Subscribe:

Ads 468x60px

04 فبراير، 2013

ورقة الجيش


صحيفة الشرق القطريه الاثنين  23 ربيع أول 1434 -  4 فبراير 2013
ورقة الجيش – فهمي هويدي

لا أستطيع أن أطمئن إلى براءة الرسائل التي توجه إلى الجيش المصري هذه الأيام.
تلك التي تحاول أن تغازله أو تحتمي به أو تستفزه أو تستدرجه بأي ذريعة أخرى لكي يعود إلى الساحة السياسية من أي باب،

ذلك أن أحدا لا يختلف على أن أحد الإنجازات المبكرة والمهمة التي حققها الرئيس مرسي أنه ألغى المجلس العسكري الذي بدا أنه استمرأ السلطة.
 فأعاد الرئيس الجيش إلى ثكناته لكي يؤدي دوره الوطني في مكانه الطبيعي وساحته الأصلية.

ولا يزال يحضرني تعليق مسكون بالدهشة والإعجاب، سمعته في أنقرة آنذاك خلاصته أن ما حققته الحكومة التركية في هذا الصدد بعد عشر سنوات (استبعاد العسكر من دائرة القرار السياسي) أنجزه الرئيس مرسي خلال أسابيع قليلة.

لقد حمـل البعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الفريق عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع بأكثر مما تحتمل، فحين قال في 29/1 إن استمرار الصراع الراهن بين القوى السياسية يهدد بانهيار الدولة المصرية، اعتبر البعض أن كلامه بمثابة إعلان عن إثبات الحضور وتعبير عن القلق جراء ابتعاد الجيش عن الساحة السياسية،

وذكرت صحيفة الحياة اللندنية أن الجيش أراد بذلك أن يكون له موطئ قدم في حلبة السياسة،
في حين قالت نيويورك تايمز إن كلامه يثير احتمال عودة الجيش إلى السياسة.

وقبل ظهور كلام الفريق السيسي دأبت بعض الأبواق الإعلامية على الإشارة إلى أن ثمة استياء في أوساط الجيش جراء المساس ببعض قياداته.
 وقرأنا آنذاك عنوانا رئيسا وتحذيريا أطلقته إحدى الصحف استخدم العبارة التالية:
 الجيش إذا غضب،
وفسرت الدعوة التي ألغيت بعدما وجهها وزير الدفاع إلى ممثلي القوى السياسية للالتقاء حول مائدة غداء بأنها من إشارات التواصل ومد الجسور مع الحالة السياسية.

وقرأنا بعد ذلك لمن دعا إلى تولي وزير الدفاع إدارة الحوار بين الرئاسة والمعارضة،
ثم طالعنا مبادرة للحوار مع الرئيس دعت إلى مشاركة وزيري الدفاع والداخلية،
وعاد أحدهم أخيرا لكي يحث الفريق السيسي على التدخل في اللعبة، ويذكره بأنه مدين لأهل السياسة بدعوة غداء لم تتم وعليه أن يفي بها...الخ.

الملاحظة بل المفارقة الأساسية في كل ذلك أن رموز المعارضة الذين يوجهون خطابات الاستدعاء المتلاحقة للجيش يقدمون أنفسهم بأنهم أنصار الدولة «المدنية».
الأمر الذي يعني أن خصومتهم للإخوان جعلتهم على استعداد للاستقواء بأي طرف لمواجهتهم وانزال الهزيمة بهم،
وهو ما يدعونا للقول بأن إخواننا هؤلاء إذا كانوا قد قبلوا الاصطفاف إلى جانب بعض رموز النظام السابق الذي هو الخصم الأساسي للثورة، فليس مستغربا أن يتخلوا عن مدنية الدولة، ويلجأوا إلى الجيش لذات الغرض.

أفتح هنا قوسا وأستأذن في نقل رواية سمعتها من أحد النشطاء البارزين قبل أيام. بعد الإعلان عن التوافق بين حزب النور السلفي وبين بعض قيادات جبهة الإنقاذ.
 إذ قال لي إنه شارك في حوارات مطولة لإقناع السلفيين بأن الليبراليين والعلمانيين ليسوا ملحدين أو كفارا، ولم يصدق أذنيه حين فوجئ بأن الطرفين أصبحا «يدا واحدة» الآن في بعض المواقف.

لا أعرف كيف استقبل الجيش تلك الدعوات والرسائل. ولا أنكر أن تصريحات بعض المنتسبين إليه تفتح الأبواب للحيرة والالتباس.
فلم يكن موفقا قائد الجيش الثاني بالسويس مثلا حين صرح لإحدى الصحف بأن الجيش يقف على مسافة واحدة من الجميع. لأنني أفهم أن المؤسسة العسكرية ليست محايدة بين المتصارعين في الساحة السياسية حتى الذين يشيعون الفوضى ويستخدمون العنف منهم.
 وأن المكان الطبيعي لها هو أن تقف مع الشرعية التي ارتضاها الشعب.

كما كان مستغربا أن يقول ضابط سابق له صلته الوثيقة بالأجهزة السيادية في أحد البرامج التلفزيونية إن مجموعة الكتلة السوداء (بلاك بلوك) التي ظهرت مؤخرا وشاركت في التخريب لا تمثل خطرا على البلد، فيما يعد قبولا ضمنيا بالدور الذي قامت به.

صحيح أن اللغط لم يتوقف في بعض الدوائر حول موقع وميزات المؤسسة العسكرية، وهناك مطالبات لا تخلو من وجاهة دعت إلى تخلي الجيش عن بعض الأنشطة الاقتصادية التي لا تليق بمكانته أو رسالته.
 لكن ذلك لا يخل بالإجمال الوطني على ضرورة الحفاظ على قوة الجيش ورفع كفاءته والنأي به عن التورط في آلاعيب السياسة وتقلباتها،
 إلا أن بيننا من يتجاهل كل ذلك ويسعى جاهدا إلى تحويل الجيش إلى «ورقة» يستقوي بها ويضغط، لترجيح كفة طرف في اللعبة السياسية في مواجهة طرف آخر،
وهو شيء محزن حقا أن يقف بعض دعاة الدولة المدنية وراء هذه المحاولات معرضين بذلك عن استخدام آليات الممارسة الديمقراطية،
 الأمر الذي يثير لدينا سؤالا كبيرا يشكك في أهليتهم لأن يكونوا بين خيارات المستقبل وبدائله التي يمكن المراهنة عليها.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar