Subscribe:

Ads 468x60px

30 نوفمبر، 2011

نجحنا بتفوق


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 5 المحرم 1433 – 30 نوفمبر 2011
نجحنا بتفوق – فهمي هويدي
لو تمت الانتخابات بالصورة التي رأيتها أول أمس، فمعنى ذلك أننا نجحنا بتفوق في الفصل الانتخابي الأول.
والذي نجح هو الشعب الذي خرج على بكرة أبيه منذ طلوع الشمس لكي يصطف أمام مقار لجان التصويت. من المبكر الآن الحديث عمن حصد النسبة الأكبر من الأصوات، علما بأن الأهم هو حماس الجماهير وإقبالها الواعي على التصويت.
وهو ما قلته في مقام آخر، حيث ليس يهم كثيرا الآن من الذي فاز من بين الأحزاب المتنافسة. لأن الفوز الحقيقي للتجربة الديمقراطية في المرحلة الراهنة يتحقق بأمرين هما إقبال الناس على التصويت. ثم إجراء الانتخابات بحرية ونزاهة.

كنت قد تركت بيتي في السابعة والنصف صباحا، بأمل أن أصل إلى مقر اللجنة قبل أن تبدأ عملها، لكنني كنت واهمًا، ذلك أنني لمحت طابور الواقفين أمام المقر من على بعد كيلو مترين تقريبا.
كان ذلك في الساعة الثامنة إلا ربعا. أدهشني المنظر ولم أصدق عيني، تقدمت أكثر فوجدت ثلاثة طوابير اصطفت جنبا إلى جنب، واحد للرجال، وآخر للنساء، وثالث لكبار السن من الجنسين.
استغربت أن يكون الواقفون في الطوابير أكثر ممن رأيتهم صبيحة يوم الاستفتاء على تعديلات الدستور.
ولم أجد تفسيرا لذلك لأول وهلة. حتى استحضرت ما سبق أن قرأته في بعض الصحف المصرية، وروجت له بعض القنوات التلفزيونية، من أن السلفيين قرروا أن يتوجهوا بعد صلاة الفجر إلى مقار اللجان لإثبات حضورهم واستعراض عضلاتهم.
كما سمعت إحدى المذيعات تتحدث عمن أخبرها بأنهم سيبيتون أمام مقار اللجان وسيصلون الفجر على الأرصفة المواجهة لها. ورغم أن المنطقة التي أسكن فيها لا يرى فيها أثر للسلفيين، إلا بين خطباء بعض المساجد، إلا أنني وصلت إلى أول الطابور لكي أتأكد من صحة ما قرأته وسمعته.

تفرست في الوجوه فلم أجد بينها أحدا يدل مظهره على أنه من «الجماعة». بعد نصف ساعة أصبحت الطوابير بلا نهاية، وجدت أناسا أحضروا معهم مقاعد مطوية واستخدموها في الجلوس تحت الشمس الدافئة.
 آخرون واصلوا قراءة الصحف، وحين تعبوا من الوقوف فإنهم افترشوها وأسندوا ظهورهم إلى سور المدرسة.
ولاحظت أن البعض تحلق حول جالس أمام طاولة وأمامه جهاز كمبيوتر صغير (لاب توب)، واكتشفت أنه من شباب حزب العدالة والتنمية الذين توزعوا على أبواب المقار الانتخابية لإرشاد الحائرين إلى اللجان التي ينبغي أن يصوتوا أمامها.

كان واضحا أن جهدا خاصا بذل لتأمين العملية الانتخابية. إذ شاهدت ثلاث مجموعات من الجنود تتحرك في المكان. أغلبهم ارتدوا خوذات وحملوا معهم دروعا واقية. كانت هناك شرطة وزارة الداخلية، والشرطة العسكرية بأغطية رؤوسها الحمراء، ومجموعة أخرى من الجنود تميزوا بأن كل واحد طوق ذراعه بلافتة صغيرة من القماش بينت أنه «فرد تأمين الانتخابات».

كما أنني لم أجد أثرا للسلفيين الذين خوفونا من استيلائهم على اللجان، فإن شبح البلطجية والفوضوية لم يظهر في المكان.
بالتالي، فإنه باستثناء الحضور الكثيف للقوات المسلحة والشرطة، فإن المشهد الانتخابي بدا نموذجيا منذ الصباح الباكر. ولا أعرف إن كان ذلك مقصورا على حي مصر الجديدة أم لا، لكنني أتحدث عما رأيته بعيني، وأرجو أن يكون قد تكرر في بقية الدوائر الانتخابية.
علما بأنني لا أجد مبررا لتخصيص مصر الجديدة بمثل هذه الاحتياطات، التي ربما كانت مبررة في وجود الرئيس السابق الذي كان من سكان الحي، ولكن هذا المبرر سقط الآن، بدليل انتشار القمامة والكلاب والقطط الضالة في المنطقة!

ظللت أبحث طول الوقت الذي أمضيته في الطابور عن تفسير لذلك الحضور الكثيف للناس، الذين كانوا خليطا مدهشا من الرجال والنساء والشبان والفتيات والأثرياء والفقراء. حتى بدا لي كأن كل أهل الحي أصروا على أن يشتركوا في التصويت. حدث ذلك في حين أن بعض وسائل الإعلام تحدثت عن احتمالات الفوضى التي تهدد الانتخابات، وعن ملل الكثيرين وقرفهم من الانفلات الأمني والاعتصامات والمليونيات، وعن حال الكثيرين الذي وقف وحنين بعضهم إلى الزمن الذي مضى، واتجاه البعض إلى مقاطعة العملية الانتخابية.

كان مفهوما الحماس الذي دب في النفوس في الأشهر الأولى للثورة، ودفعهم إلى الإقبال على المشاركة في الاستفتاء، بقدر ما كان مستغربا أن يتزايد ذلك الحماس أو على الأقل لا تتراجع مؤشراته بعد مضي تسعة أشهر، رغم أنها لم تكن مبهجة على النحو الذي يأمله الكثيرون.

في تفسير هذه الملاحظة سألت:
هل كان الدافع إلى ذلك هو الشوق إلى الديمقراطية التي ظللنا طوال أكثر من نصف قرن نسمع بها ولا نرى لها في حياتنا أثرا؟
هل يمكن أن نقول إن جرعة الحيوية التي دبت في أوصال المجتمع المصري لا تزال تتدفق بذات القدر من القوة، على العكس مما توحيه لنا وسائل الإعلام التي دأبت على إشاعة اليأس والإحباط بيننا؟
وهل يمكن أن نرجع ذلك الحماس إلى شعور الناس بأن الثورة في خطر، وأنهم أدركوا أن عليهم أن يهبوا للدفاع عنها وإنقاذها؟
 ــ لا أستطيع أن أصدر حكما في ظل خبرة يوم واحد في حي واحد بالقاهرة. لكنني مع ذلك لا أتردد في القول بأننا حتى في حدودنا الضيقة نجحنا. زفوا الخبر لشهدائنا.
.............

29 نوفمبر، 2011

مصر في مرآة الوقت – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 4 المحرم 1433 – 29 نوفمبر 2011

مصر في مرآة الوقت – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

 

قد لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكن ربما كان مفيدا لنا أن نعرف على الأقل أين نقف الآن.


(1)


لا مفر من أن نعترف في البداية بأن الوقت لم يكن معنا. ولكنه كان علينا.

بمعنى أن تجاوز مدة الأشهر الستة التي كان يتعين تسليم السلطة إلى المدنيين فيها، (التي أعلن عنها في 13 فبراير الماضي)، كان مغامرة فتحت الأبواب لمختلف التداعيات التي أسهم بعضها في إيصالنا إلى ما وصلنا إليه الآن من مزالق وأخطاء.

وسيظل ذلك الاعتراف منقوصا إذا لم نقر أيضا بأن الأزمة التي نحن بصددها الآن، ما كان لها أن تقع لو أننا التزمنا بـ«خريطة الطريق» التي وضعتها لجنة تعديل الدستور، التي إذا كان مقدرا أن تنطلق خطواتها التنفيذية في شهر يونيو الماضي (مع نهاية فترة الأشهر الستة التي تحدث عنها بيان المجلس العسكري)، الأمر الذي كان يفترض أن يجعلنا هذه الأيام بصدد الدخول في حسم الانتخابات الرئاسية.


ومن مفارقات الأقدار وسخريتها أن توصيات لجنة تعديل الدستور كان لها دورها في تفجير اللغط الذي أثارته الأقلية حول الانتخابات أولا أم الدستور أولا، ذلك أن كثيرين ينسون أو يتجاهلون أن ما كان مطروحا آنذاك هو تعديل بعض مواد الدستور فقط. ولكن اللجنة في تصديها للمادة 189 من الدستور الخاصة بإجراءات تعديله أضافت إليها مادة أخرى أعطيت رقم 189 مكررا نصت على أن الأعضاء المنتخبين لمجلسي الشعب والشورى عليهم أن يختاروا أعضاء الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر.

وهو ما يعني أن اللجنة هي التي أطلقت فكرة إعداد دستور جديد، ولكن الأقلية التي كانت قد قبلت بمجرد تعديل بعض مواد دستور عام 1971. اختطفت الفكرة وأثارت بها الجدل الذي لا تزال بعض أصدائه تتردد حتى الآن.


وإذا جاز لنا أن نتصارح في تحديد المسؤولية عن الوقت الذي أهدر والأزمة التي صرنا إليها، فإنني أشير إلى طرفين بوجه أخص،

أولهما المجلس العسكري الذي لا ننكر أنه بذل جهدا كبيرا لتسير السفينة خلال الأشهر الماضية، لكن أداءه شابته أخطاء عدة، كما أنه اتسم بالتردد والارتباك.

حتى إنه لم يكن يتحرك إلا تحت ضغط الشارع. أسهم في ذلك أن أعضاءه من العسكريين المحترفين جاءوا جميعا من خلفيات غير سياسية.

ذلك أن قطيعتهم مع السياسة كانت شرطا لاستمرارهم في السلك العسكري وترقيهم إلى الرتب العليا التي بلغوها. وهو ما يعني أن ظروف الثورة فرضت عليهم أن يتحملوا مسؤولية لم يكونوا مؤهلين لها.


الطرف الثاني يتمثل في عناصر النخبة التي أدارت تراشقها وصراعها طول الوقت من منطلق أيديولوجي وليس سياسيا. بسبب من ذلك فقد صار العنصر الحاكم لمواقفها كان ولا يزال، ما إذا كانت الخطوات المتخذة تعبر عن التوجه الإسلامي أو العلماني، وليس ما إذا كانت تخدم المصلحة الوطنية أم لا.


(2)


في الوقت الراهن نستطيع أن نقول إننا بإزاء أزمة ثقة في المجلس العسكري، يمكن أن نرجع أسبابها إلى العوامل التالية:

ما تضمنته وثيقة الدكتور السلمي (المادتان 9، 10) التي أعطت انطباعا بأن المجلس العسكري يتطلع لاستمرار وصايته على المجتمع ـ عدم القطيعة مع النظام السابق، الأمر الذي لاحظه كثيرون،

 حتى إن رئيس المخابرات الإسرائيلية السابق قال إن الذي تغير في مصر هو الحاكم وليس الحكم.



وكانت هذه الملاحظة أوضح ما تكون في الطريقة التي تعامل بها المجلس العسكري مع محاكمات رموز النظام السابق أمام المحاكم المدنية، وأحالته للمدنيين من شباب الثورة إلى المحاكم العسكرية ـ البطء والتردد في اتخاذ القرارات،



حتى إن قرار إصدار قانون إفساد الحياة السياسية استغرق أربعة أشهر لإصداره ـ عدم الشفافية وعدم الاعتراف بالأخطاء أو الاعتذار عنها.



وكانت أحداث ماسبيرو في الشهر الماضي التي قتل فيها أكثر من 20 شخصا وأحداث ميدان التحرير الأخيرة التي سقط فيها 43 شهيدا، نموذجا للنوازل التي صدمت الرأي العام، ولا تزال محاطة بغموض أضعف ثقة الناس في موقف السلطة. وكانت النتيجة أن أحدا لم يحاسب على تلك الجرائم، الأمر الذي استفز الرأي العام وأهانه.


إزاء ذلك لم ننسَ بعدما جرى في موقعة ماسبيرو، إلا أننا مازلنا نعيش صدمة الانقضاض غير المبرر على المعتصمين في ميدان التحرير يوم السبت 19/11، الذي يمثل ذروة الخطايا السياسية التي وقع فيها المجلس العسكري.

ولا تزال تحيرنا الأخبار التي تسربت عن صدور أمر بضرورة فض اعتصام أهالي الشهداء الذي كان مستمرا قبل ذلك لأكثر من خمسة أيام.

وعن أن ذلك الأمر لم يعلم به في البداية وزير الداخلية ولا رئيس الوزراء. وحين تحول فض الاعتصام إلى كارثة فلم نعرف من الذي أصدر الأمر، وبالتالي فإن أحدا لم يحاسب جنائيا أو سياسيا على ما جرى.


هذا الارتباك الذي عبر عنه المجلس العسكري واكبه ارتباك أسوأ وأعمق في الساحة السياسية، ليس فقط لأن النخب انقسمت فيما بينها، ولكن أيضا لأن الساحة ازدحمت بلافتات وعناوين عرفنا أسماءها وسمعنا نداءاتها، لكننا لم نعرف أوزانها.



