Subscribe:

Ads 468x60px

29 ديسمبر، 2011

شهادة الحاج تاكيشي


صحيفة الشرق القطريه الخميس 4 صفر 1433 – 29 ديسمبر 2011
شهادة الحاج تاكيشي – فهمي هويدي

أمضى تاكيشي سوزوكي ثلاثين يوما على الباخرة التي نقلته من ميناء «كوبه» الياباني لكي يصل إلى ميناء السويس في مصر.
كان الرجل قد دخل في الإسلام وأراد أن يؤدي فريضة الحج. ونظرا لعدم وجود تمثيل سعودي في اليابان آنذاك، فقد تعين عليه أن يحصل على تأشيرة الدخول إلى المملكة من مصر، وأن ينضم إلى الحجاج المسافرين من السويس إلى الأرض المقدسة.

وهي الرحلة التي قام بها عام 1938، وسجل تفاصيلها في كتاب بعنوان «ياباني في مكة» (ترجمه إلى العربية الدكتور سمير عبدالحميد إبراهيم وسارة تاكيشي وطبع في السعودية عام 1999).

استوقفني في الكتاب لقطة سجلها صاحبنا بعدما تحركت الباخرة بالجميع من السويس متجهة إلى جدة.

إذ عرض على الركاب (الحجاج) فيلم فكاهي أمريكي أضحك الجميع وأشاع بينهم جوا من المرح كانوا بحاجة إليه، لأنهم يعلمون أنهم مقبلون على رحلة شاقة.

وبعدما انتعشوا وضحكوا كثيرا، عرض عليهم فيلم آخر تبين أنه كان يروّج للقطن المصري، ويحرض على رفض المنتجات اليابانية، الأمر الذي اعتبره صاحبنا «دعاية سيئة للغاية».

وهو يصف الفيلم قال إنه بدأ بمنظر في قرية مصر ومكان أقيم فيه مهرجان أو حفل «ترقص فيه بعض النسوة بطريقة غريبة، بحيث تحرك كل واحدة أردافها بطريقة عجيبة على وقع موسيقي انبعثت من آلات بدائية» ــ (واضح أن الرجل كان يتحدث عن الرقص الشرقي).

وبينما الحفل مستمر والرقص «الغريب» متواصل، إذا بسيدة من الجالسات تنهض من مكانها وتنضم إلى الراقصات، إلا أن بعض الجالسين تدخلوا وجذبوها من ثيابها التي تمزقت.

وفي حين ظلت الراقصات يؤدين مهمتهن فإن جذب ثوب المرأة وتمزقه لم يتوقف، حتى بدت شبه عارية في النهاية.

ما جرى بعد ذلك ــ في رواية الحاج تاكيشي الذي أصبح اسمه الحاج محمد صالح ــ أن الراقصات تجمعن حول المرأة المسكينة التي مزقت ثيابها وسألنها عن مصدر قماش ثوبها فأرتهن «ماركة» الثوب، التي ظهرت على الشاشة بوضوح يلفت الأنظار.
وحينئذ صاحت النسوة فيها وشرعن في توبيخها، وهن يرددن السؤال:
لماذا صنعت ثوبك من هذا القماش.
فتعجبت المرأة وتضايقت واشتبكت مع الراقصات.
وتحول الاشتباك إلى عراك طال الثياب التي كانت الراقصات يرتدينها. لكن تلك الثياب لم تصب بسوء.

في حين تحول ثوب المرأة إلى نتف صغيرة. فانكشف معظم جسدها، الأمر الذي جعلها تصرخ وتبكى، فقالت لها الراقصات (والكلام للحاج تاكيشي):
لماذا اخترت مثل هذه المنتجات اليابانية الضعيفة؟
 إن في مصر أقمشة أفضل وأمتن ألف مرة من الأقمشة اليابانية؟ ــ وشركة مصر للأقمشة تصنع أقمشة رائعة. يجب أن تتخلى عن الأقمشة المستوردة. وعلى المصريين أن يستخدموا المنتجات المصرية. انظري لقد تمزقت ملابسه بسهولة، بينما ملابسنا التي أنتجتها شركة مصر للأقمشة لم تنقطع منها «فتلة».
انك إذا لبست ملابس من منتجات هذه الشركة المصرية فسوف نصبح صديقات حميمات.

أضاف صاحبنا قائلا: إن المرأة ذهبت باكية إلى المدينة، واشترت قماشا من إنتاج شركة مصر، وعادت إلى الحفل، فرحبت بها الراقصات وصرن جميعا أصدقاء لها.

وهو يعلق على الفيلم قال إنه «كان دعائيا سخيفا» قصته بسيطة من دون تفاصيل، لكنها قصة ماكرة وأسلوبها في جذب قلوب الناس ماكر أيضا. اعترف بذلك.. ورغم أنه ضد بلادي. إلا أنه فيلم ناجح دعائيا بلا شك.

أصابه التشهير بالأقمشة اليابانية بالغيظ، واشتد حنقه حين وجد أن الحاضرين صفقوا له طويلا بعد انتهاء عرضه، وقد لاحظ أن الذين شاهدوه كانوا خليطا من المسلمين المصريين وغير المصريين الذين قدموا وقد مختلف الدول العربية والإفريقية، لكنه استعاد هدوءه وضحك كثيرا حين تفرّس في شاشة عرض الفيلم في اليوم التالي، فشاهد في أحد زواياها مربعا صغيرا كُتب عليه أنها «صنعت في اليابان».

حدث ذلك منذ نحو ثلاثة أرباع القرن. إذ دافعنا عن الصناعة المصرية في الفيلم ولم ندافع عنها في الحقيقة،
حتى كتب الشيخ محمد الغزالي بعد نصف قرن أننا لو قلنا لكل شيء نلبسه عد بلادك لسرنا عرايا ولكانت فضيحتنا بجلاجل.

وهذه الأيام، بعد ثلاثة أرباع القرن عدنا ننادى «لنشتري المصري».

إننا نريد أن نترجم غيرتنا على الصناعة المصرية بحيث نحوّلها من هتاف إلى فعل.
وأرجو ألا يهاجم أحد السلفيين فكرة الفيلم الذي عرض عام 1938 لمجرد أن الراقصات ظهرن فيه!
.............

28 ديسمبر، 2011

درس في الانتهازية السياسية


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 3 صفر 1433 – 28 ديسمبر 2011
درس في الانتهازية السياسية – فهمي هويدي

هل من حق السياسيين أن يكتبوا التاريخ؟
المؤرخ الفرنسي بيير فورا سارع إلى الإجابة بالنفي، قائلا إن تلك وظيفة المؤرخين، لأنه في أي بلد ديمقراطي لا ينبغي أن يكون هناك تاريخ رسمي، ولا يحق للسياسيين أو أعضاء البرلمان أو حتى القضاء أن يحددوا الحقيقة التاريخية، وإنما يتعين أن يترك ذلك للبحث العلمي الحر.

هذه المسألة أثيرت بمناسبة قانون أصدره البرلمان الفرنسي مؤخرا، يقضى بمعاقبة كل من ينكر المذبحة التي ارتكبتها السلطة العثمانية بحق الأرمن قبل نحو مائة عام، بسنة سجنا وغرامة مقدارها 45 ألف يورو.
وترتب عليه انفجار أزمة في العلاقات التركية الفرنسية، أدت إلى سحب السفير التركي لدى باريس، وإلى تهديد العلاقات التجارية بين البلدين
(حجم التبادل التجاري بينهما ويصل إلى 12 مليار يورو)،
علما بأن الفرنسيين لهم استثمارات في بلاد الأناضول توظف عشرات الألوف من الأتراك.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يسن فيها البرلمان الفرنسي قانونا بهذا المعنى، لأن ثمة سابقة وقعت في عام 1990، حين أصدر البرلمان قانونا بضغط من العناصر الصهيونية يوقع العقوبة ذاتها لصالح اليهود، بحيث يلاحق ويعاقب بالسجن والغرامة كل من ينكر محرقة النازيين لليهود التي حدثت أثناء الحرب العالمية الثانية.

أصداء القانون ترددت بقوة في أنقرة، وفي أوساط بعض المثقفين الفرنسيين، إذ لم تكتف الحكومة التركية بسحب السفير والإعلان عن تقليص صور التعاون بين البلدين، وإنما شن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان هجوما شديدا على الرئيس نيقولا ساركوزي وعلى السياسة الفرنسية، فقال إن جده كان من رعايا الدولة العثمانية (ما أعلمه أن أباه كان هنغاريا وأمه يونانية يهودية).
وإن فرنسا لها سجل مخضب بدماء الجزائريين الذين احتلت بلادهم طوال 130 عاما مارست خلالها مختلف الفظائع الوحشية بحقهم.

على صعيد آخر فإن المثقفين الفرنسيين شنوا هجوما موازيا على القانون، علما بأن عشرين من المؤرخين كانوا قد أصدروا بيانا في سنة 2006 طالبوا فيه السلطات الفرنسية بإلغاء القانون الخاص بالمحرقة اليهودية، باعتبار أنه يضر بالبحث التاريخي ويصادره.

لكن الموضوع أغلق ونسى، بحيث لم يعد أحد يجرؤ على الاقتراب من الأرشيف. والبحث في أي شيء يتعلق بالمحرقة، التي تم تحصينها بالكامل منذ إصدار القانون المذكور.

المؤرخ الكبير بيير فيدال ناكيه (يهودي الأصل وفقد جزءا من عائلته في المحرقة النازية) رفض قانون تحصين مذبحة الأرمن ووجه كلامه إلى الذين أصدروه قائلا:
إياكم أن تقيموا حقيقة رسمية بالقوة، كما كان يفعل الاتحاد السوفييتي أيام ستالين وغير ستالين، والا فماذا سيكون الفرق بين بلد ديمقراطي وبلد شمولي ديكتاتوري.

 المؤرخ كريستيان دولا بورت قال إننا نرفض فكرة أن يكون هناك تاريخ رسمي. حيث لا ينبغي أن تكون هناك أى عراقيل تعترض البحث العلمي الحر.
وإذا كان هناك قانون يفرض حقيقة معينة بالقوة بخصوص أي موضوع، فمن شأن ذلك ملاحقة أي مؤرخ يتوصل إلى نتائج تتعارض مع تلك الحقيقة الرسمية.

بالتالي فإن أحدا لن يستطيع أن يفكر وسيف ديموقليطوس مسلط على رأسه، الأمر الذي يثير السؤال التالي:
هل نحن في بلد يمقراطي أم في بلد ستالين؟

ما لفت الأنظار أن البرلمان الفرنسي كان قد سن قانونا في عام 2001 اعترف فيه بحدوث المجزرة الأرمنية على يد السلطات العثمانية بين عامى 1915 و1917، وهو ما كان كافيا في إدانة ما حدث في تلك المرحلة من التاريخ. إلا أن العودة إلى تحصين الواقعة ومنع أى بحث فيها لا تفسير له سوى أنه استهدف مغازلة الجالية الأرمنية في فرنسا، التي تضم نحو نصف مليون شخص. وهم قوة انتخابية أدرك الرئيس ساركوزي أنه بحاجة إليها لتعزيز موقفه الصعب في انتخابات الرئاسية القادمة.

شجعه على ذلك أنه أدرك أن منافسه في الانتخابات (المرشح الاشتراكي فرانسوا هولند) يحظى بدرجة عالية من الاحترام والشعبية، الأمر الذي يشكل تهديدا لموقفه في الانتخابات القادمة، التي يصر فيها الاشتراكيون على العودة إلى قصر الإليزيه بعد أن غابوا عنه طويلا.

إذا صح هذا التفسير الذي يتبناه أردوغان، فقرار البرلمان لا يعبر عن التعاطف مع الأرمن، لكنه يوظف الملف الشائك لأهداف انتخابية وانتهازية، في صفقة تبادل فيها الأرمن المصلحة مع الرئيس الفرنسي.

إنهم هناك لم يسمعوا بما فعله الإسرائيليون في فلسطين، ولا الأمريكيون في العراق وأفغانستان ولا الروس في شيشينا ولا الإنجليز في الهند، لأن الانتهازية السياسية تلغي الذاكرة وتثقب الضمير.
...........

27 ديسمبر، 2011

ثورة مصر من افتقاد الرأس إلى ضياع الهدف – المقال الاسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 2 صفر 1433 – 27 ديسمبر 2011
ثورة مصر من افتقاد الرأس إلى ضياع الهدف – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي

أخطر ما تواجهه أي مسيرة أن يضيع منها الهدف، لأنها في هذه الحالة ستكون معرضة للتيه والضياع. وأخشى ما أخشاه أن تكون تلك حالة الثورة المصرية الآن.

(1)

في أشهر البراءة الأولى كان ظننا أن مصادر الخطر الذي يهدد الثورة تتراوح بين فلول النظام السابق والقوى الإقليمية والدولية التي أدركت أن مصالحها ستتضرر بنجاحها.

وكنت وما زلت أحد القائلين بأن الوضع الاستثنائي لمصر المتمثل في ثقلها ودورها المؤثر في العالم العربي، من شأنه أن يجعل من الثورة ولادة عسرة و«قيصرية»، في حين أنها يمكن أن تصبح ولادة طبيعية ومحتملة في أي دولة أخرى بالمنطقة،

قلت أيضا إن الديمقراطية في مصر، إذا قدر لها أن تتحقق، فإن ذلك سيصبح مصدر استياء من جانب أطراف عدة عربية وإقليمية ودولية، وقد أثبتت الأشهر التي خلت صحة ذلك التقدير.

تجلى ذلك من الموقف السلبي لبعض الدول العربية التي امتنعت عن تقديم أي مساندة للوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد. وبعض تلك الدول ذهبت إلى حد ممارسة ضغوط مختلفة على المصريين العاملين سبقت الإشارة إليها.

ما حدث في إسرائيل لم يكن استياء وإنما كان ذعرا حقيقيا ومتغيرا إستراتيجيا لم يكن في الحسبان. عبرت عنه كتابات المحللين التي نشرتها مختلف الصحف،
وكان ذلك واضحا في التقرير الإستراتيجي الإسرائيلي الذي صدر في شهر سبتمبر الماضي، وفي الزيادات التي طرأت على نفقات الأمن والجيش، بعدما كانت الحكومة قد اتجهت قبل رحيل مبارك إلى تقليصها،
حتى إن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك لم يتردد في مطالبة الولايات المتحدة بدفع عشرين مليار دولار إضافية لموازنة الأمن. مساهمة منها في «مساعدة إسرائيل على تحمل تبعات الثورات العربية على أمنها القومي».
وكان الوزير والنائب الحالي بنيامين بن إليعازر قد طالب إسرائيل بالاستعداد لخوض حرب جديدة ضد مصر، بعد الذي طرأ على نظامها من تحولات.

صحيح أن الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة أبدت استعدادا للتعامل مع الأمر الواقع في مصر، لكنها في الحقيقة اشترطت ألا يكون ذلك متعارضا مع مصالحها أو ماسا بمعاهدة السلام مع إسرائيل.
هذا في الوقت الذي ألقت فيه بثقل تمويلي كبير لدفع الأمور باتجاه الحفاظ على تلك المصالح، وكانت بعض منظمات المجتمع المدني هي الوعاء الذي وجه إليه ذلك التمويل، الذي فهمنا أنه محل تحقيق في مصر لم تعلن نتائجه.

(2)

كل ذلك مفهوم ولا مفاجأة فيه. كذلك لم تكن هناك مفاجأة في موقف فلول النظام السابق.
 ذلك أن الأولين إذا كانوا قد تحركوا تحسبا لمواقف محتملة، فإن الفلول تضررت مصالحهم بصورة مباشرة، رغم أنني أشك في أنهم بالقوة التي تتحدث عنها بعض وسائل الإعلام.

على الأقل فذلك ما أثبتت الانتخابات التشريعية في مرحلتيها الأولى والثانية، ناهيك عن أن دورهم في الاضطرابات التي شهدتها مصر مؤخرا لم يثبت بعد أو لم يعرف حجمه على وجه التحديد.
وكل ما سمعناه كان إحالة شفهية إلى دورهم، أو حديثا عن «رائحتهم» كما قال اللواء عادل عمارة عضو المجلس العسكري في المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم -19/12

ما لم يكن في الحسبان هو المفاجأة التي جاءت من الداخل، والتي قامت النخب والإعلام بدور رئيسي فيها.
 لم يكن الوحيد لكنه الأهم والأكثر فاعلية ذلك أنه ما إن بدأت أولى خطوات التحرك لإقامة النظام الديمقراطي المنشود وتسليم السلطة إلى المدنيين، وتمثلت في التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها في شهر مارس الماضي، حتى حدث أول شرخ في بنيان الجماعة الوطنية.

في تلك التجربة المبكرة ظهرت بوادر الانقسام في مصر، وكان ذلك مؤسفا لا ريب.
أما المحزن فإن الخلاف بدا في ظاهره سياسيا لكنه تحول إلى صراع هويات.
وانطلقت الشرارة التي أججت ذلك الصراع من اختيار أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين عضوا في اللجنة التي أجرت التعديلات.
وطالت السهام المستشار طارق البشرى الذي رأس اللجنة لما عرف عنه من غيرة على دينه.
لم يكن موضوع النقد هو كفاءتها القانونية وإنما هويتها الإسلامية.

ورغم أن اللجنة ضمت ستة آخرين من أكفأ رجال القانون أحدهم قبطي. إلا أن الناقدين تجاهلوا دورهم،
واعتبروا أن الحضور المتواضع للهوية الإسلامية في اللجنة جريمة لم تغتفر في نظرهم حتى هذه اللحظة، ومنذ ذلك الحين والرأي العام المصري يخرج من معركة فرعية لكي يدخل في أخرى.

ترتب على ذلك أنه خلال الأشهر العشرة التي مضت لم نلمس جهدا حقيقيا للتوافق بين النخب، التي فشلت في الاتفاق على ما هو مشترك بينها،
وفي حين تابعنا خلال الأسبوعين الأخيرين كيف أن ثورة تونس استطاعت بالتوافق أن تتقدم أكثر من خطوة مهمة للأمام، بحيث اشتركت الأحزاب الرئيسية الثلاثة في إدارة البلد وترتيب وضع الدستور، فإننا وجدنا أن روح المغالبة ظلت مخيمة على الحراك السياسي في مصر.

(3)

في هذه الأجواء لم يتوقف التراشق بين الجماعات السياسية باختلاف مسمياتها.
وظهر السلفيون فأربكوا الحسابات وقلبوا الطاولة على الجميع بآرائهم الصادمة وأولوياتهم المختلة.

وأسفرت الانتخابات عن نتائج سجلت تقدما للتيار الإسلامي على الآخرين فاتسعت جبهة المواجهة، وشن الإعلام حملة ترويع وتخويف من ذلك التقدم، أضيفت إلى جهود الإثارة والتهييج التي تمارس منذ لاحت بوادر الشقاق، الذي كانت السهام تطلق فيه من فوق المنصات الإعلامية.

أخطر ما في هذه الأجواء ليس فقط أنها مزقت الصفوف وأهدرت الطاقات وعمقت المرارات. إنما الأخطر أنها جرفت الانتباه بعيدا عن الأهداف الأساسية للثورة.

حتى الأهداف المرحلية لم تكن واضحة. فلا كان مفهوما الهدف من اقتحام وزارة الداخلية
أو الوصول إلى وزارة الدفاع،
أو إغلاق مجمع التحرير،
 أو منع رئيس الوزراء من الذهاب إلى مكتبه،
أو اقتحام مبنى مجلس الشعب.
 حتى حرق مبنى المجمع العلمي وتحويل نفائسه إلى رماد، لم تكن معلومة أسبابه ومقاصده ولا عُرف الفاعلون الذين حرضوا عليه.

أدري أن الغاضبين الذين أرادوا أن يعبروا عن احتجاجهم أو يسجلوا مواقفهم لم تكن لهم يد في التخريب الذي تم أو الحماقات التي ارتكبت.
لكننا لا نستطيع أن ننكر ثلاثة أمور:

الأول أن ذلك كله نسب إلى الثورة والثوار.
الثاني أن أولئك الغاضبين لم يكن لديهم اتفاق واضح حول الأهداف، حتى أزعم أن التعبير عن الغضب كان هدفا بحد ذاته.
الأمر الثالث أن صفوفهم لم تخل من المهيجين والفوضويين ذوي الأصوات العالية، الذين ظلوا يقفون دائما ضد أي محاولة لترشيد سلوك المتظاهرين أو إدارة عجلة الدولة.

لا يستطيع أحد أن ينكر أن التظاهر حقق المراد منه حين كان الهدف منه واضحا، كما حدث في المحاكمة العلنية لمبارك ورجاله أو في إسقاط حكومة الدكتور عصام شرف أو إسقاط وثيقة الدكتور السلمي.
 لكن ذلك التظاهر أصبح عبئا على الثورة حين انقسم الصف وانفرط العقد واختلط الحابل بالنابل.

لا أشك أيضا في أن الأخطاء التي وقع فيها المجلس العسكري كانت من الأسباب التي أججت مشاعر الغضب وأسهمت في توسيع نطاق الحريق.
وكان أبرز تلك الأخطاء استخدام العنف المفرط بحق المتظاهرين مما أدى إلى قتل بعضهم وتلطيخ وجه الثورة بدماء الثائرين.

وكان مستغربا أننا إزاء ذلك لم نلمس أي اعتراف بالخطأ الذي وقع أو اعتذار عنه. لكننا تلقينا ردودا جانبها التوفيق، حيث لجأ ممثلو المجلس العسكري إما إلى إنكار ما حدث أو محاولة تبريره وتوجيه الاتهام للمتظاهرين أو تحميل المسؤولية لطرف ثالث غير معلوم.

(4)

في مختلف الدراسات الإستراتيجية تحذير دائم من إغفال الأهداف أو الحيدة عنها. وهو أمر مفهوم لأن الإستراتيجيات معنية بالكليات والمقاصد النهائية. الأمر الذي يستدعي سؤالا جوهريا ينبغي أن يطرحه الباحث على نفسه دوما هو:
هل الوسائل والسياسات المتبعة تقرب من الأهداف المنشودة أم تباعد عنها؟

لدينا مستويان في الإجابة عن السؤال.
إذ لابد أن نسجل أن المضي في إجراء الانتخابات التشريعية وإنجاز المرحلتين الأولى والثانية يشكل تقدما مهما باتجاه نقل السلطة إلى المدنيين. وإن ذلك حدث رغم عدم استقرار الوضع الداخلي، ورغم تخويف البعض من إجراء الانتخابات والتحذير من احتمالات الفوضى التي تغرق البلاد في بحر الدماء، وهي التلويحات التي كانت قد رددتها بعض المنابر الإعلامية وحذر منها عدد غير قليل من المثقفين.

من هذه الزاوية فإن واجب الوقت الذي ينبغي أن تؤديه الجماعة الوطنية هو مساندة تلك المسيرة ودفعها لإنجاز المرحلة الثالثة، ومن ثم تشكيل أول نواة منتخبة في مسار تأسيس النظام الديمقراطي الجديد.

المستوى الآخر يتعلق بالحراك الحاصل في المجتمع بالأخص في دوائر المتظاهرين والنخبة والإعلام. وإذ نلاحظ أن الانفعال والغضب من سمات حركة المتظاهرين الذين قد نعذرهم في بعض الحالات، فإننا نجد النخبة مستغرقة في تصفية حساباتها،

أما الإعلام فأغلب ما يصدر عنه يدور في فلك صب البنزين على النار، ومواصلة إشعال الحرائق وتأجيجها. وحصيلة ذلك كله لا تخدم هدف نقل السلطة إلى المدنيين، إذا لم تؤدِ إلى تعويق ذلك الهدف وتأجيله.

إننا في أشد الحاجة إلى الاستعانة بموازنات الأصوليين في التعامل مع تحديات المرحلة القادمة. تلك التي تتحدث عن الموازنة بين المفاسد بما يحبذ القبول مؤقتا بمفسدة صغرى خشية أن يترتب على إصلاحها وقوع مفسدة كبرى،
 أو احتمال الضرر الأصغر لتجنب الضرر الأكبر.
أو تلك التي تتحدث عن تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة.

إذا أردنا تنزيل هذه الفكرة على أرض الواقع فإنني أزعم أن مسؤولية الحفاظ على الثورة تفرض على الغيورين عليها أن يصوبوا وجهتهم بحيث يصبح إتمام الانتخابات وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة هو المصلحة الكبرى قد يتطلب تحقيقها احتمال وتمرير بعض المفاسد الصغرى.
وما لم يحدث ذلك فاللحظة التاريخية مهددة بأن تفلت من أيدينا، بحيث لا تبقى لنا ثورة بل قد لا تبقى لنا دولة.

وهو أمر مقلق ومحزن أن نشكو في البداية من افتقاد الثورة للرأس، ثم بعد مضي عشرة أشهر نخشى على الثورة من ضياع الهدف.
......................

Delete this element to display blogger navbar