Subscribe:

Ads 468x60px

11 مارس، 2013

عسكرة الشرطة


صحيفة الشرق القطريه الاثنين  29 ربيع آخر 1434 -  11 مارس 2013
عسكرة الشرطة – فهمي هويدي

ما يحدث في قطاع الشرطة المصرية أصبح أمرا عبثيا وسورياليا، فليست مفهومة حكاية الإضرابات ولا دوافعها، حتى وإن كانت في عدد محدود من الأقسام،

فنحن إذا فهمنا الدعوة إلى إضراب في مصنع أو مرفق أو بين الطلاب في جامعة أو معهد، فمن الغريب أن يحدث ذلك في أوساط مؤسسة عسكرية مثل الشرطة أو الجيش،

وإذ نحمد الله على أن الجيش لا يزال محتفظا بتقاليده، كما نشكر سبحانه وتعالى لأن رسوخ تلك التقاليد حصنه في مواجهة دعوات المحرضين والفوضويين،

 إلا أننا لابد أن نستغرب ذلك التفلت الذي أهدر التقاليد العسكرية في أوساط الشرطة، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير بشكل جاد في مسألة عسكرة الشرطة وإخضاعها من جديد لتقاليد المهنة التي تجعل الشرطي أيا كانت رتبته عسكريا في داخل مؤسسته، بمعنى أن يكون محكوما بقواعد وأعراف الانضباط المقررة، ومدنيا في تعامله مع المواطنين بمعنى التزامه بالقانون ومقتضيات احترام حقوق الإنسان.

إن ما أفهمه والمعمول به في أنحاء الدنيا أن للشرطة الحق في الاحتجاج السلمي من خلال المؤسسات التي تمثلها، لكن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين، وهو ما يسمح مثلا للعاملين بالإضراب بنسبة 25٪، أما 75٪ من طاقة العمل فينبغي أن تستمر في أداء وظيفتها المعتادة، والمخالفة في هذه الحالة لابد أن تواجه بمنتهى الحزم والشدة،

 أما أن يمتنع العاملون في القسم عن العمل ويغلقون أبوابه بالجنازير فتلك بدعة جديدة تعد جريمة لا تمر بغير حساب، وحين يقوم جنود أو أمناء شرطة باحتجاز ضابط في مكتبه، أو حين يقوم ضابط بالاعتداء بالضرب على مجند أدنى منه رتبة فتلك بدورها من الجرائم التي تستوجب الحساب والعقاب.

لقد تراوحت الأرقام التي تحدثت عن إضرابات في أقسام الشرطة، فالتصريح الرسمي الذي ورد على لسان مستشار رئيس الجمهورية أنها 15فقط من بين 365 قسما في أنحاء مصر، في حين أن صحف المعارضة تتحدث عن 24 أو 30 قسما.
وإذ لابد أن تلفت أنظارنا حفاوة أبواق المعارضة بفكرة الإضراب، ربما بمظنة أنها تمثل استجابة لدعوة العصيان المدني، إلا أن العدد ليس مهما كثيرا أمام إهدار قيم الانضباط العسكري في محيط الشرطة، الأمر الذي من شأنه أن يفتح بابا جديدا للتفلت والفوضى نحن في غنى عنه.

الذي لا يقل سواء عن ظاهرة الإضرابات هو تلك الدعوة التي أطلقها بعض قادة الجماعات الإسلامية وتحدثوا فيها عن تنظيم لجان شعبية من عناصرها للحفاظ على الأمن لسد الفراغ الذي ينشأ جراء إضراب الضباط والأمناء عن العمل،
وهي دعوة خطرة تفتح بابا إضافيا للفوضى وتأسيس ميليشيات جديدة يعلم الله وحده حدود الدور الذي يمكن أن تقوم به، ناهيك عن أنه قد يشجع آخرين على اتباع ذات النهج، الأمر الذي يعني أن من أراد أن يخرجنا من مشكلة فإنه ورطنا في كارثة ودفع بنا إلى مشارف الحرب الأهلية،
وبدلا من الدعوة إلى عسكرة الشرطة ومطالبتها بأن تتحمل مسؤوليتها، فإننا ننزلق إلى عسكرة المجتمع وتهيئته للاقتتال بما يهدد السلم الأهلي.

سمعنا في بداية الثورة عن ائتلاف ضباط الشرطة.
وقد تراجعت تلك الخطوة فيما يبدو وظهرت بعدها فكرة إقامة نقابة للشرطة، وبعدها سمعنا عن تأسيس نادٍ لضباط الشرطة،
وإلى جانب هؤلاء سمعنا عن ضباط ضد الأخونة، وعن تجمع الضباط الملتحين.
ولم نعرف بالضبط ما هي المطالب المشروعة لهؤلاء.
وهل هي مطالب تتعلق بالتأمين والتسليح أم تتعلق بمكافحة الفساد أم بتحسين الأوضاع.
وما حدث مع الضباط تكرر بصورة أو أخرى مع أمناء الشرطة والأفراد.

لكن الذي لم أفهمه هو ذلك المطلب الذي أبرزته الصحف خاصة بمنع إقحام الشرطة في السياسة أو الاشتباك مع الجماهير. لأن المجتمع يريد منها أن تنفذ القانون وتحترم كرامة المواطن بصرف النظر عن هويته، ثم إن أحدا لا يستطيع أن يعفيها من التصدي للمظاهرات أو حماية المنشآت العامة، لأن ذلك يعني إعفاءها من مسؤولياتها الأساسية،
 لأن التحدي الحقيقي هو كيف يمكن أن تؤدي تلك الوظائف بأسلوب متحضر لا يهين المواطن ولا ينتهك حقه في الاحتجاج والتظاهر السلمي.

إن أحدا لا يستطيع أن يعترض على أهمية الاستجابة للمطالب المشروعة لرجال الشرطة باختلاف مراتبهم، لكنني أخشى أن يكون الضجيج المثار حول تلك المطالب هدفه صرف الانتباه عن محاسبة رجال الشرطة المسؤولين عن قتل المتظاهرين أو التعتيم على الدور الذي قام به القناصة أثناء الثورة، خصوصا أن ثمة جهدا بذل أخيرا لتسليط الضوء على شهداء الشرطة، الذين يستحقون منا كل الاحترام، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون مبررا لإغلاق ملف الأولين واستبعاد فكرة القصاص منهم.
................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar