Subscribe:

Ads 468x60px

17 ديسمبر، 2012

حديث المؤامرة


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 4 صفر1434 -17 ديسمبر 2012
حديث المؤامرة – فهمي هويدي

لا نريد أن نسرف في الحديث عن المؤامرة على الرئيس بما قد يشغلنا عن المعلوم بالمجهول. وعن الحقائق بالأوهام والظنون، ويدفعنا في نهاية المطاف إلى الاستغراق في تحري ما يدبره الآخرون لنا، والانصراف عن النظر فيما فعلناه بأنفسنا.

علما بأن هذا الأخير يكون أحيانا من الجسامة بحيث إنه يهوِّن الأمر على المتآمرين أو أنه يعفيهم تماما من بذل أي جهد، لأنه يحقق لهم مرادهم دون أن يبذلوا في ذلك جهدا يذكر. وذلك منطوق يحتاج إلى بعض التفصيل.

أرجو ابتداء أن تكون قد لاحظت أنني دعوت إلى «عدم الإسراف» في الحديث عن المؤامرة، ولم أتحدث عن تجاهلها أو نفي وجودها من الأساس.
وإنما رجوت أن نعمل لها حسابا بعد أن نعطيها حجمها الطبيعي، بحيث لا نتسرع في إرجاع كل ما نصادفه من نوازل إلى تأثيرها، الأمر الذي يحولها إلى مشجب نعلق عليه عثراتنا وخيباتنا لكي نتهرب من المسؤولية من ناحية، ولكي نقنع أنفسنا وغيرنا بأننا ضحايا كتب علينا أن نظل مستهدفين دائما من ناحية أخرى.

بكلام آخر، فإنني أرجو أن نتفق على أن المؤامرة موجودة حقا، لكننا لا نستطيع أن نحملها بالمسؤولية عن كل ما يحل بنا من شرور.

إنني أفهم أن يتآمر عليك خصومك لإلحاق الهزيمة بك، أو لتسجيل أكبر قدر من النقاط والفرص التي يحمون بها مصالحهم.

وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم يكونون مقصرين في الحفاظ على تلك المصالح، مشروعة كانت أم غير مشروعة،

لكن الذي لا أفهمه أن تضعِّف من حصاناتك وتفرط فيما تملكه من أسباب المنعة، بحيث تيسر على من يتربصون بك أن يخترقوا جبهتك الداخلية ليلحقوا بك الهزيمة،

من هذه الزاوية فإن التمييز يغدو مهما بين مساعي الاختراق وبين حالة القابلية للاختراق.
فإذا كان الخصم هو الذي يبذل تلك المساعي، فإنه لن يمكن من تحقيق مراده إلا إذا كانت حصونك من الهشاشة بحيث تكون جاهزة للاختراق ومستسلمة لتجلياته.

لن أضرب مثلا بمصر، التي يتواتر فيها الحديث عن المؤامرة هذه الأيام،
وسأضرب مثلا بسوريا التي منذ قامت فيها الثورة لا يكف المتحدثون باسم نظامها عن الحديث في كل مناسبة عن المؤامرة التي تحاك ضدها.
وهو كلام لا يخلو من صحة، لكنه من قبيل الحق الذي يراد به باطل.

ذلك أنه من الصحيح أن سوريا تتعرض لمؤامرة من أطراف خارجية عدة، حتى قيل لي إنه ينشط على أرضها في الوقت الراهن أكثر من 1200 تنظيم مسلح معارض، أكثرها يعتمد على التمويل الخارجي.
لكن ذلك التآمر الخارجي ما كان له أن يصبح فاعلا في الداخل، إلا حين مارس النظام الحاكم قهرا واستبدادا بحق الشعب السوري استمر طوال الأربعين سنة الماضية (منذ تولي الرئيس حافظ الأسد السلطة في أعقاب هزيمة عام 1967).

ومن الثابت أن الثورة الراهنة خرجت من رحم الغضب الشعبي ولم تبدأ بمؤامرة، ذلك أن شرارتها انطلقت من درعا حين ذهب ممثلو النظام بعيدا في إذلال وإهانة أهالي تلاميذ إحدى المدارس بعدما كتب بعضهم على جدران المدرسة عبارات انتقدت النظام، فألقى القبض على التلاميذ وعذبوا ونزعت أظافرهم وقيل لأهاليهم صراحة انسوهم، وإذا لم تستطيعوا إنجاب غيرهم فهاتوا نساءكم لنقوم نحن باللازم!

 ــ وكان طبيعيا أن تثور ثائرة القوم، وكلهم ينتسبون إلى عشائر لها كبرياؤها وكرامتها.

ولأن الإذلال كان عاما الأمر الذي هيأ التربة المناسبة لانفجار الغضب، فإنه ما أن لاحت شرارة الثورة في الأفق حتى انتفض الشعب في أنحاء البلاد على النحو الذي رأيناه،

 أما التدخلات الخارجية فإنها تمت في وقت لاحق، وحاولت أن تستفيد من الغضب الشعبي لتوظفه لصالح مخططاتها، التي ترفضها أغلب قوى المعارضة.
وهو أمر ليس مستغربا، لأنه إذا كان النظام قد تصدع وأصبح مؤهلا للسقوط فمن الطبيعي أن تسعى الأطراف صاحبة المصلحة إلى تأمين مصالحها، خصوصا في ظل ما يثار من لغط حول هوية النظام الجديد والتأثيرات المتوقعة على جغرافية البلد والشائعات التي تتردد بخصوص تقسيمه.

إذا عدنا إلى الحالة المصرية فينبغي أن يكون واضحا في الأذهان أنه إذا كان تغير النظام في سوريا من شأنه أن يغير من خرائط المشرق العربي، فإن التغير في مصر لابد أن تكون له تداعياته في المنطقة العربية بأسرها.
 بل لعلي لا أبالغ إذا قلت إنه إيذان بإحداث تغيرات تهدف الشرق الأوسط كله.

ولذلك فمن العبط والسذاجة أن يظن أحد أن الدول المهتمة بالمنطقة ــ على الأقل الدول الغربية وإسرائيل ــ وقفت متفرجة على ما يجري.
وليس سرا أن عواصم تلك الدول تتابع ما يجري في مصر ليس يوما بيوم فحسب، بل ساعة بساعة، ليس فقط لفهم ما يجري ولكن أيضا للحفاظ على ما تعتبره مصالحا لها، وللتأثير في مسار الأحداث قدر الإمكان.

وهذا هو الجهد الذي يسميه البعض مؤامرة، ويسميه آخرون تخطيطا لحماية المصالح، وقد يبدو عن طرف ثالث رصدا للفرص وتحسبا لاحتمالاتها.

وذلك كله ليس بمقدورنا أن نتحكم فيه أو نوقفه، وإن تعين علينا أن نراقبه ولا نغمض أعيننا عنه.
 لكن التحدي الأكبر، وما نملكه حقا ومن ثم نستطيع أن نتحكم فيه، هو كيف نحصن الواقع المصري ونقوي دفاعاته بحيث يصبح قادرا على صد الاختراقات التي تأتي من أي جهة.

 أما كيف يتحقق ذلك فذلك أمر تطول مناقشته ولأهل الاختصاص كلام كثير فيه يتطرق إلى قضايا الديمقراطية والعدل الاجتماعي والوفاق الوطني وغير ذلك.

إن هشاشة وضعنا الداخلي، واستمرار احترابنا الأهلي وتراجع الثقة أو تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، هذه كلها ثغرات تغري وتشجع على الاختراق.

وإذا فتحنا ذلك الباب فإننا لا نستطيع أن نلوم الداخلين، ولكن لومنا ينبغي أن ينصب على الذين فرطوا فيه وضيعوا مفاتيحه.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar