Subscribe:

Ads 468x60px

30 أغسطس، 2012

عن التفكير بطريقة أخرى


صحيفة الشرق القطريه الخميس  12 شوال 1433 – 30 أغسطس 2012
عن التفكير بطريقة أخرى – فهمي هويدي

دُعي الخبير إلى اجتماع في مقر وزارة التعاون الدولي في القاهرة.
كان موضوع الاجتماع بحث مشكلة الصيادين المعتصمين على شواطئ بحيرة مريوط، بسبب تعثر حل مشكلة «بوص» البحيرة الذي يهدد بقطع أرزاقهم، باعتبار أن نباتات البوص التي تغطي 75٪ من مساحة البحيرة (19 ألف فدان) تمثل عائقا لشباك الصيد، مما يصيب مهنتهم بالشلل التام.

في الاجتماع قيل للخبير المدعو ولغيره من المشاركين إن تكلفة الحفارات المطلوبة لاجتثاث البوص تصل إلى 18 مليون جنيه فقط. في حين أن المبلغ المتوافر لهذا الغرض في موازنة الوزارة لا يتجاوز 5 ملايين جنيه فقط. وخشية تفاقم الوضع في ظل احتمال وصول المعتصمين إلى مقر الوزارة بالقاهرة.

كان الاقتراح المطروح من قبل مسؤولي الوزارة هو تأجير الحفارات للقيام بمهمة اجتثاث البوص خلال أسبوع، بتكلفة 2.5 مليون جنيه.
أضاف أولئك المسؤولون إنه في وقت سابق تم التعاقد مع شركة «المقاولون العرب» للتخلص من بوص البحيرة مقابل 50 مليون جنيه، إلا أن الشركة لم تستطع القيام بالمهمة بعدما تبين لها أن تكلفة المتر المربع الواحد تصل إلى 20 جنيها.

الخبير الدكتور حامد الموصلي الذي يترأس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية كان له رأي آخر، دعا فيه إلى التفكير في الموضوع بطريقة مختلفة.

في الرسالة التي تلقيتها منه بهذا الخصوص عرض وجهة نظره على الوجه التالي:
المشكلة أكبر جدا من مجرد اعتصام الصيادين. لأن منطق اجتثاث نباتات البوص يهدر قيمة البحيرة، بل ويهدد الصيادين في أرزاقهم،

ذلك أن عملية الاجتثاث من شأنها أن تقضي على ما تمثله البحيرة من نسق حيوي. لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى انهيار قاعها الذي يمثل موئل تفريخ وتكاثر «الزرِّيعة» (الأسماك الجنينية الصغيرة)،
ومن ثم يقضي على مستقبل صيد الأسماك فيها. وبدلا من القضاء على البوص لماذا لا يتم التعامل معه باعتباره موردا متجددا. بحيث يتم حصاده أولا بأول، الأمر الذي يوفر موردا متجددا لتشغيل العديد من مصانع الخشب الحبيبي في مصر.
خصوصا أن تلك المصانع لا تتوافر لديها موارد المادة الخام، فتضطر إلى استيراد ألواح الخشب الحبيبي من الخارج، وتكتفي بتكسيتها بالورق المشبع بالميلامين وإعادة بيعها في السوق المصرية. وهو ما يعني تعطيل خطوط إنتاج الخشب الحبيبي بها. في حين أن بوص البحيرة يصلح إلى جانب ذلك إلى تصنيع العديد من المنتجات البيئية مثل قواعد الصحون و«أباليك» الإضاءة والأباجورات... إلخ،
وهو ما يمكن أن يوفر الآلاف من فرص العمل لزوجات الصيادين أيضا، وما يؤدي في نهاية المطاف إلى إحداث تصالح تنموي بين الصيادين والبحيرة. بحيث يصبح البوص صديقا للصيادين وليس خصما لهم يهدد أرزاقهم.

بالنسبة لمسألة تعويق نشر شبكات الصيد، اقترح الدكتور الموصلي تطهير ممرات محددة لتحركات الصيادين في البحيرة (وهذه يمكن أن تستخدم أيضا للحركة السياحية).
أما السطح العام للبحيرة فسيتم التعامل معه كنسق حيوي، ويكتفي بالحصاد المستمر للبوص.
وفي هذه الحالة يمكن إقامة «أكشاك» على شاطئ البحيرة لتكون منافذ لبيع منتجات البوص، للسياحة الداخلية والخارجية.

أضاف الدكتور الموصلي قائلا:
عندما عدت من الاجتماع أدركت أن مشكلة الصيادين في بحيرة مريوط يمكن أن تتكرر في بقية بحيرات مصر الشمالية (البرلس والمنزلة والبردويل). وقلت إننا بحاجة لأن نقدم نموذجا قوميا لتنمية تلك البحيرات كأنساق بيئية متميزة، مع تحقيق متطلبات نشاط مجتمع الصيادين لها، بحيث تستبعد فكرة اجتثاث البوص لتستبدل بعملية الحصاد التي تعالج فقط النمو الزائد منه.
علما بأنه بالإضافة إلى الحاجة للبوص لصناعة ألواح الخشب الحبيبي في المصانع القريبة (في الإسكندرية وطنطا وبنها)، فهناك حاجة ماسة إليه لصناعة السماد العضوي اللازم لصناعة السماد المطلوب لاستصلاح الأراضي في المناطق القريبة.

بعدما انفض الاجتماع الذي انعقد في منتصف شهر مايو الماضي، (قبل شهرين ونصف الشهر تقريبا)، عاد الدكتور حامد الموصلي إلى مكتبه وأعد تفاصيل مشروعه للحصاد المستدام للبوص في بحيرة مريوط كنموذج لتمويل مشكلة تعويق نباتاته للصيد إلى مشكلة تنموية.

ومنذ قدم المشروع إلى وزارة التعاون الدولي فإنه لم يتلق ردا على ما قدمه. ويبدو أن مشكلة اعتصام الصيادين حول البحيرة قد تم حلها بصورة أو بأخرى،
بالتالي لم يعد هناك ما يقلق المسؤولين في الوزارة.

ولم تعد هناك حاجة لتفكير آخر في الموضوع يحول المشكلة إلى فرصة تنموية.
في رأيه إن الجميع صاروا مشغولين فيما يبدو بالعراك السياسي ولم يعد أحد مستعدا للتفكير الجاد في التنمية.
....................

29 أغسطس، 2012

ملاحظات على رحلة الرئيس


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء  11 شوال 1433 – 29 أغسطس 2012
ملاحظات على رحلة الرئيس – فهمي هويدي

رحلة الرئيس محمد مرسي إلى الصين وإيران تستدعي العديد من الملاحظات والتساؤلات، خصوصا أننا نعلم الآن أن زيارة الصين لها أهدافها الاقتصادية بالدرجة الأولى، في حين أن زيارة إيران التي قيل إنها سوف تستمر أربع ساعات فقط لا تحتمل أكثر من توجيه بعض الرسائل المقتضبة التي قد يتداخل فيها السياسي مع الاقتصادي.

وإذا جاز لي أن أقارن بين الزيارتين فقد أقول إن زيارة الصين تستهدف دخول البيت والتفاعل مع أهله.
أما زيارة إيران فلا تتجاوز محاولة التعرف على العنوان وفتح باب البيت المستعصي، والاكتفاء بمجرد إلقاء السلام على أهله.
وهدف الأولى تحقيق المنافع أما هدف الثانية فقد لا يتجاوز وصل ما انقطع.

ما عندي من ملاحظات وتساؤلات منصب على الشق الاقتصادي من الزيارة بوجه أخص، الذي هو أكثر تحديدا ووضوحا في الوقت الراهن.

الملاحظة الأولى إننا ينبغي ألا نتوقع جذبا للاستثمارات الخارجية إلى مصر قبل إصلاح الأوضاع الداخلية والبدء بتحريك عجلة التنمية في البلد. لأن المستثمر يتوجه إلى البيئة التي يطمئن إلى أنها تشكل إغراء جاذبا له، وهو ليس مستعدا للمغامرة بالذهاب مثلا إلى بلد أغلق فيه 2000 مصنع أبوابه، ومصانعه الكبرى تعاني مشكلات تهددها بالإغلاق.

لذلك فقد تمنيت أن يعالج الرئيس والحكومة معه المشكلات الأساسية التي يعاني منها الاقتصاد في الداخل، قبل أن يخاطب أهل الخارج.
وللعلم فإن ذلك ما فعلته الصين والهند. حيث لم تتقاطر عليهما الاستثمارات الخارجية إلا بعد أن اقتنع المستثمرون بأنهم مقبلون على فرصة واضحة المعالم وليسوا مقدمين على مغامرة لا تعرف عواقبها.

الملاحظة الثانية تعيد التذكير بأهمية مراجعة ونقد الفلسفة الاقتصادية المهيمنة في مصر، والتي كان لها تأثيرها الواضح على برنامج «النهضة» الذي تبناه الدكتور مرسي.
وهي الفلسفة التي تعطي الأولوية لتحرير التجارة وتشجيع الاستثمار والاستقدام من الخارج، في حين تتجاهل للأسف معطيات الداخل وقدراته وخصوصيته. الأمر الذي يعني أنها تعتني بالاستنساخ بأكثر مما تعتني بالإبداع، وتقدم الحلول الجاهزة والمعلبة على الحلول المبتكرة النابعة من القدرات الذاتية والإمكانات المحلية.

الملاحظة الثالثة متصلة بسابقتها وتعد ترجمة عملية لها. ذلك أن وفد رجال الأعمال الذي سافر مع الرئيس في رحلته ضم أشخاصا يمثلون شركات تجارية ومكاتب للاستيراد، الأمر الذي أعطى انطباعا باهتمام الحكومة بالاستيراد من الخارج، وعدم اهتمامها بالإنتاج والتصدير.

ولم تكن تلك هي الملاحظة الوحيدة على الوفد المسافر لأنني سمعت من بعض رجال الأعمال قولهم إن الذين رافقوا الرئيس في رحلته هم أنفسهم المجموعة التي التقته بعد توليه السلطة،
وقيل لي أيضا إن عددا من رجال الأعمال الذين التفوا حول جمال مبارك وأبيه في النظام السابق، وحققوا من وراء ذلك مكاسب لا حدود لها، استطاعوا أن يلتفوا حول القيادات الجديدة وأن يصبحوا من أركان الوضع الاقتصادي المستجد.

ومن المفارقات أن العديد من الخبرات والكفاءات التي حوربت وأبعدت عن محيط العمل العام في ظل النظام السابق بسبب اعتراضهم على سياساته، هؤلاء تم إقصاؤهم واستبعادهم أيضا من المشهد الحالي، ربما تأثرا بآراء ومواقف عناصر النظام السابق الذي فرضوا أنفسهم على مشهد ما بعد الثورة.

الملاحظة الرابعة أنني أدركت أن ضعف التواصل بين الرئاسة والحكومة وبين النخبة ومؤسسات المجتمع ليس مقصورا على السياسيين والإعلاميين وحدهم، ولكنه حاصل أيضا بالنسبة للاقتصاديين ورجال الأعمال.

وفيما فهمت فإن ذلك التواصل فيما خص الأخيرين يكتنفه الغموض، بمعنى أنه بات مقصورا على دائرة محدودة مغلقة على ذاتها، في مسلك يبدو متأثرا بأساليب وتقاليد الجماعة، التي لم تنفتح بعد على نهج الدولة، الذي ينبغي أن يتسم بالوضوح والشفافية.

الملاحظة الخامسة والأخيرة هي أنني كنت قد دعوت في وقت سابق إلى ترتيب لقاء بين رموز السلطة في مصر وبين الخبرات الاقتصادية المصرية، للاتفاق على تشخيص الأزمة ومحاولة وضع حلول لها تعالج الثغرات الحاصلة بعد ترتيب أولوياتها.

وبشكل أخص تحدد نقطة البدء وما هو عاجل من الأهداف وما هو ضروري وما يمكن تأجيله، لكن يبدو أنه ليس لدى السلطة التنفيذية استعداد لممارسة مثل هذا الوضوح والشفافية في الوقت الراهن.

إن الارتباك مفهوم في بدايات تأسيس النظام الجديد، والأعذار مطلوب أيضا، مع ذلك فإنني أتمنى أن تمارس الجهات المعنية بترتيب رحلات الرئيس من جانبها نقد الذات وتصحيح الأخطاء أو إزالة الالتباسات، حتى تحقق تلك الرحلات النجاح المرجو لها، بحيث تصبح إضافة إلى رصيد الوطن، وليس مجرد فرصة لتلميع صورة الرئيس وإثبات حضوره والإشادة بتحركاته.
.............................

28 أغسطس، 2012

مخاوف الأقباط – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  10 شوال 1433 – 28 أغسطس 2012
مخاوف الأقباط – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

شيء سيئ أن يشعر الأقباط في مصر بالقلق بعد الثورة.
أما الأسوأ فإن يحدث ذلك في ظل صعود إسلامي يفترض أن مرجعيته كفيلة بتبديد ذلك القلق.

ــ1ــ

إلى عهد قريب، كنت أظن أن خطاب القلق والخوف مقصور على دوائر الغلاة بين الأقباط في داخل مصر وخارجها، الذين ينتشر بينهم التعصب المقترن بسوء الظن.
وكنت أعلم أن بين قيادات الكنيسة من دأب على تغذية ذلك التعصب.
لكنني اكتشفت أخيرا أن دائرة القلقين أوسع مما تصورت، إذ زارني في مناسبة عيد الفطر نفر من عقلاء الأقباط الذين تربطني بهم جيرة وصداقة، وقالوا لي صراحة أنهم أصبحوا خائفين من الأجواء الراهنة في مصر.
وحدثني بعضهم عن أن أبناءهم قرروا الهجرة إلى الخارج لأنهم لم يعودوا مطمئنين إلى المستقبل في ظل الصعود الإسلامي الراهن.

أعاد ذلك إلى ذهني ما قرأته مؤخرا في مقالة دينيس روس المساعد السابق للرئيس أوباما لشؤون الشرق الأوسط، الذي أشار في مقالته التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست إلى أن مائة ألف قبطي، هاجروا من مصر بعد الثورة.

لاحظت أيضا أن نسبة عالية من الأقباط خرجت في مظاهرات الجمعة الماضية (24/8)، على الأقل تلك التي خرجت في مصر الجديدة وحي العباسية والظاهر، وقيل إن هدفها الأساسي هو إسقاط ما أسموه حكم الإخوان.

كنت أعلم أن من دعا إلى خروج المظاهرات طاف ببعض الكنائس وظل يستثير الأقباط ويحرضهم ضد النظام القائم ليجذبهم إلى الانضمام إلى حملة إسقاط الرئيس وإنهاء حكم الإخوان.

لم أستغرب ذلك، لأن صاحب الدعوة هو ذاته الذي ألقى كلمة قبل أشهر قليلة في احتفال أقامه حزب الكتائب اللبناني واعتبر فيه أن الدور الذي قام به سمير جعجع (صاحب السجل الأسود والمشبوه في التاريخ اللبناني الحديث) كان ملهما له.

لكن ما استغربت له حقا أن يستجيب لتحريضه عدد لا بأس به من الأقباط، فينضمون إلى التظاهرة، الأمر الذي أضاف الاصطفاف الطائفي إلى الاصطفاف السياسي، وأطلق في الفضاء المصري رائحة فتنة فاحت منها رائحة استلهام تجربة الصراع الدموي بين الموارنة والمسلمين الذي سبقت الإشارة إليه في التجربة اللبنانية.

ــ2ــ

لا أريد أن أعمم. وأنبه إلى أهمية التفرقة بين
مزايدين يتاجرون بالملف القبطي،
ومتعصبين يدعون إلى المفاصلة ويرفضون التعايش إلا إذا تم وفق شروطهم،
ومهرجين التمسوا الوجاهة السياسة من خلال عرض أنفسهم ممثلين للأقباط،
وآخرين وقعوا في فخ الاستخدام والغواية فتحالفوا مع الكارهين والكائدين للمسلمين والعرب، من بين المهاجرين إلى الولايات المتحدة وكندا بوجه أخص.
أفرق بين هؤلاء جميعا وبين عامة الأقباط المصريين، الذين يدركون أنهم جزء من هذا الوطن ويقفون في الصفوف الأولى من مناضليه وأبنائه الشرفاء.

عن الأخيرين أتحدث، وقلقهم هو الذي يزعجني ويدفعني إلى الإلحاح على تهدئة خواطرهم واستعادة ثقتهم، ليس فقط دفاعا عن السلم الأهلي وترسيخا لقواعد العيش المشترك، ولكن أيضا امتثالا للمرجعية الإسلامية، التي قررت لغير المسلمين حقهم في البر والقسط

(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

وقبل أن أخوض في عناوين ملف المخاوف. أنبه إلى أن التصنيفات التي سبقت الإشارة إليها ليست مقصورة على الأقباط وحدهم، وإنما هي قائمة في أوساط المسلمين أيضا، حيث فيهم المعتدلون والمتطرفون والعقلاء والحمقى والأسوياء والمنحرفون.. إلخ.

ما الذي يقلق عقلاء الأقباط والمعتدلين منهم؟
ــ ألقيت السؤال على من أعرف من الأصدقاء والباحثين الذين أثق في نزاهتهم، فحدثوني عن أمور وقعت وأخرى سمعوا بها، وثالثة يتوقعون حدوثها في المستقبل،
في التفاصيل ذكروا ما يلي:

ــ فيما هو حاصل على الأرض فإنهم ذكروا مسألة بناء الكنائس وتوفيق أوضاع ما هو قائم منها.
وأعربوا عن انزعاجهم من تكرار الاعتداء على بعض الكنائس، وتساءلوا عن أسباب التراخي في محاسبة الذين يمارسون الاعتداءات التي طالت بعض الأفراد.
وأبدوا تحفظهم إزاء عدم وجود تمثيل ملحوظ في المناصب العامة. سواء تمثلت في الحكومة الجديدة أو تعيينات المحافظين.
أعربوا أيضا عن غضبهم من تصريحات بعض الدعاة الذين دأبوا على إهانة معتقداتهم ورموزهم من فوق المنابر ومنهم من علق على وفاة البابا شنودة الثالث بعبارة حزت في نفوس الأقباط حين قال: هلك رأس الكفر(!).

ــ مما سمعوا به وليسوا متأكدين من حدوثه، أن بعض الفتيات القبطيات تعرضن للتقريع والإهانة أثناء سيرهن، بسبب عدم ارتدائهن للحجاب. وأخريات تم اختطافهن لإدخالهن الإسلام.
وأن بعض الأقباط تم تهجيرهم من قراهم بدعوى عدم التعرض للاعتداء من جانب المسلمين.
وأن هناك اتجاها لإخراج الأقباط من الجيش واستبعادهم من الوظائف العامة الحساسة في الدولة. وأن خطة «الأخونة» وراء ذلك الإقصاء.

ــ التوقعات الشائعة بينهم بمثابة كوابيس تؤرقهم. من تلك التوقعات ما تتحدث به وسائل الإعلام عن تطبيق الشريعة وإقامة الحدود. وإعلان الخلافة الإسلامية. إضافة إلى التدخل في الحريات الخاصة. ما تعلق منها بالأزياء والاختلاط، ومصادرة بعض الأنشطة من خلال التحكم في وسائل الترفيه وإغلاق دور السينما وأماكن اللهو والحانات ومنع النساء من ارتداء ألبسة البحر. وممارسة الضغوط على البنوك بذريعة منع الربا.
وفي اعتقادهم فإن عملية أخونة السلطة التي يكثر الحديث عنها هذه الأيام ما هي إلا مقدمة للانتقال إلى مرحلة أسلمة المجتمع في مقتبل الأيام.

ــ3ــ

حين نظرت إلى تلك التحفظات وجدت أن بعضها حقائق قائمة على الأرض وأغلبها شائعات وظنون القلق من الحقائق مبرر حتى إذا اختلفنا في تفسيرها.
إذ لست أرى مبررا لتعليق ملف بناء الكنائس أو عدم توفيق أوضاع الكنائس التي أقيمت بالفعل خارج القانون.
ومبلغ علمي على أن مشروعا موحدا لدور العبادة تم إعداده بمشاركة عدد من المثقفين المحترمين المسلمين والأقباط، لكن ذلك المشروع رفض من الأزهر ومن الكنيسة في الوقت نفسه.

وفي كل الأحوال فإن هذا الموضوع من مخلفات النظام السابق ويتعذر احتسابه على وضع ما بعد الثورة، لكنى أجد أنهم محقون في انتقادهم للتراخي في محاسبة المسؤولين عن الاعتداءات التي وقعت على الكنائس أو الأقباط،

وكلامهم عن تمثيل كفاءاتهم في الحكومة والمحافظين والمناصب العامة له وجاهته وينبغي الإصغاء إليه جيدا، بحيث لا تمثل الاستجابة له إحقاقا للحق فقط، ولكن أيضا للطمأنة وتعزيز الثقة، خصوصا أن بعض من حدثتهم قالوا إنه لم يعد يكفى أن يرد عليهم بعبارة لهم ما لنا وعليهم ما علينا لأنه من الضروري أن يقوم البرهان على ذلك.

ما يتردد على ألسنة بعض الدعاة أو الأفراد المنتمين إلى الجماعات الإسلامية ــ السلفيين خاصة ــ لهم فيه كل الحق، حتى إذا برر البعض ذلك بأن ما يقال من جانب بعض القسس في داخل الكنائس لا يختلف كثيرا عما يعبر به أولئك الدعاة.
ذلك أن الخطأ لا ينبغي أن يعالج بخطأ مماثل، ثم إن مسؤولية الأغلبية عن احترام مشاعر الأقلية تظل أكبر، والحساب عن الأخطاء أو الإهانات في هذه الحالة ينبغي أن يكون أشد.
وليتنا نعالج ذلك التجريح من جانب بعض الدعاة، بقرار حازم يعمم على جميع مساجد الأوقاف بوقف التعرض بأي إساءة لمعتقدات غير المسلمين.

 كما أنني أتمنى أن يعالج ذلك الوضع أيضا من خلال تفعيل نصوص قانون العقوبات التي تحاسب على ازدراء الأديان والتحقير من شأنها، علما بأن هذه المشكلة بالذات كانت موجودة قبل الثورة، ولكن صعود التيارات الإسلامية بعدها سلط عليها أضواء أقوى، وربما شجع عليها أيضا.

الشق الأصعب في ملف المخاوف هو ما كان منه مبنيا على الشائعات والظنون المتعلقة بالحاضر أو المستقبل. وهو الجانب الذي تقوم فيه وسائل الإعلام بالدور الأكبر.
ولا مفر من الاعتراف هنا بأن أكثر ما تبثه وسائل الإعلام مؤدٍ إلى التخويف وتعميق أزمة الثقة يعد استمرارا لسياسية «الفزاعة» التي كانت متبعة في ظل النظام السابق، وأنه متأثر بالاستقطاب الحاصل في مصر بعد الثورة وفيه من تصفية الحسابات والكيد السياسي بأكثر مما فيه من تحرى الحقيقة أو الدفاع عن السلم الأهلي والمصالح العليا للجماعة الوطنية.

ــ4ــ

ناقشت الموضوع مع عدد من الشخصيات المهتمة بالملف في المقدمة منهم المستشار طارق البشري والأساتذة نبيل مرقس وسمير مرقس وجمال أسعد والدكتور رفيق حبيب.
ووجدت بينهم اتفاقا على أن وسائل الإعلام لعبت دورا سلبيا أساسيا في إثارة مخاوف الأقباط،
وأن أزمة الثقة الراهنة ليست بين المسلمين والأقباط فحسب، ولكنها أصبحت بين مختلف القوى السياسية بل أيضا بين السلطة والمجتمع.

وجدتهم متفقين أيضا على أن المخاوف ليست مقصورة على الأقباط وحدهم، لأن الطبقة الوسطى في مصر التي يشكل المسلمون الشريحة الأكبر فيها، لها مخاوفها أيضا المتأثرة بالتعبئة الإعلامية والممارسات أو التصريحات الفردية،

المستشار البشري قال إن الأوهام والمخاوف في هذا الموضوع أكثر من الحقائق. ودعا إلى عدم محاسبة المسلمين كافة عن أخطاء بعضهم،
وقال إن كل خطأ ينبغي أن ينسب إلى صاحبه ويحاسب عليه من المسلمين، وفي هذه الحالة فإن التعميم على الكل يتعذر افتراض حسن النية فيه.

نبيل مرقس اعترض على مصطلح الخوف وقال إن القلق وصف أدق لما تعاني منه الطبقة الوسطى المصرية وليس الأقباط وحدهم، وأن توسيع التمثيل للطبقة الوسطى في دائرة صناعة القرار أو التمثيل النيابي كفيل بتبديد ذلك القلق الذي يساورها حول احتمالات تغيير نمط الحياة في مصر.

سمير مرقس قال إن الأقباط الذين كانوا في الماضي بعيدين عن العمل السياسي رفعوا عاليا سقف توقعاتهم بعد الثورة وتصور أغلبهم أن السياسة معركة الجولة الواحدة،
وقال إن المشاركة المجتمعية من جانب كل الأطراف والأطياف كفيلة بتحقيق الثقة المنشودة.
واعتبر أن الإخوان يجب أن يقدموا تطمينات كافية للمجتمع، وقد أصبحت مسؤوليتهم أكبر إزاء التصعيد السلفي.

رفيق حبيب انتقد غلبة الفكر الافتراضي بين المسيحيين، وقال إن التفاعل بين المسلمين والمسيحيين على أرض الواقع كفيل بعبور الفجوة التي صنعها الإعلام.
وهناك مشكلات بين الطرفين لا يحلها غير الحوار المباشر بين ممثلي الأزهر والكنيسة.

جمال أسعد اعترض على الطرح الطائفي للملف، وقال إنه لا يحل إلا من خلال مشاركة مجتمعية يقوم بها الطرفان، باعتبارهم مصريين وليس بحسبانهم مسلمين أو أقباطا.
وتساءل: لماذا لا نعمل معا في مشروع قوي كبير مثل تعمير سيناء؟.

لنا كلام آخر في الموضوع الأسبوع المقبل بإذن الله.
.....................

Delete this element to display blogger navbar