Subscribe:

Ads 468x60px

03 يناير، 2012

عالم عربي جديد في سنة فارقه – المقال الأسبوعي


صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 9 صفر 1433 – 3 يناير 2012
عالم عربي جديد في سنة فارقه – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

انتقلنا من سنة الانفجار إلى سنة الاختبار.
ذلك ان أحدا لا ينكر أن رياح الثورة التي هبت على العالم العربي في العام الماضي استنفرت الأمة واستدعتها للوقوف بباب التاريخ.لكن تلك بداية الشوط وليست نهايته.

(1)

قرأت لمن قال إن ما حدث خلال العام أكبر من ان يوصف بأنه ربيع عربي، لأن الأحداث التي تتابعت في تلك الفترة تكاد تغطي مساحة قرن كامل. في كمها وعمقها.
ومن المحللين السياسيين من قال إن أحدا لو تنبأ في بداية عام 2011 بما حدث في تونس ومصر واليمن وسورية وبالاهتزازات والأصداء التي ترتبت عليه، لاتهم حينذاك إما بالجنون أو الخرق.

بسبب من ذلك، فاته في حين بات العالم العربي مشغولا بما سيحدث خلال العام الجديد، فان أغلب الباحثين والعلميين الغربيين المهتمين بالشأن العربي لايزالون مشغولين أيضا بتفسير ما حدث، وتتعدد اجتهاداتهم في الاجابة عن السؤال لماذا جرى ما جرى،

ذلك أنهم فوجئوا بتوالي الانفجارات التي لم تخطر على بال خبراء أجهزة الرصد والتنصت، حتى سمعت من أحدهم قوله انهم رأوا من خلال ما جرى وجها للعالم العربي لم يروه ولم يعرفوه من قبل.

وحدثني قادم من الولايات المتحدة الأمريكية عن شعور خبراء الشرق الأوسط هناك بالخجل والحرج.لأنهم ظلوا طوال العقود الماضية يتحدثون عن عرب غير الذين ظهروا في الميادين والشوارع أخيرا.
عرب ارهابيون ومتخلفون ومستسلمون للأنظمة التي تسلطت على مقدراتهم أو عرب مشغولون باللهو والعبث والاتفاق الباذج في ملاهي أوروبا أو صالات القمار.

لكنهم فوجئوا خلال العام المنقضي بعرب آخرين، ثاروا دفاعا عن كرامتهم وضيقا بالاستبداد، فخرجوا مسالمين معبرين عن شوقهم إلى الحرية والديموقراطية والعدل الاجتماعي، وظلت ألوفهم وملايينهم معتصمة بالميادين طوال أشهر عدة، منهم من واجهوا الرصاص بصدور عارية، ومنهم من تنافسوا على الشهادة.وجميعهم أثبتوا شجاعة نادرة واصرارا منقطع النظير.

حين سمعت هذا الكلام وجدت ان العقيد القذافي كان معذورا حين بوغت بالثورة على نظامه، فصاح في المتظاهرين قائلا: «من أنتم؟»
اذ على الرغم من أنه أراد ان يعبر عن احتقاره لهم، الا أنه في حقيقة الأمر كان يواجه شعبا لم يعرفه.
وهي ذات الخلاصة التي خرج بها أولئك النفر من الباحثين، الذين «اكتشفوا» عربا لم يعرفوهم، بعدما ظلوا طول الوقت يتحدثون عن قشرة مشوهة في العالم العربي سلطت وسائل الاعلام الأضواء عليها، كما ظلوا يتعاملون مع أنظمة وأجهزة أمنية لا تجيد الا قمع المواطن العربي والازدراء به.

(2)

إذا ألقينا نظرة على المشهد من بعيد، فسنجد أننا بصدد زمن تغيرت فيه موازين القوة لصالح الأفراد.آية ذلك مثلا ان شركة «نت فليكس» الأمريكية كانت تستخدم لغة آمرة مع عملائها فيما خص زيادة الأسعار، ولكن العملاء قرروا ان يتحدَّوها.فنظموا أنفسهم وانسحب منهم 800 ألف شخص، مما أدى إلى انخفاض سعر سهمها في البورصة،

وكان ذلك ما فعله بنك «أوف أمريكا» عندما فرض رسوما قدرها خمسة دولارات على البطاقات الائتمانية.فما كان من العملاء سوى اجبار المصرف العالمي على التراجع عن قراره والاعتذار عنه.

ومنحت شركة كوكاكولا شكلا جديدا لعلب المشروبات المياه الغازية التي تقدمها في مناسبة الأعياد، فجعلتها باللون الأبيض.ولكن المستهلكين اعترضوا على ذلك وأجبروها خلال أسبوع واحد على التراجع والعودة إلى اللون الأحمر الذي اعتادوا عليه.

وهذا ما فعلته شركة «جاب» الشهيرة للملابس، التي صممت شعارا لها لم يسترح اليه العملاء من خلال رسائل الانترنت، فتخلت عن الشعار ارضاء لهم.

هذه النماذج استعرضها الكاتب الأمريكي توماس فريدمان محرر «نيويورك تايمز»، لكي يدلل عن تعاظم الدور الذي أصبح بمقدور الأفراد القيام به في ظل ثورة الاتصالات الحاصلة في العالم، وكيف أنها مكنت أولئك الأفراد من ان يتواصلوا مباشرة مع بعضهم البعض، ويشكلوا فيما بينهم قوة ضغط تتعذر مقاومتها أو تجاهلها من جانب الجهات صاحبة القرار.

بكلام آخر فان التقدم الكبير الذي حدث في شبكات التواصل الاجتماعي سلح المجتمعات العصرية بدرجة من القوة والجرأة لم تكن متوفرة لها من قبل.ولم يعد ذلك مقصورا على بلد دون آخر الا في الدرجة فحسب.

هذه الخلفية استحضرها أغلب المحللين الذين تصدوا لتفسير ما جرى في العالم العربي، حين أشاروا إلى دور ثورة الاتصال في هبوب الاعصار الذي اجتاحه في بداية العام الماضي،

وفي التجربة المصرية قرائن عدة تؤيد ذلك، تمثلت في اطلاق صفحة خالد سعيد على الانترنت، واستخدام شبكة التواصل الاجتماعي في تنظيم المظاهرات من وراء ظهر أجهزة الأمن، وشن حملات التعبئة سواء ضد النظام السابق أو ضد أخطاء المجلس العسكري الحاكم.

لم يكن ذلك هو العنصر الوحيد بطبيعة الحال، لأن ثمة عوامل أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية استفزت الرأي العام وملأت الناس بالسخط والغضب، بحيث ما ان انطلقت الشرارة من تونس التي كانت مهيأة للانفجار حتى توالت الانفجارات في الأقطار العربية الأخرى.

وبدا واضحا هذه المرة ان غضبة الجماهير اتسمت بدرجة عالية من الاصرار والجرأة، التي أراها ماثلة تحت أعيننا في الجماهير المصرية التي أصبحت بعد اسقاط نظام مبارك تخرج في مليونيات تتبنى مطالبها بين الحين والآخر.ونراها بصور أوضح في ثبات الجماهير اليمنية والسورية وتمسكها بالخروج إلى الفضاء العام طوال الأشهر العشرة الماضية.

اضافة إلى العوامل الداخلية فان باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط لفت الانتباه إلى مصدر آخر لتفجير الثورات العربية تمثل في «الرغبة العميقة لدى شعوب تلك الدول في التعبير عن الهوية العربية والإسلامية، وعن تحررها من أي وصاية ثقافية وسياسية أجنبية».

وأشار إلى أنه في أنحاء الشرق الأوسط يشعر المرء بوجود ثورة ضد المحاولات الأجنبية لفرض نمط مجتمع غربي على العالم الإسلامي إلى جانب اخضاعه للمصالح الاستراتيجية الغريبة.بحيث قد نكون بصدد فصل جديد وربما أخير في النضال العربي الطويل ضد الاستعمار الغربي الذي بدأ بعد الحرب العالمية الأولى».(الشرق الأوسط 30/12).

(3)

قد لا نبالغ إذا قلنا اننا بصدد عالم عربي جديد ولد في عام 2011، على أيدي الشعوب التي سرت فيها روح أيقظت فيها تطلعات وأحلام ظلت مختزنة ومحبوسة، على الأقل منذ نالت تلك الشعوب استقلالها الوطني في منتصف القرن الماضي،

وليس صحيحا ان رياح التغيير جاءت مقصورة على بلد دون آخر، لكن الصحيح أنها طالت الجميع، ولكن التفاعل معها اختلف من بلد دون آخر.

لذلك لم آخذ على محمل الجد ما قاله الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في 21/12 الماضي من ان الجزائر لها خصوصيتها التي تحول دون تأثرها بأجواء الربيع العربي التي طالت بعض الدول العربية الشقيقة، بدعوى ان الشعب الجزائري «لا يقبل الا بما ينجزه هو شخصيا».

ورغم أنه كان يرد بذلك على دعوات الاصلاح السياسي التي انطلقت في الداخل، فان التقارير الصحافية ذكرت أنه بصدد التصريح بالموافقة على خمسة أحزاب جديدة، على الرغم من أنه أمضى 12 عاما في السلطة لم يصرح خلالها لأي حزب جديد.

كما ذكرت ان رئيس البرلمان أعلن ان الرئيس كلفه بالقيام بجولة في أنحاء الجزائر للتعرف على مطالب الناس وشكاواهم.وما كان لمثل هذه الممارسات ان تقع لولا ضغوط الحراك التي أحدثها الربيع العربي في أرجاء الوطن الكبير.

لا يعيب أي نظام ان يتفاعل مع أشواق الجماهير بالصورة التي يراها ملبية لها بدرجة أو أخرى.لكن ما يعيب النظام حقا ان يتحدى تلك الأشواق أو ينكرها، وقد رأينا أصداء تعبيرات عن تلك الأشواق في مظاهرات الأردن والسودان واحتجاجات الموريتانيين.

كما تابعنا مؤشرات نسبية للتفاعل تمثلت في تعديل الدستور المغربي والتعديل الوزاري الكبير في سلطنة عمان، والسعي لتحسين صورة دول الخليج العربي، وتحويل مجلسي التعاون إلى اتحاد بين تلك الدول، اضافة إلى الخطوات التي اتخذت لتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين.

الا ان محللا سياسيا سعوديا بارزا هو خالد الدخيل لم يقتنع بهذه الخطوات فانتقد دول الخليج لأنها «بعد عشرة شهور من بداية الربيع العربي، لم تعط أي مؤشر واضح على اصلاح سياسي قادم لاستيعاب موجة الربيع وارتداداتها المتوقعة.وأشار في هذا السياق إلى ان ثمة أزمة في البحرين ومعالم أزمة في الكويت، وصمت في السعودية والامارات.وخطوات اصلاحية محددة في سلطنة عمان وقطر (الحياة اللندنية 18/12).

(4)

نخطئ في قراءة الربيع العربي مرتين،
الأولى إذا ضاق صدرنا لأننا لم نقطف ثماره بعد.وأذكر فقط بأن ثورة 1919 في مصر لم تنجز الدستور الا في سنة 1923،
وتم العمل به في العام التالي، أي بعد خمس سنوات على قيام الثورة.

نخطئ مرة ثانية إذا اعتبرنا ان اسقاط رأس النطام القديم يعني نجاح الثورة وبداية تأسيس النظام الديموقراطي المنشود.
ذلك ان اسقاط رأس النظام هو بداية النجاح الذي ينبغي ان يستكمل باسقاط أركانه وذيوله.علما بأن هذا وذلك لا يعني بالضرورة تأسيس النظام الديمقراطي، لأن خبرة التاريخ علمتنا ان بديل النظام المستجد ليس ديموقراطيا بالضرورة، ولكنه قد يكون طاغية آخر.

بالتالي فان بلوغ الهدف الديمقراطي المنشود يستلزم خوض معركة أخرى غير تلك التي أسقطت رأس النظام المستبد والخلاص من أعوانه.

بقيت أربع ملاحظات أخيرة وجدتها محل اجماع بين أغلب التعليقات والتحليلات الغربية التي تناولت موضوع الربيع العربي، هي:<

ان مستقبل الربيع العربي معلق إلى حد كبير على مدى نجاح أو تعثر الثورة في مصر.ذلك ان الربيع سيبلغ ذروته إذا نجحت، وسيتحول إلى كابوس ثقيل إذا فشلت.

<
ان الانتخابات التي جرت في ظل الوضع المستجد أسفرت عن تأييد واسع للتيار الإسلامي، لذلك فان الجميع ينتظرون ثمرة ذلك التأييد، وهل سيكون خطوة إلى الأمام أم انتكاسة ورجوعا إلى الوراء، أداء الإسلاميين هو الذي سيرجح هذه الكفة أو تلك.

<
إن الأوضاع المستجدة في العالم العربي لا تحمل ودا كثيرا للسياسة الأمريكية، التي طالما ساندت الأنظمة المستبدة في المنطقة.ولذلك فان مستقبل العلاقات الأمريكية العربية سيظل في مهب الريح.

<
إن حلول الربيع العربي يشكل ضربة موجعة لاستراتيجية إسرائيل التي أفقدها الربيع أهم حلفائها بعد الولايات المتحدة، وعلى إسرائيل ان تفكر في أمرين قبل ان تتدهور علاقاتها مع العالم العربي الجديد الذي يتشكل الآن.
الأول ان تسارع في التواصل إلى تسوية مع الفلسطينيين،
والثاني ان تبحث عن حليف قوي آخر بديل عن مصر، وتركيا هي المرشحة للقيام بهذا الدور نظرا لعلاقاتها التاريخية الوثيقة مع إسرائيل، إلى جانب احتفاظها بعلاقات ايجابية مع واشنطن.

شيء جيد ان ينهض العرب ليقفوا على باب التاريخ، لكن الاختبار الكبير الذي ينبغي ان يجتازوه بنجاح يتمثل في ان يقيموا نظامهم الديمقراطي الذي يسوغ لهم ان يحجزوا لأنفسهم مقعدا في مجرى التاريخ.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar