Subscribe:

Ads 468x60px

30 أبريل، 2012

أزمة كاشفه للوهن العربي – المقال الأسبوعي


موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 10 جمادى الآخر 1433 – 1 مايو 2012
أزمة كاشفه للوهن العربي – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي


الأزمة التي وقعت هذا الأسبوع بين السعودية ومصر كاشفة عن مدى التصدع الذي يعاني منه البيت العربي ومدى الوهن الذي أصاب علاقات الأشقاء.

(1)

ما خطر ببال أحد أن يؤدي حادث احتجاز أحد المحامين المصريين المعتمرين في مطار جدة إلى إطلاق حملة احتجاجات في القاهرة. ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام المختلفة، ثم أن ينتهي الأمر بسحب السفير السعودي وإغلاق القنصليات في مصر، الأمر الذي يلوح باحتمال قطع العلاقات بين اثنين من أهم الأقطار العربية، ولأول وهلة يبدو الأمر وكأنه فرقعة سياسية انطلقت من حيث لا يحتسب أحد.

إذ كان الانفعال والغضب واضحين في القرار السعودي، بقدر ما أن رد الفعل من الجانب المصري اتسم بالتعجل والعبثية من ناحية وبالبعد عن اللياقة من ناحية ثانية. إلا أننا ينبغي أن نلاحظ هنا أن الموقف السعودي كان قرار دولة. اعتادت أن تتصرف بهدوء وروية وتعتمد سياسة النفس الطويل في أغلب الأحوال،
من ثم فإن الانفعال يعد موقفا استثنائيا يعطي انطباعا بأن غضب الرياض تجاوز معدلاته العادية. بالمقابل فإن رد الفعل المصري إزاء الحدث كان شعبيا وإعلاميا ولم يكن رسميا،
وليس بعيدا عن التأثر بأجواء الهرج التي تسود مصر منذ قيام الثورة بما استصحبته من علو للصوت وجرأة في التعبير.

لست في مقام تحري خلفيات القرار السعودي المفاجئ، ولكن بوسعنا أن نتحدث عن الأصداء المصرية التي شهدناها خلال الأيام العشرة الأخيرة
وفي حدود علمي فإن الشرارة الأولى التي فجرت تلك الأصداء تمثلت في الشائعات التي ذاعت في أوساط الناشطين وتحدثت عن تعمد سلطات مطار جدة احتجاز المحامي المصري، تأديبا له على مواقف سابقة كان قد اتخذها في مواجهة ممارسات النظام السعودي.

كما تحدثت عن أن حكما صدر بحبس المحامي لمدة سنة وتعريضه لعقوبة الجلد.
هذه المعلومات تعامل معها كثيرون باعتبارها حقائق ولم يحاول أحد أن يتثبت من دقتها، الأمر الذي أطلق صورا مختلفة من تجليات الاحتجاج والغضب، كان بينها الضجر الذي شهدته نقابة المحامين المصريين، والتظاهر أمام السفارة السعودية بالقاهرة، ورشقها من قبل البعض،
أما أسوأها على الإطلاق فقد كان التناول الإعلامي الذي لم يخل من تطاول وتجريح، ولم يسلم منه أحد من المسؤولين السعوديين، بدءا من السفير في القاهرة إلى الملك في الرياض.

وهو تطاول مارست فيه بعض الصحف المصرية ما نعرفه عنها من خفة في التقييم وبذاءة في التعبير.
وتلك رذيلة ينبغي أن نعترف بأنها تعد من السوءات التي أصبحت تلصق بالإعلام المصري جراء ممارسات بعض الصحف الصفراء التي تعتمد الإثارة الرخيصة وبعض الأقلام التي اخترقت الساحة الإعلامية في غفلة من الزمن، دون أن تتمكن من تقاليد المهنة أو آداب الحوار مع المخالفين. وكانت النتيجة أن عددا غير قليل من حملة الأقلام المحدثين لم يتعلموا كيف يفرقون بين النقد و"الردح".

(2)

إذا نظرنا إلى وقائع الحدث من زاوية تفاصيلها، فسنجد أنها زوبعة في فنجان، أو حبَّة تحولت إلى قبة،
وإذا وضعنا في الاعتبار أجواء ما بعد الثورة، وأدركنا أن بعض ما وجه إلى القادة السعوديين من أوصاف وعبارات خشنة يوجهه البعض إلى رموز الحكم في مصر، فربما أسهم ذلك في احتواء الموضوع من خلال الاكتفاء بالعتاب الهادئ عبر قنوات الاتصال المفتوحة بين القاهرة والرياض،
إلا أنني لا أستطيع أن أفصل رد الفعل السعودي السريع والغاضب عن أجواء الحساسية المخيمة على منطقة الخليج إزاء الثورة المصرية وغيرها من مظاهر ما سمي بالربيع العربي حتى أزعم أن هذا الذي حدث لو أنه وقع في ظروف أخرى وسياق مغاير لعولج بأسلوب آخر أكثر هدوءا ورصانة.

إن استياء أغلب الدول الخليجية من التحول الذي أحدثته الثورة في مصر وغيرها من دول الربيع العربي بات معلوما للكافة.
وهذا الاستياء يلمسه أبناء تلك الدول الذين يعيشون في منطقة الخليج. وهم الذين يعانون من التضييق في تجديد عقود العمل وفي الإقامة والزيارات، إضافة إلى أن بعضهم سحبت منهم الجنسية التي منحت لهم بعدما طالت إقامتهم هناك، وأمضوا سنوات عمرهم في بناء الدول الخليجية وتطويرها.

تجلت مشاعر الاستياء أيضا في موقف أغلب الدول الخليجية من الاستثمار في دول الربيع العربي والحكايات التي تروى في هذا الصدد كثيرة.
فقد وعدت مصر باستثمارات قدرت بعشرة مليارات من الدولارات، لكنها لم تتلق سوى مليار واحد من دولتين خليجيتين. وكانت قد رتبت زيارة لمسؤول خليجي كبير سبقته اتصالات تحدثت عن تقديم أربعة مليارات دولار. لكنه في اللحظة الأخيرة تلقى تعليمات بالاكتفاء بالحديث عن نصف مليار فقط.
وهناك إشارات تحدثت عن حظر استثماري خليجي على دول الربيع إلا أن إحدى الدول قدمت قرضا لتونس بفائدة 2.5٪، لكن اليابان قدمت قرضا مماثلا بفائدة 1.5٪ فقط (!).

وفي حدود علمي فإن بعض المسؤولين الأميركيين ينقلون إلى القاهرة بين الحين والآخر ما يسمعونه من انطباعات سلبية وانتقادات حادة لمصر بسبب انقلاب شعبها على الرئيس السابق يتحدث بها بعض القادة الخليجيين.
وتتناقل الدوائر الدبلوماسية قصد هجوم وتحريض أحد وزراء الخارجية الخليجيين على مصر أثناء اجتماع عقد في لبنان الشهر قبل الماضي، واتهامها بأنها أصبحت مصدرا لعدم الاستقرار في العالم العربي.

ومعروف أن دول الربيع العربي المؤيدة للثورة السورية، تعارض موقف دول الخليج الذي يضغط بشدة لتسليح المقاومة السورية بما يفتح الباب لإشعال نار الحرب الأهلية هناك. وهو ما تجلى في القمة العربية التي عقدت أخيرا في بغداد، التي رفضت الفكرة خلالها. فما كان من بعض الدول الخليجية إلا أن دعت إلى اجتماع لمجلس التعاون الخليجي دعا إلى تسليح المقاومة، وتولت تلك الدول لاحقا تمويل عملية التسليح التي تمت من خلال الأردن.

لم يقف الأمر عند حدود الموقف السلبي والناقد الذي اتخذته أغلب الدول الخليجية إزاء الثورات العربية، وإنما لجأ بعضها إلى محاولة التأثير على موازين القوى في داخل تلك الدول بدعوى الحد من نفوذ تيارات التطرف وتعزيز مواقف قوى الاعتدال. وتشهد ليبيا الآن جهدا ملموسا من ذلك القبيل.

وهناك معلومات تتحدث عن تدخل دول أخرى لدعم بعض المرشحين في الانتخابات الرئاسية في مصر لترجيح كفتهم في مواجهة منافسيهم.

(3)

إذا نظرنا إلى المشهد من منظور أوسع فسنجد أن العالم العربي في وضعه الراهن يتعرض لحالة من السيولة التي تقترن فيها يقظة الشعوب بتفكيك الدول.
إذ في الوقت الذي هبت فيه رياح الثورة والغضب الشعبي الذي ترددت أصداؤه في كل مكان، وجدنا أن دوله تتعرض لتهديدات وزلازل تهدد وحدتها أو وجودها.

