Subscribe:

Ads 468x60px

11 يناير، 2012

سحابات الخريف في المشرق


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 17 صفر 1433 – 11 يناير 2012
سحابات الخريف في المشرق – فهمي هويدي

تلوح في فضاء المشرق إشارات تدعو إلى القلق، على العكس مما يسود المغرب من إرهاصات تبعث على الاستبشار والتفاؤل بالمستقبل، بعد التطورات التي حدثت في تونس وليبيا والمغرب.

آية ذلك أنك إذا مددت البصر صوب المشرق ستجد أن محنة الشعب السوري مستمرة منذ عشرة أشهر، لكنها في الوقت الراهن أصبحت تكتسب بعدا جديدا.
ذلك أن الصراع السياسي الذي بدأ بين المجتمع الذي يتوق إلى الحرية وبين السلطة المهيمنة منذ نحو أربعين عاما بصدد التحول الآن إلى صراع طائفي بين العلويين والسنة.

إذ المعروف أن العلويين احتلوا موقعا متميزا في مراكز السلطة ومراتب الثروة في ظل حكم أسرة الأسد.
ولم يعد سرا أن أغلب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية ينتمون إلى تلك الطائفة.

كما بات معلوما أن بعض العلويين أصبحوا يشكلون ركائز مهمة في قطاعات الصناعة والتجارة. الأمر الذي يعني أن النظام السوري حرص على أن يوسع طول الوقت من دائرة ارتباط مصالح الطائفة العلوية باستمراره في السلطة.

ورغم أن بعض الشخصيات العلوية انضمت إلى الحركة الوطنية وتجاوزت الحدود الطائفية، إلا أن هؤلاء ظلوا استثناء لا يغير من حقيقة التداخل بين مصالح الأغلبية العلوية وبين النظام الراهن.

وسواء كانت بعض الأطراف العلوية هي التي تحركت دفاعا عن مكتسباتها أو أن السلطة كان لها دور في تحريكها، فالشاهد أن العلويين والسنة أصبحوا في مواجهة بعضهم البعض.
على الأقل في مدينة حمص ثالث أكبر المدن السورية التي يسكن السنة أحياء المدينة القديمة ويقطن العلوية في الأحياء الجديدة.
إذ أصبح الجانبان يتبادلان الخطف والقتل، حتى وصل معدل الجثث من الجانبين التي تصل إلى المستشفى العام للمدينة نحو 250 جثة في المتوسط شهريا.

هناك من يتحدث عن انضمام أعداد من العلويين إلى «الشبيحة» الذين يلاحقون المتظاهرين. والأخبار متواترة عن ميليشيات من شباب العلويين المسلحين أصبحت تطوف بقراهم بدعوى حماية الأهالي من هجمات السنة.

ثمة أحداث مشابهة تتفاعل الآن في العراق الذي أيقظ الاحتلال الأمريكي المشاعر الطائفية فيه منذ لحظاته الأولى.
وظلت تلك المشاعر تظهر وتخبو طوال السنوات الماضية، مما أدى إلى تقسيم الأحياء وإقامة الأسوار بين المناطق الشيعية والسنية.

ولكن الأمر اختلف حين تم انسحاب القوات الأمريكية في نهاية العام. إذ اختل الميزان بشدة وفوجئنا برئيس الوزراء ينقلب بسرعة على نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي ويتهمه بارتكاب بعض الجرائم. ويطالب بتقديمه إلى العدالة.

تواكب ذلك مع إصرار من جانبه على قمع السنة واستفراد الشيعة بالسلطة، وهو التطور الذي حين انضاف إلى سلسلة الإجراءات الأخرى التي استهدفت إضعاف موقف أهل السنة، فإنه أفرز حالة من الاحتقان وأشاع قدرا من المرارة، ينذر بانفجار الموقف وإطلاق شرارة الحرب الأهلية، التي ظلت قوات الاحتلال تحول دون تأجيجها حتى لا يحترق العراق بحضورهم.

مؤشرات التوتر تتصاعد هذه الأيام، بعدما أصبح أهل السنة في موقف حرج للغاية، ذلك أن حكومة المالكي المدعومة من إيران تواصل الضغط عليهم وإقصاءهم (جهاز الشرطة كله من الشيعة حتى في المناطق السنية خلافا لما اتفق عليه). وهم يحاولون اللجوء إلى الجامعة العربية للتحذير من مغبة استمرار تلك السياسة.

إن الصراع في ظاهره يبدو الآن اشتباكا بين كتلتي «العراقية» بزعامة إياد العلاوي «ودولة القانون» التي يتزعمها نوري المالكي رئيس الوزراء، لكنه في جوهره يضمر انفجارا وشيكا بين السنة والشيعة.

على صعيد آخر فالمعلومات شحيحة عن أوضاع منطقة الخليج، لكننا قرأنا قبل أيام عن إعلان رسمي في السعودية عن 23 اسما لشبان مطلوبين من أبناء المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية.
وقد وجهت إليهم تهم مختلفة بينها إثارة الشغب، ومقاومة السلطات.

وقرأنا قبل ذلك اختبارا عن محاكمة 16 شخصا في جدة للقيام بأنشطة محظورة، وسجنهم لفترات تراوحت بين 5 و30 عاما، ومنعهم من السفر بعد ذلك لفترات تراوحت بين 20 و30 سنة،

وقرأنا في حيثيات إدانة المتهم الأول الذي لم يذكر اسمه ثبوت «خروجه على ولي الأمر ونزع يد الطاعة وإسقاط ما لولي الأمر من ولاية وطعنه في انعقاد البيعة له، والقدح في ذمة ولاة الأمر، وتأسيسه تنظيما مناوئا للدولة وتوجهاتها يهدف إلى إشاعة الفوضى والوصول إلى السلطة، وذلك بمشاركة بعض المدعى عليهم تحت غطاء النصيحة والحرية والإصلاح والديمقراطية، والطعن في عقيدة علماء هذه البلاد المعتبرين وفي ذمتهم والتنقص منهم ومحاولة صرف العامة عنهم».

وهي الحيثيات التي شكلت المحور الأساسي لإدانة بقية المتهمين الذين نسبت إليهم الدعوة لفكر تنظيم القاعدة وإشاعة الإرهاب في المملكة.

ثمة صدى آخر لهذه التوترات في البحرين التي لم يهدأ فيها التوتر بين الشيعة والسنة. إلا خلال فترة قصيرة، عاد بعدها التصعيد خلال الأيام القليلة الماضية، الأمر الذي يعني أن أسباب الاحتقان لا تزال قائمة، وأن الأمل في التعايش السلمي المنشود لا يزال بعيد المنال.

إن سحابات الخريف الداكنة لم تنقشع بعد من المشرق.
...................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar