Subscribe:

Ads 468x60px

30 يونيو، 2012

أفسدوا علينا الطبخة


صحيفة الشرق القطريه السبت 10 شعبان 1433 - 30 يونيو 2012
أفسدوا علينا الطبخة – فهمي هويدي

هل يجوز لرئيس جمهورية مصر أن يحلف اليمين أمام أحد من موظفي الدولة؟
السؤال من وحي المشهد الذي يفترض أن يتم اليوم (السبت) حين يؤدي الرئيس محمد مرسي اليمين أمام الجمعية العامة للمحكمة الدستورية العليا، التي تضم جمعا من القضاة الأجلاء ذوي المرتبة الرفيعة، لا كلام لدي عن مقام الجمعية المذكورة، فهو محفوظ وعلى العين والرأس من حيث المبدأ. واستقلال أعضائها لا ينفي حقيقة أنهم من كبار موظفي الدولة.

أما سؤالي فينصب على الملاءمة والمغزى في توجيه الرئيس المنتخب لكي يحلف اليمين أمام أولئك الكبار الموقرين، كما ذكر الإعلان الدستوري الأخير (الصادر في 17/6) ذلك أنني أفهم أن الرئيس المنتخب من الشعب ينبغي أن يحلف اليمين أمام ممثلي الشعب، وليس أمام أي سلطة أخرى معينة، حتى إذا كان ممثلوها من أكابر القوم أو أعلى الرتب. ومع كل الاحترام للآخرين، سواء كانوا مجلسا عسكريا أو أعلى أو محكمة دستورية عليا، فإن ممثلي الشعب هم في مرتبة أعلى من الاثنين.

حتى أوضح فكرتي فإنني أضع بين يديك ثلاث معلومات أحسبها مفيدة في هذا السياق الذي نحن بصدده. المعلومة الأولى أن بعض القانونيين عندنا (وكلهم صاروا فقهاء كما تعلم) أفتوا بإمكانية حلف اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا. وهو ما نص عليه الإعلان الدستوري الأخير، في التعديل الذي أدخله على المادة 30 من إعلان 30 مارس الذي تم الاستفتاء عليه، وذلك قياسا على التجربة الأمريكية في هذا المضمار، حيث يؤدي الرئيس القسم أمام رئيس المحكمة الاتحادية العليا.

وإذا تغاضينا عن الخطأ الجسيم المتمثل في إصدار المجلس العسكري من جانبه تعديلا على إعلان إجازته الإرادة الشعبية، فإن فقهاءنا المحترمين نسوا أو تناسوا أن أعضاء المحكمة العليا ورئيسها لا يعينون في مناصبهم إلا بعد تصويت مجلس الشيوخ لصالحهم، بمعنى أن الإرادة الشعبية هي التي انتخبتهم وسمحت لهم بتبوؤ مناصبهم. الأمر الذي يعني أن القياس على النموذج الأمريكي أغفل جوانب مهمة لم تكن في صالح الحالة المصرية.

المعلومة الثانية أن الإرادة الشعبية في الدول الديمقراطية تمثل خطا أحمرا يضفي عليها هالة أقرب إلى القدسية، حتى أن ملكة إنجلترا ــ بجلالة قدرها ــ يمنع عليها الدخول إلى مجلس العموم لأنه بيت الشعب الذي لا ينبغي أن يعلو فيه صوت غير صوت الشعب. في حين أن لها أن تذهب إلى مجلس اللوردات لأن الأخيرين ليسوا منتخبين من الشعب، ولكنهم معينون بتوصية من الحكومة. وهي لقطة تبين لك مدى فداحة الجرم الذي تمثل في منع نواب مجلس الشعب في مصر من دخوله بعد إعلان حله، كما تمثل في وضع دبابة أمام باب المجلس، كانت رمزا لتحدي صندوق الانتخاب والحط من قدره.

المعلومة الثالثة لا تخلو من مفارقة، وخلاصتها أن العهد الملكي كان أكثر احتراما لإرادة الشعب من النظام الجمهوري، الذي يفترض أن ترتفع فيه أسهم الإرادة الشعبية إلى عنان السماء. آية ذلك أن دستور عام 1923 نص في مادته رقم 54 على أنه في حالة خلو العرش لأي سبب يتعين اجتماع المجلسين (النواب والشيوخ) لاختيار الملك الجديد. و«إذا كان مجلس النواب منحلا وقت خلو العرش فإنه يعود للعمل حتى يجتمع المجلس الذي يخلفه». وهو نص يعتبر شرعية الملك الجديد منقوصة إذا لم تستند إلى إرادة شعبية ممثلة في مجلس النواب.

حين يتأمل المرء هذه المعلومة الأخيرة ويقارنها بمضمون الإعلان الدستوري الأخير ينتابه خليط من مشاعر الاستياء والحزن، خصوصا إذا لاحظ أن «الترزية» الذين صاغوا الإعلان (أعتذر عن استخدام الوصف لكنني لم أجد بديلا عنه) قاموا بتفصيل الإعلان الدستوري على المجلس العسكري، بحيث حولوه إلى كيان مستقل عن الدولة المصرية له مقره القاهرة حقا، لكن لا شأن له بالسلطة الشرعية في مصر، وإنما للأخيرة أن تستأذنه في بعض الأمور المشتركة بحكم علاقات التساكن والجوار.

هؤلاء الترزية الذين بذلوا غاية جهدهم لإعلان استقلال المجلس العسكري وتأكيد مقامه الرفيع، لم يعتنوا حتى بالرمز في الدفاع عن الإرادة الشعبية. ولم يخطر على بالهم أن يستفيدوا من نص دستور 1923 الذي دعا إلى عودة المجلس المنحل (دعك من الرأي القانوني في سبب الحل) لكي يقسم الرئيس الذي انتخبه الشعب أمام برلمان الشعب.

أدري أنها مسألة رمزية وشكلية. ذلك أننا ما كنا نحلم بانتخاب رئيس يوما ما، ولا بأن يتم ذلك بحرية ونزاهة. ولكن أما وقد حدث ذلك، فلماذا نفسد «الطبخة» ونشوه الفرحة بمطالبة الرئيس المنتخب بحلف اليمين أمام جهة غير منتخبة.

ربما بدا اقتراح حلف اليمين في ميدان التحرير بحضور الجميع بمن فيهم أعضاء مجلس الشعب حلا ثوريا، لكنه يصعد المواجهة مع المجلس العسكري. كما أنه ليس يسيرا أن يقسم الرئيس أمام ثلثي أعضاء المجلس فقط، إلا إذا قبلت المحكمة المختصة الطعن في قرار الحل، وأيدت إسقاط عضوية ثلثه فقط.

لذلك أجدني أميل إلى رأي المستشار طارق البشري الذي قرر فيه أن حلف اليمين غير لازم لممارسة الرئيس سلطته، إلى أن يأتي الله بفرج من عنده، ويصبح في مصر مجلس للشعب يعزز شرعية الرئيس المنتخب من الشعب.
إن تأجيل القسم أفضل من أدائه في المكان الغلط.
..................

28 يونيو، 2012

الست أم أحمد


صحيفة الشرق القطريه الخميس 8 شعبان 1433 - 28 يونيو 2012
الست أم أحمد – فهمي هويدي

المذكورة أعلاه هي السيدة نجلاء على، زوجة رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي وأحمد هو ابنه الأكبر.
والتسمية ليست من عندي، ولكني وقعت عليها ضمن عناوين الصفحة الأولى لإحدى الصحف التي صدرت صباح الخميس الماضي 21/6 (قبل إعلان نتيجة فرز الأصوات).
وكان العنوان الذي أبرز على أرضية حمراء كالتالي:
ماذا ستفعل الست أم أحمد في القصر الجمهوري؟

 ــ في الإجابة على السؤال ذكر التقرير المنشور على إحدى الصفحات الداخلية ما يلي:
 قريبا قد تدخل السيدة الأولى الجديدة إلى قصر الرئاسة وهي ترتدي الخمار.
وربما ترفض مصافحة رؤساء الدول الأجنبية مكتفية بإيماءة برأسها أو بانحناءة قصيرة، دون أن تطيل النظر إلى الضيوف.
 وتظل طوال المراسم وهي تنظر أسفل قدميها. وبالطبع «وقتها» سيتلقى الرئيس الضيف قبلها قصاصة ورقية من موظف كبير في إدارة المراسم، ترسم له خطوط التعامل مع السيدة الأولى «لا تنظر إليها، ولا تقترب منها لتهمس في أذنها، ولا تصافحها».

وفي التعليق على هذه الصورة ذكرت الصحفية صاحبة التقرير أن أكثر المتشائمين في طول مصر وعرضها لم يكن يتوقع حدوث هذا السيناريو الكوميدي.

سؤال الصفحة الأولى ليس بريئا ولكنه مسكون بالتحقير والازدراء، كأن صاحبه أراد أن يقول لماذا تدخل أمثال السيدة أم أحمد إلى القصر الجمهوري
(لاحظ أنه استنكف عن ذكر اسمها الأصلي)، في تعبير ليس فقط عن العجرفة والاستعلاء الطبقيين وإنما أيضا عن تدني الأداء المهني، الذي لا يعرف حدودا للنقد والهجاء، ويبدي استعدادا مدهشا لاستباحة، الآخر المختلف، لمجرد أنه مختلف ولا يعجبنا.

النموذج الذي بين أيدينا ليس حالة فردية، ولكنه يشكل ظاهرة في الخطاب الإعلامي المصري، الذي ترتفع فيه بعض الأصوات منادية باحترام الآخر، لكن عند الاختبار الحقيقي نفاجأ بمثل ذلك الاستعلاء والاحتقار الذي يحط من شأن الآخر ولا يرى بديلا عن إقصائه ومحوه من الوجود إذا أمكن.

في الكلام نبرة استشراقية متعالية، تتعامل مع المتدينين بقرف شديد، وكأنهم من قبيل «الجَرَب» السياسي والاجتماعي الذي يتعين العلاج منه، ولا تعتبر أن مظهرهم ومسلكهم فقط هو المشكلة، وإنما ترى أن المشكلة الحقيقية في أنهم موجودون على ظهر البسيطة.

حين ظهرت صورة السيدة نجلاء علي بخمارها أو حجابها في بعض الصحف، لم ترحمها بعض تعليقات شبكة التواصل الاجتماعي. التي ترددت فيها لغة الاستشراق والاستعلاء الطبقي.

وقالت إحداها عن قرينة الرئيس إنها لا تشبه نساء مصر ــ وبدا التعليق مضحكا ومحزنا ــ لأن صاحبته لم تدرك أن مظهر كل الأمهات المصريات يكاد لا يختلف في شيء عن الصورة التي ظهرت بها السيدة نجلاء في وسائل الإعلام المصرية.

ليس الأمر مقصورا على التعالي الطبقي، ولكن الأسوأ منه هو الكراهية الدفينة التي تعتبر المتدينين خصوما أبديين لا سبيل إلى الالتقاء معهم في أي نقطة.
فهم عند البعض ولدوا أشرارا مشوهين عقليا ونفسيا، وسيظلون كذلك إلى يوم الدين، ولا أمل يرجى منهم إلا إذا تخلصوا من «عاهة التدين» التي ابتلوا بها.

نشرت إحدى المجلات الثقافية (في 20/5) حوارا مع إحدى الأديبات سئلت فيه عن إمكانية «التوافق» مع التيارات الإسلامية، فردت قائلة:
أنا ضد التوافق مع ما هو ضد العقل، ولا استطيع التوافق مع فكرة مثل جماع الوداع الذي اخترعوه ــ وحين أغلقت الباب فإنها اعتبرت التدين ضد العقل، وسخرت من المتدينين بالترويج لكذبة خائبة، الأمر الذي أرجو ألا يبرر لبعض المتعصبين من المتدينين أن يرموا الليبراليين واليساريين بالكفر وتقنين الدعارة والشذوذ الجنسى!

أستطيع أن أفهم خلفيات تلك الظواهر المرضية التي عبأت النفوس بالمرارات، وجعلت كل طرف لا يرى في الآخر إلا أسوأ ما فيه.
لكنني أزعم أن الجميع أصبحوا مطالبين الآن بتجاوز تلك المرحلة البائسة بعدما استرد الشعب وطنه من غاصبيه، وتعين عليهم أن يصطفوا معا للنهوض بالبلد وإعادة بنائه من جديد.

إن ممارسة الاستعلاء الطبقي أو الفكري والاستسلام للمرارات والأحقاد الدفينة لا يعد جريمة في حق الآخر فحسب، ولكنه بالدرجة الأولى جريمة في حق الوطن الذي هو أحوج ما يكون الآن لطاقات كل أبنائه بلا استثناء.

في هذا الصدد فليس مطلوب من أحد أن يتنازل عن رأيه أو موقفه، ولكن المطلوب أمران،
أولهما احترام الآخر،
وثانيهما إدارة الخلاف على قاعدة من النزاهة والشرف.

ذلك أن الأمم تبنى بأخلاق الفرسان، وعزائم المخلصين، ولا تبنيها تخرصات المتقولين أو مرارات الكارهين.
..............

26 يونيو، 2012

مصر مرسي(؟!)


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 7 شعبان 1433 - 27 يونيو 2012
مصر مرسي(؟!) – فهمي هويدي
 
أحذر من رفع سقف التوقعات في مخاطبة الدكتور محمد مرسي، حتى أكاد ألمح في بعض الكتابات والمطالبات ما يعطي انطباعا بأننا خرجنا من مرحلة مصر مبارك وأننا دخلنا في مرحلة مصر مرسي، ناسين أن الدنيا تغيرت بسقوط الرئيس الإله الذي كانت تدعمه وتسانده الدولة العميقة ويؤيده الإسرائيليون والأمريكيون ومن أطلقوا على أنفسهم المعتدلين العرب.

ذلك أن الرئيس الجديد لم يفقد قدسيته فحسب، وإنما جاء مكبلا ومحدود الصلاحيات، وأن له رئيسا آخر يقبع في الظل يتمثل في المجلس العسكري.

ثم إن الرجل يقف في جانب في حين أن الدولة العميقة بأسرها تقف في جانب آخر،
أقصد بتلك الدولة كل الأجهزة والمؤسسات التي أعاد تشكيلها النظام السابق على مدى ثلاثين عاما. وهي الأجهزة الأمنية التي اخترقت القضاء وطوعته.. فضلا عن المؤسسة البيروقراطية.
وتضاف إلى الجميع شبكة المصالح الاقتصادية التي انتفعت وانتفخت خلال تلك المرحلة.
ولست أشك في أن القوى الخارجية والإقليمية التي ارتبط بها ودللها الرئيس السابق تقف بدورها في معسكر الضد للرئيس الجديد.

خارج إطار الدولة العميقة، أو قل في الجزء الظاهر منها، هناك المنابر الإعلامية المتربصة والمعادية، والجاهزة دائما للاصطياد ولممارسة مختلف أساليب الترويع والاغتيال المعنوي، والتي لن ترحم الرئيس الجديد إذا صدرت عنه أي هفوة، وحتى إذا لم تصدر.

الخلاصة أن الرجل تم تكبيله بالإعلان الدستوري الذي صدر إبان انقلاب 17/6، وبعد فوزه فتحت له أبواب القصر الجمهوري، ولكن الطريق إليه تم تلغيمه، الأمر الذي يعني أن الرجل مقدم على عملية استشهادية، النجاة منها مشكوك فيها، وربما كانت حظوظه في الآخرة مضمونة في هذه الحالة، إلا أن حظوظه في الدنيا محل نظر.

من المفارقات أن ذلك الرئيس المكبل هو المسؤول الوحيد المنتخب شعبيا في مصر الآن. الأمر الذي وفر له شرعية حقيقية لا تتمتع بها أي مؤسسة أخرى في البلد، بما في ذلك المجلس العسكري ذاته، وقد كان انتخاب مجلسي الشعب والشورى من بشارات تأسيس النظام الديمقراطي الجديد، ولكن مجلس الشعب جرى التخلص منه بحيلة قانونية معروفة. أما مجلس الشورى فهو في مهب الريح الآن.

الخلاصة أن الذي يدير البلد فعليا الآن هو المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي الذي هو عمليا رئيس الرئيس.
وفي هذه الحالة فإن سيل الكتابات والمطالبات التي توجه الآن إلى الدكتور محمد مرسي تحمله ما لا يستطيع الوفاء به.
بل أزعم أن برنامجه الذي خاض به المعركة الانتخابية سيظل من قبيل الأمنيات التي عبر عنها الرجل، طالما أنه ظل في وضعه الراهن.

إذا صح ذلك التحليل فهو يعني أن الدكتور محمد مرسي لديه مشكلات في غاية التعقيد يصعب حلها في الأجل المنظور، فلديه مشكلة صلاحيات مع المجلس العسكري، الذي لن يكون بعيدا عن اختيار رئيس الوزراء أو تشكيل الحكومة القادمة.

ولديه مشكلة أخرى مع الفراغ الذي ترتب على التعسف في حل مجلس الشعب، الذي أدى إلى انتقال السلطة التشريعية إلى المجلس العسكري، وهو ما يسوغ لنا أن نتساءل عما تبقى لـ«الرئيس» محمد مرسي من هامش للحركة، بعدما أصبح المجلس العسكري هو سلطة التشريع، وهو أيضا بحكم الأمر الواقع المسؤول عن التنفيذ،

وله مشكلة ثالثة مع ملف جمعية وضع الدستور، التي بدأت عملها بالفعل في حين تبذل جهود أخرى لحلها وإعادة تشكيلها بواسطة المجلس العسكري دون أن يكون للرئيس المنتخب رأي فيها.
وطبقا للإعلان الدستوري فإن كتابة الدستور ذاتها لن تتم بسهولة، لأنه بوسع عدة جهات ــ منها المجلس العسكري ــ أن تعترض على ما لا يعجبها من مواد مقترحة للدستور، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد فترة كتابة الدستور، ومن ثم إطالة استمرار وجود ونفوذ المجلس العسكري.

لدى الرجل مشكلة رابعة مع الذين صوتوا له لأنه لن يستطيع أن يفي بما وعد به.

أهم من ذلك أن لديه مشكلة خامسة مع الدولة العميقة التي لن تسمح له بالنجاح، هذا إذا لم تسع إلى إفشال مهمته.

أما مشكلته مع إعلام الدولة العميقة، إضافة إلى أبواق المتربصين والمتصيدين فلا حل لها فيما يبدو.

تبقى بعد ذلك مشكلة انتمائه إلى جماعة الإخوان، التي ستظل عند البعض «لعنة» تطارده و«وصمة» لن يستطيع التخلص منها. إذ سيصر هؤلاء على أن الرجل لا يزال مكبلا بـ«البيعة» التي في عنقه لمرشد الجماعة، رغم إعلانه الاستقالة منها والتزامه بالقانون والدستور دون الجماعة.

وقد وجدنا أن البعض وجه إليه التهمة ذاتها لمجرد أنه استخدم بعض آيات القرآن في خطبته بعد إعلان الفوز، وكأن القرآن صار كتاب الجماعة.
وتلك تهمة لن يبرأ منها ربما إلا إذا استشهد في خطبته بمقاطع من أغاني تامر حسني ونانسي عجرم!

إن الرئيس الجديد يستحق منا أن نواسيه ونتعاطف معه بأكثر مما نغبطه ونهنئه.
.........................

استعدنا أتاتورك وليس أردوغان! – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 6 شعبان 1433 - 26 يونيو 2012
استعدنا أتاتورك وليس أردوغان! – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

كأن المجلس العسكري أخطأ في العنوان حين أراد أن يستفيد من الخبرة التركية.
إذ بدلا من أن يعتبر أعضاؤه مما فعله الطيب أردوغان فإنهم استلهموا تجربة كمال أتاتورك،
فأعرضوا عن سكة السلامة وطرقوا أبواب سكة الندامة.

(1)

رغم ارتياحنا النسبي لنتائج الانتخابات الرئاسية فالموقف في مصر الآن كما يلي:
مع قرب نهاية الفترة الانتقالية التي تحددت في الثلاثين من شهر يونيو الحالي، حدثت مفاجأة لم تكن في الحسبان.
إذ بعدما قطعنا شوطا لا بأس به باتجاه تأسيس النظام الجديد (أجريت انتخابات مجلسي الشعب والشورى وتشكلت لجنة وضع الدستور «فإننا استيقظنا ذات صباح على إعلان دستوري يعصف بما تم بناؤه، حتى الطوارئ التي ألغيت أطلت علينا من باب جديد، بعد إعطاء ضباط الجيش والمخابرات صفة الضبطية القضائية بالمخالفة للقانون».

بعد الذي جرى، لم يعد في بر مصر صوت يعلو فوق صوت المجلس العسكري، فهو الذي بات يملك سلطة التشريع، وهو الآمر الناهي فيما خص التنفيذ،
 ثم إن سلطة المجلس فوق القانون وفوق الدستور، وهو دولة داخل الدولة ولا شأن للأخيرة به،
وحتى في وجود رئيس الجمهورية فإن قراراته خاضعة لوصاية المجلس المذكور،
وإذا حدثت اضطرابات في البلد استوجبت تدخل القوات المسلحة فإن موافقة المجلس العسكري شرط لتنفيذ قرار رئيس الجمهورية في هذا الصدد.
ولرئيس المجلس العسكري، ضمن جهات أخرى، أن يعترض على أي مادة في مشروع الدستور لا تعجبه
وإلى أن يتم الاستفتاء على الدستور، فإن من حق المجلس العسكري أن يصدر ما يشاء من قوانين، وليس لأحد أن يطعن عليها أمام أي جهة قضائية.

أما الجمعية التأسيسية الحالية التي تتولى كتابة الدستور فإن الإعلان المذكور، أعطى المجلس العسكري سلطة إعادة تشكيلها إذا ما تعثرت في مهمتها دون تحديد أي معايير في هذا الصدد،
وفي هذه الحالة فإن لجنة الدستور الجديدة ستكون معينة، من قبل المجلس العسكري، وليست منتخبة من الشعب،
وفي هذه الحالة لن نفاجأ إذا ما قامت اللجنة «بتفصيل» الدستور بحيث يتجاوب مع رغبات المجلس وضغوطه.

الخلاصة أننا ظللنا طوال الأشهر التي خلت ننتظر موعد الثلاثين من يونيو الذي قيل لنا إنه سيتم فيه انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين، لكننا فوجئنا بذلك الانقضاض الذي نقلنا من حكم العسكر إلى تحكمه كما قيل بحق.

(2)

الخائفون على الثورة لم يختلفوا على وصف ما جرى بأنه انقلاب،
والخائفون منها اعتبروه منعطفا وحركة تصحيحية.
وكنت ضمن من وصفوه بأنه «انقلاب ناعم»، لكني استثقلت الوصف لاحقا واعتبرته تجميلا لفعل قبيح.
صحيح أنه انقلاب لم تطلق فيه رصاصة وتم بالحيل القانونية والألاعيب السياسية إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينسى أن شعب مصر دفع ثمنا غاليا من أرواح أبنائه ودمائهم لإنجاح هذه الثورة، الأمر الذي لا يستقيم معه وصف الانقلاب عليها بأي صورة بأنه «ناعم».

ذلك أن تشويه حلم شعب يظل جريمة في كل الأحوال بصرف النظر عن الأسلوب الذي اتبع في ذلك.

حين قرأت لبعض الباحثين وصفهم للانقلاب بأنه «ما بعد حداثي» بمعنى أنه تفكيكي ومناهض للفعل الحداثي المتمثل في الثورة، وجدت أن المصطلح الأول أطلقه نظراؤهم على انقلاب الجيش التركي «السلمي» على حكومة السيد نجم الدين أربكان في عام 1997،
حيث مورست عليه ضغوط لم يحتملها مما اضطره إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء،
وانتهى الأمر بالحكم عليه بالسجن وبحل حزب «الرفاة» الذي يقوده، وهو ما تم دون إطلاق أي رصاصة، وبقرار أصدرته المحكمة الدستورية العليا (أيضا!).

ليس من الإنصاف أن نقارن حصيلة الانقلاب الراهن في مصر بما حدث في تركيا في تسعينيات القرن الماضي، لأنني أجد الشبه أكبر بين الإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري وبين ما أقدم عليه العسكريون الأتراك منذ أكثر من سبعين عاما،
وهي المرحلة التي زرعت فيها بذرة تنصيب القوات المسلحة وصية على المجتمع وليست مجرد حامية لأمنه وحدوده، وهي مسألة تحتاج إلى ثقة وقراءة متأنية.

(3)

ثمة خلفية واجبة الاستدعاء عند التطرق إلى دور الجيش في كل من مصر وتركيا.
فالجندية عند الأتراك لها مرتبتها الرفيعة في الوجدان العام، حتى يقال إن كل تركي يولد جنديا، وتحدثت كتب التاريخ عن النزعة القتالية التي تمتع بها الأتراك منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد
حتى إن قبائلهم التي عاشت في وسط آسيا دأبت على مهاجمة الصين، مما اضطر حكامها إلى بناء السور العظيم لصدهم،

وظلت تلك الصفة ملازمة لهم بعد تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي وصفت بأنها «عسكرية جهادية»،
وفي مرحلة أفول الإمبراطورية التي تحولت فيها إلى رجل أوروبا المريض (القرن الثامن عشر) تكالبت عليها دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وأنزلت بها هزيمة منكرة، الأمر الذي أدى إلى احتلال اسطنبول ذاتها في عام 1918،
إلا أن ذلك استنفر المقاومة التركية التي قادها مصطفى كمال باشا (أتاتورك) لاحقا، واستطاعت أن تحرر البلاد من الغزاة في الفترة بين عامي 1920 و1922، وهو ما مهد له الطريق لتولي السلطة وإعلان الجمهورية وإلغاء الخلافة العثمانية في عام 1923،
ولأن الجيش هو الذي أنقذ تركيا ورعى تأسيس الجمهورية فقد سوغ ذلك لقادته أن يعتبروا أنفسهم مسؤولين عن «إعادة تشكيل الأمة».
وهو المعنى الذي رسخه مصطفى كمال باشا خلال سنوات حكمه التي استمرت من عام 1927 إلى عام 1938.

منذ ذلك الحين اعتبر الجيش نفسه حارس الوطن والجمهورية معا، وصار مؤسسة مستقلة عن الدولة، ولها موازنتها التي تعدها رئاسة الأركان وليس وزارة الدفاع، وترسل إلى البرلمان للموافقة عليها فقط وليس لمناقشتها.

منذ عام 1935 نص القانون على تلك الوظيفة للجيش، لكن الفكرة جرى النص عليها في الدستور عام 1960، في أعقاب أول انقلاب قام به قادة الجيش باسم الدفاع عن النظام الجمهوري وقيم العلمانية التي اعتبرت أساسا أبديا له، لا يقبل التعديل أو المناقشة.

استنادا إلى هذا الدور قام الجيش بثلاثة انقلابات عسكرية سافرة خلال السنوات 1960 و1971 و1980
وذلك غير الانقلاب «الناعم» الذي تم في عام 1997 وسبقت الإشارة إليه.

هذه الخلفية تبرز الفرق بين وضع الجيش في تركيا عنه في مصر، صحيح أنه في مصر نقل البلد من الملكية إلى الجمهورية بصورة هادئة نسبيا في عام 1952 إلا أن ذلك تم في ظروف مغايرة لتلك التي شهدتها تركيا وقاد فيها الجيش المقاومة التي أنقذت البلاد من اجتياح الحلفاء،
ثم إن الجيش هناك أسس الجمهورية وبقي في قلب السياسة، في حين أنه في مصر خرج من السياسة وظل على هامشها بعد عام 1952. حتى في 25 يناير عام 2011 فإن الجيش المصري كان حارسا للثورة ولم يكن صانعا لها.

الفرق الآخر المهم أن الجيش في تركيا كان يتدخل في السياسة من منطلق أيديولوجي متذرعا بالدفاع عن العلمانية الكمالية،
أما في مصر فلم يكن للأيديولوجية أي دور في تحرك الجيش الذي ظل ملتزما بحسابات المصلحة الوطنية فقط.

(4)

قصة الجيش التركي والسياسة رصدتها بالتفصيل رسالة دكتوراه قدمت إلى كلية آداب عين شمس في عام 2008 وحصل بها الدكتور طارق عبدالجليل على شهادته مع مرتبة الشرف وقد استفدت من تلك الرسالة غير المنشورة أغلب ما ذكرت،
إلا أنني استكملت صورة تجربة العسكر هناك بالرجوع إلى كتاب «تركيا الأمة الغاضبة» الذي ألفه الباحث التركي كرم أوكتم وترجمه إلى العربية الأستاذ مصطفى مجدي الجمال.

ومن أهم ما وقعت عليه في هذا الكتاب إبرازه لدور الدولة العميقة في صناعة المشهد التركي خلال الثمانين سنة التي خلت،

والمؤلف يطلق عليها «الدولة الحارسة» التي قامت على تحالف الجيش مع القضاء والبيروقراطية ذلك أن الجيش في الانقلابات التي تمت كان يقوم بالمهمة السياسية والدور العسكري،

لكن ذلك لم يكن يكتمل ويحقق مراده دون إسهام القضاء وتجاوب أجهزة الإدارة البيروقراطية،

إن شئت فقل إن القضاء والبيروقراطية ظلا طوال العقود الخالية من الأدوات التي استخدمها الجيش في تسويغ ممارساته وبسط سلطاته.

ويسجل المؤلف أنه في تسع حالات استخدم الجيش المحكمة الدستورية في حل 9 أحزاب إسلامية وكردية في الفترة ما بين عامي 1971 و2009.
(هل يذكرك ذلك بالوضع الراهن في مصر)؟

لم تنتقل تركيا من الجمهورية الكمالية إلى مشارف الجمهورية الديمقراطية إلا بعد عام 2003 حين تولى السلطة حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، الذي ساعدته ظروف مواتية على إخراج الجيش من قلب السياسة وفك تحالف القضاء والبيروقراطية.

إذ مكنته الأغلبية التي حصل عليها حزبه من الحصول على أغلبية البرلمان وتشكيل حكومة متماسكة وليست ائتلافية،
وساعده ذلك على الاستجابة لدعوة الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة إضفاء الصفة المدنية على مجلس الأمن القومي الذي يقرر السياسة العامة للدولة، باعتبار ذلك من شروط قبول تركيا ضمن عضوية الاتحاد
(المجلس كان يضم 12 عضوا بينهم سبعة من العسكر، أي الأغلبية لهم»
وقد تم تغيير التركيبة بحيث أصبحت الأغلبية للمدنيين،

كما أن دور المجلس أصبح استشاريا فقط، ولا وجه للإلزام فيه، وحين تم تصحيح ذلك الوضع صار بمقدور الحكومة أن تمارس سلطتها متحررة من القيود والضغوط وقوى ذلك مركزها في التصدي لأركان الدولة العميقة ممثلة في منظمة «آرجنكون» التي تحدثت عنها في مرة سابقة.

أذكر بأن مجلس الدفاع الوطني الذي أعلن المجلس العسكري عن تشكيلة في مصر خلال الأسبوع الماضي ضم 16 عضوا بينهم 11 من العسكريين «أغلبية»
وإذا أضفت إلى هذه المعلومة خلاصة الإعلان الدستوري الذي صدر في 17/6 التي عرضتها في بداية هذا النص، فسوف تكتشف أن المجلس العسكري أعادنا إلى أجواء الستينيات في تركيا، وهو الوضع الذي لم تتحرر منه هناك إلا بعد مضي أربعين عاما.

لست متأكدا من أن ما فعله المجلس العسكري كان مجرد خطأ في العنوان أو خطأ في قراءة التاريخ، ومع ذلك فإن أكثر ما يهمني هو إجابة السؤال:

كم عدد السنوات التي سنحتاجها لكي نتحلل من وصاية العسكر، لنتمكن من بناء مصر الديمقراطية التي من أجلها قامت الثورة؟
........................

Delete this element to display blogger navbar