Subscribe:

Ads 468x60px

24 نوفمبر، 2012

فينا شيء غلط


صحيفة الشرق القطريه السبت 10 المحرم 1434 -24 نوفمبر 2012
فينا شيء غلط – فهمي هويدي

أحذر من بعض الأصوات النشاز التي صارت تتردد في الساحة المصرية بعد وقوع الغارات الإسرائيلية على غزة.

 لا أعرف ما إذا كانت الدعوات التي أطلقتها تلك الأصوات بمثابة اجتهادات حسنة النية، أم أنها رسائل منزوعة البراءة، من ذلك القبيل الذي يتردد بوضوح في الساحة الإعلامية المصرية طوال الشهور التي خلت.

 أكاد أحصر تلك الأصوات في فئات أربع ــ حتى الآن على الأقل ــ تتعامل كل منها مع المشهد من منظور مختلف. هذه الفئات هي:

 < دعاة التهويل، الذين يوحون لنا بأن شبح الحرب ضد إسرائيل بات ماثلا في الأفق، وأن الحاصل في سيناء والغارات التي استهدفت غزة، والصورايخ التي أطلقت من القطاع صوب الداخل الإسرائيلي، إضافة إلى سحب السفير المصري من تل أبيب. هذه كلها مقدمات تمهد لإلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل، وتفتح الباب لرسائل التصعيد التي ستنتهي بالدخول في المواجهة العسكرية، التي ترتبط في الأذهان بذكريات مرة وكئيبة مسطورة في صفحات مجللة بالدم ومسكونة بالأشلاء.

ولا يقف الأمر عند ذلك الحد، وإنما لا يخلو «السيناريو» من إشارات صريحة إلى تأليب الرأي العام على الفلسطينيين الذي يتهمون بالمسؤولية عن «توريط» مصر في الحرب وتحميلها مسؤولية دفع فاتورة «التهور» الفلسطيني.

< دعاة التهوين، الذين يدعون أن المسألة ليست سوى تمثيلية متفق عليها بين الأطراف المعنية، خصوصا الأجهزة الأمنية المصرية والإسرائيلية.
فزيارة رئيس الوزراء المصري لغزة لم تكن للتضامن ولا للإعراب عن الغضب المصري، ولكنها «لقطة» مرتبة سلفا مع المخابرات الإسرائيلية من خلال الاتصالات التي اتفق فيها على أن توقف الغارات بعض الوقت على غزة، لحين انتهاء زيارة رئيس الوزراء المصري (وهو ما لم يحدث).

ثم إن السفير الإسرائيلي المذكور آثر أن يقضي يومين أو ثلاثة في تل أبيب حتى تمر العاصفة وتهدأ نفوس المصريين الغاضين، ثم يعود إلى القاهرة مرة أخرى.

ويتجاهل هذا الخطاب الإشارة إلى خطوة سحب السفير المصري لدى إسرائيل، ليتم حبك فكرة التمثيلية التي يتحدثون عنها واستهدفت في رأيهم تلميع صورة الرئيس مرسي وجماعته، عن طريق تصويرهم شجعانا لا يترددون في تحدي إسرائيل ومنازلتها سياسيا على الأقل. في حين أن الأمر ليس سوى «ملعوب» سابق الإعداد والتجهيز.

< المزايدون، وهم الذين يقللون من شأن الموقف المصري، ويقولون إن ما فعلته مصر ليس كافيا، وأن سحب السفير المعين في تل أبيب لا دلالة له، لأن الرئيس السابق حسني مبارك فعلها من قبل، وهو الكنز الاستراتيجي لإسرائيل. ومن ثم فإنهم يطالبون بما هو أبعد وأقوى أثرا.

يطالبون مثلا بمعسكرات لتدريب شباب المتطوعين وفتح الحدود مع إسرائيل لتمكين «المجاهدين» من القيام بمهمتهم في تحرير فلسطين.

وقد قرأت منشورا وزعه بعض هؤلاء قالوا فيه إن الدكتور يوسف القرضاوي أفتى بضرورة مساندة الجيش السوري الحر وتزويده بالسلاح والعتاد والمال، فلماذا لا يصدر فتوى مماثلة لمساندة «إخوانه» في غزة تدعو إلى فتح باب التطوع لتحرير فلسطين وإقامة المعسكرات لاستيعاب المتطوعين قبل انطلاقهم لأداء الواجب المقدس.

< المثبطون، وهم الذين ما برحوا يقرعون الفلسطينيين ويبكتونهم لأنهم أطلقوا بضعة صواريخ لم تصب هدفا يذكر، الأمر الذي تصيدته إسرائيل فاستعرضت عضلاتها وأطلقت غاراتها التي أشاعت الموت والخراب في القطاع،
وهو ما يعني أن ما أقدمت عليه المقاومة كان حماقة ومغامرة لا لزوم لها، دفع الفلسطينيون ثمنا باهظا لها.

وفي رأيهم أنه في ظل الخلل الراهن في موازين القوة المؤيدة من قبل الإدارة الأمريكية فإن مثل هذه المغامرات ينبغي أن تتوقف صيانة للدماء الفلسطينية.

بالتالي فإن «الحكمة» تقتضي تكثيف الجهود للتوصل إلى حل سلمي، والاحتشاد وراء مطلب السلطة ضم فلسطين إلى الأمم المتحدة كعضو مراقب، أملا في تحقيق الممكن من خلال الاشتباك السياسي.

أصحاب تلك الأصوات لم يظهروا فجأة في مصر، لأن الساحة تعج بهم وبغيرهم منذ سقوط النظام السابق.
واستعاد الجميع حقهم في الكلام بصوت عال وبجرأة يحسدون عليها.

وكان ارتفاع تلك الأصوات ضمن الثمن الذين يتعين دفعه في الممارسة الديمقراطية التي يفترض أن تكفل للجميع حقهم في التعبير.
العقلاء منهم والسفهاء والمغرضون منهم والأبرياء.

وهو أمر يمكن القبول به واحتماله طالما تعاملت وسائل الإعلام بحياد ونزاهة مع كل أصحاب الرأي بمختلف اتجاهاتهم.

وتلك مرحلة لم نبلغها بعد، وكانت النتيجة أننا افتقدنا الحضور الواجب للذين يحسنون الظن ويعتبرون أن الموقف المصري اتسم بالحزم المسؤول.
وأنه وجه رسالة ذات مغزى للإسرائيليين.
وأن هناك خطوات أخرى يمكن اتخاذها لممارسة الضغط السياسي على القيادة الإسرائيلية (مثل تجميد الاتفاقات المعقودة بين البلدين، وفتح معبر رفح لتيسير مرور أصحاب المصالح وتوفير مستلزمات المعيشة ومتطلبات الإعمار).

إننا في الوقت الراهن أشد ما نكون حاجة إلى أصوات التشجيع النقدي والنزيه.

أما حين تتعالى أصوات التهليل والتهوين والمزايدة والتثبيط وتتراجع أصوات الأولين، فذلك يعني أن ثمة خطأ فينا يحتاج إلى علاج.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar