Subscribe:

Ads 468x60px

21 أكتوبر، 2012

قمعنا ولم نفكر

صحيفة الشرق القطريه الأحد 5 ذو الحجة 1433 -21 أكتوبر 2012
قمعنا ولم نفكر – فهمي هويدي

أسخف ما قرأت في الأسبوع الماضي كان خبر المعلمة التي قامت بقص جزء من شعر تلميذتين صغيرتين في الأقصر، لرفضهما ارتداء الحجاب.

أما أغرب ما قرأت فقد كانت ردود أفعال ذلك التصرف، التي تراوحت بين قمع المعلمة وبين صراخ الذين اعتبروا أن الدولة المدنية أصبحت في خطر.
حتى بدأ الفعل ورد الفعل وكأنه تنافس في العبث.
إذ في مقابل التهويل من الحدث فإن الذين تصدوا له ذهبوا بعيدا في التسطيح والخفة، واعتبروها فرصة للإثارة والابتزاز ومحاكمة النظام القائم وتقريع الجماهير التي خدعت فيه وصوتت له.

الصحف والقنوات التليفزيونية التي تسابقت على نشر الخبر احتفت بمعاقبة المعلمة بالنقل من وظيفتها إلى عمل إداري آخر، وخصم راتب شهر من أجرها.
واستراح الجميع للإجراءات التأديبية التي اتخذت بحقها، دون أن يسأل أحد عما ستفعله في المكان الذي نقلت إليه أو عن السبب في إقدامها على ما فعلته أو عما ينبغي عمله لكي لا يتكرر ما حدث في مدارس أخرى. أعني أننا اكتفينا بالإجراءات واعتبرنا أن القمع هو الحل.

حتى لا يلتبس الأمر على أحد فإنني لا أدعو إلى التهوين مما حدث من جانب المعلمة، لكنني أدعو إلى التفكير فيه.
كما أنه ليس لدي أي اعتراض على معاقبة المدرسة، لكن تحفظي ينصب على الاكتفاء بالعقوبة الإدارية، واعتبارها كافية في تقويم المدرسة وردّ من هي على شاكلتها.

هذا الذي حدث في صعيد مصر، وقع ما هو أسوأ منه في إسرائيل من جانب المتطرفين الدينيين وأبرزهم جماعة «الحريديم» أو الأتقياء الذين ينشطون في مدينة القدس بوجه أخص حتى أصبحوا يشكلون ثلث سكانها، ولا يعترفون بقوانين الدولة، في حين يعتبرون أن تعاليم التوراة ونصوصها الحرفية هي المرجعية الوحيدة التي يعترفون بها،
ولذلك فإنهم يمثلون صداعا مستمرا للحكومة وللمجتمع.

هذه الجماعة «السلفية» بسطت نفوذها على بلدة بيت شيميش القريبة من القدس، وعلى بعض المستوطنات، بحيث إنهم منعوا حركة المواصلات أو استخدام التيار الكهربائي في يوم السبت.
وفرضوا على النساء ارتداء ثياب أقرب إلى أزياء المنتقبات عند الخروج من بيوتهن،
وخصصوا لهن المقاعد الخلفية من الباصات، في الوقت الذي اعتبروا أن أصواتهن عورة ليس للغريب أن يطلع عليها.

في أوائل العام الماضي (2011) أثير موضوعهم في وسائل الإعلام لأن واحدا منهم اعترض طريق طفلة عمرها ثماني سنوات (اسمها ندعاما مرجولس) حين كانت متجهة إلى المدرسة.

ولأنه اعتبر أن ثيابها غير لائقة حسب اعتقاده فإنه أنَّبها وشتمها ثم بصق في وجهها، فعادت إلى بيتها باكية ورفضت الذهاب إلى المدرسة.

وقبل ذلك كانت فتاة متدينة اسمها تانيا روزنبلوط قد صعدت إلى أحد الباصات وجلست في المقاعد الأمامية، فتصدى لها واحد منهم وطلب منها الانتقال إلى المقاعد الخلفية المخصصة للنساء لكنها رفضت، واشتبكت مع الرجل الذي أصر على مغادرتها مقعدها، الأمر الذي عرضها للعنف من جانبه.

وحين وصلت القصتان إلى الصحافة فإن ملف الحريديم أصبح مطروحا للمناقشة بين المتدينين والعلمانيين. والأخيرون جددوا مخاوفهم من تمدد نفوذ الجماعات السلفية ليس فقط في الحياة المدنية، ولكن أيضا في أوساط القوات المسلحة.

ولأن تلك الجماعات لها أحزاب تمثلها في البرلمان ولها مراجع (حاخامات) يتمتعون بنفوذ واسع، إلى جانب أن رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو يشجعهم ويستفيد من طاقاتهم سواء في التوسعات الاستيطانية أو في تأييد حكومته وتماسكها، فلم يكن بوسع أي جهة أن تتخذ إجراءات قمعية بحقهم،
وظل الجدل مستمرا ــ ولا يزال ــ حول أسباب انتشار أفكارهم وكيفية التعامل معهم واستثمار طاقاتهم بما يخدم مخططات الدولة ومشروعاتها، التي ذكرت توا أن التوسع الاستيطاني على رأسها.

من الأفكار المطروحة في هذا السياق أن تخصص لهم أماكن تستوعبهم ويمارسون فيها أنشطتهم وتعاليمهم دون أن يسبب ذلك إزعاجا للآخرين.
واقترح لذلك إنشاء مدينتين لهم إحداهما في صحراء النقب تستوعب 100 ألف شخص، والثانية في شمال الخليل تستوعب 150 ألف شخص.

لست أدعو إلى اقتباس الفكرة، رغم أنني كنت قد اقترحت شيئا من ذلك القبيل قبل نحو عشرين عاما، وكتبت في «الأهرام» داعيا إلى توظيف التطرف لكي يكون في خدمة المجتمع حتى لا يصبح سلاحا ضده.
واقترحت لذلك أن تستثمر طاقاتهم في تعمير سيناء.

وكان ذلك في وقت مبكر، قبل أن يتحول التطرف فيها إلى مشكلة مؤرقة لمصر، نظرا لضعف السيطرة الأمنية وغياب الدولة المصرية عنها بسبب القيود التي فرضتها معاهدة السلام مع إسرائيل.

قصدي مما ذكرت أن ما أقدمت عليه معلمة مدرسة الأقصر يعبر عن ثقافة تحتاج إلى تحليل ومناقشة. ولم يتم شيء منهما، حيث اكتفينا بالعقاب الإداري والضجيج الإعلامي الذي وظف الحدث في تسجيل النقاط في التجاذب والصراع الداخلي، فلم نفهم ولم نستفد.

بالتالي فإننا لم نستخلص عبرة، وظللنا واقفين في أماكننا وغارقين في معاركنا، ولم نتقدم خطوة إلى الأمام.
.......................

1 التعليقات:

alavocatoooooo يقول...

اشكرك جزيل الشكر على ما تبذل من جهد لتجميع مقالات استاذنا الكبير الاستاذ فهمي هويدي.

Delete this element to display blogger navbar