Subscribe:

Ads 468x60px

01 يناير، 2012

أحمقان


صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 6 صفر 1433 – 31 ديسمبر 2011
أحمقان – فهمي هويدي

أستغرب اثنين، رجل يقول إنه سيؤدب الناس ويلزمهم بتغيير مسلكهم وملبسهم، وآخر يقتنع بأن بمقدوره أن يفعل ذلك، حتى قلت إنهما أحمقان: من يردد هذا الكلام ومن يصدقه.

كان ذلك ردى على كل من سألنى عن رأيى فى تصريحات بعض السلفيين التى أبرزتها وسائل الإعلام وخصصت لها بعض الصحف أعدادا خاصة، ثم انخرط عدد من المثقفين المحترمين فى التعليق عليها.
بعدما أخذوها على محمل الجد. وكانت النتيجة أن شاعت البلبلة بين الناس وسرى الخوف فى أوساطهم، حتى حدثنى بعض من أعرف أنهم باتوا يفكرون فى الهجرة بحثا عن «ملاذ آمن» من غارة السلفيين واليوم الذى ينقضّون فيه على السلطة فى مصر.

لنحسبها بالعقل ــ هكذا قلت لسيدة متدينة أرجّح أنها أصدق إسلاما من كثيرين من الذين يطنطنون أمام كاميرات التليفزيون ــ لو أن واحدا منهم نجح فى انتخابات رئاسة الجمهورية، رغم أننى أشك كثيرا فى ذلك،
وإذا تم انتخاب بعضهم فى مجلس الشعب، هل سيمكن الأول أو الآخرون من تغيير مسلك الناس وملبسهم؟
 ــ هل يتصور أحد أنهم سيكونون وحدهم فى الساحة؟
وهل سيمكنون من إلغاء جميع مؤسسات الدولة وكل القوى السياسية الأخرى؟
وهل يعقل أن الشعب الذى خرجت ملايينه احتجاجا على طغيان مبارك ونظامه يمكن أن يسكت على أى طغيان آخر، حتى إذا كان باسم الدين؟

قالت: «طالبان» فعلتها فى أفغانستان.

قلت: لا وجه للمقارنة بين أفغانستان ومصر. والبرقع الذى ترتديه النساء هناك ــ الأقرب إلى النقاب عندنا ــ جزء من ثقافة المجتمع وقد كان موجودا قبل طالبان وبعد زوال نظامها.
ثم إن الحركة كانت تنظيما مسلحا تمكّن من السلطة وفرض فهمه الساذج للالتزام الدينى، الذى تعلمه أعضاء التنظيم فى المدارس الدينية، الأقرب إلى المدارس الإعدادية عندنا.

لم يعد انفعال السيدة إلا حين احلت إليها مقالة نشرتها صحيفة هاآرتس (فى 1/12) كتبها آرى شبيط انتقد فيها التطرف الدينى فى إسرائيل، الذى تمثله عدة أحزاب فى البرلمان (الكنيست)،
وقال فيها ما نصه:
فى إسرائيل طوفان لم يسيق له مثيل من العنصرية إزاء العرب يروج لكراهية العلمانيين واضطهاد النساء، ويهدد بجعل إسرائيل المتنورة إسرائيل الظلامية.

وفى حين يجتارون هنا هل يجب على إسرائيل أن تقصف إيران أم لا، يوجد بيننا من يحاولون جعل إسرائيل إيرانا أخرى. (فى التشدد الدينى)..
إن متطرفى اليهود يخرجون الآن فى هجوم صريح على الأقلية وعلى الفرد وعلى حقوق الإنسان، وهم يحاصرون المحكمة العليا والصحافة الحرة والمجتمع المفتوح، ثم إن حصار طروادة الذى فى داخلنا ليس هو اليسار بل الأصولية الدينية،

وظاهر الأمر أن الحكومة الحالية هى التى تفتح الأبواب لحصان طروادة، وهى التى تضعف إسرائيل وتضعضع وجودها. وقد حان الوقت ليفهم اليمين الدينى أنه إذا تحولت إسرائيل إلى إيران، فلن يكون لها أمل فى المستقبل، لأن عراها سوف تنقض من الداخل وتبتلع فى الظلام الدينى الإقليمى.


الأدبيات المماثلة فى الولايات المتحدة أكثر، لأن هناك نحو 66 منظمة يمينية بعضها يعلن صراحة أنه من الضرورى إعادة تنصير أمريكا، وأنهم يسعون للوصول إلى السلطة السياسية لفرض الأخلاق الدينية بقوة القانون.

وكنت قد فصلت فى هذه المسألة فى مقالة سابقة، عرضت فيها لمضمون كتاب «المسيحية هى الحل»، الذى صدر بالفرنسية البروفيسور مختار بن بركة. ونقله إلى العربية أحمد الشيخ.

الفرق بيننا وبينهم ثلاثة أمور:
الأول أنهم يتحركون فى حدود احترام القانون والدستور (فى الحالة الأمريكية).
الثانى أنهم يمثلون فى المجالس المنتخبة بحجمهم الطبيعى.
 الثالث أن شرعيتهم محل احترام من القوى السياسية الأخرى، الأمر الذى لا يتعارض مع انتقادهم بطبيعة الحال.

هناك فرق رابع أخجل من ذكره هو أن الخلاف مع تلك القوى اليمينية له سقف وحدود، على العكس من الحاصل عندنا يدار الخلاف بأسلوب الروح والإثارة والاستباحة التى لا تعرف حدودا.

لن اختلف على من يقول إن السلفيين فى مصر ليسوا شيئا واحدا، ولكنهم أطياف عدة، منهم العقلاء والمهووسون.
لكن أغلب وسائل الإعلام عندنا وكذلك بعض المثقفين المحترمين فضلا عن غير المحترمين بطبيعة الحال تحتفى بالمهووسين الذين صاروا نجوما فى الفضائيات ومتحدثين إلى الصحف اليومية والأسبوعية، التى باتت تتنافس على الإثارة التماسا لزيادة التوزيع وممارسة لهواية الدس والوقيعة لأسباب ليست كافية.

والضحية فى نهاية المطاف هو المواطن العادى والبرىء الذى أصابه مس من الحمق من كثرة ما رددوا على أسماعه كلام الحمقى.
حتى المتدينين أنفسهم أصبحوا فزعين من التدين الذى جاء فى ثنايا الربيع الذى بشِّروا به، الأمر الذى يستدعى السؤال التالى:
هل ضاقت الساحة بالعقلاء بحيث لم يعد يسمع لهم صوت؟
.......................

1 التعليقات:

Bahaa Talat يقول...

السلام عليكم..
أجيب على السؤال الذي خُتم به المقال:
بل ضاقت آذاننا وعيوننا فلم تعد تتسع إلا للاستماع أو لرؤية حملات التشويه المنظمة!
أتعجب من شخص يريد أن يعرف ماذا قال أصحاب العقول المتفتحة والآراء المعتدلة من أهل الدين فنراه منكبَّا على متابعة القنوات الفضائية المشوهة والجرائد المشبوهة، فنراه يأخذ ما يقوله العقلاء من على لسان السفهاء!

Delete this element to display blogger navbar