددهم تجاوز المليون و80 ألف مشترك، كما ذكرت «المصري اليوم».

(2)

لقطة المحكمة تبدو مجرد حلقة في مسلسل طويل يسعى منتجوه ومخرجوه إلى تبييض صفحة الرجل ومحو ذاكرة المصريين، إما تعاطفا معه أو نفورا من الإخوان وكيدا لهم.

لن أتحدث عن الأداء التلفزيوني لأبواق مبارك وابنه الذين ركبوا الموجة وصاروا ينافسون الثوار ويزايدون عليهم،
فهؤلاء أمرهم مفروغ منهم، فضلا عن أن كلامهم أطلق في الفضاء ويتطلب استدعاؤه إمكانات وقدرات فنية لا تتوفر لي.

 لكني سأتحدث عن الكلام المنشور الذي يسهل الإمساك به والتثبت منه، ولا تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى جرأة رجاله وبعض أنصاره،
 فمنهم من أسس حزبا وأقام مقرا للدعاية والعلاقات العامة (ثمة لغط حول مصادر تمويله)،
ومنهم من تحدث عن تحالفات تعزز الاحتشاد في مواجهة الإخوان، عملا بمقولة: عدو عدوي صديقي،
ومنهم من أنشأ صفحة على الإنترنت تتباكى على زمنه تحت عنوان «آسفين يا ريس».

في يوم 16/3، نشرت صحيفة المصري اليوم مقالة لأحد الباحثين الشبان تحت عنوان،
«عندما يقف مبارك أمام العرش»،
اقتبس فيها الكاتب ــ جمال أبو الحسن ــ فكرة نجيب محفوظ في كتابه «أمام العرش» الذي كانت بمثابة تقييم لحكام مصر أمام محكمة فرعونية يلعب فيها الإله أوزوريس دور القاضي. في حين تمثل إيزيس دور المحامي.
وفي استلهامه للفكرة فإنه استعرض مشهد محاكمة حسني مبارك وتصور ما يمكن أن يقوله عن نفسه، وما ستقوله المحامية إيزيس عنه.

والنص كله عبارة عن إبراز لما اعتبره إنجازات لمبارك سار فيها على درب سابقه أنور السادات في تحقيقه للسلام والأمن، وتبرير لأخطائه،
ثم هجاء لجمال عبدالناصر بدعوى أنه وزع الفقر على الناس وأقام دولة مهترئة حاول خلفاؤه إصلاح ما فسد منها.
وقد علقت المحامية إيزيس على كلامه قائلة إن مبارك كان أمينا في تحمل المسؤولية ويكفيه أنه حفظ لبلاده السلام والأمن طوال ثلاثين عاما.

هذه المقالة قوبلت بحفاوة حارة من جانب محرر الجريدة الذي يوقع كتاباته اليومية باسم «نيوتن»، فوصف النص في عدد 29/3 بأنه «بديع»، ودعا إلى إجراء تقييم علمي وموضوعي لمبارك وعصره،
وطالب رجال مبارك وأعوانه الأحياء بأن يسجلوا شهاداتهم بخصوصه، لإنصاف الرجل ورفع الظلم عنه،

 وهي رسالة التقطها صحفي من أبواق مبارك ورجال ابنه فبعث إلى «نيوتن» بتعليق نشره في 13/4 أيد فيه الدعوة إلى «إنصاف» مبارك (المظلوم!). وسماع وجهة النظر الأخرى في شأن عهده، ووعد صاحبنا أن يساهم في حملة الإنصاف باعتباره واحدا من رجاله، في كتاب قيد الإعداد عن عصر مبارك ونهايته.

التعليق سابق الذكر نشر في يوم إعادة محاكمة مبارك، ولا أعرف ما إذا كان ذلك مقصودا أم لا،
لكنني حين تصفحت جريدة المصري اليوم التي صدرت في نفس التاريخ رجحت الاحتمال الأول.

 ذلك أنني وقعت على تعليقين آخرين كتبا في ذات الاتجاه، وتضمنا دفاعا قويا عن مبارك وزمنه،
وكان أحدهما مستميتا في الدفاع إلى الحد الذي دفعه إلى إجراء مقابلة مطولة بين الذي كان في عهد مبارك وما يحدث الآن، قارن فيها أفضل ما ارتآه في عهد مبارك بأسوأ ما نراه في الوقت الراهن.

مثل هذه الكتابات حولت إدانة حقبة مبارك الكئيبة باعتبارها مجرد وجهة نظر واجتهاد يحتمل الصواب والخطأ،
كما حولت الثورة من حلم أعاد الوطن إلى أهله وأحيا آمال ملايين المقهورين في العالم العربي إلى كارثة حلت بالبلاد وعالجت ما كان سيئا بما هو أنكى وأسوأ.

(3)

حملة محو الذاكرة وتبييض صفحة مبارك لها صداها في الحكم القضائي الذي شهد للرجل بأنه لم يسبق له في «أي وقت سابق حال وجوده على قمة السلطة في البلاد أن امتنع عن تنفيذ أي حكم صدر من أي محكمة»،
 وهي شهادة تطوع بها في 29/3 قاضي محكمة جنح القاهرة الجديدة، حين أصدر حكما رفض فيه طلبا لمحاميين شقيقين صدر لصالحهما حكم بالإفراج عنهما في عام 2003 لكنه لم ينفذ.
(علما بأن وزارة الداخلية لم تنفذ أي حكم صدر لصالح إطلاق سراح أي معتقل من المائة ألف الذين تم حبسهم في عهده).

كنت قد تعرضت لذلك المنطوق في وقت سابق، وأشرت إلى قائمة الانتهاكات التي مارسها نظام مبارك بحق القضاء، والتي دفعت القضاة إلى رفع لواء العصيان وتأسيس حركة استقلال القضاء،
وكان ظني أنها حالة استثنائية لكن المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس محكمة استئناف القاهرة ورئيس نادي القضاة السابق قال لي إن الأمر أكبر بكثير من مجرد حكم يدافع عن مبارك وينحاز إلى نظامه، لأن ذلك شأن 90٪ من العاملين في القضاء والنيابة، الذين لهم موقفهم السلبي غير المؤمن بالثورة

وفي رأيه المرفق لعب دورا رئيسيا في إفلات رموز النظام السابق من العقوبات التي يستحقونها، من خلال طمس أدلة اتهامهم وإضعافها الذي قامت به أطراف أخرى.

كما أنه اعتبر قرارات الحبس التي صدرت بحق بعضهم أريد بها في حقيقة الأمر تأمينهم وإيداعهم في مكان آمن، يبعدهم عن مظان الانتقام والثأر من ذوي الضحايا.

في إيضاحه لهذه النقطة قال إن المتظاهرين الذين حاصروا قصر الاتحادية أو ذهبوا إلى بيت الرئيس مرسي في الشرقية أو اتجهوا إلى بيت وزير الداخلية في القاهرة، لو أن بعضا منهم استهدفوا بيوت رموز النظام السابق لألحقوا بأشخاصهم وممتلكاتهم أضرارا كثيرة.

بالتالي فحين تم إيداعهم في سجن طرة فإن تلك كانت أفضل وسيلة لحمايتهم وتأمينهم من مظان تصفية حسابات المتظاهرين معهم.
علما بأنه تتوفر لهم هناك كافة أسباب الرفاهية والطمأنينة.

لم يقف الأمر عند طمس أدلة الاتهام وإضعافها ــ أضاف المستشار زكريا عبدالعزيز ــ وإنما حدث تعامل مع القضايا مشكوك في براءته، حيث تم تفتيتها لإضعافها والالتفاف على الحكم فيها.

 فقضية مبارك اتهم فيها بقتل المتظاهرين، وهي ذات التهمة التي وجهت إلى حبيب العادلي ومعاونيه، وكان ينبغي أن تكون قضية واحدة،
ولكنها في البداية قسمت إلى قضيتين، بحيث إن صدور حكم البراءة في الأولى يرتب البراءة في الثانية.
 أضاف أن ثمة علامات استفهام حول قضايا قتل المتظاهرين التي أصدرت فيها محاكم الاستئناف أحكامها، ولكنها جميعا ألغيت في النقض.

الخلاصة التي ينتهي إليها المستشار عبدالعزيز ويؤيده فيها المستشار سمير حافظ رئيس الاستئناف السابق أن قضايا الثورة جرى التلاعب في أكثرها
فالشرطة أخفت ما لديها من أدلة،
 والنيابة لم تبذل الجهد المطلوب في تحقيق التهم والجرائم،
والنائب العام السابق أدار العملية بشكل أوصل القضايا ضعيفة ومتهالكة إلى القضاء،
وكانت النتيجة أن تحولت عملية القصاص من قتلة الثوار والمفسدين في النظام السابق إلى نوع من التأمين والتدليل لهم.

المستشار طارق البشري له قراءة أخرى، خلاصتها أن القضاء أقحم في أمر ليس من طبيعته أن يكون مؤهلا له،
 إذ إنه نصب لتحصيل حقوق الناس وليس لفض الاشتباك بين السياسيين.

وحين يحاكم أمامه رئيس خرب البلد وأذل شعبه، بعدما أطاحت به الثورة وأعلنت إدانته سلفا، فإن ذلك يضع القاضي العادي في مشكلة مع ضميره ويجعله في حرج بالغ.

ولذلك ففي رأيه أن المشكلة ليست فيما يصدره القضاء من أحكام، ولكن في مبدأ الزج به في العراك السياسي وإقحامه في خصومات السياسيين، سواء فيما تقدمه الحكومة من قضايا، أو فيما تقحمه فيه المعارضة في عراكها مع الحكومة.

(4)

لا نستطيع أن نفصل بين إطلالة مبارك وتلويحاته وبين صحوة فلول وذيول نظامه.

كما أننا لا نستطيع أن نفصل بين تلك الصحوة وبين أزمة الثورة المصرية الآن، المتمثلة في تعثر الرئاسة وتعثر المعارضة وانقسام الجماعة الوطنية إلى معسكرين متخاصمين ومتحاربين، الأمر الذي أثر سلبا على مجمل الأوضاع العامة في البلد، وطرح خيار عودة العسكر لاستلام السلطة.

مفهوم أن يسعى أنصار مبارك لإعادة ترتيب صفوفهم ومحاولة الانضمام إلى المعارضة في مواجهة ما يوصف بأنه حكم الإخوان.

 لكن المدهش وغير المفهوم أن تجد هذه الدعوة صدى إيجابيا في بعض دوائر المعارضة.
لأن الأخيرين إذا كانوا يحاولون إسقاط الرئيس مرسي
 فإن الأولين يسعون لإجهاض الثورة كلها والإجهاز على جماعات المعارضة الوطنية المتحالفة معهم،
وهو ما ينطبق عليه المثل الشائع الذي يقول:
أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

إن ما بات يحتاج إلى إنصاف ورد اعتبار حقا هو الثورة التي قامت قبل عامين، وليس مبارك الذي دمر سفينة الوطن ودفعها إلى مشارف الغرق جراء عبث استمر ثلاثين عاما.
..............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar