Subscribe:

Ads 468x60px

17 نوفمبر، 2012

في مصر المنسيه


صحيفة السبيل الأردنيه السبت 3 المحرم 1434 -17 نوفمبر 2012
في مصر المنسيه – فهمي هويدي

ركِّز معي من فضلك واقرأ هذا التقرير المختصر بتمعن وعلى مهل:
 ضبطت الحملات التي قام بها المختصون بمراقبة الأغذية في محافظة سوهاج بصعيد مصر 12 طنا و200 كيلو جرام من أرز التموين بدائرة قسم ثان سوهاج وقد احتوت على حشرات حية «سُوس» وشوائب.

كما أسفرت الحملات عن ضبط 30 طن أرز أخرى بدائرة قسم أول سوهاج مخالفة للمواصفات القياسية للأرز لتعبئتها.
إذ وضعت داخل أكياس دُون عليها أنها من مضارب الدقهلية والغربية على خلاف الحقيقة لأنها واردة من مضرب بمحافظة الشرقية.

في الوقت ذاته تفقدت إحدى الحملات مدرسة الزراعة الثانوية بجرجا واكتشفت أن قسم الصناعات الغذائية الذي يقوم بإنتاج ألبان وعسل وبيعه يقوم بجلب عسل نحل من المناحل غير المرخصة وغير التابعة للمدرسة، ثم يتولى تعبئته ولصق بيان عليه يفيد بأنه من إنتاج المدرسة في ممارسة واضحة للغش والتدليس.

وقد تم سحب عينات سابقة من العسل بمعرفة مكتب مراقبة الأغذية بجرجا ووردت نتائج التحاليل تفيد بأنها مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات.

كما تم ضبط 7 أطنان سكر تمويني بمركز إخميم ناقص الوزن بعد التلاعب في الموازين الخاصة به،
وضبط أمين مخزن شركة مواد غذائية لحيازته حلوى غير صالحة للاستهلاك الآدمي، وتم التحفظ على المضبوطات.

في سياق متصل، قامت الإدارة التعليمية بطما في سوهاج بالتحفظ على 70 عبوة لبن أطفال سايب بالفواكه داخل حضانة رياض الأطفال بمدرسة على بن أبي طالب الابتدائية بقرية مشطا عقب اكتشاف وجود ديدان داخل 5 عبوات أخرى.

وقد تم التحفظ عليها وإرسالها لمركز الشرطة لتحرير محضر بذلك وإخطار النيابة لمباشرة التحقيق.

هذا التقرير نشرته صحيفة الأهرام على صفحة داخلية يوم 22 أكتوبر الماضي، تحت عنوان يقول:
كارثة غذائية في سوهاج.
لم أتخيل أن الصورة بهذا القدر من البؤس في عمق الصعيد المصري.

فاحتفظت بالقصاصة وانتظرت صدى الكارثة.
أسبوع واثنان ودخلنا في الثالث.
وأنا أبحث في أعداد الأهرام كل صباح عن تكذيب أو تصويب لمعلومات التقرير.

وظللت متخيلا أن المحافظ سيتحرك على الفور أو سيتلقى في اليوم التالي اتصالا هاتفيا من رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء يسأله خلاله عن مدى صحة المعلومات المنشورة، لكن شيئا مما توقعت لم يحدث.

لم تمض أيام على نشر التقرير حتى وقعت في الأهرام أيضا على خبر آخر كان عنوانه كالتالي:
 164 تلميذا في الفصل الواحد بقنا.

وفي الخبر أن كثافة الفصل الواحد في مدرسة محمد الظاهر الابتدائية بقرية بني برزة التابعة لمركز أبو تشت في محافظة قنا -التالية لسوهاج- وصلت إلى 164 تلميذا في خمسة فصول و165 تلميذا في فصلين.
وذكر الخبر أن المدرسة التي تضم 7 فصول فقط تستقبل يوميا 1150 تلميذا.
وأن المسئولين في وزارة التربية كانوا قد وعدوا في العام الماضي (2010) بإقامة جناح مكون من 16 فصلا لاستيعاب التلاميذ، ولكن ذلك الوعد لم يتحقق منه شيء حتى الآن.

فهمت من التفاصيل المذكورة أن المدرسة تعمل ثلاث فترات يوميا، الأمر الذي يعني تقصير اليوم الدراسي لكل فترة، بما لا يدع الفرصة لتدريس المناهج المقررة، وبما يعني استهلاك المدرسين بما يعجزهم عن أداء مهمتهم عند حدها الأدنى.

السؤال الذي يخطر على البال لأول وهلة هو:
هل هذه نماذج استثنائية أم أنها صور واقعية مستمرة؟

القرائن المتوافرة والمعلومات التي لم تكذب أو تصوب تدل على أننا بصدد حالة دائمة وليس حدثا طارئا.

فالتقرير الذي يتحدث عن الكارثة الغذائية في سوهاج مثلا يعرض لنتائج حملات التفتيش التي كشفت صور الغش والفساد ضاربة الأطناب في المحافظة كلها وليس في موقع دون آخر.
إذ لها شواهدها في قسم أول وثان سوهاج. وفي جرجا وفي أخميم وفي طما.
أما فضيحة مدرسة قنا فهي أمر شائع وغير مستغرب ليس فقط في صعيد مصر، ولكن في محافظات الدلتا أيضا.

ما سبق ينبهنا إلى عدة أمور هي:

الفساد في الأجهزة المحلية أكبر وأخطر بكثير مما نتصور.
وهو لا يقف عند النهب والسرقة أو الرشوة وإنما استشرى حتى بات يهدد حياة الناس وصحة المجتمع.

-
إن الرقابة شبه منعدمة، سواء كانت حكومية أو شعبية، ولو كان لتلك الرقابة وجود لما وصل الأمر إلى ما وصل إليه من جرأة وتوحش.

-
إن صعيد مصر لا يزال يعاني من إجرام الإهمال وقسوة الحرمان، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في كيفية علاج القصور المشين في الخدمات التي تقدم للناس فيه.

-
إن مجتمع الصعيد الذي يئن تحت وطأة ذلك الفساد ويكون التعليم فيه ضربا من التجهيل المقنن، ينبغي ألا ننتظر الكثير منه.
هذا إذا لم يصبح عبئا على المجتمع ومصدرا لبعض شروره التي يعد التطرف والعنف من بينها.

-
إن النخب القاهرية التي تهيمن على وسائل الإعلام وتشكل إدراك المجتمع تعيش في عالم آخر، ينفصل عن حقائق المجتمع وأوجاعه.
إن شئت فقل إنها مهجوسة بحظوظها وحساباتها ومعاركها الخاصة، وأبعد ما تكون عن مشاكل الناس والوطن.

إننا بحاجة لأن نوحد القطرين مرة ثانية، لأن ما فعله الملك مينا في العصر الفرعوني لم نقطف ثماره بعد!
.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar