Subscribe:

Ads 468x60px

13 يناير، 2013

مغامرة الإسلاميين الخطره


صحيفة الشرق القطريه الأحد  1 ربيع أول 1434 -  13 يناير 2013
مغامرة الإسلاميين الخطره – فهمي هويدي

انخراط الجماعات الإسلامية في العمل السياسي يمثل مغامرة لا يدرك كثيرون عواقبها.
ليس فقط لقلة خبرتها في ذلك المجال، الأمر الذي قد يعرض المصالح العليا للخطر.
وليس فقط لأن من شأن ذلك أن يشق الصف الوطني ويحوله إلى معسكرين متنافسين أو متقاتلين أحدهما ديني والآخر مدني.
وإنما لأن ذلك يؤدي إلى انسحابهم من ساحة الدعوة ومن ثم إحداث فراغ مجتمعي يستدعي آخرين لملئه، الأمر الذي يفتح الأبواب لشرور لا أول لها ولا آخر.

الحاصل في السودان يمثل تجربة مهمة تستحق النظر في هذا السياق، خصوصا أنها تعد أول وأقدم حالة تولى فيها الإسلاميون السلطة في العالم العربي، في أعقاب الانقلاب الذي شهدته الخرطوم في شهر يونيو من عام 1989.

منذ ذلك التاريخ برزت الحركة الإسلامية التي وقفت وراء الانقلاب، ثم ظهر حزب المؤتمر المنبثق من الحركة والذي يعد واجهة سياسية لها مفتوحة لعضوية الجميع بمن فيهم أشخاص ليسوا من أعضاء الحركة.

وفهم أن الحركة تمارس الدعوة، وأن حزب المؤتمر هو الذي سيخوض غمار السياسة.
ثم كان هناك كيان ثالث هو الحكومة، التي يفترض أن تشكل من ممثلي الأحزاب الفائزة في الانتخابات.

من الناحية النظرية يفترض أن يكون كل كيان منفصلا عن الآخر. لكن ذلك لم يحدث في الواقع، لأن قياديي الحركة أصبحوا قياديين في الحزب ومكتبه السياسي ومجلس شوراه، كما أنهم أصبحوا مسؤولين في الحكومة،

وأيا كانت ملاحظاتنا على هذه التركيبة، فما يهمنا في الأمر أن الجميع انخرطوا في اللعبة السياسية وفتنوا بها، واختفوا بصورة تدريجية من ساحة الدعوة،
وتصادف أن تزامن ذلك الغياب الذي استمر نحو ربع قرن وبرزت اتجاهات جديدة في الساحة وطرأت متغيرات كثيرة في الأفكار والمعتقدات والمرجعيات فضلا عن ثورة الاتصال بطبيعة الحال.

في شهر نوفمبر الماضي عقد حزب المؤتمر اجتماعه السنوي الذي وُوجِه بحقيقة التغيرات التي ظهرت على الأرض، وكان أبرزها تمدد الحركة السلفية وانتشارها، حتى أصبحت مسيطرة على 600 مسجد في الخرطوم وحدها.

 ثم ظهور ما سمي بالسلفية الجهادية التي تعتمد العنف سبيلا إلى التغيير، وينطلق إطارها الفكري من تكفير المجتمع ووجوب مقاتلة مؤسساته،

وتبين أن عناصر السلفية الجهادية لهم علاقة بتنظيم القاعدة، كما أن لهم علاقاتهم مع حلقات السلفية الجهادية في الخارج، الأمر الذي دفع بعضهم إلى المشاركة في القتال بالصومال والسفر إلى جمهورية مالي للانضمام إلى مجموعات القاعدة التي قامت بتدمير الأضرحة ومحاولة تأسيس إمارة إسلامية في شمال البلاد.

الأخطر من ذلك أنهم اكتشفوا مجموعة من الشبان (31 شخصا) في منطقة الدندر بولاية النيل الأزرق يخزنون السلاح ويتدربون عليه تمهيدا لإقامة إمارة إسلامية لهم هناك.

وتبين أن بينهم أبناء لبعض قيادات الحركة الإسلامية الذين انغمسوا في العمل السياسي ولم يلتفتوا إلى أبنائهم، الذين جذبتهم الأفكار المتطرفة فذهبوا بعيدا إلى الحد الذي أوصلهم إلى مشارف تنظيم القاعدة.

اشتبكت الشرطة مع أولئك الشبان، وقتلت منهم واحدا، وتم الاستيلاء على الأسلحة التي قاموا بتخزينها. وهم ينتظرون المحاكمة الآن في الخرطوم.

في حدود علمي فإن المملكة المغربية هي البلد الوحيد في العالم العربي الذي نجحت فيه إلى حد كبير عملية الفصل بين الحركة الإسلامية الأم (التوحيد والإصلاح) وبين حزب العدالة والتنمية الذي فاز في الانتخابات ورأس الحكومة أمينه العام عبد الله بنكيران.
(للعلم الحزب المغربي أقدم من حزب العدالة والتنمية التركي وقد تم استئذانهم في الرباط لاستعارة الاسم قبل إطلاق الحزب التركي).

لست واثقا من نجاح هذه التجربة في علاقة إخوان مصر بحزب الحرية والعدالة.
لكن التجربة لم تنجح في علاقة إخوان الأردن مع حزب جبهة العمل الإسلامي.
ولا تزال هناك علامات استفهام حول موقف حركة النهضة في تونس من السلفيين
وكذلك موقف حزب الإصلاح في اليمن من القاعدة.
 أما في الجزائر التي تتولى الأجهزة الأمنية فيها رسم خرائط السياسة فإن الحركة الإسلامية تشرذمت وتفتت حتى أصبحت الجماعة المسلحة هي اللاعب الأهم في الساحة.

إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون في الوقت الراهن بوجه أخص إلى جهود الراشدين والمعتدلين في الساحة الإسلامية،
ومن المفارقات أن أولئك المعتدلين يغادرون الساحة ويهرولون الآن إلى ملعب السياسة.
فيتركون موقعا تميزوا فيه ولم ينافسهم عليه أحد، إلى جبهة تنافس عليها آخرون ممن تفوقوا عليهم وسبقوهم.
وكان ذلك سحبا من رصيد الرشد المفترض فيهم.
ليس فقط لأنهم فقدوا تميزهم، ولكن أيضا لأنهم أحدثوا فراغا تمدد فيه غيرهم. فلا هم خدموا الدين ولا هم فازوا بالدنيا.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar