Subscribe:

Ads 468x60px

09 يناير، 2013

عودة الروح لمصر البهية


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 27 صفر1434 -  9 يناير 2013
عودة الروح لمصر البهية – فهمي هويدي

رأيت مصر البهية في كنيسة قصر الدوبارة، بذات الوجه المشرق الوضاء والعين الحانية والصوت الندي المملوء بالثقة والمحبة. الذي عرفته في ميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير.

وهو الوجه الذي شحب وتغضن بمضي الوقت، حتى صرنا لا نرى فيه غير مصر الواهنة والمحتقنة، التي ملأ الحزن عينيها وبللت الدموع وجنتيها، وتعددت الندوب والجروح في وجهها.

الصورة الأولى كانت لمصر في عرسها.
وفي الثانية صارت مصر ساحة للتراشق والتجاذب والنواح.

الأولى كانت للحلم مرئيا على الأرض،
والثانية صارت للكابوس الذي أمسك بخناق الجميع.

لقد هزَّني الشريط الذي رأيته يوم الإثنين الماضي، بعدما صور زيارة إمام مسجد عمر مكرم المطل على ميدان التحرير مع بعض الشخصيات المسلمة لزيارة كنيسة قصر الدوبارة المجاورة، التي احتشد فيها عدد كبير من المسيحيين الإنجيليين لتهنئتهم بمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح.

كنت أعرف أن المسجد ليس بعيدا عن الكنيسة، وأنهما كانا جزءا من ثورة 25 يناير، حيث كان يأوي إليهما وينام فيهما الشبان الثائرون حين يحل بهم التعب، وكان يعالج فيهما المصابون أو يلوذ بهما الفارون من ملاحقات الشرطة.

 لم أكن أعرف أن إمام المسجد وراعي الكنيسة ظلا طول الوقت ينامان في سرير واحد، ويتناولان الطعام من صحن واحد ويشربان المياه من قنينة واحدة.

لم يكن أحدهما مسلما والثاني مسيحيا، وإنما تجاوز كل منهما هويته الدينية، وتحولا إلى ثائرين مصريين يجمع بينهما حلم واحد.

كان دخول مجموعة المسلمين مؤثرا ومهيبا.
إذ اخترقوا الصفوف وسط عاصفة من التصفيق المرحب، الذي استمر عدة دقائق إلى أن وصلوا إلى الصف الأول وأخذوا مكانهم فيه.

رأيت في عيون المصفقين لمعانا وفرحة لم أر لها مثيلا منذ فترة بعيدة.
 وفي حين ظلت أصداء التصفيق تتردد في جنبات المكان، ارتفعت الأصوات هاتفة «إيد واحدة»، أحدث الهتاف دويا استمر عدة دقائق، الأمر الذي اضطر أفراد المجموعة المسلمة إلى الوقوف لرد التحية والمشاركة في التصفيق،

 لم أصدق عيني حين رأيت دموع فتاة تنساب على خديها تأثرا بالمنظر، وحين لاحظت سيدات في سن الشيخوخة وقفن يرددن الهتاف بكل حماس، ويلوحن بسواعدهن وهن يقلنها بصوت عال: إيد واحدة.

بهرني المنظر وظللت أقترب من الشاشة لكي أملأ عيني مما أراه، وربما في محاولة لا شعورية للانضمام إلى المحتفين والبحث عن مقعد خال للجلوس فيه والاستمتاع بلحظات المشاعر الحميمة والدافئة،
 دعي إمام مسجد عمر مكرم الدكتور مظهر شاهين ليوجه كلمة إلى المحتشدين في الكنيسة. الذين تزايد عددهم بمضي الوقت، حين قدمت إلى المكان أعداد أخرى من المسيحيين والمسلمين، قال الرجل كلمة مناسبة قدم في بدايتها المجموعة التي جاءت معه،
وكان في مقدمتهم المستشار زكريا عبدالعزيز وآخرون لم أحفظ أسماءهم.

وظلت عاصفة التصفيق المدوي تقطع كلامه بين الحين والآخر، كلما أتى على ذكر المشترك الوطني بين المسلمين والمسيحيين. كأن الناس كانوا يريدون غسل أرواحهم من أجواء العراك والتجاذب والتلاسن التي خيمت على الفضاء المصري خلال الأشهر الأخيرة. حين شوهت ما كان جميلا وقطعت ما كان موصولا، وجرحت ما كان ناصعا وسويا.

بدا المشهد وكأنه جزء من الحلم، الأمر الذي جعلني أتساءل: أيهما القاعدة وأيهما الاستثناء.

هل هو ما نراه في الشارع السياسي ويلاحقنا صباح مساء على شاشات التلفزيون موزعا الإحباط والكآبة على الناس.
أم أنه هذا الذي رأيته بعيني داخل كنيسة قصر الدوبارة مسكونا بالصفاء والمحبة والأمل.

نبهتني المقارنة إلى أن خطاب الكآبة والمرارة واليأس تتبناه النخبة المحتشدة وراء الأبواق والمحتكرة لمنابر التعبير وبرامج التلفزيون،

أما رسالة الصفاء والمحبة والأمل فهي التعبير الحقيقي عن مشاعر الناس العاديين، الذين ليسوا طرفا في المشاحنات والضجيج، ويشغلهم مستقبل الوطن وليس الثأر من أي طرف أو الانتصار لأي طرف ضد آخر.

تمنيت أن يظهر شريط الفيديو على أكبر عدد من القنوات الفضائية، وأن يتم بثه مرات عديدة كل يوم، لتذكير الناس بأن جذوة الحلم لم تنطفئ بعد،
 وأن في مصر محبة وصفاء ومشاعر حميمة لم تنهزم أمام حملات الكآبة والتسميم أو رياح النفور والبغض.

قبل مشاهدة شريط الفيديو كنت قد قرأت خطبة الجمعة التي ألقاها عن فضائل مصر الشيخ محمد العريفي في أحد مساجد الرياض.
ورغم أنني وجدت فيها إنصافا غاب عن أذهان كثيرين، إلا أنني استشعرت نوعا من الحزن لأنني وجدته يتحدث عن مصر التي كانت، وهو شعور تبدد حين شاهدت ما جرى في كنيسة قصر الدوبارة، الأمر الذي أقنعني بأن مصر لا تزال محتفظة ببهائها، لكن مشكلتها تكمن في الأصباغ المزيفة التي يلونون بها وجهها وفي الواجهات المفروضة التي تجثم على أنفاسها.

إن ذهاب إمام وخطيب مسجد عمر مكرم إلى كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية وجه رسالة بديعة نتوق إلى استحضارها،

ولست أشك في أن الرسالة كان يمكن أن تصبح أفضل لو فعلها قادة حزب الحرية والعدالة مع الكنيسة الأرثوذكسية الذين لم أر لهم صورا ولا حضورا في المناسبة.

ــ هل هذا حدث فعلا أم أن العتب على النظر؟
.........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar