Subscribe:

Ads 468x60px

31 ديسمبر، 2012

أقنعونا ولا تطربونا


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 18 صفر1434 -  31ديسمبر 2012
أقنعونا ولا تطربونا – فهمي هويدي

حين وجه الرئيس محمد مرسي خطابه إلى الأمة في أعقاب إعلان نتائج الاستفتاء على الدستور، (مساء الأربعاء 27/12) وتضمن من الإنشاء أكثر ما تضمن من الرؤية للمرحلة الجديدة، فضلت عدم التعليق على مضمونه، وقلت لابد أنه أجل الكلام المهم إلى خطبة افتتاح مجلس الشورى بعد انتقال سلطة التشريع كاملة إليه.

لذلك انتظرت المناسبة، وحين قيل لي إن الرئيس بدأ خطبته قبل ظهر السبت 29/12 تركت ما بين يدي من عمل وحرصت على أن أتابعه منذ اللحظة الأولى، متوقعا الكلام المهم الذي انتظرته.
ولا أخفي أنني أصبت بالإحباط حين انتهى الخطاب الذي لم أجد فيه الكلام المنتظر، حتى أنني رفضت التعليق عليه حين سألتني عنه زميلة صحفية في جريدة الأخبار، وآثرت أن أسمعه مرة أخرى حين يعاد بثه حتى أكون عنه انطباعا غير متأثر بمشاعر الإحباط التي انتابتني،

وحين حدث ذلك سمحت لنفسي أن أسجل عليه أربع ملاحظات هي:

< أنه حفل بالتعبيرات الإنشائية التي تحدثت عن الشعب العظيم والثورة العظيمة ومصر التي لن تركع أبدا وعرفت الله منذ فجر التاريخ وعاشت في تلاحم ضم كل مكونات الوطن، الذي هو بحاجة إلى كل السواعد وكل الأطياف..الخ.
وهي المعاني التي كررها الرئيس في أكثر من مناسبة. ولا أظن أنها أضافت كثيرا إلى معارف السامعين.

< أنه مس بصورة مخففة لم تتجاوز عبارة الدعوة إلى الحوار حقيقة الأزمة السياسية التي تمر بها مصر، في ظل الانقسام بين القوى السياسية والكتل الجماهيرية الذي اتضح في التصويت على الاستفتاء، في حين أن ذلك أمر كان يستحق منه اهتماما أكبر.

< أنه ركز على المشهد الاقتصادي وكان جيدا أن أعلن عن تشكيل مجلس للتنمية الاقتصادية برئاسته لتأكيد اهتمامه بالموضوع، إلا أنه حرص على أن يقدمه بصورة وردية تبعث على التفاؤل والثقة في المستقبل.
وضرب لذلك أمثلة عدة كان واضحا أنها تقارير للجهات الاقتصادية المختصة التي حرصت على أن تبرز المؤشرات الإيجابية وتشرح معالم الجانب المضيء والمتفائل من المشهد.

< أنه في سعيه لإشاعة التفاؤل تحدث عن بعض المشروعات المستقبلية بعيدة المدى، التي من شأن تنفيذها أن يقلب المعادلة ويعيد إلى مصر مكانتها وريادتها و... و... و...إلخ.

لم أسترح للخطاب الذي وجهه الرئيس، ونقلت انطباعي هذا لأحد مساعديه، فكان رده أنه أراد موازنة الصورة الكئيبة والقاتمة التي روجت لها وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة مدعية أن مصر على وشك الإفلاس ونظامها الاقتصادي موشك على الانهيار وثورة الجياع على الأبواب.

لذلك فقد حرص الرئيس على أن يقول صراحة إن الذين يتحدثون عن إفلاس مصر هم المفلسون، وهي العبارة التي استقبلت بعاصفة من التصفيق.

تفهمت الفكرة وتحفظت عليها. ذلك أن الرئيس أراد أن يواجه غلوا وإفراطا في التشاؤم بإفراط مقابل في التفاؤل. وكان ذلك خطأ كبيرا.
ولم أكن وحدي الذي لاحظ ذلك، لأنني تلقيت اتصالات من أكثر من واحد لم يستريحوا إلى هذه اللغة، وقال لي أحدهم إن الرئيس في تفاؤله بدا وكأنه يتحدث عن بلد آخر غير مصر.

مشكلة اللغة التي أفرطت في التفاؤل، ليس فقط أنها لا تقنع الناس ولا تنفذ إلى عقولهم وقلوبهم، ولكنها أيضا تفقد ثقة الناس في شخص المتحدث، في صدقه وشفافيته. لأنهم حين يسمعون كلاما متفائلا ويرون ــ ويعيشون ــ واقعا على النقيض مما سمعوا به، فإنهم سيصدقون واقعهم وسيكذبون آذانهم ولن يطمئنوا إلى ما يقال لهم في المستقبل.

لقد تمنيت أن يقدم الرئيس تصورا لحل الأزمة السياسية، مصحوبا بإجراءات وخطوات سوف يقدم عليها لإعادة اللحمة إلى الجماعة الوطنية.

 تمنيت أيضا أن يصارحنا بحقيقة الموقف الاقتصادي، الذي ليس على وشك الإفلاس حقا، لكنه يواجه أزمة ينبغي أن يصارح الشعب بحجمها الحقيقي، ليس فقط لتأكيد الشفافية وتعزيز الثقة، ولكن أيضا لكي يتهيأ الرأي العام لاستقبال القرارات الاقتصادية التي سوف تضطر الحكومة لاتخاذها في المستقبل، والتي ستحمل الناس بأعباء لا ينبغي أن يفاجأوا بها.

تمنيت أن يوجه الرئيس نداء إلى الناس بعد أن يصارحهم بالحقيقة يقول لهم فيه تعالوا نقتسم الهم أو الفقر، ثم يحدثهم عن تصوره لمواجهة الأزمة، لا أن يدغدغ مشاعرهم بمعلومات تخدرهم وتسرب إليهم شعورا مؤقتا بالسكينة والاطمئنان.

إن الخطاب الإنشائي لم يعد يقنع الناس، الذين شبوا عن الطوق، وانخرطوا جميعا في الشأن السياسي بعد ثورة 25 يناير، وحين استعادوا وعيهم وحضورهم بعد طول غياب فإنهم أصبحوا أكثر استعدادا للمشاركة وتحمل المسؤولية، وباتوا بحاجة إلى خطاب يقنعهم وليس فقط يطربهم.
......................

29 ديسمبر، 2012

الفلسطينيون «الإرهابيون»!


صحيفة الشرق القطريه الأحد 17 صفر1434 -  30ديسمبر 2012
الفلسطينيون «الإرهابيون»! – فهمي هويدي

هللت بعض الصحف المصرية لأن شابا من أصل فلسطيني ألقي القبض عليه ضمن آخرين ممن تم احتجازهم والتحقيق معهم في واقعة الاعتداء على رئيس نادي القضاة.
وهي القصة المفتعلة التي تحيط بها شكوك كثيرة حيث لم يثبت أن هناك اعتداء من الأساس،

ومع ذلك جرى النفخ فيها والتهويل منها، حتى وصفها بعض المحرضين بأنها إيذان ببدء عهد «الاغتيالات» في مصر.. هكذا مرة واحدة!

لا أعرف كيف سينتهي الأمر، لكن معلوماتي أن الشبان الثلاثة الذين ألقي القبض عليهم ذكروا في التحقيق، أنهم كانوا خارجين بالصدفة من أحد المحال العامة،
وحين شاهدوا الرجل هتفوا ضده فتمت ملاحقتهم وتعرضوا للضرب المبرح من جانب بعض أنصار صاحبنا، ولم ينقذهم من أيديهم سوى الشرطة التي هرعت إلى المكان.

أثار انتباهي في المسألة أمران،
أولهما إبراز بعض الصحف لهوية الشاب المولود في مصر ولم ير فلسطين في حياته، لكنه أصبح مشتبها لأن أباه فلسطيني وأمه مصرية(شقيقتاه متزوجتان من مصريين. ثانيها أن بعض محامي رجال النظام السابق تلقفوا الخبر واعتبروه قرينة حاولوا الاستدلال بها على أن الفلسطينيين ــ وليس الشرطة ولا رجال مبارك ــ ضالعون في الجرائم التي ارتكبت أثناء الثورة.

إذ نشرت الصحف أن محامي مبارك وهو يدافع عنه في قضية قتل المتظاهرين وجه الاتهام إلى جماعة الإخوان وحركة حماس في المسؤولية عن قتل المتظاهرين.

واستند في ذلك إلى شهادة للواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق ذكر فيها أنه تم رصد 90 مسلحا فلسطينيا من كتائب القسام التابعة لحركة حماس و80 عنصرا من حزب الله، دخلوا إلى مصر عبر أنفاق رفح،

وقال إن هؤلاء هم الذين قاموا بقتل المتظاهرين، وهم الذين اقتحموا سجن وادي النطرون وأخرجوا المسجونين من عناصر حزب الله، كما أخرجوا قيادات الإخوان التي احتجزت فيه.

القصة ذاتها رددها محامي اللواء العادلي وزير الداخلية الأسبق الذي قال في مرافعته إن أجهزة المخابرات المصرية رصدت اتصالات بين قيادات حماس في غزة وقيادات الإخوان في مصر للاتفاق على استقدام عناصر مسلحة من كتائب القسام للمشاركة في عمليات التخريب والفوضى التي حدثت يوم 28 يناير، حيث اندس هؤلاء وسط المتظاهرين وأطلقوا عليهم النيران التي أسفرت عن قتل العشرات منهم للتعجيل بإسقاط نظام مبارك.

كأن المحاميين في محاولتهما تبرئة مبارك والعادل، أرادا غسل أيدي الأخيرين من الجريمة وتوجيه الاتهام إلى طرفين خاصمهما النظام السابق وهما الإخوان وحركة حماس.

ولأن إقحام الإخوان ضمن لائحة الاتهام قصة جديدة فسوف ننحيه جانبا، وسنظل مع اتهام فلسطينيي حماس بقتل المصريين وإشاعة الفوضى في البلد، وهي الصورة التي حرصت الأجهزة الأمنية على ترويجها في عهد مبارك، والتي ظلت ترددها الأبواق الإعلامية آنذاك حتى نجحت في إثارة الضغينة لدى البعض ضد الفلسطينيين. حتى صاروا في نظر البعض «إرهابيين ومخربين»، وهي ذات الأوصاف التي تطلق عليهم في إسرائيل.

لا أعرف كيف يمكن لعاقل أن يقتنع بأن الفلسطينيين يمكن أن يقتلوا المصريين بغير سبب أو مبرر، أو أن يسعوا إلى إشاعة الفوضى في مصر التي هم بحاجة إليها.

ويحتاج المرء لأن يلغي عقله لكي يصدق أن جماعة حماس اشتركت في قتل المتظاهرين، الذين كان الإخوان بينهم،
لكن شيطنة حماس التي كانت سياسة ممنهجة في عهد مبارك نجحت في تشويه إدراك كثيرين انطلت عليهم أكذوبة «الخطر» الذي ادعوا أن غزة تمثله بالنسبة لمصر.

ومن خلال تلك الشيطنة اقتنع البعض بأن غزة باتت تهرب السلاح (الذي هي في أشد الحاجة إليه) لإثارة القلاقل في مصر.
كما اقتنعوا بأن الفلسطينيين يتطلعون إلى التمدد في سيناء واختطافها.

وأشاع أحدهم أن انقطاع تيار الكهرباء في مصر سببه أن «حكومة الإخوان» تمد غزة بالطاقة على حساب المصريين.
 وقيل في هذا الصدد إن رئيس الوزراء المصري تحمس للفكرة لأن زوجته شقيقة لزوجة السيد إسماعيل هنية، الأمر الذي كذبه الدكتور هشام قنديل وقال لي إن مصر تزود غزة بما يعادل واحدا على 1200 من استهلاكها، وهي لا تهديه إلى حكومة القطاع ولكنها تبيعه لها.

عملية شيطنة الفلسطينيين قد تكون مفهومة في ظل نظام مبارك باعتباره كنزا استراتيجيا لإسرائيل، لكننا لابد أن نستغرب استمرار تلك السياسة بعد الثورة، لأن المستفيد الوحيد منها طرف واحد هو إسرائيل،

ولا تفسير لذلك سوى أن الرجل الكنز ذهب حقا لكن أبواقه الإعلامية لا تزال باقية.
واللبيب بالإشارة يفهم.
......................

ضرورة نقد الذات


صحيفة الشرق القطريه السبت 16 صفر1434 -  29ديسمبر 2012
ضرورة نقد الذات – فهمي هويدي

لا يستطيع المرء أن يكتم دهشته حين يقرأ في صحف الصباح تصريحا منسوبا إلى أحد المسؤولين بالإخوان يقول فيه إن الجماعة تطالب بست (في قول آخر بثماني) حقائب في الحكومة التي دعا الرئيس مرسي إلى تعديلها.
 ليس العدد سبب دهشتي ولكنها الفكرة ذاتها.
ذلك أنني أستغرب أن تفكر أي قيادة في الإخوان في زيادة تمثيلها في الحكومة، في حين تتراجع شعبيتها في الشارع.

وسواء كان ذلك راجعا إلى أخطاء وقعت فيها الجماعة وأدت إلى إضعاف أو هدم جسورها مع القوى السياسية الأخرى، أو إلى كثافة الإعلام المضاد، فالنتيجة واحدة.

بالتالي فما ينبغي أن تنشغل به الجماعة في الوقت الراهن هو تقوية الحكومة وتعزيزها بأرفع الكفاءات إلى جانب كيفية ترميم علاقتها مع الآخرين. وليس تكثيف وجودها في السلطة.

وكان ظني ـ ورجائي ـ أن تجري قيادة الجماعة في هذه المناسبة نقدا ذاتيا شجاعا أولا، لتقييم الثمن الذي دفعته الجماعة من جراء تحالفها مع السلفيين.

وثانيا لتحري الأسباب التي أدت إلى انفضاض كثيرين من حولها أشخاصا كانوا أم أحزابا.
وفي ذات الوقت تفكر جديا في تصحيح ذلك الموقف وإعادة مد الجسور مع بقية القوى السياسية، أو على الأقل مع الأطراف الذين لم يكونوا خصوما لها.
وفي هذه الحالة فإن التفكير الذي أتصوره سديدا ينبغي أن يتجه إلى توسيع ضم الآخرين المعارضين للحكومة إلى جانب إعلاء قيمة الكفاءة فوق الانتماء للجماعة.

لقد كان لي في وقت مبكر تحفظ على فكرة تشكيل الإخوان للحكومة أيا كانت الأغلبية التي تمتعوا بها في الانتخابات النيابية، لأسباب تعلقت بالملاءمة السياسية والخبرة العملية.

واقترن ذلك التحفظ بتحذير الإخوان من ثلاث فتن باتوا يتعرضون لها، حصرتها آنذاك في فتنة الأغلبية وفتنة السلطة وفتنة الإعلام.

لكن الأمور اتخذت مسارا آخر، ففاز الإخوان بالرئاسة، ولم يشكلوا حكومة إخوانية لكن رئيس الجمهورية كلف شخصية غير إخوانية برئاستها.
واختار لها خمسة من الإخوان من بين 35 وزيرا في الحكومة.

ومع ذلك فقد غابت عنها القوى السياسية الأخرى بعد اعتذارها عن عدم المشاركة.
وحتى إذا كان الاعتذار غير بريء
(سمعت من أحد المعتذرين قوله إن حزبه أراد للإخوان أن يشربوها وحدهم)
 فقد كان يتعين على الإخوان أن يضموا إلى الوزارة أكبر عدد من الخبراء ذوى الكفاءات المستقلة التي يمكن أن يمثل وجودها إعلانا جادا ومقنعا عن أنها حكومة وحدة وطنية وليست حكومة الإخوان.

ورغم أن المأزق الاقتصادي الذي تواجهه مصر الآن كان ينتظر أي حكومة أخرى، إلا أن الرأي العام سيظل يربط بين ذلك المأزق وبين جماعة الإخوان دون غيرها.

لست في وارد تقييم موقف الجماعة، الذي أرجو أن تمارسه قياداتها وقواعدها، لكنني أقول بسرعة إن كثيرين من المتحدثين باسمها استسلموا للفتن الثلاث التي حذرت من الوقوع فيها،
الأمر الذي يسوغ لي أن أقول إنهم كانوا ولا يزالون ظالمين ومظلومين.

وفي هذا الصدد فإنني لست أبرئ المعارضين الذين كان أكثرهم حريصا على تصفية الحساب معهم وإفشالهم. بأكثر من حرصه على التعويل على ما هو إيجابي في محيطهم لصالح تحقيق أهداف الثورة وإقالة البلد من عثرته.
 من ثَمَّ فإن منهم من ظل مشغولا بهزيمة ما سمى بالإسلام السياسي بأكثر من انشغاله بالانتصار للثورة وإعلاء مصلحة الوطن.

لن أستغرب إذا قيل إن الخبر الذي نشرته الصحف عن مطالبة الإخوان بذلك العدد من الحقائب الوزارية غير صحيح، وأنه جزء من حملة التشويه التي يتعرضون لها عبر وسائل الإعلام المنحازة.
وهو أمر ليس مستبعدا لأننا نتابع أصداء هذه الحملة منذ تولى الدكتور مرسي منصبه.

وقد قرأنا قبل أيام قليلة في عناوين تحذيرية صارخة أن الإخوان طلبوا ترخيص 470 قطعة سلاح، وانهالت علينا التعليقات والرسوم الكاريكاتورية المنددة بالمطلب والمستهجنة له، إلى أن كذبت وزارة الداخلية الخبر.
ومع ذلك ظل التنديد مستمرا.

ليست تلك هي الحالة الوحيدة بطبيعة الحال لأن حرب الشائعات تعد أحد الأسلحة الفتاكة المستخدمة في التجاذب السياسي الذي تشهده مصر. إلا أن ما شجعني على التعليق على خبر الحقائب الوزارية والاستطراد فيه أن أحدا من الجماعة لم يكذبه حتى الآن.

ولا أخفي أنني انتهزتها فرصة لتنبيه الإخوان وتحذيرهم خصوصا أن ثمة انتخابات نيابية في الطريق، حيث سيتعرض الجميع للامتحان، الذي فيه يكرم الحزب أو يهان.
.................

27 ديسمبر، 2012

في ملعب الديموقراطية


صحيفة الشرق القطريه الخميس 14 صفر1434 -  27ديسمبر 2012
في ملعب الديموقراطية – فهمي هويدي

تكمن أهمية اشتراك أحزاب المعارضة المصرية في الانتخابات النيابية القادمة في أن القرار يعد خطوة باتجاه الانتقال من لعبة المليونيات إلى لعبة الديمقراطية،
ومن التجاذب في الشوارع والميادين إلى الحوار داخل المؤسسات،
ومن الاستقواء بالحناجر وضجيج الفضائيات، إلى الاحتكام إلى التصويت تحت قبة البرلمان.

وذلك إذا تم فإنه يعد تطورا مهما يفترض أن يؤدي إلى ترشيد العمل السياسي وعقلنته.
 وهو ما تمناه كثيرون ممن يتطلعون إلى استقرار الأوضاع في مصر. وإنهاء مظاهر القلق والفوضى التي أوقفت الحال وأرهقت العباد وشوهت صورة الثورة في الداخل والخارج.

حتى إذا صح ما ذكره أحد القياديين في جبهة الإنقاذ من أنهم سيدخلون إلى البرلمان لإسقاط الدستور، فإن الخطوة تستحق الترحيب حيث إنها تنقل التجاذب والصراع بعيدا عن الشارع،

وإن تمنيت أن يكون الهدف الأول لتلك المشاركة هو تحقيق أهداف الثورة في الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي.

ذلك أن الكلام عن إسقاط الدستور من خلال البرلمان المنتخب، وإن كان حقا مشروعا تكفله آليات الممارسة الديمقراطية، إلا أنه يعد حلقة في صراع النخب الذي استهلك طاقاتها خلال الأسابيع الأخيرة، وشغلها عن الاهتمام بمعاناة الناس ومشكلاتهم الحياتية.

بهذه المناسبة فإنني لم أفهم لماذا قررت أحزاب المعارضة مقاطعة اجتماعات الحوار الوطني في حين قبلت بالمشاركة في الانتخابات.

ذلك أن قرار الانتقال من تجاذبات الشارع وصراع الحناجر إلى الجلوس حول طاولات الحوار، كان يقتضى الاستجابة للدعوة التي وجهت إلى القوى الوطنية لإجراء الحوار بهدف التوافق حول الملفات الخلافية بما في ذلك بعض مواد الدستور الجديد.

وكانت المعلومات الأولية قد أشارت إلى أن ممثلي جبهة الإنقاذ الوطني أبلغوا الأمانة المختصة بترتيب الحوار بأنها ستشارك في اجتماعاته التي ستعقد بعد الاستفتاء، لكن يبدو أن ضغوطا مورست للعدول عن الفكرة والاستمرار في تبني موقف المقاطعة،
وهو ما يلفت انتباهنا إلى حقيقة ينبغي ألا نتجاهلها، خلاصتها أن هناك أطرافا فاعلة في الساحة تعارض التوافق وترفض الحوار، وهي ليست ضد الدستور فحسب، ولكنها ضد كل ما هو قائم.

 وهي ذات القوى التي ما برحت تطعن فيما تم بناؤه حتى الآن من شرعية الرئيس مرسي إلى التشكيك في شرعية مجلس الشورى والجمعية التأسيسية، بل وفي شرعية الدستور ذاته.

لا أعرف شيئا عن الحوارات التي دارت بين أحزاب المعارضة وخلصت إلى تأييد فكرة المشاركة في الانتخابات والبرلمان.

وأرجو أن يكون الذين أصدروا القرار واعين بأهمية المفاصلة مع النظام السابق ورموزه، خصوصا بعد تسرب معلومات عن اتصالات بين بعض رموز المعارضة وبين عناصر من «الفلول» استهدفت التنسيق بين الطرفين لمواجهة «الخصم المشترك» المتمثل في الإخوان المسلمين وحلفائهم من فصائل ما يسمى بالإسلام السياسي.

وهي صفقة خطرة ـ إذا تمت ـ لأنها تعد خطوة باتجاه فتح الأبواب للثورة المضادة، التي تستهدف الجميع بمن فيهم أحزاب المعارضة الحليفة.

تبقى بعد ذلك ثلاث ملاحظات هي:

ـ إن أحزاب المعارضة أمامها فرصة ذهبية لإثبات حضور قوي في المجلس النيابي الذي يفترض انتخابه بعد شهرين من الآن.
 ذلك أنه إذا استمرت المؤشرات المرصودة حاليا التي توحي بتراجع نسبي لشعبية الإخوان والسلفيين في المناطق الحضرية على الأقل، فإن من شأن ذلك أن يحدث فراغا تستطيع تلك الأحزاب أن تتقدم فيه وتستفيد منه بحيث تصبح منافسا قويا يطوي صفحة سيطرة الإخوان والسلفيين على البرلمان أو يقلل من وطأتها.

ـ إن قوى المعارضة لن تستطيع أن تستفيد من هذه الفرصة إلا إذا شاركت في الانتخابات ككتلة واحدة، وهو أمر مشكوك فيه لأن أغلبها حديث التكوين ويلتف حول أشخاص بأكثر من التفافها حول أفكار وبرامج.

وقد شهدنا ما لا حصر له من خلافات وتجاذبات بين تلك الأحزاب منذ قامت الثورة، وحين اجتمعت فيما بينها في الآونة الأخيرة. فلم يكن ذلك راجعا إلى تقارب في الأفكار والبرامج بقدر ما كان احتشادا ضد الرئيس مرسي والإخوان.
بما يعني أن ذلك الهدف يمثل نقطة اللقاء الوحيدة فيما بينها.
 أما حين يتعلق الأمر بالأنصبة والتمثيل في المجلس النيابي فإن الخلافات قد تعود إلى سابق عهدها الأمر الذي يضعف الجبهة في نهاية المطاف.

ـ إن قرار أحزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات، وتزامن ذلك مع انسحاب عناصرها من الاعتصام أمام قصر الاتحادية، يفترض أن يستصحب انسحابا مماثلا من ميدان التحرير.
 كما يستصحب دعوة المستقلين المعتصمين معهم إلى إنهاء اعتصامهم بدورهم، حيث لم يعد هناك مبرر لذلك بعد تمرير الدستور وإنهاء العمل بالإعلانات الدستورية. والاتجاه إلى الانتخابات البرلمانية.

علما بأن ميدان التحرير جرى ابتذاله بحيث لم يعد ساحة للاحتجاج فحسب، وإنما تحول إلى معقل للبلطجة أيضا.
........................

Delete this element to display blogger navbar