Subscribe:

Ads 468x60px

22 يوليو، 2012

الجميع مرتبكون


صحيفة الشرق القطريه الخميس  29  شعبان 1433- 19 يوليو 2012
الجميع مرتبكون – فهمي هويدي

ثلاث مشكلات تواجه القوى السياسية التي تصف نفسها بالمدنية في مصر،
الأولى أنها قائمة على مجموعة من الأكاديميين والهواة،
الثانية أن حضور مؤسسيها على شاشات التلفزيون وفي الفضاء الثقافي والإعلامي أكثر من حضورهم على أرض الواقع.
الثالثة أنهم يعرفون ما يخاصمونه ويرفضونه، لكنهم لا يعرفون ما الذي يقبلون به.
أعني أنهم يعرفون ما يريدون هدمه ولكن ليسوا على اتفاق على ما يريدون بناءه.

المشكلة الأولى تشترك معهم فيها التيارات الإسلامية، إذ الجميع حديثو عهد بالممارسة السياسية،
صحيح أن التيارات الإسلامية لديها أعداد كبيرة من الدعاة الذين يعتلون منابر المساجد كل أسبوع، فضلا عن أن لهم حضورهم المشهود في الكثير من المناسبات، لكن الدعاة غير السياسيين، وكل طرف له لغته وأساليبه وجهوده.
مع ذلك فليس هناك شك في أن الجماعات السياسية الأخرى التي برزت بعد الثورة كانت جاذبة لأعداد كبيرة من الأكاديميين من ذوي التوجه العلماني واليساري، إلى جانب العناصر العلمانية الأخرى بين المثقفين والفنانين. وهؤلاء وهؤلاء انخرطوا مع جموع الثوار واندفع بعضهم باتجاه الاصطفاف الذي أفرز الاستقطاب الحاصل.

وكان الهواة في الصف الأول منه. ولأنهم جدد في الساحة فقد كانوا الأكثر تطرفا والأقل استعدادا للحوار أو التلاقي مع الآخرين. وذلك جانب في الصورة يهدد بتعطيل الإجماع الوطني.

المشكلة الثانية من مخلفات النظام السابق الذي قام بتجريف الساحة السياسية ولم يسمح لأي فصيل سياسي أن يعمل وسط الجماهير إلا بإذن منه.
في ذات الوقت فإنه كان يؤثر تحويل الأحزاب إلى مجرد «ديكور» يتم التجمل به، الأمر الذي أحدث فراغا هائلا بعد سقوط النظام، حيث اكتشفنا أن ذلك البلد الكبير لا توجد به أحزاب حقيقية، وحين دخلنا في طور الترشح للانتخابات صارت شاشات التلفزيون هي الساحة الوحيدة التي يتنافس عليها السياسيون.
وترتب على ذلك أن الناس شاهدوا صور اللاعبين السياسيين واستمعوا إلى كلامهم، لكنهم لم يختبروهم في أي وقت. ولم يصادفوهم على أرض الواقع، في الوقت الذي كانت التيارات الإسلامية لها معاقلها وفي مقدمتها المساجد، إضافة إلى الجمعيات الخيرية التي ظلت تديرها، غير ما تيسر من الأنشطة الخدمية الأخرى.
وقد أثبتت التجربة أن الذين يعيشون مع الناس يظلون أقرب إلى قلوبهم عن أولئك الذين يرونهم على شاشات التلفزيون. وهو ما يفسر ضمن أسباب أخرى. حصول الإسلاميين من إخوان وسلفيين على أكثر من 70٪ من مقاعد مجلسي الشعب والشورى، في حين كانت حصة المجموعات السياسية الأخرى متواضعة في تمثيلها.

وما يلفت النظر في هذا السياق أن تلك الجماعات السياسية مازالت متحصنة ببقائها في القاهرة، ومكتفية بالحضور في الفضاء التلفزيوني.
ولم يلحظ لها جهد يذكر في التلاحم مع الناس، علما بأن هؤلاء وغيرهم لاتزال أمامهم فرصة واسعة للنزول إلى الشارع وإعداد أنفسهم للمشاركة في انتخابات المجالس المحلية، التي تمكنهم من إثبات جدارتهم بالتفاعل مع المجتمع، وهو الاختيار الذي إذا نجحوا فيه فإنه يمهد الطريق أمامهم لكسب ثقة الناس وإقناعهم بأنهم حقا «خير من يمثلهم». الأمر الذي يمكنهم من منافسة التيارات الإسلامية في الساحة التي استأثروا بها طويلا.

المشكلة الثالثة معقدة لأنه من الواضح حتى الآن أن تلك الأحزاب المدنية لا يجمع بينها سوى معارضة التيار الإسلامي أو كراهيته من قبل البعض، وفيما عدا ذلك فقلوبهم شتى، إذا استخدمنا المصطلح القرآني.

وقد أبرز الدكتور سامر سليمان هذه النقطة في مقاله الذي نشرته له جريدة «الشروق» يوم الأحد الماضي 8/7، إذ تحدث عن اصطفاف تلك المجموعات فيما سموه التيار الثالث، وذكر أن مؤسسيه مختلفون حول فكرته. فمن قائل إنه وسط بين الإخوان والعسكر وكأنه كيان يفصل بينهما فقط.

 وقائل إنه ضد الاثنين، وقال ثالث إن التكتل ليس ضد التيار الإسلامي في حين أن ذلك وحده ما يجمع بين الشيوعيين والعلمانيين المشاركين في التكتل.
الرابع قال إنه تحالف مدني اجتماعي مع أن أحد أبرز أركانه اعتبره حزبا رأسماليا.. وهكذا.
وقد علق الكاتب على هذه الصورة بقوله إنها مجموعة «كسيحة» من الناحية السياسية.

الصورة ينبغي ألا تكون مصدرا للإحباط واليأس، لأنها تعكس حالة الارتباك المتوقعة في بداية تأسيس النظام الديمقراطي.
وفي مرحلة كهذه لا ينبغي أن تتوقع نشوء أحزاب جديدة كاملة الأوصاف. وإنما يتعين علينا أن نصبر بعض الوقت لكي تتيح لمختلف القوى السياسية أن تصوب مسارها بما يسمح للجماعة الوطنية بأن تنضج مشروعها وتتماسك لتسهم بشكل جاد في تأسيس النظام الديمقراطي الجديد، ومن ثم تنشغل بمستقبل الوطن بدلا من الاستغراق في التجاذبات الراهنة التي تعطل التقدم في ذلك الاتجاه.
....................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar