Subscribe:

Ads 468x60px

13 سبتمبر، 2012

حد أدنى من المعايير



صحيفة الشرق القطريه الخميس 26 شوال 1433 – 13 سبتمبر 2012
حد أدنى من المعايير – فهمي هويدي

تفوح رائحة المحاصصة في بعض الاختيارات الجديدة في الساحة المصرية،
بمعنى حجز حصص لمختلف الأطراف في التشكيلات التي تمت لإثبات حضورها واسترضائها. وهو مسلك متأثر بالرياح القوية التي هبت خلال الأشهر الماضية وقدمت الهويات السياسية أو الدينية على ما عداها من الاعتبارات.
الأمر الذي نلحظه في عناوين مختلف الصحف حين نجد أنه ما من تشكيل يعلن إلا وتركز الصحف على عدد الممثلين للإخوان والسلفيين والقوى الليبرالية واليسارية وغير ذلك.

بالتالي فلم يعد السؤال الذي بات يشغل الناس هو ما إذا كان الشخص ذا كفاءة أم لا، ولكنه أصبح يركز على أي فصيل ينتمي.
حتى أنه في بعض الأحيان فإن أوساط المثقفين والسياسيين تعبر عن الارتياح لتشكيل معين ليس لأنه بات يضم أفضل الكفاءات، ولكن لأنه استبعد أناسا بذواتهم.
وقد قيل لي إن شخصا استبعد من الترشيح لإحدى الهيئات لمجرد أن ثمة «زبيبة» في جبهته تشي بأنه من المواظبين على الصلاة وتشكك في عدم انتمائه للتيار الديني(!).

ويسهم في اللغط المثار حول التشكيلات التي أعلنت أن مؤسسات العمل العام ظلت طوال السنوات الماضية حكرا على فئات محدودة، وتضم أشخاصا معينين، قليلا ما يتغيرون، الأمر الذي كان يستصحب دائما استبعاد فئات بذاتها وأناس معينين.

في الوقت ذاته فإن صعود التيار الإسلامي في مصر بعد الثورة أشاع قدرا من الحساسية إزاءهم في بعض الأوساط. ومعروف أن إقصاء رموز ذلك التيار وممثليه ظل قاعدة مستقرة في تلك المرحلة.

سيقول قائل إن الإشكال يمكن حله بسهولة إذا تم الاتفاق على معايير موضوعية للاختيار في كل جهة والإعلان عنها، بحيث يحتكم الجميع إليها بصرف النظر عن هوياتهم،
والمقصود بالموضوعية ما يتعلق بالكفاءة المطلوبة لأداء العمل والقدرة على تحمل أعبائه. وهذا كلام منطقي جدا وسليم في الظروف العادية، أو قل إنه المعيار الأمثل للاختيار.

لكن يبدو أن الأمر في الواقع أكثر تعقيدا وحساسية، لأسباب متعددة. منها مثلا أن الصراع بين القوى السياسية المختلفة والاستقطاب الحاصل في المجتمع المصري بعد الثورة. جعل كل الأطراف شديدة الحرص على إثبات وجودها، بحيث يكون لها نصيبها من «الكعكة» خصوصا أولئك الذين استمر إقصاؤهم في الماضي. بالتالي فالأولوية عندها ليست في كفاءة أداء العمل ولكنها في تمثيلها داخل دائرة المسؤولين عن العمل. وإذا ما تم ذلك التمثيل فكل ما عدا ذلك يصبح تاليا في ترتيب الأهمية.

في نصوص القرآن «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، وهو التوجيه الذي طرح شرطين موضوعيين لشغل المناصب هما الكفاءة والقدرة.
وفي السيرة النبوية أن النبي عليه الصلاة والسلام حين هاجر من مكة إلى المدينة فإن دليله في الطريق لم يكن مسلما، ولكنه كان بين مشركي قريش. ولم يأبه النبي باعتقاده، ولم يصرف النظر عنه لأنه مشرك، ولكنه اختاره لأنه توسم فيه الكفاءة والقدرة على إنجاز المهمة.

هناك أكثر من مشكلة تواجه الاحتكام إلى معايير موضوعية في اختيار الأشخاص لمواقع العمل العام منها ما يلي:
غياب الثقافة والخبرة الديمقراطية التي تدرب الناس على العمل معا رغم اختلاف مشاربهم وهوياتهم. وهذا الغياب ولد أزمة الثقة في الآخر الذي بات يصنف بحسبانه مزاحما وليس مكملا وشريكا.

< التأثر بقيم وتقاليد مرحلة الحزب الواحد واللون الواحد. التي تحصر القيادة والريادة في «طليعة» بذاتها، تمثل الحزب القائد، ولا تمثل النخبة التي يختارها المجتمع معبرة عن اتجاهاته المختلفة.

< تجذر فكرة القبيلة في أعماق المجتمع العربي، الذي لم يهضم بشكل جاد فكرة الدولة. وذلك أيضا من آثار غياب الثقافة الديمقراطية. حيث لا يزال الولاء للجماعة أو الحزب أو الجهة أو الأسرة الكبيرة أو حتى دفعة التخرج والمهنة، من الأمور التي تسهم في اختيار الأشخاص لمواقع القرار.

< إننا في مصر الآن نؤسس لنظام جديد يفترض أن يكون أصدق في تمثيل المجتمع الذي تم استدعاؤه بعد الثورة إلى ساحة السياسة بعد طول تغيب وتهميش.

ولأن الاختيار كان يتم في السابق من شريحة بذاتها تدور في فلك القبيلة الحاكمة، فإن اكتشاف العناصر الجيدة الموجودة خارج نطاق القبيلة المذكورة يتطلب جهدا شاقا وقد يستغرق وقتا طويلا، لذلك فإن الاختيار في الظرف الراهن يتم إما من خلال القبائل الأخرى القائمة، أو من خلال وسائل الإعلام (التلفزيون بالأخص) التي صار بمقدورها تحويل الأشخاص المغمورين إلى نجوم وشخصيات عامة خلال أسابيع معدودة. وهي الظاهرة التي لمسناها بقوة في مصر بعد الثورة.

أيا كان تحليلنا لملابسات عجزنا عن إدراك المعايير التي على أساسها تتم الاختيارات، فإن ذلك لا يقلل من أهمية توافر الحد الأدنى من تلك المعايير. وللعلم فليس مطلبنا أن يقع الاختيار دائما على «الخبراء» في كل موضوع، وإن تمنينا ذلك، وإنما صار مطلبنا أكثر تواضعا بحيث تطلعنا لأن يكون الذين يتم اختيارهم على صلة بالموضوع.

أقول قولي هذا وأنا أكتم دهشتي من اختيار أناس لبعض المواقع ربما كانوا محترمين جدا كأشخاص، لكني وجدتهم بعيدين تماما عن الموضوع.
وإذ ألتمس العذر في ذلك لبعض الوقت لكنه مما يصعب القبول به طول الوقت.
..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar