Subscribe:

Ads 468x60px

08 أكتوبر، 2012

مأزق الحكومة


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 22 ذو القعدة 1433 –8 أكتوبر 2012
مأزق الحكومة – فهمي هويدي

تواجه الحكومة المصرية مأزقا يصعب الخروج منه بأمان في ظل سياساتها الراهنة.
ذلك أنها في مواجهة الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي تعاني منها لأسباب باتت معلومة للكافة، قد تكون مضطرة لاتخاذ إجراءات تحمل الناس بعض الأعباء وتزيد من معاناتهم،

وبطبيعة الحال فإن ذلك لن يلقى ترحيبا من القواعد الشعبية، الأمر الذي يرجح له أن يؤثر سلبا على موقف حزب الحرية والعدالة في الانتخابات التشريعية المقبلة.
وهو ما يعني أنها باتت مخيرة بين أمرين:
فإما أن تصدر القرارات التي تفقدها الشعبية لكي تنجح في تجاوز الأزمة الاقتصادية،
وإما أن تؤجل اتخاذ تلك القرارات وتجمد الأزمة عند معدلاتها الراهنة أملا في أن يمكنها ذلك من النجاح في الانتخابات.

كأننا بإزاء موقف يخير فيه الرئيس بين مصلحة الوطن في التعامل مع الأزمة الاقتصادية
وبين مصلحة الجماعة في الحفاظ على أغلبيتها النيابية.

إننا نقرأ بين الحين والآخر أخبارا تنشرها الصحف عن مقترحات لرفع الدعم عن بعض أصناف البنزين،
وعن زيادة في أسعار استهلاك المياه والكهرباء،
وزيادة أخرى في أسعار المكالمات الهاتفية.

ورغم أن التصريحات الرسمية تحرص في كل مرة على أن تؤكد على أن الزيادات المقترحة لن تمس محدودي الدخل، إلا أنه من المرجح أن أية زيادات سوف تشيع مناخا مؤديا لارتفاع الأسعار سيشكل ضغوطا على مختلف فئات الشعب.

وفي الوقت الذي تلوح فيه الحكومة بتلك الزيادات فإن الشارع المصري يحفل بالوقفات الاحتجاجية التي تطالب بزيادة الأجور، الأمر الذي يتعذر الاستجابة إليه وإرضاء الجميع في ظل أية حسابات اقتصادية رشيدة.
وفي هذه الحالة فإن زيادة الأسعار ستغضب قطاعات من الناس، وعدم الاستجابة للزيادة في الأجور ستغضب قطاعات أخرى.

وإذا أضفت إلى ذلك الغارات التي لا تتوقف عن شنها بعض القوى السياسية والمثقفين المناهضين ضد الحكومة، وحملات التشهير اليومية التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة، فسوف يتأكد لديك أن مستقبل شعبية الرئيس والحكومة في خطر محقق.

إذا حاولنا تحليل الأزمة وتفكيك عناصرها فسنجد أنها نشأت أساسا من عدم مصارحة الحكومة الجماهير بحقائق الوضع الاقتصادي من البداية، والإحجام عن مطالبة المجتمع بتحمل مسؤوليته إزاءها.
إضافة إلى تردد الحكومة وتراجعها المبكر في التعامل مع إضرابات واحتجاجات الفئات المختلفة المطالبة بزيادة الأجور والتثبيت في الوظائف. وهو ما أدى إلى تحميل الميزانية عجزا قدره 12 مليار جنيه في موازنة السنة المالية الأخيرة.

لست ألوم الناس، فقد طالبوا بحقوقهم وسعوا إلى رفع الظلم الواقع عليهم.
وأزعم أن صمت الحكومة وضعف موقفها أمام المتظاهرين رفع من سقف توقعات المطالبين بزيادة الأجور والتثبيت في الوظائف.
إذ لم تصلهم رسالة التنبيه إلى أن ثمة أزمة خانقة، وأن من شأن الاستجابة لمطالباتهم أن تتعقد الأزمة ويزداد الخناق ويستحكم.

في وقت مبكر طالبت الرئيس محمد مرسي بأن يصدمنا ولا يجاملنا، وأكثر من مرة ذكَّرت الجميع بما قاله ونستون تشرشل حين كلف برئاسة الحكومة أثناء الحرب العالمية الثانية، فقال للإنجليز:
أعدكم بالدم والدموع والعرق قبل أن يتحقق النصر المنشود.

وبكلامه ذاك فإنه قطع الطرق على أحلام البعض وخفض من سقف توقعاتهم، وطالبهم بأن يضحوا وأن يسهموا بنصيبهم في المواجهة، إذا ما أرادوا أن تنتصر بلادهم وتحتفظ بكرامتها وكبريائها.

أزعم أن الفرصة لا تزال قائمة للخروج من المأزق. وإذا كان الأمر صعبا فهو ليس مستحيلا. إذ نحن بصدد موقف يصدق فيه قول من قال بأنك إذا أتيت متأخرا أفضل من ألا تأتى أبدا.

وأدري أن الأمر محسوم من وجهة النظر الوطنية، حيث لا مجال للمفاضلة بين مصلحة الجماعة وبين مصلحة الوطن، باعتبار أن أولوية مصلحة الوطن ليست مطروحة للاجتهاد أو المناقشة.

مع ذلك فإن التوفيق بين المصلحتين لا يزال ممكنا، خصوصا أن الانتخابات يفترض أن تجرى بعد أربعة أشهر تقريبا، إذا تم الانتهاء من وضع الدستور خلال شهر نوفمبر المقبل. فإذا سارعت الحكومة إلى مكاشفة الرأي العام وإعطاء الجماهير صورة حقيقية للوضع الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه قدمت تصورا لما ينبغي أن تفعله أو تتخذه من إجراءات لمعالجة ذلك الوضع، في هذه الحالة يمكن أن تكسب ثقة الناس واحترامهم، الأمر الذي يسمح بأعذارها ولا يفقدها أصوات الأغلبية في الانتخابات.

إن التحرك الشفاف والشجاع مطلوب بسرعة، لأن الوقت ليس في صالح الحكومة ولا في صالح الإخوان.
والأهم من هذا وذاك أنه أيضا ليس في صالح الوطن.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar