Subscribe:

Ads 468x60px

12 نوفمبر، 2012

الإعذار لا يبرر الإرتجال


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 27 ذو الحجة 1433 -12 نوفمبر 2012
الإعذار لا يبرر الإرتجال – فهمي هويدي

خبر الصباح لم يكن مبهجا بأي حال، جاء محبطا على الصعيدين الشخصي والعام.

فثمة زيادات في الضرائب على المبيعات والهاتف المحمول والبن والمياه الغازية وسيارات الركوب و...و...إلخ.
ومن خبرتنا فإن الزيادة في أسعار بعض السلع تجر وراءها سلعا أخرى.

من ثَمَّ فإن خلاصة الرسالة أن الحكومة قررت أن تفك أزمتها عن طريق وضع أيديها في جيوب كل واحد منا، والأخذ منها. وهو ما يشكل سببا إضافيا للاستياء والغيظ.

إن مبلغ علمي أن الأخذ من الناس هو أسهل الحلول، فضلا عن أنه أحد الحلول التي يتبناها صندوق النقد الدولي انطلاقا من سياسة توسيع نطاق دافعي الضرائب التي يدعو إليها. وهى سياسة يبدو عنوانها جذابا، إلا أنها تظلم الفقراء كثيرا، بل تظلم محدودي الدخل وشريحة الطبقة المتوسطة، لأنها تضعهم على قدم المساواة مع الأثرياء الذين لا تتأثر دخولهم كثيرا في هذه الحالة.

ما أفهمه أنه في مواجهة أي أزمة اقتصادية تتراوح الخيارات المطروحة للحل بين إعلان التقشف وشد الأحزمة على البطون وبين استنفار الأمة لمضاعفة العمل وزيادة الإنتاج، أو إعادة هيكلة النظام القائم للتخلص من أوجه الإنفاق غير الضرورية والحصول على أفضل عائد ممكن من المشروعات والمؤسسات الإنتاجية القائمة.

وهناك خياران آخران
أحدهما غير مستحب ويتمثل في زيادة أسعار السلع
وآخر مكروه (البعض يعتبره محرما) يتمثل في الاقتراض من الخارج، خصوصا من جانب صندوق النقد الدولي الذي لا يهب القروض للدول المأزومة، ولكنه يقدمها بشروط معينة لا مفر منها.
بصرف النظر عما إذا كانت تلك الشروط معلنة أم غير معلنة.

(للعلم: لم يقل لنا أحد في مصر ما إذا كانت الإجراءات الاقتصادية التي تقدم عليها الحكومة لها علاقة بطلبات صندوق النقد أم لا.
لكننا قرأنا في الصحف أن القرض بلا شروط، في حين تقسم مصادر الصندوق بالثلاثة مؤكدة أن تلك الإجراءات تعد استجابة «لمقترحات» الصندوق.
 وقال لى أحد الخبثاء إنها مقترحات حقا، لكنها «ملزمة» في نهاية المطاف).

سمعت رأيين في شأن الزيادات المقترحة على الأسعار التي أصابتني بالإحباط في ذلك الصباح.

الأول ينحاز إلى الأعذار ويدعو إلى التفرقة بين إنقاذ الموقف الاقتصادي وتحقيق الإصلاح الاقتصادي.
وفي رأى أصحابه أن الإنقاذ يتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة في حين أن الإصلاح الاقتصادي يتطلب وقتا طويلا، ناهيك عن أن دراسته تحتاج إلى 18 شهرا على الأقل.

يقولون في هذا الصدد إنه إذا صادفك حريق يوما ما، فأول ما ينبغي أن تفعله هو أن تقوم بإطفائه، حتى إذا ترتبت على ذلك خسائر جانبية أخرى.

وليس من العقل أو الحكمة أن نبدأ بدراسة الأسباب التي أدت إلى الحريق وتتخذ الاحتياطات الواجبة لعدم تكرار اندلاعه، الأمر الذي إذا أعطيناه الأولوية فسوف يلتهم الحريق كل شيء قبل أن نتمكن من إنجازه ما يجب عمله.

هذا التحليل يتبنى شعار لنطفئ الحريق بمنتهى السرعة أولا ثم نتكلم فيما يجب عمله بعد ذلك.
وهو منطق يفرق بين العاجل والضروري، ويعتبر أن العاجل هو إطفاء الحريق بمعنى توفير السيولة المطلوبة بشكل ملح في الوقت الراهن،
 والضروري هو أن يتحقق الإصلاح الاقتصادي بما يكفل علاج جذور الأزمة وتحقيق العدالة الاجتماعية المرجوة.

أصحاب الرأي المقابل يقولون إنه ليس من الحكمة أيضا أن نطفئ حريقا لكي تشعل حريقا آخر، وهم يعتبرون أن ما يجرى الآن لا يحقق بالضرورة هدف الإطفاء، لكنه يهيئ المناخ لإطلاق حرائق أخرى، لأن القرارات غير الصائبة التي لم تدرس جيدا قد لا تحقق الهدف المرجو، في حين أنها تفتح الباب لتعميق الخلل في النسيج الاجتماعي، الأمر الذي يؤدى إلى إشاعة الاحتقان في أوساط الفقراء وشرائح الطبقة المتوسطة.

من هؤلاء من يقول إن العجلة لا تبرر اتخاذ القرارات الخطأ، خصوصا إذا كان الرأي العام ليس مدركا لحقيقة وأبعاد الأزمة الاقتصادية الراهنة.
وكثيرون لا يعرفون مثلا أن الدين المحلى الذي تجاوز تريليون جنيه يجعل كل إنسان في مصر بما في ذلك الأطفال مدينا بمبلغ 14 ألف جنيه لا غير.
علما بأن ذلك الدين يمثل 70% من قيمة الناتج المحلي، وهذه نسبة عالية وخطرة.

سألني أحدهم مستنكرا:
كيف يفسر أن يصدر قرار بفرض ضريبة على البورصة دون أن يسمع رأى المسؤول الأول عن البورصة؟
ويفاجأ الرجل بالخبر منشورا في صحف الصباح، وألا يعنى ذلك أن القرار لم يأخذ حقه من الدراسة، الأمر الذي يضعف من نتائجه ولا يحقق الهدف المرجو منه.

وهذا القصور في الدراسة ينطبق على قرارات أخرى منها ما تعلق بالضرائب التصاعدية التي استفاد منها أصحاب الملايين
أو بقرار الإغلاق المبكر للمحال التجارية الذي لم تستطع الحكومة تنفيذه،
 أو حتى بقرار التعجل في الاقتراض من صندوق النقد الدولي.

وضعني الرأيان في حيرة لأنني وجدت حجج كل منها مقنعة.
فالإعذار مطلوب وهو مهم للغاية، لكن الارتجال وعدم وضوح الرؤية يسحب من رصيد الإعذار، ويكرس الإحباط ولا يبدده.

لا تسألني ما العمل، لأن في البلد عقولا عليها أن تبحث لنا عن «خروج آمن» من الأزمة، لا خير فيها إن هي سكتت، ولا خير فينا إذا لم ننصت إليها.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar