Subscribe:

Ads 468x60px

31 أكتوبر، 2012

في حضرة الربيع العربي


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 15 ذو الحجة 1433 -31 أكتوبر 2012
في حضرة الربيع العربي – فهمي هويدي

يحاكم في الأردن في الوقت الراهن أربعة من المثقفين والسياسيين البارزين بتهمة المساس بكرامة الملك والتشجيع على القيام بأعمال غير مشروعة من شأنها تقويض نظام الحكم.

والأربعة يمثلون مختلف الاتجاهات في المملكة ــ العشائرية والليبرالية والإسلامية واليسارية
ــ وفهمت مما نشر عن القضية أنهم كانوا ضيوفا على أحد البرامج التلفزيونية،
وقال بعضهم كلاما جريئا تجاوز السقف المتعارف عليه، الأمر الذي أدى إلى توجيه تلك التهم الكبيرة إليهم.
 كما أدى إلى حجب القناة وتقديم الضيوف إلى محكمة جنايات عمان، بعدما ضم إليهم مالك القناة الخاصة ومقدمة البرنامج.

هذا الذي حدث في الأردن له نظيره في مختلف الدول الخليجية بوجه أخص. التي شهدت خلال الأشهر الماضية حوارات وتعليقات تجاوزت السقوف المتاحة، الأمر الذي أدى إلى مساءلة عشرات المثقفين والشبان والفتيات الذين رفعوا أصواتهم، وعبروا عن انتقاداتهم للأوضاع القائمة بصياغات مختلفة ضاقت بها صدور المراجع العليا.

وتتداول الدوائر المعنية بحقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي والعالم العربي قوائم بأسماء هؤلاء الأشخاص في السعودية والإمارات وسلطنة عمان والبحرين.
والقاسم المشترك بين الجميع هو اتهامهم بالمساس بأهل الحكم والخروج على طاعة أولى الأمر،
وفي بعض الدول أضيفت اتهامات أخرى منها الانتساب إلى التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين والعمل لحساب جهات خارجية (يقصد بها إيران).

لست في مقام الدفاع عما صدر عن أولئك الأشخاص، خصوصا إذا كان قد تجاوز النقد السياسي الموضوعي ولجأ إلى الإهانة أو التجريح.
لكني لا أستطيع أن أتجاهل دلالة بروز ظاهرة الجرأة في التعبير خلال العام الأخير، وتزامنها مع تجليات الربيع العربي في خمس دول عربية، تم فيها تغيير الأنظمة القائمة أو أشهرت على الملأ فيها الرغبة في التغيير، (كما حدث في سوريا).

الأمر الذي يؤيد ما ذهبت إليه وتحدثت عنه في أكثر من محفل، من أن «تسونامي» التغيير أقوى بكثير مما نظن، حيث ترددت أصداؤه في العالم العربي بأسره.
وبعض تلك الأصداء ظهر فوق السطح، والبعض الآخر لا يزال يتفاعل تحت السطح.
وما يحدث في الدول الخليجية من ذلك الصنف الأخير. وليس بعيدا عنه ما يحدث في الأردن والجزائر أو في السودان وموريتانيا.

صحيح أن الدول التي تم فيها التغيير هي التي لفتت الأنظار وأثارت الانتباه، إلا أن التجاوب السريع مع تلك الرغبة الذي ترددت أصداؤه في أنحاء العالم العربي بلا استثناء جاء تعبيرا عن توق الشعوب العربية إلى التغيير وتطلعها للحاق بقافلة التحرك صوب المستقبل.

ونسجل هنا أن ملك المغرب سعى إلى التجاوب مع تلك الرغبة، فبادر إلى إجراء تغيير في الدستور عزز فيه صلاحيات رئيس الوزراء وقلص من بعض صلاحيات أمير المؤمنين، ومع ذلك فإن شوق قطاعات واسعة من المغاربة إلى إحداث مزيد من التغيير لا يزال يتجاوز تلك الحدود.

ثمة ملاحظة جديرة بالتسجيل هنا، تتعلق بآفاق التغيير في المجتمعات الخليجية وهى وثيقة الصلة بخصوصية تلك المجتمعات التي تلعب فيها العلاقات القبلية والعائلية دورا مهما في تحقيق الاستقرار وإشاعة السلم الأهلي.

ذلك أن التغيير الذي تم في بعض الأقطار استهدف إسقاط الأنظمة وتوسل بالثورة عليها.
أما في الدول الخليجية فإن رغبات التغيير لا تستهدف أكثر من إصلاح الأنظمة وليس إسقاطها أو الثورة عليها.
والداعون إلى ذلك هم أجيال المثقفين والشباب والفتيات الذين تخرجوا من الجامعات واتصلوا بالعالم الخارجي وتشبعوا بأفكار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

لست أشك في أن الزلازل أو الهزات التي حدثت في دول الربيع العربي نبهت الجميع إلى أن الشعوب تملك قوة التغيير وأن الأنظمة الحاكمة ليست بالقوة أو الصلابة التي يوحى بها هيلمانها الظاهر، لكن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة أن التطور المذهل في وسائل الاتصال الذي بات يحدث كل يوم أسهم في استنطاق الجميع وتفاعلهم مع أحداث المحيط.
ومن ثم مكنهم ليس فقط من تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، ولكنه مكنهم أيضا من تجاوز مختلف السقوف المفروضة وممارسة حريتهم في التعبير في الفضاء الواسع بعيدا عن أي رقابة وعبورا فوق مختلف الأسوار والجدران.

لقد أطلقت ثورة الاتصال سراح الأصوات المحبوسة. الأمر الذي أحدث نقلة مهمة في حياة وإدراك المواطن العربي الذي عاش طويلا مستقبلا وممتثلا.

وقد اكتشف أن الطريق انفتح أمامه لكي يصبح مرسلا ومبادرا، بل قادرا على التوصيل والتأثير. وحين حدث ذلك فإنه أصبح أكثر جرأة وأعلى صوتا، وما عادت تخيفه هالات السلطة ولا هيلمانها، وما عاد يقنعه إدعاؤها العصمة أو القداسة.

في ظل ذلك الوضع المستجد أصبحنا نواجه مشكلتين؛
مشكلة الأنظمة التي لا تريد أن تعترف بأن الدنيا تغيرت وأن العيون والعقول تفتحت. لذلك باتت مشغولة بتحدي التاريخ وقمعه أكثر من انشغالها بالتفاعل معه.
الثانية مشكلة الجماهير التي دخلت إلى ذلك العالم الجديد وقد امتلكت الحرية وتسلحت بالجرأة لكنها لم تحسن بعد استخدام وتوظيف تلك الملكات الجديدة لصالح المستقبل المنشود.
...........................

30 أكتوبر، 2012

عدوان إسرائيلي جديد على مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 14 ذو الحجة 1433 -30 أكتوبر 2012
عدوان إسرائيلي جديد على مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

هذا تقاعس يرقى إلى مستوى التواطؤ: أن تتعالى أصوات الخبراء محذرة من نهب إسرائيل لثروة مصر من الغاز، ثم لا يحرك ذلك ساكنا لدى المؤسسات المعنية، وتستقبل تحذيراتهم بالصد والتجاهل.

ــ1ــ

في شهر ديسمبر العام الماضي (2011) سمعت لأول مرة بمحاولات السطو على الغاز المدفون داخل حدود المنطقة البحرية الاقتصادية لمصر بالتواطؤ بين إسرائيل وقبرص.

كان جاري على الطائرة القادمة من تونس إلى القاهرة أحد الخبراء المصريين المعنيين بالموضوع.
حين تعارفنا لم يضع الرجل وقتا وظل لأكثر من ساعة يشرح لي ملابسات عملية السطو ومخططاتها،
وقال إن صوته بح وهو يحاول منذ سنة أن ينبه المسؤولين في وزارة وهيئة البترول المصرية إلى الجريمة التي ترتكب بحق مصر إلا أنه لم يجد أذنا صاغية،

وأخبرني أن لديه مجموعة من التقارير التي نشرت في بعض المجلات العلمية المتخصصة تشرح بالتفصيل الجهود التي تبذل لاغتصاب غاز شرق المتوسط،
وفهمت منه أن العلماء الإسرائيليين أعدوا عشرين تقريرا وبحثا في الموضوع.

أثار الرجل حماسي فطلبت منه أن يوافينى بأهم تلك التقارير.
ولم يكذب خبرا، لأنه بعد يومين أرسل إلى ما طلبت، مشفوعا بكم من الخرائط والرسوم البيانية التي فهمت موضوعها ولم أستوعب مضمونها جيدا.

ولأنها كانت دراسات علمية مكتوبة بالإنجليزية ولا يستطيع غير المتخصص أن يستفيد منها، فإنني انتهزت فرصة أول لقاء مع اثنين من أعضاء المجلس العسكري الحاكم آنذاك فشرحت لهما الموضوع،
وقدمت إليهما التقارير التي تلقيتها مفترضا أنهما سيحيلانها إلى جهة الاختصاص المعنية بأمن مصر القومي وحماية ثرواتها الطبيعية.

ولم يتح لي أن أتابع الموضوع إلى أن وقعت في الخامس من شهر يونيو من العام الحالي (2012) على دراسة نشرتها على صفحة كاملة صحيفة «الحياة» اللندنية لخبير مصري يقيم في الولايات المتحدة هو الدكتور نائل الشافعي، ضمنها نتائج الأبحاث التي قام بها مع فريق من المتخصصين وكشفت الستار عن الجهود التي تبذلها إسرائيل للسطو على غاز شرق المتوسط.

وأبدى فيها دهشته من سكوت الجهات المصرية المعنية على تلك الجهود، احتفظت بالدراسة التي أثارت ردود أفعال سريعة، حيث طرح الموضوع للمناقشة في مجلس الشورى. الذي طلب من الدكتور خالد عبدالقادر عودة الأستاذ بجامعة أسيوط وأحد أبرز علماء الجيولوجيا المصريين بدراسة ملف القضية من الناحية العلمية، فأعد تقريرا من ١٨ صفحة أيد فيه ما توصل إليه الدكتور الشافعي وحمَّل الجهات المصرية المعنية مسؤولية التقاعس عن الدفاع عن حقوق مصر والتفريط في حماية ثروتها الطبيعية

(قال لي إنه كان ينوي تقديم التقرير كبلاغ إلى النائب العام ولكنه عدل عن ذلك لأنه لم يكن مطمئنا إليه، منذ سبق له أن أصدر قرارا جائرا بحبسه في قضية سياسية ملفقة).

النتائج التي توصل إليها الدكتوران الشافعي وعودة تضامن معها الدكتور إبراهيم زهران الخبير البترولي ورئيس شركة الغاز السابق، الذي ما برح يشكو من استباحة المياه الاقتصادية المصرية، الأمر الذي دفعه إلى التعاون مع السفير إبراهيم يسري مدير الشؤون القانونية السابق بوزارة الخارجية، الذي سبق له أن رفع دعوى إلغاء اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل، لتقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق في الموضوع.

ظلت كرة الثلج تكبر، فأعد الزميلان يسري فودة ووائل الإبراشي حلقتين تليفزيونيتين خلال شهر أكتوبر الحالي حول القضية،
وفي برنامج الأستاذ الإبراشي قال رئيس الوزراء اليوناني كارلوس باباريوس إنه حذر مصر من مساعي إسرائيل للاستيلاء على احتياطيات الغاز في شرق البحر المتوسط وطالب السلطات المصرية بالتصدي لتلك المحاولات،
 لكن التجربة أثبتت أن كل الذين تحدثوا في الموضوع كانوا ينفخون في قربة مقطوعة.

ــ2ــ

تصدمنا التفاصيل، ليس لأنها موجعة فحسب، ولكن أيضا لأنها محيرة ومريبة.
ذلك أننا بصدد موضوع مثير يمكن أن يعد نقطة تحول في تاريخ وموازين منطقة الشرق الأوسط. فالعالم الذي انتقل خلال القرن العشرين إلى عصر النفط والبترول كبديل لطاقة الفحم الحجري، الأمر الذي أحدث نقلة هائلة في منطقة الخليج، مرشح في القرن الواحد والعشرين لأن يدخل إلى عصر الغاز الطبيعي، الذي تكمن ثروته في شرق البحر المتوسط.
وهو طور إذا تحقق فإنه من شأنه أن يغير من الخرائط والموازين، ويحدث نقلة مماثلة في المنطقة المحيطة تضارع ما شهدته منطقة الخليج،

وللعلم فإن تلك المنطقة المحيطة تضم مصر ولبنان وقبرص وتركيا واليونان. وقد فرضت إسرائيل نفسها عليها باعتبارها كيانا له إطلالة على البحر المتوسط.

مفتاح فهم ذلك العالم الجديد يكمن في جبل هائل يرقد في أعماق البحر يحمل اسم «إراتوستينس». وهو اسم أحد علماء الإسكندرية في عصر ما قبل الميلاد. حيث كان ثالث أمناء مكتبة الإسكندرية في عصرها الذهبي (276 ــ 194 ق.م).

في ذلك الحين (مائتا سنة قبل الميلاد) تحدث الرجل عن منطقة في شرق البحر المتوسط تقع على بعد 190 كيلو مترا عن مدينة دمياط تعيش فيها أسماك وقشريات مختلفة عن الكائنات التي تسبح في البحر.

في العصر الحديث جرى تفسير ذلك بوجود جبل غاطس ضخم في تلك المنطقة، يرتفع ألفي متر فوق قاع البحر، وقد أطلق عليه العلماء اسم الرجل الذي كان أول من لفت الأنظار إليه. وكان ذلك الرجل هو «إراتوستينس».

في ستينيات القرن الماضي برز الاهتمام بالجبل الغاطس وسفحه لاستكشاف أسراره، وبادر إلى ذلك علماء من بريطانيا والولايات المتحدة ثم روسيا وبلغاريا.

وقامت إسرائيل بوضع 20 ورقة بحثية عن جيولوجيا المنطقة.
وكان مثيرا للانتباه أن أول بحث منهجي في قعر الجبل المذكور أجراه فريق بحثي مشترك من جامعتي حيفا الإسرائيلية وكولومبيا في نيويورك.
وخلال عامي 1997 و1998 حيث أجرى ذلك الفريق المشترك ثلاث عمليات حفر تحت قاع البحر في السفح الشمالي للجبل.

أما الأكثر إثارة للانتباه أنه منذ ذلك الحين تسربت أنباء التنقيب عن الغاز واكتشافاته في المنطقة. الأمر الذي لفت الأنظار إلى الثروات الكامنة في شرق المتوسط، فنشطت فيها المناورات البحرية والدوريات متعددة الجنسية.
تارة بدعوى مكافحة الإرهاب وتارة أخرى لمنع انتشار تكنولوجيا الصواريخ الموجهة.

وكانت تلك بمثابة ستائر الدخان التي أريد بها التغطية على تسابق البعثات العلمية على مسح قاع البحر.
وتوجه منصات الحفر البحري للتنقيب في سفح الجبل، ودخول شركات جديدة إلى الحلبة وانسحاب شركات قديمة منها.

ــ3ــ

خلال السنوات الثلاث الأخيرة بدأت تظهر ملامح ثروة هائلة من احتياطات الغاز الطبيعي الكامنة في أعماق جبل إراتوستينس الثابتة ملكيته الاقتصادية لمصر منذ نحو 200 سنة قبل الميلاد.
وهذه المنطقة تدخل ضمن امتياز شركة شمال المتوسط المصرية، المعروفة باسم «نيميد».

وكان ذلك الامتياز قد منح لشركة شل في عام 1999، التي أعلنت في عام 2004 عن اكتشاف احتياطيات للغاز الطبيعي في بئرين على عمق كبير في شمال شرق البحر المتوسط.

وأوضح البيان أن الشركة ستبدأ المرحلة الثانية من عملية الاستكشاف التي تستمر أربعة أعوام، وتستهدف تحويل المشاريع المكتشفة إلى حقول منتجة. إلا أن مفاجأة حدثت في وقت لاحق، حين أعلنت الشركة عن انسحابها في شهر مارس عام 2011، دون أية أسباب، وبالتالي انقطعت أخبار حفريات الغاز في شمال شرق البحر المتوسط.

هكذا كتب الدكتور خالد عبدالقادر عودة في مذكرته، ثم أضاف أن إسرائيل وقبرص أعلنتا عن اكتشافات للغاز الطبيعي في السفح الجنوبي لجبل اراتوستينس تجاوزت احتياطياتها 1.22 تريليون متر مكعب، تقدر قيمتها الحالية بنحو 220 مليار دولار،
وتلك الاكتشافات هي مجرد باكورة التنقيب في المنطقة البكر التي أصبحت توصف بأنها تحتوي على أكبر احتياطيات الغاز في العالم.

مما قاله في هذا الصدد إنه حاول الحصول على صور أقمار صناعية من موقع «جوجل إيرث»، فوجد أنها، دونا عن باقي بقاع البحر المتوسط، ليست متوفرة،
ولم يستبعد أن يكون إخفاء تلك الصور متعمدا، لأن بعض الدول ومنها إسرائيل تطلب إخفاء صور مفصلة للعديد من مناطقها.

على صعيد آخر، بينت الدراسة التي قام بها الدكتور نائل الشافعي وفريقه العلمي أن حقلي الغاز المتلاحقين (لفياثان الذي اكتشفته إسرائيل في 2010 وأفروديت الذي اكتشفته قبرص في 2011) باحتياطيات تقدر قيمتها قرابة 200 مليار دولار، يقعان في المياه المصرية الاقتصادية الخالصة.
إذ يقعان على بعد 190 كيلو مترا من دمياط المصرية، بينما يبعدان 235 كيلو مترا عن حيفا و180 كيلو مترا عن ليماسول القبرصية.
والاثنان يقعان في السفح الجنوبي للجبل المصري الغاطس اراتوستينس.

المثير للحيرة والدهشة أنه في حين سكتت مصر على الحفريات الإسرائيلية والقبرصية الجارية عند سفح الجبل المملوك لها تاريخيا، فإن تركيا هي التي أقلقتها تلك الجهود التي تمس أمنها القومي باعتبارها دولة مطلة على شرق البحر المتوسط، فقامت بوارجها في شهر ديسمبر عام 2011 بقصف الشريط الضيق الذي يفصل بين الحقلين الإسرائيلي والقبرصي، فتقدمت قبرص بشكوى إلى الأمم المتحدة ضد ما سمته دبلوماسية البوارج، في حين ألغت إسرائيل في الشهر ذاته صفقة قيمتها 90 مليون دولار لتزويد سلاح الجو التركي بنظام استطلاع ورؤية متقدمين.

ــ4ــ

إزاء السكوت المصري الأقرب إلى الغيبوبة أعلى ما يجري في شرق المتوسط، فإن إسرائيل تتصرف على نحو يوحي باطمئنانها إلى السيطرة على حقول الغاز الموجودة في المنطقة.

وتشير مختلف الدلائل إلى أنها منخرطة عمليا في عمليات بيع ذلك الغاز وتصديره.
وقد استهلت جهودها بتطوير حقلين يتوغلان أكثر قربا من سواحل لبنان ومصر.

ففي شهر أبريل الماضي بدأت إحدى الشركات الأميركية العاملة في مجال النفط والغاز في تطوير حقل شمشون البحري الذي اكتشفته إسرائيل والذي يقع على بعد 114 كيلو مترا من دمياط و237 كيلو مترا من حيفا، وقدرت احتياطياته بقرابة 3.5 تريليون قدم مكعب،

وفي مطلع العام الحالي وقعت إحدى الشركات الإسرائيلية صفقة أولى لبيع غاز حقل آخر (باسم تمار) بكمية 330 مليون متر مكعب سنويا لمدة 16 سنة، قيمتها 1.2 مليار دولار،

وفي ربيع هذا العام كشفت إسرائيل عن نيتها نشر الصاروخ «مقلاع داود» على منصات إنتاج الغاز في حقلي «لفياثان» و«تمار» لتأمينها،

وتسعى في الوقت ذاته لتوفير وسيلة ثابتة لتصدير الغاز عبر خط أنابيب لا تتنازعه دول أجنبية، وهو ما يفسر اهتمامها بترسيم الحدود البحرية اقتصاديا، خصوصا أنها تنوى بيع الغاز لأوروبا عبر قبرص واليونان، غير المتواصلتين في تلك الحدود.

ذلك كله يحدث تحت أعيننا في داخل الحدود البحرية المصرية، ونحن واقفون نتفرج، الأمر الذي يستدعي السؤال: ما العمل؟

في الأسبوع المقبل نجيب بإذن الله.
................

29 أكتوبر، 2012

من مهالك الاستقطاب


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 13 ذو الحجة 1433 -29 أكتوبر 2012
من مهالك الاستقطاب – فهمي هويدي

حين قصَّت المعلمة المنتقبة بعضا من شعر تلميذتين في إحدى مدارس الأقصر قامت الدنيا ولم تقعد، وصارت صورة الضفيرة بعد القص تظهر في الصحف المصرية يوما بعد يوم،
أما سيل الأخبار والتعليقات التي تابعت الموضوع واستهجنته فلم يتوقف طوال الأيام العشرة الماضية..
وقد توالت تلك الأصداء بعد معاقبة المعلمة بالخصم من راتبها والنقل من وظيفتها، إلى جانب الفضيحة التي لاحقتها من كل صوب.

إلا أن الأقصر شهدت بعد ذلك حادثا أكثر جسامة لم يكترث به الإعلام ولا حرك شيئا من غيرة كتيبة المثقفين مفتوحة الأعين باتجاه واحد.

ذلك أن أحد الناشطين الشبان (تقادم الخطيب) المعيد بكلية آداب المنصورة، كان ذاهبا لقضاء العيد مع أسرته في الأقصر، فاستوقف كمين للشرطة السيارة التي استقلها مع آخرين.

وحين احتج على المعاملة غير الإنسانية التي تعرض الجميع لها، فإن ضابط الشرطة استكثر احتجاجه وخصه بوجبة ضرب شديدة الوطأة.
وتولى هو وزميل له تهديده وإهانته وتلفيق تهمة حيازة المخدرات إليه.
ثم نقل إلى قسم الشرطة ليتكرر معه مشهد الاعتداء البدني واللفظي الفاحش.

وحين قال للضابط إن ثورة حدثت في البلد من أجل كرامة الناس، فقد كان الرد إن الثورة وقعت على شاشات التلفزيون،

ولم يكتف الضابط بإهانته، وإنما خص أمه بسباب استخدم فيه عبارة بذيئة.
وهذه معلومات نقلها تقادم إلى بعض زملائه في الجبهة الوطنية للتغيير وأوردها زميلنا الأستاذ وائل قنديل في «الشروق» يوم الجمعة الماضي 26/10.

ليس لديَّ تحفظ على معاقبة المعلمة التي قصت شعر التلميذتين، كما ذكرت من قبل، لكن السؤال الذي ينبغي أن نفكر في الإجابة عليه هو:

لماذا حظيت واقعة قص الشعر بالاهتمام الإعلامي المبالغ فيه، في حين لم يكترث الغيورون بواقعة إهانة ركاب الحافلة واعتداء ضابطي الشرطة بالضرب والسب على الأخ تقادم الخطيب؟

وللعلم فإن الجريمة الثانية أفدح من الأولى.
ذلك أن تصرف المعلمة المنتقبة يحسب عليها وحدها. وقد تصورت بأنها بما فعلته تريد خيرا للتلميذتين (أغلب الظن أنها كرهتهما في الحجاب)،

أما تصرف ضابطي الشرطة فهو يدين الجهاز بأكمله، فضلا عن أنهما تعمدا إهانة صاحبنا وإذلاله وتلفيق تهمة له.

الأمر الذي يعني أن تصرف المعلمة جريمة فرد وقعت بطريق الخطأ.
أما تصرف الضابطين فهو جريمة متعمدة مع سبق الإصرار تعبر عن سلوك شائع في المؤسسة الأمنية.

لقد عوقبت المدرسة بما تستحق، أما ضابطا الشرطة فلم يحاسبا على ما أقدما عليه، فيما نعلم.

وكل الذي حدث أن مدير الأمن حاول إقامة صلح بينهما وبين المجني عليه، الذي أحسن حين رفض الصلح وأصر على أن يدلي بأقواله أمام النيابة بخصوص الموضوع.

المقارنة بين الحالتين تستدعي ملاحظتين هما:

* إن استنفار الإعلاميين والمثقفين للتنديد بسلوك المعلمة وتجاهلهم لما أقدم عليه ضابطا الشرطة لا تفسير له سوى أن شريحة الإعلاميين والمعلقين أصبحوا يقدمون الصراع الأيديولوجي على كل ما عداه، بما في ذلك محاولات إهدار قيم النظام الجديد الذي ننشده.

كما لو أن أقدم معلمة منتقبة على قص شعر تلميذتين رفضتا ارتداء الحجاب جريمة لا تغتفر،
أما إهدار كرامة المواطنين على يد ضباط الشرطة فأمر لا يستحق النظر.

بكلام آخر فإن تصفية الحسابات مع كل من ينتسب إلى الإسلام، بإدانته وفضحه، مقدمة عندهم على حق المواطنين في الكرامة والاعتبار.

الأمر الذي يعني أن تسجيل النقاط واحتساب الأهداف على الخصم الأيديولوجي، يرجح على حماية القيم الإيجابية التي يراد إرساؤها في ظل النظام الجديد. وهو ما عبرت عنه في وقت سابق حين قلت إن كراهيتهم للجماعة صارت مقدمة على محبتهم للوطن.

إن علاقة الشرطة بالمجتمع تحتاج إلى إعادة صياغة، بحيث يشكل احترام كرامة المواطن ركنا أساسيا فيها.

أدري أن سياسة قهر المواطن وازدرائه التي استمرت عدة عقود لن تتغير بين يوم وليلة، وتحتاج إلى وقت طويل للعدول عنها.

كما لا يشك أحد في أن احترام الشرطة واستعادتها لهيبتها أمر لا غنى عنه،

 لكن الشرطة يجب أن تدرك أن احترام المواطن أمر لا غنى عنه أيضا، وأن الثورة قامت بالدرجة الأولى لاستعادة كرامة الوطن والمواطن.

وإذ أقر بأن تصحيح تلك العلاقة يتطلب بعض الوقت، إلا أن بدء خطوات التصحيح أمر لا يحتمل التأجيل.

في هذا الصدد فهناك خطوتان ضروريتان يتعين اتخاذهما على الفور.

الأولى محاسبة الضابطين اللذين أهانا ركاب الحافلة واعتديا بالضرب والسب على الأخ تقادم.
وحبذا لو وقعت عليهما عقوبة مماثلة لتلك التي أنزلت على معلمة الأقصر ليكونا عبرة لغيرهما.

إلى جانب محاسبة الضابطين، فيتعين على وزير الداخلية أن يصدر تعليمات واضحة وحازمة بمنع التعذيب واحترام حقوق المواطنين وكراماتهم،

أفهم أن ذلك كلام مسجل فيما يدرس لطلاب كلية الشرطة، وفي خطب الوزير ومساعديه، لكن ذلك الكلام لم يوقف الاعتداء على حقوق المواطنين في الأقسام والسجون، لأنه لم يؤخذ على محمل الجد، فضلا عن أن القيادات الأمنية هي التي كانت تأمر بالتعذيب والاستنطاق بكل السبل.

إن استمرار الاستقطاب في مصر، يدفعنا بقوة لأن نمضي بعيدا على طريق الندامة.
............................

Delete this element to display blogger navbar