Subscribe:

Ads 468x60px

29 فبراير، 2012

في الوفاق المذموم


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 7 ربيع الآخر 1433 – 29 فبراير 2012
في الوفاق المذموم – فهمي هويدي

ليس كل توافق مفرحا بالضرورة، لكنه قد يكون مفزعا أو مفجعا.
فحين نعرف أن السناتور جون ماكين زار نائب المرشد العام للإخوان المسلمين المهندس خيرت الشاطر، وأن الأول خرج منشرحا من اللقاء بعد التوافق في وجهات النظر بين الرجلين،
 فذلك ــ إذا صح ــ ينبغي أن يحيرنا ويزعجنا، لأننا نفترض أن الرجلين على طرفي نقيض، وحين ينتهيان من الجلوس سويا فنتوقع أن يخرج أحدهما مكفهر الوجه والثاني مقطب الجبين،
أما إذا خرج أحدهما مبتسما والآخر ليس في قسمات وجهه ما يدل على الانشراح،
فسنفهم أن الأول حقق ما أراده والثاني خرج مكسور الجناح.
(أرجو ألا يخطر على بالك أن ماكين هو الذي خرج مكسور الجناح).

إننا نفهم مثلا أن الموضوع الرئيسي الذي تعنى به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو تأييد إسرائيل. ولا يحتاج الأمر إلى رجل صهيوني الهوى مثل السناتور ماكين لكي يعبر عن ذلك الموقف الذي يعد من «الأصول» في السياسة الأمريكية،
ولكن حين يكون ماكين هو الزائر أو المتحدث فإنه بتطرفه المعهود لن يكون صهيونيا عاديا، ولكنه صهيوني «أصولي» أقرب إلى المستوطنين.
وحين يجتمع هذا الرجل مع قيادي في جماعة الإخوان المسلمين، التي اشترك أعضاؤها في حرب فلسطين واستشهد مئات منهم في معركتهم ضد العصابات الصهيونية في الأربعينيات.
وهى ذاتها الجماعة التي يفترض أن تعد حركة حماس في غزة فرعا عنها،

حين يلتقي هذان الرجلان فالمتوقع أن يشتبكا مع بعضهما البعض إن لم يتضاربا ثم ينتقل الاثنان إلى أقرب مستشفى لتضميد جراحهما.
أما أن يخرجا مبتهجين ومبتسمين فذلك أمر يبدو غريبا لأول وهلة.

وإذا أحسنا الظن فسنقول إن كلا منهما كذب على الآخر، علما بأن السناتور ماكين ليس مضطرا إلى الكذب.
أما إذا أسأنا الظن فسنقول إن نائب مرشد الإخوان سلم للرجل بما يريد وطمأنه إلى أن «حكومة الإخوان» لن تسبب أي إزعاج لا للأمريكان ولا للإسرائيليين. وهو ما أتمنى ألا يكون صحيحا.

بعض ما جرى في مصر تكرر في تونس التي زارها السناتور ماكين يوم الخميس الماضي (23/2) واستقبله رئيس الحكومة السيد حمادي الحبالي واحتضنه بحرارة، وحين ظهرت الصورة على شاشات التلفزيون فإن صحف المعارضة انتقدت الجبالي الذي كان أمينا عاما لحزب النهضة، إذ استغربت واستنكرت حرارة اللقاء بين القيادي الإسلامي وبين السناتور الأمريكي المعروف بانحيازه الشديد لإسرائيل وعدائه المشهود للعرب.

مثل هذا التوافق المذموم أجده في العلاقة بين السيدين محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس،
ولا أخفى أن الحيرة ذاتها انتابتني حين قرأت تصريحا على لسان السيد عزام الأحمد، أحد مساعدي أبومازن قال فيه إن الرجلين أصبحا أقرب إلى بعضهما البعض أكثر من أى وقت مضى.

 ولا أخفى أنني حين وقعت على العنوان كان تعليقي السريع هو:
ما الذي جرى لخالد مشعل، وهل يمكن أن تتطابق وجهات نظره مع أبومازن بعد كل الذي جرى وصار؟

ـ ذلك أنني أتصور الرجلين يمثلان مشروعين متعارضين. وقد اختزل ذلك التعارض في أن التنسيق الأمني القائم بين أجهزة السلطة في رام الله وبين الإسرائيليين موجه بالأساس ضد عناصر حركة حماس التي يقودها أبو الوليد وضد نظيرتها حركة الجهاد الإسلامي.
وإذا صح ذلك فكيف بالله عليكم تتفق وجهات النظر بين الرجلين بحيث تصل إلى درجة التطابق غير المسبوق؟

لا أستبعد أن يكون الكلام المنشور معبرا عما تتمناه الجريدة وليس عما حدث بالفعل.
وأفهم أنه في السياسة لا يكون الأمر عادة خيارا بين الأبيض والأسود، ولكن مقدار الكفاءة السياسية يقاس بالقدرة على التحرك في المساحة الرمادية، بما لا يؤدي إلى التنازل عن الأصول والأساسيات في نهاية المطاف،

كما أنني أفهم أن التعاون مع الأطراف المختلفة لا يقتضى بالضرورة اتفاقا في كل شيء،
ولكن ذلك التعاون قد يفرض على الجميع حسن إدارة الخلاف فيما بينهم. بحيث يمكن الاتفاق فيما هو جزئي ومرحلي والاختلاف حول ما هو كلى واستراتيجي.

إننا لا نستطيع أن نرحب بأي وفاق قبل أن نعرف مع من بالضبط وفي أي موضوع، ذلك أنه في بعض الأحوال قد يكون الفراق والشقاق أشرف وأسلم
ــ لذا لزم التنويه.
.........

28 فبراير، 2012

أوقفوا عارنا في غزة – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 6 ربيع الآخر 1433 – 28 فبراير 2012
أوقفوا عارنا في غزة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

أما من نهاية لمسلسل عارنا في غزة؟.
إذ بعدما اشتركت مصر في حصارها وغضت الطرف عن اجتياحها، ها هي تشارك الآن في إظلامها!

(1)

الخبر أن محطة الكهرباء في غزة توقفت عن العمل في منتصف شهر فبراير الحالي، الأمر الذي أغرق القطاع في بحر من الظلام، وغاية ما حققته جهود الإنقاذ التي بذلت أنها بالكاد وفرت التيار الكهربائي لست ساعات فقط في اليوم.
الأمر الذي أعاد بعض الحياة للقطاع، وضاعف من عذابات مليون ونصف المليون فلسطيني أنهكهم الحصار المستمر منذ ست سنوات.

 ذلك أن انقطاع التيار الكهربائي لفترة تتراوح بين ١٤ و١٦ ساعة يوميا يعني تعطيل شبكة المياه ومن ثم انقطاعها عن آلاف البيوت،
وتعطيل شبكات الصرف الصحي والمجاري والمخابز
وتهديد حياة مئات المرضى الذين يعتمد علاجهم على استمرار الكهرباء
(100 طفل في الحضانات و404 من مرضى الفشل الكلوي ونحو سبعين مريضا في العناية المركزة) ــ

في هذا السياق، أعلن رؤساء بلديات القطاع أن انقطاع التيار الكهربائي يوقف استخدام 200 بئر للمياه
و40 مضخة صرف صحي
وأربع محطات معالجة مياه الصرف الصحي
و10 من محطات التحلية المركزية
والمئات من آليات جمع وترحيل النفايات وخدمات المستشفيات.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن الناس بدأوا في تغيير أوقات نومهم بحيث تتزامن مع ساعات انقطاع التيار الكهربائي، لاسيَّما طلاب الثانوية العامة والجامعات.
حتى عاداتهم الغذائية ونوعية أطعمتهم تم تغييرها بحيث لا تعتمد على الحفظ في الثلاجات.

على صعيد آخر حذر بيان لوزارة الزراعة من احتمالات وقوع كارثة غذائية جراء استمرار انقطاع التيار الكهربائي.
لأن السلة الغذائية لسكان القطاع متمثلة في الزراعة والصيد البحري والثروة الحيوانية باتت مهددة بالخطر والتوقف العام، خاصة الآبار الزراعية والآلات التشغيلية ومصانع التعليب والفرز، إضافة إلى مزارع الدواجن المختصة بالتفريخ والإنتاج.
هذا إلى جانب أن مئات المراكب والسفن البحرية أصبحت تصطف بلا حراك في ميناء غزة جراء نقص الوقود.

ذلك يحدث في شتاء قطبي شديد القسوة لم تعرفه غزة منذ ثلاثين سنة، لم تنخفض فيه درجة الحرارة بصورة غير محتملة فحسب، وإنما هطلت فيه الأمطار بغزارة شديدة، الأمر الذي ضاعف من معاناة سكان القطاع، خصوصا أولئك الذين يعيشون في الخيام ممن دمرت بيوتهم بسبب الاجتياح الإسرائيلي (خمسة آلاف بيت دمرت كليا و20 ألفا دمرت بصورة جزئية).

ذلك كله مترتب على توقف أو شح السولار (الديزل).
 أما المعاناة المترتبة على عدم توفر بنزين السيارات فلها صور أخرى أهمها إصابة حركة النقل في القطاع بالشلل، وتكدس آلاف السيارات أمام محطات البنزين طول الوقت، انتظارا للمدد والفرج.

(2)

الكهرباء مشكلة في غزة، لأن الاعتماد فيها على الخارج بصورة رئيسية، خصوصا بعدما تكفل الإسرائيليون بتدمير محطة التوليد الخاصة بالقطاع أثناء الاجتياح الذي تم في عام 2006.

إذ منذ ذلك الحين أصبح للطاقة مصدران حيويان هما إسرائيل من ناحية ومصر من ناحية ثانية.

وحسب تقديرات سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في القطاع فإن تسيير الحياة الطبيعية يتطلب توفير 320 ميجاواط يوميا (الميجا وحدة قياس تعادل مليون واط).
وهذه موزعة كالتالى: 120 ميجا من إسرائيل
ــ مصر كانت تزود مدينة رفح جزئيا بطاقة إجمالية قدرها 17 ميجا
ــ أما محطة التوليد الخاصة بالقطاع فقد كان مقدرا لها ــ قبل تدميرها ــ أن تزود القطاع بما يعادل 140 ميجا، ولكنها لم تعمل بطاقتها. وبالكاد كانت تنتج ما يعادل 70 أو 80 ميجا.
وخلال السنوات الخمس الأخيرة تطور الأمر على النحو التالي، كما يقول المهندس كنعان عبيد رئيس سلطة الطاقة في غزة:

< في الفترة بين عامي 2007 و2009 كانت محطة التوليد تعمل بصورة جزئية بعد توريد الوقود الصناعي لها من معبر أبوسالم بطاقة لم تتجاوز 60 ميجاواط، وكان الاتحاد الأوروبي هو الذي يدفع لإسرائيل قيمة الوقود.

<
في نهاية عام 2009 قرر الاتحاد الأوروبي تحويل المبلغ المخصص لتمويل وقود المحطة إلى خزينة وزارة المالية في رام الله، ولا يعرف بالضبط ملابسات ذلك التحول وإن كان المرجح أنه تم بضغوط من جانب السلطة هناك.

وبسبب العلاقات المتوترة بين رام الله وحكومة غزة، فقد تراجعت بصورة تدريجية الكميات التي باتت ترسل إلى القطاع، بحيث أصبحت بالكاد تغطي تشغيل مولدين من أربعة بمحطة الكهرباء، ثم أصبحت تشغل مولدا واحدا. وفي بعض الأحيان لم يكن يتم توريد أى وقود للقطاع، الأمر الذي أدى إلى إطفاء المحطة ووقف تشغيلها عدة مرات في عام 2010 بحجة أنه لا توجد مبالغ لشراء الوقود.

استخدمت رام الله موضوع السولار سلاحا للي ذراع حكومة القطاع، وفشلت محاولات التفاهم حول الموضوع مع حكومة الدكتور فياض، الأمر الذي أدى إلى استمرار الأزمة، بحيث وصل العجز إلى 50٪ بمعنى أن الكهرباء المتوفرة غطت فقط نصف احتياجات الناس.

<
في بداية العام الماضي (2011) أصبح القطاع يعتمد على الوقود المصري الذي يتم توصيله عبر الأنفاق. الأمر الذي أدى إلى تخفيض نسبة العجز بحيث وصلت إلى 32٪. إلا أنه في نهاية شهر ديسمبر في العام الماضي بدأ التضييق على توصيل الوقود عبر الأنفاق، الأمر الذي أدى إلى إطفاء محطة الكهرباء بالكامل يوم 14 فبراير الحالي، ووصلت نسبة العجز إلى 70٪.

<
قبل إطفاء المحطة كان التيار الكهربائي يقطع 8 ساعات في نهار يوم و8 ساعات مسائية في اليوم التالي أما اليوم الثالث فقد كان يمضي بلا قطع. بما يعني أن التيار كان يقطع لمدة 16 ساعة كل ثلاثة أيام. وهو ما اختلف الآن، لأن قطع التيار اليومي أصبح يتراوح بين 14 و16 ساعة حسب الأحوال الجوية في القطاع.

(3)

الموضوع كله سياسي، وتفوح منه رائحة عدم البراءة من أوله إلى آخره.
ذلك أن المحرك الأساسي لكل ما جرى هو أن في غزة حكومة مغضوب عليها، من رام الله ومن الإسرائيليين ومعهم الأمريكان ومن أنظمة «الاعتدال العربي» ومصر من بينها.

ولأن الأمر كذلك فالهدف النهائي هو كيف يمكن إسقاط تلك الحكومة. والأمر لا يقف عند ذلك الحد حيث يفترض أن ينتهي الأمر بإسقاط مشروع المقاومة، حتى إذا كان المظهر الذي بقي منها هو رفض الانصياع لإسرائيل والامتناع عن التنسيق الأمني معها.

لقد كانت هذه الفكرة وراء توقف الاتحاد الأوروبي عن تغطية قيمة السولار الذي يتم شراؤه من إسرائيل وتحويل تلك المبالغ إلى رام الله، التي استخدمت بدورها للضغط على حكومة القطاع وابتزازها.

ولم يعد سرا أن مصر مازالت على موقفها الرافض للتعامل سياسيا مع حكومة حماس، ومازالت تعتبر وجود حماس في غزة قضية أمنية، لا يتعامل معها سوى رجال المخابرات العامة.

وقد رأينا أن رئيس الحكومة السيد إسماعيل هنية قام بجولتين خلال الشهر الأخير زار خلالهما سبع دول واستقبل رسميا على أعلى مستوى فيها جميعا،
وفي الرحلتين مر بمصر ولم يستقبله أحد من الرسميين، ولم يتمكن إلا من مقابلة الأمين العام للجامعة العربية وشيخ الأزهر ورئيس مجلس الشعب!

ثمة أسئلة عدة يثيرها المشهد من بينها مثلا:
 لماذا تم تقليص كميات الوقود التي كانت تصل عبر الأنفاق من مليون لتر يوميا إلى ربع مليون؟
وما دلالة حدوث ذلك التراجع مع قدوم الشتاء القارس؟
وماذا وراء التأجيل المستمر للوفاء بالوعود التي قطعها على أنفسهم رجال المخابرات العامة، بتزويد القطاع بما يعادل 30 ميجا بدلا من 17؟

ثم لماذا تتمسك مصر بأن يتم تزويد القطاع بكميات الوقود عبر معبر «كرم أبوسالم» الذي يتحكم فيه الإسرائيليون بحيث يسلم بعد ذلك إلى ممثلي السلطة في رام الله، في حين أن الأمر يمكن أن يكون أيسر كثيرا لو تم ذلك عبر رفح؟
علما بأن تحرير الوقود عبر معبر كرم أبوسالم سوف يخضعه للضرائب الإسرائيلية، ثم ضرائب سلطة رام الله، الأمر الذي يعني رفع أسعاره وزيادة كلفته، بما يحمل المستهلك في غزة بمزيد من الأعباء بلا مبرر.

وليت الأمر وقف عند ذلك الحد، لأن الدلالة السياسية له أخطر. ذلك أن الفلسطينيين في غزة يريدون أن يتعاملوا مباشرة مع المصريين، لكن الموقف المصري بحرصه على توصيل الوقود من خلال معبر كرم أبوسالم يقحم إسرائيل في العلاقة ويحولها إلى وسيط بين المصريين وبين حكومة قطاع غزة. وهو أمر مدهش، حيث لا أظن أن تلك مجرد مصادفة.

تتضاعف الدهشة إذا علمنا بأن ثمة دولا عرضت دفع ثمن الوقود الذي تحتاجه غزة شريطة أن يتم التوصيل من خلال معبر رفح وليس من المعبر الذي تتحكم فيه إسرائيل، علما بأنه معرض للإغلاق في أي وقت. ومعلوماتي أن هذه الدول الأربع هي:
الجزائر وليبيا وتركيا وإيران.

(4)

يوم 16 فبراير عقد المجلس التشريعي الفلسطيني اجتماعا على أضواء الشموع، تحدث فيه النائب الأول لرئيس المجلس أحمد بحر مناشدا الدول العربية وعلى رأسها مصر لكي تتدخل بصورة فورية وعاجلة لإنقاذ القطاع من الكارثة التي تتهدده.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية على لسان أحد مسؤولي سلطة الطاقة في قطاع غزة أنه تم تشغيل مولد كهربائي واحد في محطة توليد الكهرباء بالقطاع بعد تزويدها بكمية محدودة من الوقود الصناعي عبر الأنفاق، وإن الاتصالات مستمرة مع المسؤولين المصريين «الذين وعدونا بحل الأشكال، لكننا لا نعرف المشكلة التي تحول دون تزويدها بما نحتاجه من وقود».

لقد قيل لي إن ثمة مشروعا لزيادة الطاقة التشغيلية لمحطة كهرباء سيناء لكي تزود القطاع بحوالي 40 ميجا. وقدرت تكلفة هذه العملية بمليون دولار سيوفرها بنك التنمية الإسلامي في جدة، إلا أن التنفيذ مرهون بموافقة السلطات المصرية.

وثمة مشروع آخر يتكلف 32 مليون دولار لربط فلسطين بشبكة الربط الثماني التي تضم إلى جانب فلسطين كل من مصر والأردن والعراق ولبنان وليبيا وتركيا وسوريا. وسيتولى بنك التنمية الإسلامي تغطية هذه التكاليف أيضا.
ورغم أن المبلغ معتمد لهذا الغرض منذ عام 2007، إلا أن سلطة رام الله اعترضت عليه حتى لا تستفيد منه حكومة حماس.

المسؤولون الفلسطينيون الذين تحدثت إليهم في الموضوع وآثروا ألا تذكر أسماؤهم حتى لا يثير كلامهم حساسية السلطات المصرية قالوا
 «إن توقف حكومة رام الله مفهوم، لكن موقف حكومة ما بعد الثورة المصرية مما يجرى في غزة ليس مفهوما،
ذلك أننا أصبحنا نطالب الآن بالموافقة على ما رفضناه في ظل النظام السابق. فقد رفضنا أن يسافر حجاج غزة من معبر كرم أبوسالم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون، ونجحنا في تسفيرهم من معبر رفح،
لكننا نفاجأ الآن بأن علينا أن نتزود بالوقود من مصر من خلال ذلك المعبر، ولا نجد أذنا صاغية حين تقول إننا لا نريد أن نتعامل مع مصر عبر وسيط إسرائيلي».

المحزن في الأمر أنه في حين تتعثر محادثات تزويد غزة بالطاقة من مصر، وتخضع لحسابات سياسية معقدة، فإن الغاز المصري يتم «إهداؤه» إلى إسرائيل بسعر رمزي، لكي ينعم الإسرائيليون بالضوء وبالدفء، بينما أهل غزة يعيشون في الظلام ويرتجفون من البرد.
وتلك لقطة مخزية في مسلسل العار.
...............

27 فبراير، 2012

فوضى الإعلام التلفزيوني


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 5 ربيع الآخر 1433 – 27 فبراير 2012
فوضى الإعلام التلفزيوني – فهمي هويدي

ماذا يعني أن يتدخل صاحب قناة فضائية لقطع برنامج تلفزيوني لم يعجبه أثناء بثه على الهواء، ويقرر إلغاء البرنامج وتسريح العاملين فيه وإغلاق المحطة كلها بالضَّبة والمفتاح؟

ردي أنه يعني عند الحد الأدنى أمرين،
أولهما أنه لم يعد هناك فرق كبير بين القناة الفضائية وبين أي محل بقالة أو جزارة أو سباكة. حيث بمقدور «صاحب المحل» إذا تعكر مزاجه لأي سبب أن يفعل ما فعله صاحب القناة.
الأمر الثاني أن رأس المال أصبح يتمتع بجرأة غير عادية جعلته يقدم على كل ذلك دون اعتبار لأصول أو أعراف أو قانون.

لا أتحدث عن حالة افتراضية، لكني أعني حالات تواترت في محيط القنوات الخاصة المصرية. حتى كادت تصبح ظاهرة تستحق الوقوف أمامها.
فقد تابعنا خلال الأشهر الأخيرة قصصا اختلفت تفاصيلها ونهاياتها، لكن القاسم المشترك الأعظم بينها تمثل في أن أصحاب رؤوس الأموال أصبحوا يتدخلون في أعمال مقدمي البرامج. ويطلبون منهم الحذف والإضافة، ويعاقبون الرافضين للانصياع بالإيقاف المؤقت أو الإقصاء الدائم، في الوقت ذاته فإن أولئك الإعلاميين لا يجدون حماية من أي جهة.

أحدث واقعة من ذلك القبيل شهدتها قناة «مودرن حرية»، التي كان أحد العاملين فيها يقدم برنامجه «محطة مصر».
وطبقا لما نشرته الصحف فإن صاحب القناة لم يسترح إلى المادة التي جرى بثها في إحدى الحلقات، فتدخل لإيقاف البث أثناء الإرسال على الهواء، وحدث بعد ذلك ما سبقت الإشارة إليه.
ولم يكن أمام مقدم البرنامج وفريق العمل معه سوى اللجوء إلى الاعتصام احتجاجا على ما جرى وانتهى بإغلاق المحطة.

ونشرت صحف الجمعة الماضية (22/2) صورهم أثناء الاعتصام، الذي قرأنا أن آخرين تضامنوا معهم فيه، منهم ممثلون عن جبهة الإبداع المصري والمنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

تعدد تدخلات أصحاب القنوات يثير قضيتين رئيستين هما:

<
حالة الفوضى الإعلامية التي سمحت لكل من حصّل مالا لا نعرف مصدره أن يؤسس قناة فضائية وأحيانا عدة قنوات، لكي يسهم في تشكيل أو تشويه الرأي العام.
وبحيث يكون الشرط الوحيد لاستمراره هو مجاملة المجلس العسكري والحكومة، الأمر الذي أعادنا إلى أجواء الخطوط الحمراء والأبقار المقدسة، التي لا يجوز الاقتراب منها أو الاشتباك معها.

ولأن الباب ينفتح على مصراعيه إذا ما تم تجنب ذلك المحظور، فإننا شهدنا زحفا مقلقا من جانب بعض الأثرياء لتأسيس الفضائيات.
ولأن هؤلاء أصحاب مصالح بالدرجة الأولى، فإنهم اعتبروا الفضائيات مصدرا جديدا للقوة يخدم مصالحهم أو يؤمنها. من ثَمَّ فإن الاستمرار أصبح مطلبا أساسيا وهدفا في حد ذاته.

ولأن مجاملة السلطة وعدم انتقادها هو الضامن الحقيقي للاستمرار، فقد باتت مفهومة الأسباب التي تدعو أصحاب القنوات إلى إقصاء أي مذيع أو مقدم برامج «يجرؤ» على انتقاد السلطة.

ومن شأن ذلك المناخ أن يؤدي إلى توحش أصحاب القنوات وإطلاق أيديهم في الحظر والتأديب، كما أن من شأنه تضييق مساحة حرية التعبير، والعودة بنا إلى تقاليد وأساليب النظام السابق.

هذه الفوضى تحتاج إلى ضبط، يوقف التغول من جانب أصحاب رؤوس الأموال ويضع شروطا لتأسيس القنوات وحدودا لنفوذ رأس المال المساهم فيها.
إذ ليس مفهوما مثلا أن يشترط في إصدار الصحف ألا يملك الفرد أكثر من 10٪ من قيمة رأس المال في حين يتم إسقاط هذا الشرط فيما يتعلق بالتلفزيون والإذاعة.

في هذا الصدد قرأت اقتراحا جيدا يستحق الدراسة للخبير الإعلامي الأستاذ السيد الغضبان في جريدة الوفد (23/2) دعا فيه إلى إنشاء مجلس وطني للإعلام يتولى تنظيم العملية ووضع حد للفوضى ضارية الإطناب فيها.

<
القضية الأخرى المهمة هي أنه لا يوجد أي تنظيم نقابي يحمي العاملين في الإذاعة والتلفزيون فيدافع عنهم ويتظلم من القرارات المجحفة بحقوقهم.
ذلك أنه في غياب ذلك التشكيل النقابي فإن أصحاب القنوات أصبحوا لا يترددون في الإطاحة بالعاملين فيها، وهم مطمئنون أنهم بلا ظهر يحميهم. لذلك فقد أصبح ضروريا تمكينهم من تأسيس تنظيم نقابي شأنهم في ذلك شأن أي مهنة محترمة أخرى.

لا أشك في أن أهل الاختصاص في ذلك المجال لديهم أفكار أخرى ربما كانت أفضل مما سبق، ولذلك ينبغي أن يستمع إليهم، لأننا لا نريد انفلاتا إعلاميا يضارع الانفلات الأمني.
.................

Delete this element to display blogger navbar