Subscribe:

Ads 468x60px

05 يناير، 2013

مناحة في بر مصر


صحيفة الشرق القطريه السبت 23 صفر1434 -  5 يناير 2013
مناحة في بر مصر – فهمي هويدي

مشاهدة مصر من خلال التلفزيون ترفع الضغط، وقراءتها في الصحف تجلب الاكتئاب.

كان ذلك شعوري حين غبت عن القاهرة عدة أيام فشاهدتها على الفضائيات، ثم حين طالعت الصحف بعد العودة.

وقد أقنعتني المقارنة بين الحالين أن التلفزيون أرحم نسبيا. لأن المرء إذا أصابه الملل أو الغم فبوسعه أن يضغط على زر «الريموت» لكي يتحول إلى قناة أخرى تريح أعصابه وقد تروح عنه.
 لكن الأمر مختلف مع الصحف لأنك إذا قلبت الصفحة وانتقلت إلى صفحة أخرى فسوف يلاحقك الغم والنكد بما تقرأ.
وإذا ضقت بالصحيفة وألقيتها جانبا ثم التقطت صحيفة أخرى فسوف تفاجأ بنفس الكلام وربما نفس الرسومات الكاريكاتورية.

 لذلك أقنعتني التجربة بأن مصر تعيش في الوقت الراهن أيام المناحة الكبرى. بعدما أصبح النائحون والنائحات يملأون الأفق بشخوصهم وأصواتهم، ويلاحقون المرء حيثما ذهب.

حتى إنني حين وضعت أعداد الصحف المصرية التي صدرت خلال الأيام الأربعة التي غبتها، فإنها بدت لي وكأنها سرادق كبير، اصطف فيه طوابير النائحين والنائحات المتشنجين منهم والمتشنجات،

 جميعهم تنافسوا في الصراخ والعويل وتفننوا في التعبير عن الحسرة والأسى، جنبا إلى جنب مع الهجاء واللعان.

 لم يكن الموقف جديدا، لكن الحشد هو الذي أثار الانتباه، ذلك أن الانطباع الذي يخرج به المرء من مطالعة ثماني صحف على الأقل في الصباح، لابد أن يختلف حين يضع المرء أمامه نحو ثلاثين صحيفة دفعة واحدة، تلقى في وجهه بجرعة من الكآبة لا تفلح أية أدوية موصوفة في علاجها.

يثير الانتباه أيضا أن الجميع يقولون كلاما واحدا بصياغات مختلفة.
فهم ينعون حظ مصر «الهباب» الذي قادته إليه الانتخابات،
وينددون بالكارثة التي حلت بها، والورطة التي وقعت فيها، والمستقبل الأسود الذي بات ينتظرها، بعدما صبرت طويلا وضحت كثيرا، وظنت أن الفجر قد لاح وأن الأزمة حين استحكمت، واشتدت فإن أوان الفرج قد حل. إلا أنهم ارتأوا أن ذلك بات وهما كبيرا، حيث انتقلت مصر من ظلمات إلى ظلمات، وخرجت من أزمة لتقع في براثن أزمة أخرى، فصارت كمن تخطى حفرة ثم وجد أنه وقع في بئر.

إذا غضضت الطرف عن اللغة المستخدمة في الصياح والعويل، خصوصا عن البذاءات والعبارات الهابطة التي يتم التراشق بها، ستجد أن الذين يظهرون على الشاشات يشكلون جناحا من الندابين والندابات.

لكن الأهم من ذلك أنك ستكتشف حين تنصت بأذنيك وترى بعينيك أن المجتمع ليس طرفا في العراك، فلا أحد مشغولا بحاجات الناس وهمومهم، لكن الجميع مشغلون بحساباتهم وطموحاتهم وأنصبتهم، وإصرارهم على هدم الآخر وإفشاله.

ثمة أسئلة يستدعيها المشهد، منها على سبيل المثال:
لماذا الكل مستغرق في النواح والتنديد بالمشكلة،
ولماذا لا نسمع أصوات الذين يفكرون في حلها؟
وهل هؤلاء الأخيرون اختفوا من الساحة أم أنهم موجودون، لكن أصواتهم لا تسمع وسط الضجيج المثار؟
وإلى أين سيقودنا النواح في نهاية المطاف..
وهل يخدم ذلك الثورة أم أنه يفتح بابا لتسرب عناصر الثورة المضادة، التي قد تستشعر ذات الحسرة ولكنها على المجد والسلطان الذي فقدوه، وليس على حلم الثورة الذي لم يتحقق؟

إن النواح والهجاء والملاعنة أمور بوسع أي أحد أن يمارسها،
 أما معالجة الأزمة وفك عقدها وتقديم حلول مقبولة لها، فهي تحتاج إلى عقل رشيد ونقاء في السريرة وإخلاص ومحبة للوطن تقدم مصالحه العليا فوق كل اعتبار آخر.

ومن غرائب المشهد الذي نحن بصدده أن خطاب النائحين فرض نفسه على الساحة. فصرنا نسمع الانفعال بأكثر مما نسمع لصوت العقل ونتراشق بأكثر مما نتحاور ونتبادل الشتائم والاتهامات بأكثر مما نلجأ إلى الأعذار أو نردد من الحجج.

وهي خلفية تدعونا إلى التساؤل عن تفسير لغياب دور الراشدين والغيورين، الذين لا أتصور أنهم جميعا غرقوا في مستنقع الاستقطاب، حيث أزعم أن عقل مصر أكبر من أن يبتذل إلى ذلك الحد.

في عام 1921، حين انقسمت مصر أثناء التفاوض مع الاحتلال البريطاني بين سعد باشا زغلول وعدلي باشا يكن وتعددت صور الصدام بين السعديين والعدليين (على النحو الذي سبق ذكره) هب رجالات من مصر لحل الإشكال، من الأمير عمر طوسون والأمير محمد علي إلى الشيخ بخيت والسيد البكري مرورا بالعديد من الشخصيات العامة، وتنافسوا في محاولة رأب الصدع وتجاوز المأزق،
وهذا الذي حدث قبل تسعين عاما نكاد نفتقده هذه الأيام، حتى أزعم أن أهم أسئلة الساعة في الوقت الراهن هو:
لماذا لا نرى حضورا في ساحة العراك لعقل مصر وأبنائها الغيورين الذين استعلوا فوق الاستقطاب واستهجنوه؟
..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar