Subscribe:

Ads 468x60px

14 يونيو، 2012

ابتذال التوافق


صحيفة السبيل الاردنيه الخميس   24 رجب 1433 – 14 يونيو 2012
ابتذال التوافق – فهمي هويدي

«التوافق» سلاح بحدين، إذ قد يكون مفتاحا للتصالح والوئام،
وقد يكون حزمة ألغام لا تتوقف عن الانفجار طول الوقت.

حتى أزعم أنه يعد أحد العناوين الأكثر التباسا وغموضا في الحياة السياسية.
ذلك أن أحدا لا يستطيع أن يجهر بأنه ضد «التوافق»، ولكن الخلاف يمكن أن يظهر والاشتباك يمكن أن ينطلق إذا حاولنا الإجابة على السؤال:
التوافق مع من وحول ماذا؟
الأمر الذي يذكرنا بشعار «الحوار» الذي تردد في الفضاء السياسي يوما ما، ولم يستطع أحد أن يرفضه في حينه، إلا أننا اكتشفنا لاحقا أن باسمه أريد أن نساق إلى التطبيع مع إسرائيل من خلال الجلوس حول مائدة «الحوار».

وأذكر أنني تعرضت لموقف من ذلك القبيل، فما كان ممن دعاني إلا أن قال:
هل أنت ضد الحوار؟
ــ وتطلب الأمر مني شرحا مطولا لكي أقنعه بأن الحوار مع الغاصب والمحتل له أساليب عدة، ليس من بينها الجلوس حول طاولة الحوار إبان احتدام المواجهة.

ما أفهمه أنه يستحيل التوافق مع كل أحد، لسبب جوهري هو أنه يستحيل إرضاء الجميع، لكني أزعم أن الحوار الايجابي هو ذلك الذي تتوفر له ثلاثة شروط.
الأول أن يتم بين القوى الرئيسية التي تمثل الأغلبية في المجتمع،
والثاني أن يتم على أرضية الثقة المتبادلة بين تلك القوى.
 أما الشرط الثالث فهو أن يسفر التوافق عن طمأنة الرأي العام واستقرار السلم الأهلي.
إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة في مصر على الأقل، ذلك أن تعريف القوى الرئيسية ليس متفقا عليه، لأن الفضاء السياسي في مرحلة ما بعد الثورة بات حافلا بالعناوين واللافتات الجذابة والرنانة، الذي لا علاقة لها بالأوزان على الأرض.
وحين اختبرت تلك العناوين في الانتخابات التشريعية، فإن ذلك لم يوقف اللغط والحيرة والضجيج.
خصوصا بعدما فازت الفصائل الإسلامية بأكثر من 70٪ من مقاعد مجلس الشعب.
ورفع وتيرة اللغط والحيرة أن تلك الفصائل ــ الإخوان المسلمون تحديدا ــ خسرت في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية نصف الأصوات التي حصدتها في التشريعية.
وبدا أن الجماعة في موقف أضعف نسبيا مما كانت عليه قبل أربعة أشهر.
وذلك مما رفع من أسهم أحزاب الأقلية التي نازلتها وتحدَّتها في تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، مستثمرة في ذلك الخطأ الذي حدث في التشكيل الأول للجنة، حين أرادت أحزاب الأغلبية في البرلمان أن تحتفظ بأغلبيتها داخل لجنة الدستور. وهو ما لم يكن مقبولا ولا مفهوما.

في هذه الأجواء برز شعار «التوافق» الذي بدا مخرجا منطقيا وضروريا من الأزمة. وحين قطعت المشاورات بين القوى السياسية شوطا بعيدا باتجاه الاتفاق حول تشكيل لجنة الدستور، فإن أحزاب الأقلية ذات الوزن الانتخابي المتواضع نجحت في التشويش على عملية التوافق وحاولت تعطيلها، مستندة في ذلك إلى أحد عناصر القوة المؤثرة في المشهد السياسي، وهو الإعلام.

ذلك أن الذين تابعوا الاجتماعات التي سبقت الإعلان عن تشكيل لجة الدستور لاحظوا أن الإعلام تحول إلى قوة ثالثة في التجاذب الحاصل بشأن التشكيل، والذي كان في جوهره من تجليات الاشتباك بين قطبي المواجهة الحاصلة في الساحة السياسية المصرية، وهما الإسلاميون من جانب والعلمانيون من جانب آخر.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت إنه إزاء تنامي قوة الإعلام فإن قيمة الجماعات السياسية خصوصا في مجتمعات العالم الثالث، التي ترتفع فيها معدلات الأميِّة، لم تعد تقاس بالضرورة بمعيار حضور تلك الجماعات على أرض الواقع، ولكنها باتت تقاس أيضا بمدى انتشارها في وسائل الإعلام،
 لذلك شاع القول بأنه لم يعد مهما كثيرا ما إذا كنت قويا أو ضعيفا في الشارع، بل لا يهم ما إذا كنت مصيبا أم مخطئا، لأن الأهم دائما هو ما يقوله عنك الإعلام، والصورة التي يرسمها لك في أذهان الناس.

قوة الإعلام وضعتنا أمام تحد جديد. ذلك أنها باتت تقدم لنا أحزابا وهمية وزعامات وهمية، الأمر الذي يؤدي إلى استقوائها، بما يدفعها إلى ابتزاز القوى الحقيقية وإضعاف مكانتها، ومن ثم إقامة العقبات أمام مساعي التوافق المرجو.

أغلب الظن أن ذلك الخلل وثيق الصلة بمرحلة الفراغ السياسي التي تعانى منها مصر بعد سقوط النظام السابق، الذي لم يصادر السياسة فحسب، ولكنه أيضا أفسد المناخ السياسي، وظل معتمدا على الأحزاب الصورية والوهمية طول الوقت.

يشهد بذلك أن الانتخابات التشريعية الأخيرة بينت لنا أن كل الأحزاب التي كانت «شرعية» طوال الثلاثين سنة الماضية، اختفت ولم يعد لها وجود، في حين كان الفائز الأكبر في تلك الانتخابات هو «الجماعة المحظورة».

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن ابتذال التوافق في الوقت الراهن وثيق الصلة بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها، وأن تقدم مصر على طريق الديمقراطية الحقيقية كفيل بضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، تسمح بإقامة توافق حقيقى يقوم على الثقة المتبادلة، المطلوبة لتحقيق الانطلاق نحو المستقبل.
.......................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar