Subscribe:

Ads 468x60px

30 سبتمبر، 2012

ارفعوا أيديكم عن عبدالناصر


صحيفة الشرق القطريه الأحد 14 ذو القعدة 1433 –30 سبتمبر 2012
ارفعوا أيديكم عن عبدالناصر – فهمي هويدي

أصبحت أخشى على عبد الناصر من الذين يهتفون باسمه هذه الأيام ويتدثرون بعباءته، حتى أزعم بأن الرجل لو بعث حيا لأدهشه وأغضبه أن يزج باسمه في الكثير مما يجرى، ولتمنى ألا يأتي البعض على سيرته فيما يقولون ويفعلون. خصوصا أولئك الذين يحاولون تقمص شخصيته والادعاء بأنهم خلفاء له.

وكان الرئيس الليبي السابق معمر القذافي أبرز هؤلاء، منذ استغل عبارة قالها الرئيس الراحل بحسن نية ذات مرة أثناء زيارته لليبيا، ووصف فيها صاحبنا بأنه أمين على الثورة العربية والقومية العربية.

ومنذ ذلك الحين حولت أبواق القذافي تلك الشهادة إلى نشيد وطني يتردد كل يوم تقريبا.
واعتبرها الأخ العقيد صكا أرضى به غروره وطموحه، وأذل به شعبه إلى أن كشفت الثورة الليبية عن حقيقته وعاقبته بما يستحقه.

أستغرب تمسح بعض الفلول في اسم عبد الناصر وزعمهم بأنهم امتداد له. وجنود أوفياء لثورة 23 يوليو، في حين أنهم بقايا نظام كان بمثابة انقضاض على أهم ما مثله عبد الناصر، على الصعيدين الوطني والاجتماعي.

لقد حاولوا أن يستخدموا اسمه وقبره في إطلاق المظاهرات المعادية للثورة.
وطالعنا رسالة لأحدهم في ذكرى وفاته (28 سبتمبر) حيا فيها «الزعيم الخالد» وأعلن التزامه بمبادئه ونهجه، في حين أنه هو من قال إن مبارك وليس عبد الناصر هو مثله الأعلى، في مراهنة ساذجة على ضعف ذاكرة المصريين.

وكان ذلك من قبيل الإفراط في الادعاء والتدليس، إذ لم يجد صاحبه غضاضة ولا فرق بين من كان كنزا إستراتيجيا لإسرائيل، ومن كان عدوا إستراتيجيا لها.

تجلت تلك الفجاجة أيضا في أداء نموذج لأحد المهرجين الذين ظهروا في الساحة السياسية مؤخرا. فصاحبنا هذا الذي يتمسح الآن في ثياب عبد الناصر، كان قبل عدة أشهر ضيفا على حزب الكتائب اللبناني، وألقى خطبة اعتبر فيها زعيم الحزب سمير جعجع الذي تلاحقه شبهات واتهامات عديدة تشينه سياسيا ــ سواء في ارتكاب جرائم القتل في الداخل أو في تعامله مع إسرائيل وغيرها من الدوائر المشبوهة ــ ويعتبر أن ذلك الدور المشبوه كان «ملهما» للثورة المصرية!

خلال السنوات الأخيرة لاحظنا أن إرث عبد الناصر تنافست عليه أربع مجموعات على الأقل ظهرت تحت مسميات هي:
الحزب العربي الديمقراطي
ــ وحزب المؤتمر الشعبي الناصري
 ــ وحزب الكرامة
ــ وحزب الوفاق.

وداخل كل واحدة من تلك المجموعات أجنحة كان التنافس بينها أشخاص بالدرجة الأولى وليس حول مبادئ وأفكار.

صحيح أنه كان بينهم متطرفون يصرون على استنساخ التجربة الناصرية كما كانت، ومعتدلون فضلوا إخضاع التجربة للنقد والتطوير،
كما أن بعضهم ظل ملتزما بإطار التنظيم الطليعي، في حين أن جيلا آخر من الشباب انخرطوا فيما عرف باسم أندية الفكر الناصري، إلا أن القاسم المشترك الأعظم بين الجميع كان شخص عبد الناصر.

قبل أيام قليلة ــ في ذكرى وفاة عبد الناصر يوم 28/9 ــ أعلنت تلك الأحزاب اندماجها في حزب واحد قيل إنه سيحمل اسم الحزب الناصري.

ولم يعد سرا أن تجاوز تلك المجموعات لخلافاتها لا يرجع إلى تقارب في الأفكار وتنازل عن الحسابات الشخصية بقدر ما أنه ينطلق أساسا من الاحتشاد لمواجهة الإخوان والسلفيين في الانتخابات القادمة. الأمر الذي قد يعني أنه تحالف مؤقت معرض للانفراط بمجرد انتهاء الظرف الذي استدعاه.

من ناحية ثانية فإن الأسئلة يمكن أن تثار حول مدى قدرة الائتلاف الجديد على جذب أصوات الجماهير، خصوصا الشرائح التي ترى أن التجربة الناصرية تمثل خبرة ماضوية بأكثر من كونها مشروعا مستقبليا.

وفيما فهمت فإن الداعين إلى إقامة الحزب أو الائتلاف الجديد يتطلعون إلى الحفاظ في الانتخابات القادمة على الأصوات التي حصلها المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي (مؤسس حزب الكرامة) إضافة إلى الأصوات التي أعطيت للفريق أحمد شفيق عن غير اقتناع به، ولكن تعبيرا عن معارضة المرشح الآخر الدكتور محمد مرسي. كما أنهم يأملون أيضا في جذب أصوات الخائفين من نفوذ الإخوان المسلمين.

الأمر الجدير بالتسجيل في هذا السياق أن جمال عبد الناصر كان من أوائل الذين عارضوا تداول مصطلح الناصرية، حين برز في أوساط بعض الجماعات الوطنية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكان من رأيه أن هناك أناسا يتعاطفون مع تجربته وهؤلاء يمكن وصفهم بالناصريين حقا، ولكن من الخطأ أن تختزل التجربة في شخصه بحيث تصبح المبادئ والقيم الوطنية والاجتماعية التي دافع عنها مشروعا ناصريا، وهي ليست كذلك بالأساس.

وقد سجل هذه الفكرة الأستاذ محمد حسنين هيكل في بعض كتاباته، وعلى موقع السيد سامي شرف مدير مكتب الرئيس الراحل شهادة له بذات المعنى.

أدعو الجميع لأن يرفعوا أيديهم عن عبد الناصر. سواء كانوا انتهازيين يتمسحون فيه لإيهامنا بانتماءاتهم ونسبهم الوطني،
 أو حواريين يدغدغون مشاعر الناس بأحلامهم سنوات خلت وعالم انقلب رأسا على عقب.

لذلك أزعم أن الوفاء الحقيقي لعبد الناصر يكون بتجنب ابتذال اسمه. وبنقد تجربته بنزاهة ومسؤولية، وبالدفاع عن القيم الإيجابية التي ناضل من أجلها وتمثلت في تمسكه بالاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي والانتماء إلى الأمة العربية ــ لأن الشخص زائل والأمة باقية.
...................

28 سبتمبر، 2012

أنور وجدي مع حسن بك


صحيفة الشرق القطريه السبت 13 ذو القعدة 1433 –29سبتمبر 2012
أنور وجدي مع حسن بك – فهمي هويدي

حين التقى مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع مع الفنان عادل إمام في احتفال السفارة السعودية بالعيد الوطني الأحد الماضي (19/9) فإن الحوار بين الاثنين لم يختلف في جوهره عن الحوار الذي دار منذ نحو سبعين عاما بين مؤسس حركة الإخوان الأستاذ حسن البنا وبين الفنان أنور وجدي.

اختلفت التفاصيل والأجواء لكن الموضوع ظل واحدا؛ الحلال والحرام في الفن.

في مذكراته يروي أحد رفاق الأستاذ البنا، الدكتور محمود عساف، أنه التقاه ذات صباح من أيام صيف عام 1945، فدعاه لأن يذهب إلى البنك لفتح حساب للجماعة، التي لم يكن لها أي رصيد في البنوك آنذاك.

في مكتب رئيس البنك جلسا على أريكة في حين كان أحد العملاء يحدثه وظهره للضيفين. رحب بهما رئيس البنك (شومان بك) بصوت عال، فالتفت نحوهما العميل الجالس وما أن رأى الأستاذ البنا حتى هب واقفا وقال: حسن بك؟ أهلا وسهلا يا حسن بك.
ثم تقدم منهما وقال: أنا أنور وجدي، المشخصاتي، يعني الممثل. طبعا أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم، في حين أنني والله اقرأ القرآن وأصلي كلما كان ذلك مستطاعا.

أضاف الدكتور العساف بعد ذلك قوله: كان الأمر مفاجئا لي. نعم لم نكن ننادي الإمام (البنا) أو نشير إليه إلا بقولنا: فضيلة الأستاذ (أو المرشد)، أما حسن بك فقد كانت نشازا.

ونقل عن الأستاذ البنا قوله: يا أخ أنور أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم. فالتمثيل ليس حراما في حد ذاته، ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراما.
وأنت وأخواتك الممثلات تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام أو مسرحيات تدعو إلى مكارم الأخلاق، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير من الوعاظ وأئمة المساجد.

 وأنا أرحب بك وآمل أن تحضر لزيارتنا بدار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة لنتبادل الرأي حول ما يمكن أن تسهموا به في نشر الفضيلة والدعوة إلى الله.

بقية القصة يرويها الباحث عصام تليمة، الذي أورد النص السابق في كتابه «حسن البنا وتجربة الفن»، فذكر أن أنور وجدي حين سمع هذا الكلام بكى وقبل رأس البنا ويده، وبعدها رأينا له فيلم ليلى بنت الفقراء.

وقال لي عصام تليمة إنه بعدما أصدر كتابه علم أن زكي فطين عبدالوهاب ابن السيدة ليلى مراد من زوجها (اللاحق) المخرج فطين عبدالوهاب ذكر في إحدى المناسبات أن الأستاذ البنا زار أنور وجدي بعد ذلك عدة مرات في بيته، وكان الفنان الكبير وقتذاك متزوجا من السيدة ليلى مراد، وكانت زيارته تلك من العوامل التي أسهمت في تحولها من اليهودية إلى الإسلام.


سألت الدكتور محمد بديع مرشد الإخوان عما دار في لقائه مع عادل إمام، الذي برأته المحكمة أخيرا من تهمة ازدراء الإسلام التي نسبها إليه أحد المتدينين، وجدت أنه في رده لم يذهب بعيدا عما قاله الأستاذ البنا لأنور وجدي، سواء في الموقف من الفن أو في أمله في أن يوظف لصالح الإعلاء من شأن الفضائل وإبراز القيم الحقيقية للإسلام.

مما لاحظته في بحث عصام تليمة أنه سلط الأضواء على علاقة قديمة للإخوان بالنشاط الفني تخلت عنها الجماعة فيما بعد، أغلب الظن بسبب توتر العلاقة مع السلطة وظروف الملاحقات الأمنية منذ الخمسينيات حتى سقوط نظام مبارك في العام الماضي.

في هذا الصدد تحدث الباحث عن علاقة بين الأستاذ حسن البنا وبين الفنان حسين صدقي. وهي العلاقة التي استمرت بين الأخير وبين الأستاذ سيد قطب،
وفي تحرير تلك العلاقة ذكر الباحث أن حسين صدقي أخبر الأستاذ سيد برغبته في اعتزال الفن، لكنه حثه على العدول عن الفكرة،
وقال له إنه يكتب عشرات المقالات ويلقي عشرات الخطب لكنه بفيلم واحد يستطع أن يلغي كل ما فعله،
وإذ نصحه بأن يستمر في عمله السينمائي فإنه تمنى عليه أن يكون ذلك في إطار الأفلام الهادفة. وقد استجاب حسين صدقي لذلك وأنتج بعد ذلك فيلمين في ذلك الاتجاه.

استهل عصام تليمة بحثه باستعراض جهود الإخوان في المسرح، وكيف أنهم بدأوا نشاطهم ذاك في عام 1934،
وكان الأستاذ عبدالرحمن البنا شقيق مؤسس الجماعة ذو الميول الأدبية هو الراعي لذلك النشاط.
وكانت أولى مسرحيات الجماعة باسم «جميل بثينة» التي أنتجتها لجنة تشجيع التمثيل التابعة لوزارة المعارف وقررت إخراجها على نفقتها آنذاك.
وكان من النجوم المشاركين فيها أشخاص صاروا أعلاما فيما بعد، في المقدمة منهم جورج أبيض وعباس فارس وحسن البارودي وفتوح نشاطي ومحمود المليجي، وفاطمة رشدي وعزيزة أمير.

اتسع النشاط المسرحي للإخوان وتعددت العروض التي قدموها في تلك المرحلة.
وكان من الممثلين الذين لمعوا في تلك العروض آنذاك كل من عبدالمنعم مدبولي وسراج منير ومحمد السبع وشفيق نورالدين وسعد أردش وإبراهيم سعفان، والشقيقان حمدي وعبدالله غيث.

إذا قارنت هذه الخلفية بالصورة الحاصلة الآن تلاحظ أن الإخوان صاروا أكثر بعدا عن عالم الفن، وأغلب الظن أنه سيحيرك السؤال التالي:
هل كان الفنانون أكثر مرونة أم أن الإخوان كانوا أكثر استنارة أم أن النخب كانت أقل توترا والمجتمع أكثر تسامحا؟
..................

27 سبتمبر، 2012

الجشع المسكوت عليه


صحيفة الشرق القطريه الخميس 11 ذو القعدة 1433 – 27 سبتمبر 2012
الجشع المسكوت عليه – فهمي هويدي

عندي حكايات يشيب لها شعر الرأس عن استهتار بعض كبار الأطباء وابتزازهم واستغلالهم للمرضى، الأمر الذي يشكل جريمة مضاعفة.

ذلك أن وقوع تلك الممارسات يعد عدوانا جسيما على حق المهنة وجريمة بحق المجتمع.
أما السكوت عليها فهو جريمة أخرى أقرب إلى التواطؤ والتستر.

وأرجو ألا يساء فهم هذا الكلام أو تأويله. لأنني أتحدث عن بعض وليس كل كبار الأطباء.
وأعتبر ممارسات أولئك البعض من قبيل البقع السوداء في الثوب الأبيض.
 لكنني صرت أخشى من تزايد تلك البقع في الأجواء التي سادت فيها قيم الجشع والترف المبتذل والثراء السريع والفاحش، الذي ما عاد يميز بين المشروع وغير المشروع.

وإذ أشدد على أن لدينا أطباء يتمتعون بدرجة عالية من النزاهة والورع. حتى تحسب أنهم أقرب إلى أولياء الله الصالحين، إلا أنني صرت أخشى عليهم وعلى من دونهم من تغول قيم الطالحين.

أحدث قصص الطالحين كان ضحيتها أحد أبناء العائلة.

شاب انتابته نوبة قيء أثناء أدائه الامتحان فنقل إلى مستشفى كبير وشهير في مصر الجديدة.
وأشرف على علاجه أستاذ له اسم رنان، يتقاضى 300 جنيه مقابل الكشف الذي يتم بعد ثلاثة أشهر،
وفي الحالات المستعجلة يطالب المريض بدفع 500 جنيه إذا ما رغب في أن يراه الطبيب في موعد أقرب، عادة ما يتراوح ما بين عشرة أو 15 يوما،

في المستشفى خضع الشاب لكل ما يمكن تخيله من تحاليل وأشعات لم تسفر عن شيء.
وخلال ستة أيام رآه الطبيب الكبير مرة واحدة، ثم تركه لمساعديه وذهب ليستجم في أحد المنتجعات،

وحين ساءت حالته وعوتب الطبيب لأنه ترك مريضه بحالة متدهورة، فإنه استكثر العتاب وقرر مقاطعة المريض.

في اليوم السادس استقرت حالة الشاب فغادر المستشفى بعد دفع مبلغ 11 ألف جنيه دون أن يعرف أهله شيئا عما حل به.

وأثناء حيرتهم تلك دلَّهم بعض أولاد الحلال على طبيبة في حي المعادى تعمل أستاذة بكلية طب قصر العيني.
دفعوا مائة جنيه قيمة الكشف، وما إن سمعت القصة حتى قالت إن الشاب مصاب بفيروس معروف ينشط في المعدة لمدة خمسة أيام.
وكتبت لهم الدواء اللازم الذي لم يكلف سوى نحو أربعين جنيها (المستشفى تقاضى 2000 جنيه قيمة الأدوية).

لي قريب آخر تعرض لأزمة قلبية وقيل له إنه يحتاج إلى دعامة في مكان دقيق بشريان الأورطى، وهذه الدعامة لا تتوافر في مصر، ولكن طبيبا تركيا متخصصا يأتي بها من بلده ويقوم بتركيبها مع الطبيب المصري المعالج.
آخرون من الأطباء المصريين قالوا إن الحالة متأخرة للغاية وأنه لا جدوى من العملية. لكن الطبيب المعالج نصح بإجرائها رغم علمه بأن الأمل في نجاحها منعدم.

قبل إجراء العملية تم دفع نحو 150 ألف جنيه للطبيب التركي ونظيره المصري، وتقاضى المستشفى الدولي الكبير 50 ألفا أخرى، وسلم المبلغ بكامله باليد دون أي إيصالات، وبعد العملية اختفى الطبيب المصري ونظيره التركي، وخلال 24 ساعة مات المريض.

كل من سمع هذه القصة أو تلك أضاف إليها قصصا أخرى مماثلة تتحدث عن المدى الذي بلغه جشع واستهتار بعض كبار الأطباء.

 فحدثني أحدهم عن السيدة التي أودعت مستشفى استثماريا كبيرا بعد أن تمكن المرض اللعين من جسمها، لكنها فوجئت بطبيب طلب قبل منتصف الليل نقلها إلى غرفة العمليات لإجراء عملية قلب مفتوح لها. وهو ما فاجأ من كان معها،
وحين تم الاتصال بطبيبها المعالج في ذلك الوقت المتأخر، فإنه طلب وقف أي إجراء معها على الفور.

وتبين فيما بعد أن الطبيب أراد إجراء العملية التي لا حاجة للمريضة بها، لكي يتقاضى أجرها.
وعندما افتضح أمره فإنه ظل يمارس عمله العادي في المستشفى وكأن شيئا لم يكن.

قصص الجشع هذه لا تنافسها في العدد سوى قصص الإهمال والاستهتار الذي يتسم به أداء بعض الكبار، حين يتقاضون عشرات الألوف جراء عملياتهم، ثم ينقلون الدم الملوث إلى مرضاهم. فيخلصونهم من أزمة ليدخلوهم في أزمة أكبر.

ولأحد صحفيينا المخضرمين تجربة مريرة ومثيرة في هذا الصدد تصلح لأن تكون فيلما دراميا يفضح مدى التدهور الذي بلغته المهنة على أيدي أولئك البعض من الكبار.

شركات الأدوية ضالعة في المشهد البائس. وكذلك بعض وسائل الإعلام أيضا.
فالشركات تتواطأ مع بعض الأطباء للترويج لأدويتها، وأحيانا تدفع لأصحاب بعض الفضائيات لاستضافتهم والحديث عن تلك الأدوية، إضافة إلى تسويق الأطباء في الوقت نفسه بعد الإعلان عن هواتفهم النقالة على شاشات التلفزيون.
وقد قيل لي إن إحدى شركات الأدوية دفعت مليون جنيه لصاحب إحدى القنوات الخاصة لذلك الغرض.

ما يدهشنا حقا أن يحدث ذلك وتتواتر أخبار الفضائح ــ وما ذكرته نقطة في بحر ــ دون أن نجد مساءلة أو محاسبة لأحد.
بل نجد أحيانا تحيزا ومجاملة من جانب وزارة الصحة ونقابة الأطباء للمتورطين في تلك الجرائم.

حتى إن نقيب الأطباء السابق طرد صحفية من مكتبه ذات يوم لمجرد أنها أرادت أن تفتح معه الموضوع.
وإزاء سكوت الوزارة والنقابة لم يكن هناك مفر من تقديم الشكوى إلى الرأي العام لفضح الجريمة طالما أن هناك من يحاول تجاهلها أو التستر عليها.

أحد الأسئلة المهمة التي يثيرها المشهد ما يلي:
هل هذا الجشع والفساد مقصور على الأطباء وحدهم أم أن هناك انهيارا مماثلا في تقاليد وأعراف المهن الأخرى؟
 سأترك لك الإجابة لأنني لا أريد أن أصدمك برأيي في الموضوع.
......................

Delete this element to display blogger navbar