Subscribe:

Ads 468x60px

28 أبريل، 2012

القدس في طور الابتذال

صحيفة الشرق القطريه السبت 7 جمادى الآخر 1433 - 28 أبريل 2012
القدس في طور الابتذال – فهمي هويدي

لا نريد ابتذال زيارة القدس، والزج بها في المناورات والألاعيب السياسية، ذلك أن أهمية المدينة المقدسة تكمن في أمرين،
الأول رمزيتها السياسية بالنسبة للقضية الفلسطينية حيث باتت تختزل القضية وتجسد انتصارها أو انكسارها،
والثاني رمزيتها الروحية عند المسلمين والمسيحيين. وقد قدمت الرمزية السياسية لأنها تعطي معنى للرمزية الروحية. فتعلي من شأنها أو تحط من قيمتها.
إذ القدس المحررة تختلف بالكلية عن القدس الذليلة والمقهورة. حيث لا أستطيع أن أفهم كيف يتقرب المسلم مثلا إلى الله بالصلاة في المسجد الأقصى. وهو تحت الاحتلال تدنسه أحذية المستوطنين وجرافات المتعلقين بسراب البحث عن هيكل سليمان، كما أنني لا أستطيع أن أتصور عربيا يتجول سائحا في القدس ومتبضعا في شوارع المدينة القديمة في حين يلاحقه غرور جنود الاحتلال المدججين بالسلاح، ويرى بأم عينيه عربدة المستوطنين الذين يقتحمون بيوت العرب ويطردونهم منها. وربما اضطر لأن يشيح بوجه عن تجمعات العرب المطرودين الذين يحتمون بخيام نصبوها في الشارع، وراحوا يستغيثون بضمائر المارين، لعل واحدا منهم يتضامن مع مظلوميتهم ويضم صوته إلى أصواتهم المهزومة والجريحة.

إن مدينة القدس تبتذل حين تفصل رمزيتها السياسية عن رمزيتها الروحية، ويطالب قاصدوها بأن يغضوا البصر عن عرضها المستباح وكرامتها المهدورة، فيلتزمون الصمت إزاء احتلالها ولا تستوقفهم الحملة الشرسة لتهويدها وتفريغها من سكانها العرب.

قبل عدة سنوات كتبت مقالة في الأهرام حذرت فيها من الاهتمام بالحجر دون البشر في القدس وانتقدت التركيز على المسجد الأقصى مع إهمال الشعب الفلسطيني الذي تعرض للتشريد والافتراس من جانب الإسرائيليين. وقلت إن المسجد الأقصى له رب يحميه، مرددا في ذلك عبارة عبدالمطلب جد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين أغار على مكة أبرهة ملك الحبشة، فقال مقولته الشهيرة «للكعبة رب يحميها».

وقتذاك علق المستشار طارق البشري على ما كتبت، داعيا إلى عدم التهوين من شأن القدس لأنها رمز يختزل القضية الفلسطينية ويجسدها. وهو رأي اقتنعت به، ونشرته في مكان مقالي يوم الثلاثاء، إلا أنني وجدت أن الأمر اختلف هذه الأيام، في ظل الجهد الدؤوب الذي بذل طول السنوات الخمس الأخيرة لفك ارتباط الرمز بالقضية، الأمر الذي أفقد الرمز وظيفته الأساسية. أصبحت الدعوة منصبَّة على زيارة القدس والسياحة فيها، في حين سكت الجميع على تحريرها وإطلاق سراحها. وإذ وقع كثيرون في الفخ وقبلوا بوعي أو بغير وعي بزيارة المدينة والصلاة في الأقصى رغم ما حل بهما من هوان وما يكبلهما من أغلال. فإن الصدمة كانت أكبر حين تورط في الزيارة (تحت الحراسة الإسرائيلية) مفتي مصر الدكتور علي جمعة، لأن الزائر في هذه الحالة له رمزية مختلفة عن غيره من الزائرين، فهو على رأس دار الإفتاء، في أكبر وأهم بلد عربي، حتى إن أحد الكاتبين اعتبرها بمثابة فتوى عملية تحبذ الزيارة وتجعلها مباحة إن لم تكن مستحبة، وفي المقال الذي نشرته الشرق الأوسط في 24/4 تحت عنوان «من يفتي للمفتى؟». اعتبر الكاتب أنه بعد زيارة الدكتور علي جمعة، فلا ينبغي أن يحاول أحد أو يزايد، كأنما حسم الرجل الموضوع. وأطلق إشارة خضراء فتحت الطريق أمام كل راغب لكي يصلي في المسجد الأقصى دون أي قلق من وجود الاحتلال.

لا أخفي أن الالتباس الذي عبرت عنه بعض الكتابات مؤخرا هو ما دعاني إلى العودة للموضوع من ثانية للتذكير بالجانب المسكوت عليه في المسألة، وهو رمزية القدس بالنسبة للقضية الفلسطينية. خصوصا أن البعض ذهبوا في ترحيبهم إلى القول بأن معارضة الزيارة هي دعوة إلى هجرها، في حين أن الزيارة تسهم في إنقاذها (لا أعرف كيف)، صحيح أن وجود الزائرين يخفف بصورة نسبية من شعور الفلسطينيين بالحصار والغربة، لكنه أيضا يضعف من المقاطعة وينعش الاقتصاد الإسرائيلي، وتظل استفادة العرب منه محدودة بل وهزيلة إذا قورنت بالأضرار الجسام التي تصيب القضية الفلسطينية، حيث تصب دعوة زيارة القدس في مجرى هجرتها والتسليم باستمرار الاحتلال والتهويد.

إنهم يلحّون على زيارة القدس والصلاة في الأقصى، لكن أحدا من هؤلاء لم يوجه الدعوة ولو مرة واحدة لزيارة قطاع غزة الذي يعاني الاحتلال، حتى أزعم أنه في الظروف الراهنة فإن الصلاة فيه أكثر قبولا وأعظم ثوابا عند الله من الصلاة في الأقصى الذي يرزح تحت الاحتلال.
...........

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar