Subscribe:

Ads 468x60px

15 أكتوبر، 2012

نجاحات طرد المنتجين!

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 28 ذو القعدة 1433 -15 أكتوبر 2012
نجاحات طرد المنتجين! – فهمي هويدي

قال لي أحد الصناعيين الكبار إنه قرر أن يستغنى خلال الأشهر الستة المقبلة عن نصف العاملين في مصنع النسيج الذي يملكه ليصل إلى ألفي عامل بدلا من أربعة آلاف،
وقد أبلغ الإدارة بتلك الخطوة التي اعتبرها تمهيدا لتصفية نشاطه والخروج من السوق بعد كفاح استمر ربع قرن.

أعرف مستثمرا آخر بدأ مشروعا يستوعب خمسة آلاف عامل، وقرر تعيين 1500 عامل في المرحلة الأولى،
ولكن الصعوبات والعقبات التي صادفها دفعته إلى إيقاف مراحله التالية حتى تتجلى الأمور وتتوافر ظروف تشجعه على الاستمرار.

وحدثوني عن أكثر من مستثمر آخر انتهوا من إغلاق مصانعهم وتسريح عمالهم، وقرروا بيع أصولهم بأي سعر، وإيداع حصيلة البيع في البنوك التي تعطيهم فوائد تصل إلى 12%، معتبرين أن ذلك يوقف استنزافهم وينقذهم من ارتفاع ضغط الدم الذي بات يهددهم.

سألت فقالوا إنهم يقرأون في الصحف عن تمنيات طيبة وتفاؤل مبالغ فيه بالمستقبل، لكن ما يشهدونه على أرض الواقع يعطيهم انطباعا معاكسا ويجعلهم يقتنعون يوما بعد يوم بأن الانسحاب هو الحل.

عدت إلى التساؤل فقال لي أحد الصناعيين الكبار إن المسألة ليست لغزا، وأن أي اقتصاد في الكرة الأرضية لا ينمو إلا بتوافر شرطين أساسيين هما:
عنصر بشري كفء وقادر، وتمويل يغذي وتكلفة تشجع.

والحاصل في مصر الآن أن الشرطين لم يعودا متوافرين، الأمر الذي يحبط أي مستثمر ويدفعه إلى المسارعة بالهروب من السوق، فرارا بماله ورعاية لصحته.

الشكوى من العنصر البشري تنصب على انعدام الكفاءة وانهيار قيم العمل المتمثلة في الانتظام والانضباط والإتقان، الأمر الذي يؤثر على مستوى الإنتاجية فضلا عن تراجع كمياتها.

وقد أضيفت إلى هذه العوامل الإضرابات والاعتصامات التي أصبحت تنزل خسائر فادحة بالمنتجين.
وفي غياب قواعد متفق عليها سواء لتنمية المهارات أو لعرض المطالب وإيصال رسائل الاحتجاج فإن القطاع الصناعي أصبح يواجه حالة من الفوضى التي لا تسمح بالتفاؤل بالمستقبل.

سمعت قصصا عن عمال حطموا بعض الماكينات التي يعملون عليها.
وعن متظاهرين منعوا زملاءهم من العمل لأنهم تعرضوا لجزاءات جراء تقصيرهم أو تغيبهم.
وآخرون طالبوا إدارة أحد المصانع بضم الأجور الإضافية إلى أجورهم الثابتة بحيث تمنح لهم حتى إذا لم يشتغلوا أوقاتا إضافية... إلخ.

حدثني أحد الصناعيين عن قانون العمل التركي الذي يتعامل بحزم وشدة مع أي محاولة لتعطيل الإنتاج، ويحمي حقوق العمال بقدر ما يحمي صاحب رأس المال.

وسمعت من أكثر من واحد أنهم يئسوا من ضبط العمل في مصانعهم، وقرروا أخيرا أن يستوردوا عمالا من بنجلاديش أكثر انضباطا ومهارة وأكثر احتراما لمقتضيات الإنتاج ومسؤوليات العمل.

خلاصة الكلام أن العنصر البشري على وفرته في مصر ليس مؤهلا بشكل كاف للإسهام بشكل جاد في العملية الإنتاجية، وليس هناك جهد يبذل لتطوير مهاراته،
كما لا توجد أطر قانونية تحمي العملية الإنتاجية. الأمر الذي يعني أن ثمة ثغرة في بنيان تلك العملية ينبغي الانتباه إليها ليس فقط لمصلحة المستثمرين ولكن لمصلحة استمرار الإنتاج وتمكينه من الوفاء بالتزاماته خصوصا ما كان منها متعلقا بالتصدير للخارج.

الشق الثاني المتعلق بالتمويل والتكلفة يمثل مشكلة كبرى تسبب إحباطا للمنتج وتدفعه دفعا إلى تقليص أنشطته وربما الخروج من السوق في نهاية المطاف.

فالجهاز المصرفي الذي يفترض أن يقوم بدور الممول للنشاط الصناعي أصبح يؤدي دورا سلبيا من ناحيتين،
من ناحية لأنه توقف عن منح أي ائتمان لتمكين المنتجين من مواصلة أعمالهم واستيراد ما يحتاجونه من خامات أو آلات،
ومن ناحية ثانية لأنه أصبح يضغط بقسوة وعنف على الشركات لسداد ديونها، دون النظر إلى أوضاع البلاد أو تطورات السوق العالمية،

 كما أن نسب الفائدة التي جاوزت 15٪، والمصروفات والعمولات التي لا معايير لها ولا رقابة عليها تؤدي إلى تعثر وإغلاق العديد من الشركات.

كانت النتيجة، كما ذكر أحد الصناعيين، أن الجهاز المصرفي الذي يفترض أن يكون رافعة وعونا للعملية الإنتاجية تحول إلى قوة قمع تنهش في لحم الاقتصاد المصري.

الذي لا يقل غرابة عن ذلك أن البنك المركزي الذي يفترض أن يقوم بدور المنسق والمدبر والمراقب في أوقات الأزمات انسحب من المشهد ولم يعد يتدخل في ضبط علاقة البنوك بالمنتجين، مكتفيا بالجهد الذي يبذله في إدارة الاحتياطي النقدي ومتابعة سعر الصرف،

وكانت النتيجة أن البنوك استفردت بالمنتجين، وتحولت إلى خصم لهم وحكم في ذات الوقت، وسمحت لنفسها بأن تمارس بحقهم كافة صور الابتزاز والقمع، الأمر الذي صار عنصرا فاعلا في طردهم من السوق وإقناعهم بشعار الانسحاب هو الحل.

هذا الكلام الذي سمعته يحتاج إلى تحقيق ليس فقط لإزالة المعوقات التي تعطل العملية الإنتاجية، ولكن أيضا لمحاسبة الذين تفننوا في حشد تلك المعوقات مكررين بذلك دور الدبة في القصة الرمزية، حين قتلت صاحبها وهي تدفع عنه الذباب بمظنة أنها تحميه.

 لا أستطيع أن أقول إننا بصدد مؤامرة على الإنتاج الصناعي، لكنني أزعم بأن ما يحدث عندنا يحقق للمتآمرين إن وجدوا مرادهم وزيادة.
..............

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar