Subscribe:

Ads 468x60px

26 نوفمبر، 2012

انتهى زمن الفراعين


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 12 المحرم 1434 – 26 نوفمبر 2012
انتهى زمن الفراعين – فهمي هويدي

ظهر أمس، اتصل بي طبيب مصري مقيم في مدينة برمنجهام ببريطانيا ليسألني عن حرب الشوارع في مصر، بعدما أبلغه زميل له أنه قرأ عبر الإنترنت عنوانا بهذا المعنى لإحدى صحف الصباح الصادرة في القاهرة.

وفي وقت مبكر نسبيا من الصباح ــ الساعة السابعة بالضبط ــ تلقيت اتصالا من قارئ سعودي لا أعرف اسمه قال فيه إنهم قلقون مما يجري في مصر، الذي هو بالنسبة إليهم في المملكة ليس شأنا محليا ولكن الهزات التي تحدث في البلد تحدث صداها في جميع أنحاء العالم العربي.

كنت قادما لتوي من الدار البيضاء بالمغرب، وتصادف أن عقد هناك مؤتمر لاتحاد المهندسين العرب وكان أعضاؤه في نفس الفندق الذي أقمت به. الأمر الذي جعل التطورات الحاصلة في مصر موضوعا للمناقشة في المصعد والمطعم وفي كل ركن اجتمع فيه ثلاثة منهم.
وتصادف أن التقيت في قاعة الضيافة بالمطار بشيخ موريتاني ومهندس إماراتي متزوج من مغربية، وإذا بهم يلاحقونني بالأسئلة التي انصبت على الحاصل في مصر وتداعياته.

في مطار القاهرة حدث نفس الشيء حيث أحاط بي ثلاثة من رجال الجمرك وألقوا عليّ ذات الأسئلة المسكونة بالقلق والتوجس.

هذه الملاحقات لم يكن لها علاقة بهوية الشخص أو بمدى تواضع شأنه، لكن علاقتها كانت أوثق بأهمية الحدث الذي هز مصر وحول تفاصيله إلى عناوين رئيسية في مختلف وسائل الإعلام، بدا أكثرها مثيرا وباعثا على الخوف والقلق.

قلت لمن سألوني إنني كنت متغيبا عن مصر حين صدر الإعلان الدستوري يوم الأربعاء الماضي 21/11. لذلك فإن معلوماتي لا تتجاوز المتابعات التي وقعت عليها من خلال الفضائيات المصرية والعربية. وهو ما يعني أن خلفيات الإعلان لا علم لي بها،

لذلك فإن ملاحظاتي من الخارج يمكن حصر أهمها فيما يلي:

إن أمثال تلك الاضطرابات والقلاقل واردة في فترات الانتقال خصوصا تلك التي تعقب التحولات التاريخية المهمة، وتاريخ الثورات في العالم يشهد بذلك.
 وإذا كان ذلك قد حدث في أعقاب الثورات الانجليزية والفرنسية والروسية والصينية وغيرها من الثورات التي سالت فيها دماء غزيرة، فلا يستغرب أن تحدث في أعقاب الثورة المصرية السلمية.

إنني لم أفهم الضرورة التي ألجأت الرئيس إلى إصدار الإعلان الدستوري. ولست أشك في أن هناك أسبابا استدعت اتخاذ هذه الخطوة، لكن الرأي العام في مصر وخارجها لم يحط بها علما، الأمر الذي فتح الباب واسعا للبلبلة وإثارة المخاوف. وربما صار الموقف أفضل بكثير لو أن الرئيس أو من يتحدث باسمه عرض للناس خلفية الإعلان وحاول إقناعهم بعناصر الضرورة التي استدعت إصداره.

إن خطبة الرئيس مرسي بعد صلاة الجمعة التي تحدث فيها عن مبررات إصدار الإعلان الدستوري لم تكن مقنعة، ثم إنه وجه خطابه آنذاك إلى مؤيديه المقتنعين بكلامه حتى قبل أن يصدر عنه، في حين أنه كان ينبغي أن يخاطب المعترضين قبل المؤيدين. وكان تلفزيون الدولة الأولى بذلك.

* إن الرئيس حين أصدر الإعلان الدستوري فإنه مارس حقه باعتباره حائزا على سلطة التشريع. وقد مارس المجلس العسكري ذلك الحق من قبل. الذي انتقل إلى مجلس الشعب بعد انتخابه. لكن حل مجلس الشعب بقرار من المحكمة الدستورية أحدث فراغا في سلطة التشريع المستقلة، وأعاد تلك السلطة إلى رئيس الدولة المنتخب.

إن الغموض في الإعلان الدستوري في المادة الثانية الخاصة بصلاحيات الرئيس، وفي المادة السادسة المتعلقة بحق الرئيس في اتخاذ الإجراءات التي تهدد حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو يعطل مؤسسات الدولة.

هذا الغموض فتح الباب واسعا للتأويل الذي أخاف قطاعات عريضة من المواطنين، ولذلك فإن طمأنة المواطنين من خلال ضبط مثل هذه الصياغات تظل مطلبا أساسيا لا غنى عنه. علما بأن ذلك الغموض الذي يعد أمرا سلبيا في الإعلان غطى على إيجابيات فيه كانت بمثابة استجابة لمطالب الثوار من البداية.

إن الكلام عن ظهور فرعون جديد في مصر ينبغي ألا يؤخذ على محمل الجد، لسبب جوهري هو أن عصر الفراعين انتهى في مصر بسقوط مبارك وإخراج العسكر من السلطة، والإصرار على الاحتكام إلى صناديق الانتخاب باعتبار أن الشعب مصدر السلطات.
وهذا ليس افتراضا نظريا لأن ما يحدث في الساحة المصرية الآن يقطع الطريق على أي محاولة لتأليه السلطان أو فرعنته، يشهد بذلك ما نقرأه في خطاب السياسيين وفي كتابات المعلقين بل وفي كلام مقدمي البرامج التلفزيونية، ذلك أننا لم نشهد في مصر جرأة على الحاكم مماثلة لتلك التي نطالعها في مصر الآن.

 والذين يندبون حظ مصر الآن منددين بالفرعون الجديد، يمارسون بحقه أقسى درجات النقد والتقريع، حتى أصبحت أخشى أن يحتج الفراعين على ابتذال وظيفتهم وإهانتها بفعل الممارسات المصرية.
 من ثَمَّ فإنني أزعم أن رئيس الدولة ــ أيا كان ــ ما عاد ممكنا له أن يصبح فرعونا في مصر، حتى إذا أراد ذلك.

هذا الكلام قلته وأنا بعيد عن البلد، إلا أن ما حصلته بعد العودة له كلام آخر أعرضه غدا بإذن الله.
..........................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar