Subscribe:

Ads 468x60px

02 ديسمبر، 2012

لنفصل بين الإعلان والدستور


صحيفة الشرق القطريه الأحد 18 المحرم 1434 -2 ديسمبر 2012
لنفصل بين الإعلان والدستور – فهمي هويدي

أدعو إلى فك الارتباط بين الإعلان الدستوري والدستور الجديد،
بحيث لا يوضع الاثنان في كفة واحدة،
وبحيث لا تعالج سلبيات الإعلان بمفسدة عظمى تتمثل في الدعوة إلى إلغاء الدستور.

لست أنكر حق الناقدين للإعلان الدستوري في معارضة بعض مواده التي أثارت اللغط والخوف على المستقبل،
لكنني أدعو إلى عدم الخلط بين الأوراق والملفات، والإبقاء على مشروع الدستور بعيدا عن تلك المعمعة.

وذلك يتطلب منا ألا نستمع إلى أصوات الغلاة الذين يدعون إلى هدم المعبد على رؤوس الجميع، ورفض كل ما هو قائم من أبنية والتراجع عن كل ما تم من خطوات، لمجرد أنها صادرة عن طرف لا يحبونه.

أدري أن تشكيل الجمعية التأسيسية التي أصدرت الدستور كان ولا يزال محل لغط وجدل،
أدري أيضا أن بعض الأعضاء المحترمين انسحبوا من الجمعية ومعهم ممثلو الكنائس،

لكنني في المسألة الأولى أسجل نقطتين،
الأولى أن تشكيل اللجنة التأسيسية كان قانونيا والطعن فيه من جانب البعض يستند إلى الملاءمات السياسية أكثر من استناده إلى الأسباب القانونية.
النقطة الثانية أذكر فيها بالحكمة الصينية التي تقول إنه لا يهم أن يكون القط أسود أم أبيض، لأن الأهم هو ما إذا كان قادرا على اصطياد الفئران أم لا.

وهو ما يدعوني إلى القول بأنه ليس يهم الآن كثيرا تشكيل اللجنة الذي بذل فيه جهد لا ينكر لأجل تمثيل الجميع بها،
 وإنما الأهم هو «المنتج» الذي توصلت إليه، وهل يعبر عن تطلعات وأشواق الثورة المصرية أم لا.

مسألة الانسحاب أثرت على الشكل ولم تؤثر على الوظيفة.
 ذلك أن أغلب الذين انسحبوا عبروا عن موقف سياسي، ولم يكن تحفظا على مواد بذاتها.

مع ذلك فإن الآراء التي عبروا عنها في اجتماعات اللجان أخذ بأكثرها في الصياغة النهائية للمشروع. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنهم غابوا حقا عن الجلسات لكن حضورهم كان مشهودا في النصوص التي أعلنت.

إن القضية الآن التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام ليست من وضع الدستور، ولكنها يجب أن تركز على مضمون الدستور ومحتواه.

وإذا كانت بعض الفئات أو الجماعات لم تشارك في الجمعية التأسيسية لسبب أو لآخر، فذلك لا ينبغي أن يكون سببا لمخاصمة جهد الجمعية والشطب على الدستور الذي أعدته،
خصوصا إذا عُد ذلك الدستور إنجازا يستحق الحفاوة به والتمسك ببقائه باعتباره إضافة مهمة تشرف ثورة 25 يناير وتستجيب لتطلعاتها.

في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأنه لا يوجد دستور كامل الأوصاف، كما يقال،
ولكنه كأي عمل بشري قد لا يخلو من نقصان، يمكن علاجه في المستقبل
وقد كفل النص الذي بين أيدينا ذلك،

لكننا يجب أن نعترف بالإضافات والنقاط المهمة التي سجلها، والتي من بينها ما يلي:
تقييد سلطات رئيس الجمهورية
ــ ضبط العلاقة بين سلطات الدولة
ــ التوسع في باب الحقوق والحريات الذي بمقتضاه أصبح تشكيل الأحزاب والجمعيات وإصدار الصحف مثلا، يتم بمجرد إخطار الجهات المعنية، ودون أية اشتراطات أو إجراءات أخرى مسبقة
 ــ النص صراحة على منع محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية إلا في حالة الإضرار بالقوات المسلحة.
وتعريف «الإضرار» ليس متروكا لهوى السلطة أو السلطان، ولكنه ينبغي أن يتحدد ويضبط من خلال القانون الذي يصدره مجلس الشعب.

أيا كانت مزايا الدستور أو نواقصه، فينبغي أن يكون واضحا في الأذهان أن العبرة بالتطبيق، لأن الدستور السابق نص على ضرورة الإشراف القضائي على الانتخابات التي مورست خلالها أوسع صور التزوير،
كما تحدث عن الحريات العامة وعن منع التعذيب، وكلنا نعرف كيف كانت الحريات العامة، وكيف أصبح التعذيب من تقاليد السجون المصرية.

والأمثلة الأخرى كثيرة، وكلها تشير إلى أن أبشع الانتهاكات يمكن أن تمارس في ظل أعظم الدساتير وأفضل الصياغات.

الأمر الذي يعني أن النصوص المكتوبة لا تكفي وحدها لحماية المجتمع من تغول السلطة واستبدادها، ولكن قوة مؤسسات المجتمع وسيادة حكم القانون ومناخ الحرية السائد هو ما يمكن المجتمع من إيقاف السلطة عند حدها، ومحاسبتها إذا تغولت وإسقاطها إذا ما استمرأت التغول وطغت.

إن إقحام الدستور في الاشتباك الراهن مع الرئيس مرسي يضيع علينا فرصة الفوز به، ناهيك عن أن أحدا لا يتصور النتائج التي يمكن أن تترتب على إلغائه.
الأمر الذي يمكن أن يدخل البلد في دوامة خلاف قد يبقي على البلد بغير دستور لعدة سنوات مقبلة، ومن ثم يشيع فيه قدرا من الفوضى وعدم الاستقرار لا يعرف إلا الله وحده مداه أو تداعياته.

وإذا كان للمعارضين أن يستمروا في نقدهم لسلبيات الإعلان الدستوري، فإن عليهم أن يدركوا أيضا أن إصدار الدستور وإقراره هو أقصر الطرق لإلغاء ذلك الإعلان، ومن ثم قطع الطريق على كل المخاوف التي أشاعتها بعض فقراته، وإحكام إغلاق المنافذ والأبواب التي يمكن أن يتسلل منها فرعون جديد في فضاء مصر.

إننا نتلمس أي خطوة إلى الأمام، فلا تشدُّونا إلى الوراء من فضلكم.
........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar