Subscribe:

Ads 468x60px

27 أكتوبر، 2012

تبسموا يرحمكم الله


صحيفة الشرق القطريه السبت 11 ذو الحجة 1433 -27 أكتوبر 2012
تبسموا يرحمكم الله – فهمي هويدي

انتهز فرصة مناسبة العيد لكي أدعو القيادات والرموز الإسلامية لأن يرسموا على وجوههم ابتسامات تريح الناس وتطمئنهم.
ذلك أنني لا أجد سببا مقنعا لاستمرار ظهورهم مقطبي الوجوه في الصور وعلى شاشات التلفزيون.

ربما كان ذلك مفهوما في سنوات الملاحقة والاعتقال والتعذيب التي خلت، ولكن الانفراج الذي حدث في الوضع العام وأدى إلى رفع الإصر عن الجميع، كان يفترض أن يستصحب انفراجا مماثلا في قسمات الوجوه، ولكن ذلك لم يحدث، حتى صار الوجه التقليدي للقيادي الإسلامي يتراوح بين التجهم والغضب، رغم أن نص الحديث النبوي يقول إن:
تبسمك في وجه أخيك صدقة.

الأمر الذي يعنى أن الابتسامة لا تشيع الارتياح وربما البهجة فقط، وإنما هي تحتسب في ميزان حسنات المرء عند الله أيضا.

أدرى أن موروثنا الشعبي المسكون بالحزن لا يرحب كثيرا بالضحك ويتوجس منه أحيانا ــ إذ الضحك في ذلك الموروث هو من قبيل قلة الأدب خصوصا ما تم منه بغير سبب، وإذا ما أخطأ الواحد منا واستغرق في الضحك مع آخرين فلابد أن يعلو صوت واحد من الجالسين قائلا «اللهم اجعله خير».

ولست أنسى أننا ونحن صغار كنا نحذر من كثرة الضحك، وقيل لنا آنذاك إنه يخل بالوقار والاحترام، ولأننا في تلك السن كنا نحرص على أن «نسترجل» (لا تفهمني خطأ أرجوك)، فقد كنا نحرص تجنب ارتكاب تلك العادة «المذمومة»، لكي ننتسب إلى أهل الوقار.

لا يقل لي أحد إن همومنا كثيرة، وإن الضحك يحتاج إلى فراغ بال. وأكاد أسمع أيضا قول من يقول بأنه حين يكون الهم شريطا يستمر عرضه طول اليوم فإن الضحك يغدو سلوكا مستهجنا غير مناسب للحال، أما الابتسام فهو ترخص لا يخلو من افتعال.

ما دفعني إلى إبداء الملاحظة أنه عنَّ لي ذات مساء أن أتابع القنوات الدينية فمررت بها واحدة تلو الأخرى، ووجدت أنها مخاصمة ليس فقط للآخرين ولكن أيضا للابتسام.
وأكد ذلك انطباعا عندي حصلته من متابعه بعض القيادات الإسلامية الذين منعهم الوقار من الابتسام في وجه خلق الله، ورأيت منهم من كان مستنفرا ومنفعلا كأنه مقبل على حرب إما أن يكون فيها قاتلا أو مقتولا.

ما استغربت له أن الأمر لم يكن كذلك عند علمائنا الكبار الذين اشتهروا بالبشاشة وخفة الظل وسرعة النكتة. وقد اشتهر منهم ظرفاء مثل الشيخ عبدالعزيز البشري والشيخ محمد الغزالي. وأزعم أن الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان كان من هؤلاء.
حتى يروي عن أحد رفاقه، (الأستاذ عباس السيسي)، أنه زار عمدة بلدة رشيد ذات مرة وفي جلسة التعارف التي بدأ بها اللقاء قدم العمدة نفسه قائلا «محمد (بك) طبق».
وقال الجالس بجواره أنه محمد سمك رئيس البلدية، وقدم الثالث نفسه بقوله: «زكى طبيخة» الذي كان طالبا.
وما إن سمع البنا الأسماء الثلاثة حتى سارع إلى القول: سفرة دايمة!

ويحكى الدكتور جابر قميحة الأستاذ الجامعي والناقد الأدبي أنه ركب «حنطورا» مع البنا وشخص ثالث قاصدين قرية مجاورة لمدينة بنها.
ولأن الجو كان باردا وعاصفا فإن الأستاذ البنا طلب رفع غطاء الحنطور إلى الخلف، لأن وضعه كما هو يزيد من مقاومة الحصان للهواء مما يؤدى إلى إرهاقه. فقال له الجالس إلى جواره لماذا لا نبقى الغطاء على حاله للاحتماء به من البرد، مضيفا أنه لا ضير في ذلك لأن صاحب الحنطور من الإخوان، فما كان من البنا إلا أن قال له: سبحان الله يا أخى. لكن الحصان ليس من الإخوان!
(طبقا لرواية الدكتور قميحة فإن الجالس إلى جوار البنا الذي أبدى الملاحظة كان أبى رحمه الله، الحاج عبدالرزاق هويدي).

قرأت أن وحدة الإدراك والعلوم الدماغية في جامعة كامبريدج البريطانية أجرت بحثا خلصت منه إلى أن الضحك لا يثير البهجة والحبور فقط، لكنه يثير العقل أيضا.
ونقل التقرير عن رئيس مجموعة البحث ــ اسمه الدكتور مات ديفيس ــ قوله إن النكات التي تقوم على التلاعب بالألفاظ والمعاني تحرك مراكز المكافأة في الدماغ وتساهم في إشاعة الشعور بالمتعة، وأن هذه النتيجة قد تساعد الأطباء على التواصل مع المرضى الذين يشكون من إصابات دماغية ومشاكل عاطفية.

وذكرت دراسة أخرى أجريت بجامعة بيتسبراه الأمريكية أن الضحك يشيع حالة من التفاؤل الأمر الذي يقلل من الإصابة بالاكتئاب أو بأمراض القلب.

أشرت من قبل إلى أن رئيسة الفلبين كانت في رحلة إلى الخارج ولاحظت تجهم العاملين بمطار مانيللا، ونقلت انتقادها ذاك إلى مدير المطار الذي أصدر تعليماته إلى جميع العاملين بضرورة الابتسام في مواعيد العمل الرسمية.

وأخشى أن نكون مضطرين إلى استصدار تعليمات في هذا القبيل من القيادات السلفية أو قيادات حزب الحرية والعدالة.

إن رسامي الكاريكاتير هم الوحيدون الذين استثمروا هذه الملامح التي ساعدتهم على تقبيح الوجه الإسلامي، بحيث أنك لم تعد ترى واحدا منهم في رسومهم إلا وقد ظهر مقطبا ومنفرا وطاردا للبشاشة، إلى جانب كونه نموذجا للغباء والتخلف.

تبسموا أيها السادة يرحمكم الله، فنحن أحوج ما نكون لصدقاتكم تلك في أثناء العيد وبعده.
.......................

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

الله يوفقك انت ممتاز لكن اوصيك بالصبر وكل سنة وانت طيب

Delete this element to display blogger navbar