Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2012

الإبتزاز مقابل الإستحواذ


صحيفة الشرق القطريه الخميس  10 رجب 1433 – 31 مايو 2012
الإبتزاز مقابل الإستحواذ – فهمي هويدي

ما يحدث الآن في الساحة السياسية المصرية يعيد إلى الأذهان ما فعله الأمريكان مع ياسر عرفات في عام 1988.
ذلك أن الرجل كان قد ضعف موقفه ووجد نفسه مضطرا لاسترضاء واشنطن، فطلبوا منه كي يشمله الرضى أن يعلن تخليه عن المقاومة وإدانته لها والاعتراف بقراري مجلس الأمن 338 و242.

وحين وافق على ذلك وقرر أن يلقي خطبة في الأمم المتحدة يعلن فيها استجابته لما طلب منه، فإن الأمريكيين استغلالا لضعفه وإمعانا في إذلاله رفضوا أن يعطوه تأشيرة دخول،
واقترحوا أن يلغي خطبته أمام اللجنة السياسية التابعة للأمم المتحدة، في مقر المنظمة الدولية بجينيف. وهو ما حدث بالفعل.
إذ أعلن أبوعمار نبذ «الإرهاب» وأيد قراري مجلس الأمن.
وبعد أن استجاب الرجل لما طلب منه، كتب أحد المعلقين الأمريكيين قائلا ما معناه أنه طالما أن أبوعمار قرر أن يغير الدور وينتقل إلى طور جديد، أما كان الأجدر به أن يحلق ذقنه ويغير من ثيابه أيضا؟!

سمعت قصة مشابهة من الباحث الفلسطيني المخضرم عبدالقادر ياسين خلاصتها أن مؤتمر القمة العربي كان قد شكل في عام 1983وفدا برئاسة الملك الحسن الثاني للسفر إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأسبق رونالد ريجان، الذي كان قد قدم مبادرة خاصة بالقضية الفلسطينية وكانت للملك فهد مبادرة أخرى حول الموضوع ذاته.
وحين عاد العاهل المغربي إلى بلده سأله أبوعمار عما تم في اللقاء. وكان مما قاله الحسن الثاني أن ريجان سألهم لماذا يرتدي عرفات تلك الخرقة المربوطة بحبل التي يضعها فوق رأسه؟
 ــ حينذاك سأل عرفات: ماذا كان ردكم عليه، فقال الملك إننا سكتنا،
وحينئذ علق عرفات قائلا، ليتكم قلتم له أعطوا الفلسطينيين حقهم وسأرتدي لهم بدلة «سموكنج».

المشترك بين القصتين أن من يستشعر القوة في أي مفاوضات لا يكف عن فرض شروطه، وأن الطرف الأضعف إذا ما قرر التنازل فإن مقابله الأقوى سيظل يضغط ويتدلل حتى يعري الأضعف أو يلغيه تماما.

حضرتني هذه الخلفية حين تابعت خطاب الأطراف التي لم يحالفها التوفيق في انتخابات الرئاسة المصرية، ولاحظت أن الإخوان خسروا خمسة ملايين صوت، رغم أن مرشحهم الدكتور محمد مرسي احتل المرتبة الأولى، ودخل الإعادة مع الفريق أحمد شفيق. بعدما حصل كل منهما على نحو ربع الأصوات. (كل واحد حصد 5 ملايين صوت تقريبا).
وأدرك هؤلاء أن المرشحين في موقف ضعيف نسبيا، وأن نصف الأصوات موزعة على القوى الأخرى، خصوصا المرشحين عبدالمنعم أبوالفتوح وحمدين صباحي (الاثنان حصلا على نحو تسعة ملايين صوت).

لأن الفريق شفيق يعد امتدادا واستنساخا لنظام مبارك، فإن رفضه من جانب أغلب الأطراف والمجموعات السياسية الأخرى، لذلك فإن الضغط استهدف الدكتور محمد مرسي بالدرجة الأولى.

وتنافست تلك المجموعات في محاولة إلزامه بشروطها، التي بعضها تعجيزي، ولم يحدث البعض الآخر في أي مرحلة من مراحل التاريخ المصري. فقد اقترح عليه البعض أن يخرج من السباق تماما ويتنازل للمرشح الثالث (!).
وطالبه آخرون بأن يقر من الآن بتعديل المادة الثانية من الدستور بحيث لا تنص فقط على أن مبادئ الشريعة هي مصدر القوانين (وهو النص الذي لم يعد يختلف عليه أحد) وإنما عليه أن يقر أيضا باشتراط ألا يتعارض ذلك مع المواثيق الدولية، التي تعد في هذه الحالة حاكمة ومقدمة على مبادئ الشريعة.
وعرضت علينا من خلال التليفزيون شروط أخرى بينها شرط يقضي بأن كل قرارات رئيس الجمهورية ينبغي أن يوقع عليها نائب الرئيس، الذي يملك بمقتضى ذلك حق «الفيتو» على قرارات الرئيس.
وسمعنا أحدهم يطالبه بزيادة الرواتب ومضاعفة معاشات الضمان الاجتماعي ثلاثة أضعاف، بصرف النظر عما إذا كانت الميزانية تسمح بذلك أم لا...إلخ.

لقد دعوت الإخوان من قبل إلى طمأنة الرأي العام، وأشرت إلى عدة أفكار في هذا الصدد، بينها تعيين رئيس وزراء من غير الإخوان وتشكيل حكومة ائتلافية تضم أبرز القوى والكفاءات، والإعلان عن احترام الحريات الخاصة، إلى جانب احترام مبدأ المواطنة وكفالة حرية التعبير والإبداع.
كما تحدثت عن تمثيل الأقباط والنساء في أعلى مؤسسات الدولة،

وأضيف الإعلان بوضوح عن رفض فكرة الدولة الدينية.
وكان رأيي ولا يزال أن إيضاح الموقف إزاء مثل هذه العناوين يفتح الباب للطمأنة المنشودة.

لكنى وجدت أن الأمر وصل إلى حد الاستقواء والابتزاز ومطالبة الرجل بالتنازل عن أبسط مقومات مشروعة.
إضافة إلى تكبيله وتعجيزه عن العمل. وهو ما يسوغ لي أن أقول إنه إذا كان الإخوان قد اتهموا بالاستحواذ فإن القوى الأخرى مارست الابتزاز والإقصاء.

ليس عندي دفاع عن الأخطاء التي وقع فيها الإخوان، وكنت من أوائل من نبهوا إليها.
لكني أقول الآن أن ابتزاز مرشحهم للرئاسة على هذه الصورة التي يصعب القبول بها هو بمثابة تقوية لمنافسه الفريق شفيق ودعوة غير مباشرة لإنجاحه.

وحينئذ لن يكون الخاسر هو الدكتور مرسي وحده، ولكنه الوطن والثورة وأولئك الذين يتسابقون على فرض الشروط، التي لم يكن منها مطالبة الدكتور مرسي بحلق لحيته.
.................

29 مايو، 2012

"انقلاب" عمر سليمان

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء  9 رجب 1433 – 30 مايو 2012
"انقلاب" عمر سليمان – فهمي هويدي


قال اللواء عمر سليمان إن المشكلة الأولى التي تواجه مصر حاليا تتمثل في صعود التيار الإسلامي.
لذلك فإنه لم يستبعد حدوث انقلاب عسكري في مصر في حالة تولي الإخوان المسلمين السلطة في البلد، وهو ما اعتبره المشكلة الثانية.
 وفي السياق ذكر أن الإخوان يعدون أنفسهم عسكريا، وأنه خلال سنتين أو ثلاثة سيكون لديهم حرس ثوري لمحاربة الجيش، من ثَمَّ ادعى أن مصر مهددة بخطر الدخول في حرب أهلية كتلك التي شهدها العراق.

هذا الكلام نقله عنه الأستاذ جهاد الخازن في جريدة «الحياة» اللندنية، التي نشرت له على مدى ثلاثة أيام تفاصيل لقائه مع رئيس جهاز المخابرات السابق (في 20 و21 و22 مايو)،
ولم يصدر عن الرجل أي تكذيب أو تصويب لما نسب إليه، الأمر الذي يعني أن علينا أن نتعامل مع ما نشر على لسانه باعتباره معلومات وحقائق صدرت عن الرجل فعلا.

توقيت نشر الحوار مهم، لأنه ظهر مباشرة قبل التصويت على المرشحين للانتخابات الرئاسية.
والحلقة الأخيرة منه نشرت قبل 24 ساعة من بدء التصويت، وختمها الكاتب بعبارة مستوحاة من آراء اللواء سليمان، قال فيها ما نصه:
«إن انتخاب مرشح إسلامي رئيسا لمصر سيكون كارثة على الديمقراطية والسلم الأهلي. وأرجح فوز هذا المرشح، فيتبعه انقلاب عسكري».

توقيت نشر الحوار بهذا المضمون لا يبدو أنه مصادفة، ولكنه يوجه رسالة إلى الجميع في داخل مصر وخارجها تحذر وتخوف وتهدد باحتمال وقوع انقلاب عسكري. إذا وقع المحظور، وابتسمت الأقدار لـ«المحظورة» في الانتخابات.

الملاحظة الأخرى أن اللواء سليمان الذي ظل على ود شديد مع الإسرائيليين، اعتبر الإسلاميين هم خصومه الشخصيين، وظل في ذلك ملتزما بمنطق ومفردات خطاب مبارك ونظامه، الذي تعامل مع مجمل التيار الإسلامي باعتباره يضم حفنة من الأشرار، الذين يتعين إقصاؤهم واستئصالهم.

الملاحظة الثالثة أنه في انتقاده للإخوان والتيار الإسلامي لجأ إلى التخويف والترويع للمصريين في الداخل وللعالم الخارجي أيضا.
فتحدث عن إصدار البرلمان لقوانين تعيد المرأة إلى البيت وتخفض من حضانة الأطفال ومن سن زواج الفتيات.
كما تحدث عن عودة جماعات العنف والتكفير والهجرة، التي ذكر أن انفتاح الحدود مع ليبيا والسودان سيمكنها من الحصول على السلاح.
وفي تخويفه للخارج قال إن من شأن تنامي التيار الإسلامي أن تصبح مصر في نظر الغرب دولة مصدرة للإرهاب «ألعن من باكستان وأفغانستان» ــ هكذا قال ــ وستخسر علاقتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يهدد بحصار مصر وقطع المساعدات عنها.

إذا وضعت هذه المعلومات إلى جانب كلام الرجل عن الاستعدادات العسكرية التي يقوم بها الإخوان «لتشكيل حرس ثوري يحارب الجيش» ــ وهذا بلاغ خطير إذا أخذ على محمل الجد ــ ستجد أن الرجل تحدث بلغة ومعلومات مخبر في أمن الدولة من الدرجة الثالثة.

أعنى أنها اللغة التقليدية والنمطية المسطحة والمبتذلة، التي لا تليق برجل أمضى نحو عشرين عاما على رأس جهاز المخابرات العامة.

ذلك أن المسؤولين في الإدارة الأمريكية قالوا كلاما أصوب وأفضل منه بكثير.
وأستحي أن أقول إن ما قاله يطابق تماما ما يقوله المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية. والذي يراجع تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان بخصوص الموضوع ذاته خلال الأسبوع الأخير، لن يجد فرقا كبيرا بينها وبين ما صدر عن اللواء سليمان.

الملاحظة الرابعة أن صاحبنا أقنع الكاتب ــ الأستاذ جهاد الخازن ــ بأنه حين تقدم للترشح لرئاسة الجمهورية فإن الإسلاميين وحدهم هم الذين عارضوه، وهددوا باستخدام العنف لمنعه، إدراكا منهم بأنه صاحب الحظ الأوفر في الفوز.

وقد استغربت أن الأستاذ الخازن صدق هذا الكلام، ولم ينتبه إلى أن ترشحه كان صدمة لكل الوطنيين في مصر، لأنه أكثر من الفريق شفيق تمثيلا للنظام السابق وتجسيدا للكابوس الذي عانت منه مصر طوال 30 عاما.

الملاحظة الخامسة أن اللواء سليمان قال للخازن إنه تعرض لمحاولة اغتيال يوم 30 يناير من العام الماضي. وفي حواره سمى الطرف الذي يتهمه بتدبير المحاولة، ولكن الكاتب احتفظ بالسر لنفسه.

وتلك معلومة مهمة تم نفيها في حينها، ولا أجد سببا لكتمانها وإغلاق ملف التحقيق في الموضوع كما ذكر هو. ولا أستبعد أن يكون تسريبها في الوقت الراهن محاولة من جانب الرجل لإقناعنا بأنه كان مستهدفا لأنه كان متعاطفا مع الثورة.

لقد ظل اللواء سليمان محتفظا بهيبته ومكانته طوال السنوات التي ظل فيها صامتا، لكنه حين تكلم فإنه أساء إلى نفسه وشوه صورته، وسمح لنا أن نجد تفسيرا معقولا لخيبات مبارك وبؤس نظامه.
....................

الأخوان مطالبون بطمأنة الجميع – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  8 رجب 1433 – 29 مايو 2012
الأخوان مطالبون بطمأنة الجميع – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

هذه لحظة الاستنفار والاحتشاد وإنكار الذات، بعدما أصبحت مصر الثورة عند مفترق طرق، وغدا طريق «الندامة» ظاهرا للعيان، وصار التهديد الماثل ينذر بإجهاض الثورة، الأمر الذي يدعو جميع فصائل القوى الوطنية إلى ضرورة إعادة النظر في مواقفها، وفي المقدمة منها جماعة الإخوان المسلمين.

(1)

لا أنسى أننا خارجون لتونا من نظام مستبد دمر الحاضر وأمات السياسة وشوه المستقبل، وأننا نخطو خطواتنا الأولى في رحلة الديمقراطية،
وأفهم أننا لا ينبغي أن نتوقع انتقالا إلى ديمقراطية كاملة الأوصاف. وأن إحدى قواعد تأسيس النظام المنشود أن نقبل ونحترم كلمة صندوق الانتخاب، طالما توافرت للعملية شروط النزاهة والحرية.

أدرى أيضا أن هذه هي المرة الأولى في التاريخ المصري التي يتولى السلطة في البلد رئيس خارج من الصندوق، ومنتخب من بين 13 مواطنا آخرين، توسم كل واحد منهم أن بوسعه أن يرأس مصر.

هذا كله أقدره ولا أستطيع أن أتجاهله. لكنني أيضا لا أستطيع أن أغض الطرف عن أن نتائج فرز الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وضعتنا أمام تحد لم يكن في الحسبان.
إذ في حين دخلنا في تلك الجولة مخيرين بين مرشحين يتنافسون على كيفية تحقيق أهداف الثورة فإن نتائج الفرز فاجأتنا بأننا صرنا مخيرين بين أن تكون الثورة أو لا تكون.
وأن أركان الثورة المضادة أطلوا بوجوههم وفرضوا أنفسهم على المشهد الانتخابي بعدما ارتدوا مسوح الثوار ورفعوا أعلامهم.

ذلك تطور يقلقنا لا ريب. لكنني أزعم أنه لا يخيفنا ولا ينبغي له أن يشيع اليأس بيننا، بل أزعم أنه على سوئه ليس شرا كله، ولكن يمكن أن يكون له مردوده الإيجابي إذا فتحنا أعيننا جيدا واستخلصنا منه الدرس الذي يقوي من عزائمنا ويعزز من صفوفنا، بحيث تتحول الأزمة إلى فرصة كما يقول الصينيون.

(2)

إذا سألتني كيف؟ فردي تلخصه النقاط التالية:

< إن النتيجة كشفت لنا عن جانب في المشهد كان غائبا عن الأذهان، يتمثل في ظهور رموز الثورة المضادة، وثبوت قدرتهم على التحرك والتأثير.
وإذا صرفنا النظر عن عددهم أو حجم تأثيرهم فالشاهد أن النظام الذي استمر طيلة ثلاثين عاما لم يسقط بسقوط رأسه، وإنما أتاحت له المدة الطويلة التي قضاها في الحكم أن يشكل طبقة مستفيدة في عمق المجتمع. وأن يزرع أيادي وأصابع له في معسكر الإدارة وأروقة السلطة.
وقد كان لهؤلاء وهؤلاء دورهم الذي لا ينكر في تعزيز مرشح الثورة المضادة في بعض الأوساط. يؤيد ذلك الادعاء أن عناصر فريق الفريق الذين يحيطون به ويبثون دعايته هم من أبواق النظام السابق، وبعضهم من كبار رجال الأمن السابقين في الداخلية، حتى بعد الثورة.

< إن المفاجأة شكلت تحديا جديدا للجماعة الوطنية والقوى السياسية في مصر سوف يرغمها على التوافق، الذي تمنعت عنه في السابق. ذلك أن الجميع أدركوا الآن أنهم إذا لم يتوافقوا فيما بينهم من خلال التقارب والتفاهم فإن رياح الثورة المضادة سوف تعصف بهم جميعا،
لذلك أزعم أنه ما كان خيارا تطوعيا قبل الانتخابات بات ضرورة بعدها. وما كان نافلة في السابق أصبح فريضة بعد «الأذان» المدوي الذي رفعته الانتخابات.

< إن تصويت الجماهير العريضة أثبت أنها تعي ما تفعل، وأنها ليست ذلك «القطيع» المتهالك الذي ينساق وراء أكياس الأرز وزجاجات الزيت وأنابيب البوتاجاز كما صورتها وسائل الإعلام. ولكنها بوعي شديد عاقبت الإخوان على مواقفهم، وانحازت إلى من اعتبرته أكثر قربا منها، وأفضل تعبيرا عن أشواقها. وتلك شهادة ينبغي تسجيلها ووضعها في الاعتبار.

< حين اختلفت مواقف الإخوان والسلفيين، بدا واضحا للكافة أن الطرفين ليسا شيئا واحدا كما يشاع. بل تبين أن السلفيين أنفسهم ليسوا شيئا واحدا. فقد أيد بعضهم الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح. وأيد فريق آخر من السلفيين الدكتور مرسي. ولا أستبعد أن يكون بعضهم قد صوت لصالح حمدين صباحي.

بالتالي فمن الآن فصاعدا لا ينبغي أن يتم التعامل مع «الإسلاميين» باعتبارهم كتلة تصويتية واحدة.
ولابد أن يشار هنا إلى أن قيادات الدعوة السلفية وحزب النور قد تصرفت بدرجة لافتة للنظر من الرشد والمسؤولية، حين اعتبرت أن هناك مصلحة وطنية في الظرف الراهن تقتضي الالتفاف حول الدكتور أبوالفتوح واعتبرت أن المصلحة الوطنية تشكل نقطة لقاء، لا تنفي وجود مسافات بينها وبينه في نقاط أخرى.

< النقطة التي لا تقل أهمية عن كل ما سبق، وقد تزيد، أن المجتمع بعث من خلال التصويت العقابي برسالة تنبيه وتحذير للإخوان، عبرت فيه الجماهير عن عدم رضاها عن سلوكهم وأدائهم السياسي بوجه عام سواء في تراجعهم عن بعض ما وعدوا به (في عدم الترشح للرئاسة وفي نسبة المقاعد التي أرادوا الحصول عليها في البرلمان)، أو في موقفهم من لجنة الدستور التي أرادوا تشكيلها تبعا للأغلبية وليس تبعا للكفاءة والتمثيل المجتمعي.

ومعلوماتي أن هذه الرسالة تلقاها الإخوان، حين وجدوا أنهم خسروا نحو خمسة ملايين صوت في الانتخابات الرئاسية مقارنة بالانتخابات التشريعية، وهذه نقطة إيجابية تحتاج إلى وقفة.

(3)

قلت في الأسبوع الماضي إن الخوف سيد الموقف في الانتخابات الرئاسية، سواء كان خوفا من الإسلاميين أو خوفا من الفلول وأركان النظام السابق.
والأول أهم وأخطر لأنه ينعكس على المستقبل المفتوح،
أما الخوف من الفلول فهو يظل جزءا من الماضي ومنسوبا إلى الثورة المضادة، التي تقف على النقيض تماما من الجماعة الوطنية المصرية.

للدقة فإن الخوف من الإسلاميين ليس مصدره سلوك الإخوان فقط، لكن أسهم فيه سلوك وخطاب ــ وربما مناظر ــ بعض السلفيين الذي أصاب الناس بالذعر، كما عمم الخوف وأشاع بين الناس موقف وسائل الإعلام التي لم تقصر في الاصطياد وتشويه الصورة والتركيز على الأخطاء والمبالغة فيها.
وهو ذات الإعلام الذي لم يتغير في أساليبه شيء بعد الثورة، وإنما ظل متمسكا بتقاليد ومفردات خطاب الفزاعة المتراوح بين الإسلاموفوبيا والإخوانوفوبيا.

رغم تعدد مصادر الخوف وأسبابه إلا أنني أزعم أن الإخوان يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية عنه، لسبب جوهري هو أنهم يشكلون القوة السياسية الكبرى في البلد، إضافة إلى تمتعهم بالأغلبية في البرلمان، الأمر الذي لفت إليهم الأنظار والأضواء.

لقد أصبح مصطلح الاستحواذ لصيقا بالإخوان، إلا أنه لا يخلو من مبالغة ذهبت إلى حد اتهام الإخوان باستنساخ دور الحزب الوطني، الذي كان مهيمنا على كل المناصب الرئيسية في البلد، من رئاسة مؤسسات الدولة إلى مناصب الوزراء والمحافظين والمجالس العليا والسفراء ومديري الجامعات...إلخ.
ورغم أن الإخوان «أعجبتهم كثرتهم» وتصوروا أن الأغلبية التي حازوها تقتضي توليهم رئاسة مجلس الشعب والشورى والحكومة ولجنة الدستور إلى جانب دفعهم بمرشح لرئاسة الجمهورية، فإنهم لم يدركوا أن المجتمع ليس مستعدا لاحتمال وهضم هذه الصورة،
بمعنى أنه غير مستعد لأن يرى «المحظورة» قد ملأت عليه الأفق وشغلت أهم أربعة أو خمسة مناصب في الدولة، متجاهلة الجماعات والقوى السياسية الأخرى.
وإذا أضفت إلى ذلك ما شاع عن قلق الأقباط والنساء والمبدعين والكلام عن التدخل في الحياة الخاصة للناس، فلك أن تتصور حجم الخوف الذي انتاب الناس مما اعتبروه تغولا للإخوان أثار ارتيابهم وتوجسهم.

(4)

إذا اعتبرنا أن خوف الناس من الإسلاميين عامة والإخوان خاصة وراء تراجع شعبيتهم وتقدم غيرهم، بمن في ذلك مرشح الفلول، فإن طمأنة الناس وكسب ثقة القوى السياسية يصبحان واجب الوقت.

وهذه الطمأنة لا تتحقق إلا بعد نقد ذاتي يكشف عن مواضع الخلل وفي ظل شجاعة تدفع إلى الكشف عن الثغرات ومواضع الخلل وتحث على علاجها بسرعة وحزم.

في مقام سابق استشهدت بنجاح تجربة التوافق في تونس بين حركة النهضة الإسلامية وحزبي المؤتمر والكتلة العلمانيين، إضافة إلى عدد من الأحزاب اليسارية والقومية الأخرى.
وعرضت لخلاصة من انتهت إليه هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات حين بدأت في عام 2005 تحضير عدة أوراق تترجم التوافق حول بعض العناوين الأساسية المتعلقة بالتعايش في إدارة شؤون المجتمع.
وقد كان ذلك التوافق كامنا في خلفية ما جرى بعد الثورة، حين تولت حركة النهضة رئاسة الحكومة وتولى رئاسة الدولة رئيس حزب المؤتمر كما شغل رئيس حزب الكتلة منصب رئيس اللجنة التأسيسية الأقرب إلى البرلمان.

أشرت في السابق أيضا إلى تنازل حركة النهضة عن إيراد كلمة الشريعة في الدستور التونسي الجديد والاكتفاء باعتبار الإسلام دينا للدولة، وكيف أن الشيخ راشد الغنوشي قبل بهذه الخطوة حفاظا على وحدة الجماعة الوطنية وتجنبا لإحداث أي شروخ أو تصدعات في المجتمع.

هذا الذي ذكرته أردت به تأييد اقتراح من جانبي أدعو فيه الإخوان إلى السعي بشكل جاد لطمأنة المجتمع والقوى السياسية وإزالة أسباب الخوف التي سحبت من رصيدهم وأضعفت من موقف الجماعة الوطنية في الانتخابات الرئاسية.
إلا أن ذلك الاقتراح يظل منقوصا إذا لم يطالب القوى العلمانية والليبرالية بوقف إطلاق النيران باتجاه الإسلاميين، ولو على سبيل الهدنة، حين يجتاز الجميع المرحلة الحرجة الراهنة، ذلك أننا لا نستطيع أن نطالب الإخوان بتقديم تنازلات للتوافق مع الآخرين، بينما هم يواصلون قصفهم ليل نهار والدعوة إلى إقصائهم بمختلف السبل.

إنني أدعو الإخوان إلى إصدار إعلان باسم الجماعة يقرر عدة أمور منها ما يلي:
 أن رئيس الحكومة القادم. إذا نجح مرشح الإخوان، سيكون كفاءة مستقلة من خارج الجماعة
ــ أن نائب رئيس الجمهورية أو أحد نواب الرئيس سيكون من شباب الثورة المستقلين
ــ أن الجماعة متمسكة بالقيم الديمقراطية وفي مقدمتها التعددية السياسية وتداول السلطة
ــ أن الأقباط والنساء والشباب سيمثلون في المجلس الاستشاري للرئيس
ــ أن الجماعة تتعهد باحترام الحريات الخاصة وحرية الإبداع كما أنها ملتزمة باحترام حقوق الإنسان بما في ذلك حرية التفكير والتعبير
ــ أنها ملتزمة بتثبيت قيمة المواطنة وبعدم التمييز بين المواطنين في الدين أو الرأي أو الجنس
 ــ أن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا من خلال العدل الاجتماعي والانحياز إلى الفقراء.

إذا فعلها الإخوان فربما استطاعوا أن يهدئوا من روع الناس بما يبدد بعض مشاعر الخوف والقلق، التي لن تختفي إلا إذا ترجمت الأقوال إلى أفعال
.................

Delete this element to display blogger navbar