Subscribe:

Ads 468x60px

13 سبتمبر، 2012

في تفكيك الدولة العميقه



صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 25 شوال 1433 – 12 سبتمبر 2012
في تفكيك الدولة العميقه – فهمي هويدي

بعد ساعات قليلة من إعلان قرار الرئيس محمد مرسي إقالة رئيس هيئة الرقابة الإدارية ونائبه، روى الدكتور محمد البلتاجي القيادي الإخواني والنائب البرلماني في صفحته على موقع «فيس بوك» القصة التالية:

في الأسبوع الماضي اتصلت به هاتفيا سيدة لا يعرفها، ذكرت أنها مساعدة لشخصية كبيرة جدا في هيئة رقابية سيادية، وقالت إنها
«أرادت أن تنبهني إلى أن هذه الشخصية الكبيرة لا تزال حتى الساعة تراقبني وتراقب آخرين معي، وتتنصت على كل مكالماتي وتسجل تحركاتي».

أضافت السيدة أنها ظنت أن مثل تلك الأعمال ستتوقف بعد الثورة، ولكنها اكتشفت أنها لا تزال مستمرة رغم مضي نحو عشرين شهرا على نجاحها، حتى إنها باتت «ترى بعينيها العفن والفساد كل يوم»،
ومن ثم فإنها قررت أن تبلغه بالأمر لكي يأخذ حذره على الأقل.

في نهاية رسالته قال الدكتور البلتاجي إنه سأل المتحدثة عن هوية تلك الهيئة التي تراقب النشطاء السياسيين وتتنصت عليهم، فكان ردها أنها ظنت أنه ليس بحاجة إلى طرح السؤال، لأن الإشارة في كلامها كانت واضحة في أنها تعني الرقابة الإدارية.

رغم أن المتحدث مجهول وراوي القصة شخص واحد فقط هو الدكتور محمد البلتاجي، وليس لديَّ في الوقت الراهن مصادر أخرى يمكن أن تؤيد تفاصيلها، فإنها ترسم بعضا من ملامح صورة الدولة البوليسية التي عاشت في ظلها مصر طوال العقود الأخيرة.

حين كانت أجهزة الرقابة تمثل عين السلطة على المجتمع، في حين أنها في الدول الديمقراطية تحمي الدولة والمجتمع.

لقد قرأت أن في مصر 33 جهازا رقابيا، وهو أمر لا يزعجنا إلا إذا كانت أنشطة بعض تلك الأجهزة موجهة ضد المجتمع وليس في صالحه حيث قد يفهم ويبرر تعدد الأجهزة الرقابية في بلد كبير بحجم مصر، للبيروقراطية فيه تاريخ عريق، ولجهات الإدارة تاريخ أعرق، منذ كان فرعون مصر يتحكم في توزيع مياه النيل على الزراعات الواقعة على ضفتيه.

وإذا أضفنا إلى ذلك حساسية موقع مصر والأوضاع المضطربة المحيطة بها فإن ذلك يعد عنصرا إضافيا يؤكد أهمية وجود الأجهزة الرقابية فيها، بأعينها المفتوحة عن آخرها على جبهتها الداخلية وعلى حدودها أيضا.

حدثني من لا يفضل ذكر اسمه عن أن عمليات التنصت على الهواتف مازالت مستمرة إلى الآن. وأن بعض الجهات السيادية التي منحت تلك السلطة في ظل النظام السابق لم يتغير في صلاحياتها شيء. الأمر الذي يثير أكثر من سؤال حول حدود وضوابط وأهداف تلك العملية، وتتضاعف الأسئلة إذا علمنا أن أنشطة بعض تلك الجهات تتجه إلى الخارج بأكثر من تركيزها على الداخل، الأمر الذي يعني أن نشاطها لا علاقة مباشرة له مع الجبهة الداخلية التي توجه إليها عملية التنصت.

من ناحية أخرى؛ سمعت من وزير داخلية أسبق ــ لم أستأذنه في ذكر اسمه ــ أن جهاز أمن الدولة في ظل النظام السابق كان يعد صبيحة كل يوم تقريرا عن خلاصة عمليات التنصت التي كانت تتابع وتراقب محادثات أبرز المسؤولين والناشطين السياسيين في البلد.

وهذا التقرير كانت تعد منه ثلاث نسخ فقط، واحدة للرئيس السابق، وآخر للهانم، والثالث للابن الوريث. وهو تقليد لا أعرف إن كان مستمرا إلى الآن أم لا، لكنه يظل قرينة دالة على كيفية توظيف أجهزة التنصت في السابق، الأمر الذي لم تكن له علاقة بالنظام العام أو المصالح العليا
.
ما سبق يسوغ لنا أن نقول بأن أجهزة الرقابة كانت بمثابة الصندوق الأسود الذي يحتوي على أسرار النظام السابق، وأن ملف هذه الأجهزة ينبغي التعامل معه بمنتهى الحزم والحذر، خصوصا أننا إذا تحدثنا عن الدولة العميقة، بمعنى شبكة المصالح غير المرئية والمناوئة للثورة، فينبغي أن تدرج الأجهزة الرقابية على قائمتها.

ولست أشك في أن الجميع يعرفون الآن أن بعض عناصر تلك الأجهزة كان لهم تحيزهم المشهود إلى مرشح النظام السابق في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

إن التحدي الذي يواجهه النظام الجديد يتمثل في كيفية الاحتفاظ بالأجهزة التي تتطلبها عملية تأمين الدولة والمجتمع، على النحو الذي يعزز التحول الديمقراطي ويحميه وفي الوقت نفسه لا يسمح للدولة العميقة بأن تمارس دورها في خدمة الثورة المضادة وإجهاض التحول المنشود. وهو أمر ليس سهلا وسوف يستغرق وقتا طويلا.

ذلك أن الأجهزة الرقابية إذا كانت أسهمت طوال ثلاثين عاما في تأمين النظام السابق وكان لبعضها دوره في التستر على فساده، فإن تفكيكها وتأهيلها للقيام بدور إيجابي في بناء النظام الجديد قد يستغرق عدة سنوات، وهو أمر ينبغي ألا يقلقنا لأن الأهم فيه هو وضوح الهدف المتمثل في تطهير الأجهزة لتمكينها من الإسهام في بناء النظام على أسس سليمة ونظيفة وليس الإسهام في قمع المجتمع والتستر على فساد حكامه،
وليت ما حدث في الرقابة الإدارية يكون خطوة فارقة في هذا الاتجاه.
.................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar