Subscribe:

Ads 468x60px

12 ديسمبر، 2012

للحائرين أسئلة أخرى


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 28 المحرم -1434 -12 ديسمبر 2012
للحائرين أسئلة أخرى – فهمي هويدي

الخبر الجيد أن الرئيس محمد مرسي أوقف تنفيذ قرار رفع الأسعار،
أما الخبر السيئ فإنه تقرر إعادة دراسة الموضوع بعد صدور القرار في استنساخ لفكرة إعلان الحكم ثم إجراء المداولة.
أما ما هو أسوأ فإن قرار رفع الأسعار ـ حتى على فرض صوابه ـ كان بمثابة إلقاء كرة من اللهب وسط حريق مشتعل. الأمر الذي يعني أن الجهة التي أعلنته لم يصل إليها علم بما يجري في الشارع المصري المسكون بالتوتر والاحتقان.

ولأننا فيما يبدو صرنا نتابع تنافسا على الأداء الرديء. فقد وجدنا أن الصوت العالي في الساحة الإعلامية تصيد الواقعة ولم يشغله في الموضوع سوى أنه دال على الارتباك والعجز في مؤسسة الرئاسة،
ومن ثم عني كثيرون باستخدام الواقعة للطعن في أداء الرئيس وفريقه والتشهير بهم، بأكثر من عنايتهم بتحليل الموقف والتفكير في دواعيه وخياراته.
 وهو ما يذكرني بمشهد عبثي عرضته إحدى المسرحيات الكوميدية قبل نحو عشرين عاما، ظهر فيه الممثل الراحل يونس شلبي وهو يزف إلى أفراد أسرته خبرا مفاده أن أباه قد احترق!

أفهم أن يتساءل كل معني بالأمر عن آلية إصدار القرار في الرئاسة وعن كفاءة المطبخ الرئاسي في تقدير المآلات والملاءمات السياسية.
لكنني أزعم أن القضية الجوهرية التي تستحق أن نتشبث بمناقشتها في هذه المناسبة هي ملامح وعناصر الرؤية الاقتصادية التي تحكم التعامل مع الأزمة،
 إذ لم يعد سر أن الخطوة التي تمت وجرى التراجع عنها جاءت في سياق الاستجابة لطلبات صندوق النقد الدولي، التي اعتبرها خبراؤه تمهيدا ـ شرطا في حقيقة الأمر ـ لقبول تقديم القرض الموعود من خلال إجراءات تنفيذية تبدأ الأسبوع المقبل.

من جانبي أزعم أنها فرصة لفتح بعض الملفات التي تتطلب حوارا جادا.
أحدها يتعلق بكفاءة «المطبخ» الذي تعد فيه أمثال تلك القرارات، الذي أحسب أنه يحتاج إلى إعادة نظر شاملة.

لكن ما لا يقل أهمية عن ذلك أننا بحاجة لأن نفهم أمورا أخرى ليست واضحة في الأداء الحكومي بشكل عام، وفي السياسة الاقتصادية بوجه أخص.
ولا مفر في هذا الصدد من الاعتراف بأن ذلك الأداء لا يتسم بالشفافية المرجوة.

صحيح أن الرئيس والحكومة دأبا على الحديث عن حدة الأزمة الاقتصادية، لكننا لا نعرف الملامح الحقيقية لتلك الأزمة.
 كما أننا لا نعرف شيئا عن الحلول المقترحة لتجاوزها. بل إن المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي تتم بعيدا عن الأعين وبصورة سرية.
وهذه السرية مضروبة حتى في مواجهة الخبراء الاقتصاديين المصريين أنفسهم. ومنهم من صار يتابع تلك المفاوضات من خلال التقارير والتصريحات التي تصدر في واشنطن، لأنهم لم يعودوا قادرين على تتبعها من القاهرة.

ليتنا نستثمر مناسبة تأجيل زيادة الأسعار في محاولة الإجابة على قائمة الأسئلة الحائرة التي يثيرها المشهد الاقتصادي. وهي تتوزع على ثلاث دوائر على النحو التالي:

1 ـ هل الاستدانة من صندوق النقد الدولي هي الخيار الوحيد أو الأفضل أمامنا؟
وما هو الثمن الذي ستدفعه مصر من جراء ذلك؟
وهل درست تجارب الدول الأخرى التي استسلمت لنصائح وتوصيات الصندوق؟
ثم إذا لم يكن ذلك هو الخيار الأفضل والأجدى، فما هي الخيارات الأخرى؟

2 ـ ما هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة الاقتصادية، وإلى أي مدى يترجم ذلك الأساس فكرة العدل الاجتماعي؟
ولماذا تبدو الخطوات التي تم اتخاذها حتى الآن شديدة على الفقراء ومترفقة ومتسامحة مع الأثرياء؟
 وهل صحيح أن هناك تيارا ضاغطا على الرئاسة يقاوم الإجراءات الواجب اتخاذها لتحميل الأثرياء مسؤوليتهم الوطنية والاجتماعية في المرحلة الثانية؟
ولماذا اللجوء إلى الحل الأيسر في مواجهة المشكلة الاقتصادية، المتمثل في مد الأيدي في جيوب الناس ومطالبة عناصر الطبقة المتوسطة بتحمل العبء الأكبر لمواجهة الأزمة؟
ولماذا يقدم رفع الأسعار التي تلهب ظهور المواطنين العاديين، على ابتداع طرق أخرى لرفع الإنتاج وتوفير العجز المالي من مصادر أخرى؟

3 ـ هل صحيح أن العقل الاقتصادي الذي يفكر لمصر بعد ثورة 25 يناير هو ذاته الذي كان يدير المشهد الاقتصادي في ظل النظام السابق؟
وهل صحيح أنه لا توجد مشاورات جادة تجري حول السياسة الاقتصادية، وأن الاجتماعات التي تعقد لهذا الغرض تتم لمجرد استيفاء الشكل وسد الخانة في حين أن كل شيء يكون معدا سلفا من قبل عناصر المدرسة القديمة التي لم تغير شيئا من طريقة التفكير السائد منذ أربعين عاما؟

هذا السيل من الأسئلة تداعى إلى ذهني حين استمعت إلى ملاحظات بعض خبراء الاقتصاد الذين لديهم الكثير من المتحفظات على ما يجري، والقليل من الثقة في جدواه. ولديهم ما لا حصر له من التفاصيل التي تؤيد تحفظاتهم وتبعث على القلق، كما تثير الخوف على المستقبل القريب والبعيد.

ولكثرة ما سمعت في هذا السياق فإنني صرت مقتنعا بأن الأمر إذا استمر على ذلك النحو فإننا لن نكون إلى ثورة مضادة تجهض حلمنا، لأن بعضنا يقوم «بالواجب» وزيادة.
...................

1 التعليقات:

Bahaa Talat يقول...

السلام عليكم...
قل ما شئت وأتفق معك تماما في كل ما يتعلق بغموض الأداء الرئاسي والحكومي في المسائل المثيرة لتطلعات المصريين، وقل ما شئت وأتفق معك تماما في كل ما يتعلق بتردي الوضع الاقتصادي للدولة، وقل ما شئت وأتفق معك تماما في مل ما يتعلق بعدم قدرة الثورة على توصيل المكاسب الاقتصادية لرجل الشارع.
استمعت بالأمس لمؤتمر رئيس الوزراء الذي كان متعلقا بهذا الموضوع.
ولفت نظري (بالإضافة لما سبق) أن دور الحرب الإعلامية سواء الحكومية منها أو الفضائية بات عاملا فاعلا ومؤثرا على قرارات الدولة، لدرجة أن تسحب الدولة قراراتها بسبب ما أثاره هذا الإعلام من زوبعات (زعم رئيس الوزراء أنها لا اساس لها من الصحة) حول القرارات الاقتصادية للحكومة.
وكان واضحا من كلام رئيس الوزراء أن الإعلام قد استمرأ أسلوب التضليل والخداع السياسي لدرجة استنساخه في المجال الاقتصادي بهدف محاربة الدولة في كل توجهاتها.
وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد، حد أن تتراجع الدولة في قراراتها تحت وطأة هذا النوع من الإعلام، فأزعم أن تلك طامة كبرى لا تقل أهمية عن تلك المعايب التي اتفقت فيها معك في البداية.
تقبل تحياتي..

Delete this element to display blogger navbar