فالعراق الذي مزقه الاحتلال تم تقسيمه عمليا بين الشيعة والسنة والأكراد، والأخيرون يهددون بالانفصال هذه الأيام.
وسوريا مهددة بالتقسيم بين السنة والعلويين إذا قامت الحرب الأهلية التي صرنا نسمع طبولها تدق عاليا
والسودان قسم بالفعل،
وليبيا تقف على أبواب الكونفدرالية بعد تشكيل مجلس انتقالي في بنغازي يهدد بالعودة إلى قسمة الولايات الثلاث.
والمغرب يعاني من وجع متمردي الصحراء
والجزائر يقلقه تمدد الأمازيغ في جنوبه، الذين انطلقوا من مالي والنيجر.
والأردن يقلقه تنامى الحساسية بين الأردنيين والفلسطينيين وحكاية الوطن البديل.
ولبنان يعيش في ظل التقسيم الصامت بين مكوناته، ومصيره معلق بما ينتهي إليه الوضع المتفاقم في سوريا،
واليمن يعاني من الشروخ والتشققات في الشمال والجنوب.
ولا تسأل عن الصومال الذي أنهكه الصراع الداخلي حتى أعاده إلى مرحلة ما قبل الدولة.

في هذه الأجواء يبدو العالم العربي وكأنه عقد انفرطت حباته، أو بيت تداعت أركانه، وتبدو منطقة الخليج كأنها جزيرة يسود سطحها الهدوء، ولا تظهر للملأ طبيعة تفاعلاتها التحتية، التي تفوح منها الروائح بأكثر مما تتبلور الحقائق على الأرض.

وفي ظل الانفراط العربي الراهن الذي يذكرنا بحالة الدولة العثمانية حين وصفت بالرجل المريض في مرحلة احتضارها قبل الحرب العالمية الأولى، أصبحت دول الخليج لاعبا مهما في الساحة العربية.
على الأقل من حيث إنها صاحبة الحظ الأكبر من الوفرة المالية، ومن ثم صاحبة الصوت الأعلى في الفضاء العربي.
وليس من قبيل المصادفة بطبيعة الحال أن تصبح منطقة الخليج أحد مرتكزات السياسة الأميركية في المنطقة التي تؤدى وظائف عدة، سواء في تأمين الخليج ضد ما يشاع عن التطلعات الإيرانية أو في استثمار الدور الخليجي لتوجيه السياسة العربية.

هذه الخلفية إذا صحت، فإنها تقدم تفسيرا آخر للكثير من ممارسات السعودية. وهى الدولة الكبرى في منطقة الخليج بعد تدمير العراق،
إذ أصبحت تتصرف كدولة كبرى وقوة عظمى في المنطقة العربية، في ظل الفراغ المخيم عليها والتشتت والتفتت الذي تعاني منه دولها. ويدخل في تلك الممارسات حالة التسرع في الغضب والاستعداد للتصعيد الذي عبرت عنه في أزمة المحامي سابق الذكر.

(4)

في علاقات الدول، حتى، إذا لم تكن "شقيقة"، فإن الأواصر تحكمها العوامل المتعلقة بالمصالح العليا والمصائر.
وعندما توشك العلاقات على الانقطاع بسبب أزمة صغيرة كتلك التي حدثت في مطار جدة فذلك يعنى أنها بلغت مستوى من التصدع والتهتك. وتصبح المشكلة أكبر وأعمق بكثير مما يبدو على السطح.

وهذا التشخيص ينطبق على الحالة التي نحن بصددها، ذلك أننا حين نحلل الأزمة التي وقعت، ونطل عليها من مختلف زواياها، سندرك أن العالم العربي صار جسما مترهلا بلا رأس وأن الكبار فيه ليسوا كبارا حقا، ولكنهم «استكبروا لأن من حولهم صغروا حتى صاروا أقزاما، فتصور الأولون أنهم عمالقة، الأمر الذي يعنى أن ثمة خللا في الخرائط نال من القامات فضلا عن المقامات.

وهى مشكلة لا حل لها إلا بعودة الروح والعافية إلى الجسم العربي، الذي تحتل مصر موقع القلب منه.

وقد رأينا الذي أصاب الجسم من عطب وتشوَّه حين وهن القلب وانكسرت مصر وانتكس من بعدها العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. فاختلطت الأوراق واختلت الموازين وانقلبت الأحوال رأسا على عقب.
فلا ظل الكبار كبارا ولا بقي الشقيق شقيقا، وانكشفت عورات الجميع حين وجدنا قد اختاروا واشنطن قبلة لهم.

إن الثورة إذا لم تصحح هذا الوضع المختل، وتعيد إلى القلب العربي حيويته ومن ثم إلى الأمة عافيتها، فإنها ستصبح مجرد تغيير في الأنظمة، لا يختلف كثيرا عن ذلك الرجل الذي استاء من اسمه فشمَّر عن ساعده وغيرّه من حسونة النذل إلى سمير النذل.
................

29 أبريل، 2012

فرقعات ثلاث


صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 8 جمادى الآخر 1433 - 29 أبريل 2012
فرقعات ثلاث – فهمي هويدي

أحدث فرقعة في سوق الشائعات المصرية تحدثت عن ميلاد تشكيل جديد باسم «جماعة الجهاد لتطهير البلاد».
في بيانها الأول استهدفت قناة «أون تي في»، التي وصفتها بأنها قناة البوم والغربان التي تستهدف تخريب البلاد، وإشاعة الفوضى فيها، وطالبت إدارتها بدفع عشرة ملايين جنيه تبرعا لإحدى المؤسسات الخيرية، وإلا تعرضت منشآتها واستديوهاتها للتخريب والتدمير.

ثم تحدثت عن اختطاف بعض مقدمي البرامج في القناة، والمطالبة بدفع مبلغ 20 مليون جنيه لإطلاق «صراحهم» هكذا كتبوها.

الخبر بثه موقع صحيفة «المصري اليوم» على شبكة التواصل الاجتماعي في 24/4 الحالي. وظل يتصدر الصفحة الأولى من الموقع يوم 25 أيضا، ثم نشرته بعد ذلك يوم 26/ 4 منسوبا إلى جماعة.

ورغم ركاكة البيان وضحالته، وغرابة وسذاجة الطلبات المقدمة فيه، خصوصا ذلك البند الخاص بالإعلان مقدما عن نية خطف بعض مقدمي البرامج التليفزيون، وطلب 20 مليون جنيه فدية لإطلاق «صراحهم»، إلا أن مجرد الإشارة إلى ظهور «جماعة جهادية»، وتهديدها بالتخريب والاختطاف، كان بحد ذاته كفيلا بتوصيل رسالة الخوف إلى الآخرين، وهي رسالة لها رنينها في الظروف الراهنة التي تمر بها مصر.

قبل ذلك بأيام قليلة (في 21/4) شهدنا فرقعة أخرى، حين نشرت صحيفة «الشروق» على صفحتها الأولى خبرا تحت عنوان يقول: «جماعة سيد قطب تدعو لاستبدال العلم المصري بالراية السوداء».

وفي الخبر أن مجموعة من المتظاهرين في ميدان التحرير حملوا رايات كتبت عليها عبارة:
 لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ونقل المحرر عن أحدهم قوله انه لا يعتد بالعلم المصري الحالي. كما تحدث عن أن عناصر المجموعة وزعت منشورات مختومة باسمها ركزت على مصر الحلم والنهضة.

ودعت إلى تدريب الشعب على جميع أنواع الأسلحة وفرض التدريب العسكري على الكافة، كما دعت إلى تكوين قاعدة صناعية عسكرية، والاهتمام بكل أنواع الأسلحة غير التقليدية البيولوجية والنوعية، لسهولة تصميمها وقدرتها على الإبادة الشاملة.

كذلك دعا المنشور إلى وضع ميزانية كبيرة لطباعة الكتب الدينية لدعوة الغرب وضمهم للإسلام، وتوفير عدد كبير من القنوات الفضائية الدينية الناطقة باللغات المختلفة لنشر الدعوة الإسلامية وإثارة البلبلة في إثيوبيا، ودعم المقاومة الصومالية وقطع طرق التجارة في البحر الأحمر أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية.

الرسالة كما رأيت بالغة الركاكة والضحالة كسابقتها، وهي ليست أكثر من موضوع إنشاء يكتبه تلميذ في المرحلة الثانوية. ومع ذلك فإنها تحولت إلى خبر على الصفحة الأولى، خوفنا بالإعلان عن ميلاد جماعة باسم الأستاذ سيد قطب الذي ظلم حيا وميتا، وأقلقنا بحكاية الراية السوداء التي هي في حقيقة الأمر علم حزب «التحرير الإسلامي» الذي نشأ في الأردن وتمدد خارجه لاحقا.

 
قبل نحو شهرين أبرزت الصحف المصرية بيانا ظهر على شبكة التواصل الاجتماعي أعلن عن تأسيس جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في استنساخ لفكرة الهيئة المعروفة بذات الاسم في المملكة العربية السعودية، وشأنها شأن الهيئة الأم، فإنها أعلنت عن اعتزامها تطبيق شرع الله وحث الناس على الالتزام بحدوده، في مظهرهم وسلوكهم الاجتماعي.
كما تحدث بيان آخر عن أنهم بصدد استجلاب الأدوات المطلوبة لأداء المهمة من الخارج، وهي تتمثل بالدرجة الأولى في العصي المكهربة التي تستخدم في حث الناس وزجرهم.
وقال بيان ثالث إن الشحنة وصلت بالفعل إلى ميناء الإسكندرية، وأنها بصدد التفريغ تمهيدا لبدء العمل، وشاء ربك أن يتوقف سيل البيانات بعد ذلك، إذ سكتت الجماعة فجأة كما ظهرت فجأة.

يلفت النظر في الفرقعات الثلاث عدة أمور.
 أولها أنها مجهولة المصدر ولم تنسب إلى أشخاص بذواتهم،
 ثانيها أن مصادرها التي من الواضح أنهم مجموعات من الهواة تختبئ وراء وسائل الاتصال الحديثة.
ثالثها أنها تصب في مجرى واحد هو التخويف من الإسلام والإسلاميين، مستثمرة أجواء التوجس الراهن منهم في بعض الأوساط.
رابعا انها تلقى تجاوبا من حالة التربص والاصطياد الشائعة في دوائر الإعلام المصري، التي لم تتخلص بعد من ثقافة «الفزاعة» الإسلامية التي رسختها ممارسات النظام السابق.

هل هذه فرقعات منفصلة، أم أنها خارجة من وعاء واحد؟
 ليست لدي إجابة على السؤال، لكنني أفهم أن هدف التخويف مطلوب في أجواء الانتخابات الرئاسية، تماما كما أن توتير وتفجير الأوضاع في مصر كان مطلوبا لتعطيل وإرجاء الانتخابات البرلمانية.

وهي الملاحظة التي سمعتها من أحد كبار المسؤولين، الذي نبهني إلى أن حملة التوتير والتفجير توقفت تماما بعد فتح ملف منظمات التمويل الأجنبي وترحيل بعض الضالعين في العملية

ــ إن أبالسة الطرف الثالث لا يزالون لا يملون من العبث في الساحة المصرية.
.....................

28 أبريل، 2012

القدس في طور الابتذال

صحيفة الشرق القطريه السبت 7 جمادى الآخر 1433 - 28 أبريل 2012
القدس في طور الابتذال – فهمي هويدي

لا نريد ابتذال زيارة القدس، والزج بها في المناورات والألاعيب السياسية، ذلك أن أهمية المدينة المقدسة تكمن في أمرين،
الأول رمزيتها السياسية بالنسبة للقضية الفلسطينية حيث باتت تختزل القضية وتجسد انتصارها أو انكسارها،
والثاني رمزيتها الروحية عند المسلمين والمسيحيين. وقد قدمت الرمزية السياسية لأنها تعطي معنى للرمزية الروحية. فتعلي من شأنها أو تحط من قيمتها.
إذ القدس المحررة تختلف بالكلية عن القدس الذليلة والمقهورة. حيث لا أستطيع أن أفهم كيف يتقرب المسلم مثلا إلى الله بالصلاة في المسجد الأقصى. وهو تحت الاحتلال تدنسه أحذية المستوطنين وجرافات المتعلقين بسراب البحث عن هيكل سليمان، كما أنني لا أستطيع أن أتصور عربيا يتجول سائحا في القدس ومتبضعا في شوارع المدينة القديمة في حين يلاحقه غرور جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، ويرى بأم عينيه عربدة المستوطنين الذين يقتحمون بيوت العرب ويطردونهم منها. وربما اضطر لأن يشيح بوجه عن تجمعات العرب المطرودين الذين يحتمون بخيام نصبوها في الشارع، وراحوا يستغيثون بضمائر المارين، لعل واحدا منهم يتضامن مع مظلوميتهم ويضم صوته إلى أصواتهم المهزومة والجريحة.

إن مدينة القدس تبتذل حين تفصل رمزيتها السياسية عن رمزيتها الروحية، ويطالب قاصدوها بأن يغضوا البصر عن عرضها المستباح وكرامتها المهدورة، فيلتزمون الصمت إزاء احتلالها ولا تستوقفهم الحملة الشرسة لتهويدها وتفريغها من سكانها العرب.

قبل عدة سنوات كتبت مقالة في الأهرام حذرت فيها من الاهتمام بالحجر دون البشر في القدس وانتقدت التركيز على المسجد الأقصى مع إهمال الشعب الفلسطيني الذي تعرض للتشريد والافتراس من جانب الإسرائيليين. وقلت إن المسجد الأقصى له رب يحميه، مرددا في ذلك عبارة عبدالمطلب جد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أغار على مكة أبرهة ملك الحبشة، فقال مقولته الشهيرة «للكعبة رب يحميها».

وقتذاك علق المستشار طارق البشري على ما كتبت، داعيا إلى عدم التهوين من شأن القدس لأنها رمز يختزل القضية الفلسطينية ويجسدها. وهو رأي اقتنعت به، ونشرته في مكان مقالي يوم الثلاثاء، إلا أنني وجدت أن الأمر اختلف هذه الأيام، في ظل الجهد الدؤوب الذي بذل طول السنوات الخمس الأخيرة لفك ارتباط الرمز بالقضية، الأمر الذي أفقد الرمز وظيفته الأساسية. أصبحت الدعوة منصبَّة على زيارة القدس والسياحة فيها، في حين سكت الجميع على تحريرها وإطلاق سراحها. وإذ وقع كثيرون في الفخ وقبلوا بوعي أو بغير وعي بزيارة المدينة والصلاة في الأقصى رغم ما حل بهما من هوان وما يكبلهما من أغلال. فإن الصدمة كانت أكبر حين تورط في الزيارة (تحت الحراسة الإسرائيلية) مفتي مصر الدكتور علي جمعة، لأن الزائر في هذه الحالة له رمزية مختلفة عن غيره من الزائرين، فهو على رأس دار الإفتاء، في أكبر وأهم بلد عربي، حتى إن أحد الكاتبين اعتبرها بمثابة فتوى عملية تحبذ الزيارة وتجعلها مباحة إن لم تكن مستحبة، وفي المقال الذي نشرته الشرق الأوسط في 24/4 تحت عنوان «من يفتي للمفتى؟». اعتبر الكاتب أنه بعد زيارة الدكتور علي جمعة، فلا ينبغي أن يحاول أحد أو يزايد، كأنما حسم الرجل الموضوع. وأطلق إشارة خضراء فتحت الطريق أمام كل راغب لكي يصلي في المسجد الأقصى دون أي قلق من وجود الاحتلال.

لا أخفي أن الالتباس الذي عبرت عنه بعض الكتابات مؤخرا هو ما دعاني إلى العودة للموضوع من ثانية للتذكير بالجانب المسكوت عليه في المسألة، وهو رمزية القدس بالنسبة للقضية الفلسطينية. خصوصا أن البعض ذهبوا في ترحيبهم إلى القول بأن معارضة الزيارة هي دعوة إلى هجرها، في حين أن الزيارة تسهم في إنقاذها (لا أعرف كيف)، صحيح أن وجود الزائرين يخفف بصورة نسبية من شعور الفلسطينيين بالحصار والغربة، لكنه أيضا يضعف من المقاطعة وينعش الاقتصاد الإسرائيلي، وتظل استفادة العرب منه محدودة بل وهزيلة إذا قورنت بالأضرار الجسام التي تصيب القضية الفلسطينية، حيث تصب دعوة زيارة القدس في مجرى هجرتها والتسليم باستمرار الاحتلال والتهويد.

إنهم يلحّون على زيارة القدس والصلاة في الأقصى، لكن أحدا من هؤلاء لم يوجه الدعوة ولو مرة واحدة لزيارة قطاع غزة الذي يعاني الاحتلال، حتى أزعم أنه في الظروف الراهنة فإن الصلاة فيه أكثر قبولا وأعظم ثوابا عند الله من الصلاة في الأقصى الذي يرزح تحت الاحتلال.
...........

Delete this element to display blogger navbar