وفي هذا الهرج جرى ابتذال مصطلح الثوار، بحيث لم تعد تعرف ماذا يمثلون حقا على أرض الواقع، وهل هم الموجودون في ميدان التحرير فقط أن لهم وجودهم في خارجه؟

كما أننا صرنا نتساءل: هل هؤلاء المحتشدون في الميدان يتكلمون باسم جماعاتهم أو باسم الثورة أو باسم المجتمع المصري بأسره؟


لقد دلتنا خبرة الانتخابات التي تمت أخيرا في تونس والمغرب على أن أعلى الجماعات السياسية صوتا وأكثرها ضجيجا وأقواها حضورا في وسائل الإعلام. هي أضعف القوى السياسية في الشارع وأقلهم حظوظا من تأييد الجماهير.



 وذلك مؤشر يدعونا إلى الحذر في تقييم من يتصدرون الواجهات في مصر هذه الأيام. ويقدمون أنفسهم بحسبانهم ممثلين للثورة وللرأي العام. وينطلقون من تلك الفرضية للتدخل في تقدير المصائر السياسية وتشكيل هياكل الدولة. وهو حذر يدعونا إلى انتظار تقييم المجتمع لتلك القوى المفترضة أو المفروضة.



وفي بورصة السياسة فلا سبيل إلى إحداث ذلك التقييم إلا من خلال الاحتكام إلى صناديق الانتخابات الذي نحن بصدده الآن.


(3)


الفوضى الحاصلة في الساحة السياسية تشمل أيضا الشعارات والأفكار التي تسوق في الفضاء الإعلامي. أخص بالذكر أسطورتين،

أولاها تتعلق بابتذال مصطلح دماء الشهداء،

 والثانية تشيع أن ثمة صفقة سرية تمت بين المجلس العسكري والإسلاميين.



لقد تردد المصطلح الأول في سياق المطالبة بتأجيل الانتخابات، وأصبح يشهر في وجه كل جهد يبذل خارج ما هو مطروح في ميدان التحرير من مطالب، خصوصا ما تعلق منها بتشكيل مجلس رئاسي مدني يدير البلاد بديلا عن المجلس العسكري.

ذلك أنني أزعم أن الوفاء لدم الشهداء والحفاظ على كرامة الجرحى والمصابين يكون بالاعتذار عن الجرم الذي ارتكب بحقهم ومحاسبة المسؤولين عن وقوعه. وتعويض الأهالي والمصابين. كما يكون بالتمسك بأهداف الثورة والإصرار على تحقيق الأهداف التي استشهدوا من أجلها.



لكن لا أفهم أن يعد إجراء الانتخابات بيعا لدماء الشهداء في حين يصبح تشكيل المجلس الرئاسي وفاء لتلك الدماء، كأن رافعو ذلك الشعار يقولون إن كل من يخالف رأينا يعد متاجرا بدماء الشهداء. وذلك نوع من الإرهاب الفكري والسياسي الذي يفترض أن يتنزه الثوار عنه.


استغرب الأسطورة الثانية التي بدأ الترويج لها منذ شكلت لجنة تعديل الدستور برئاسة المستشار طارق البشرى، وضمت بين أعضائها السبعة قانونيا من الإخوان وعضوا في اللجنة التشريعية في إحدى دورات مجلس الشعب السابق.

ولأن المستشار البشري «يشتبه» في أنه مسلم غيور على دينه وملتزم، ولأن «التهمة» ثابتة. الإخواني الأستاذ صبحي الصالح، فقد ثارت ثائرة غلاة العلمانيين و«الليبراليين» الذين اعتبروا إقصاء أمثال أولئك «المشتبهين» و«المتهمين» أمرا مفروغا منه في فهمهم للديمقراطية.



ومنذ ذلك الحين اعتبر هؤلاء أن المجلس العسكري «متواطئ» مع الإسلاميين، رغم أن لجنة تعديل الدستور ضمت سبعة أعضاء من كبار القانونيين، فإن عاصفة النقد تجاهلت وجودهم، واعتبرت أن الرجلين استغفلاهم وأجريا التعديلات من وراء ظهورهم. وقد حققت الحملة نجاحا في ترهيب أعضاء المجلس العسكري. الذين امتنعوا عن إضافة أي اسم من أولئك «المشتبهين» و«المتهمين» في أي اختيار لاحق، في حين وزع الليبراليون والعلمانيون على مختلف المجالس التي شكلت، وظل ذلك محل رضا أولئك «الناشطين»

(للعلم الحكومة الأخيرة ضمت ثلاثة من حزب الوفد ورابعا من حزب التجمع وخامسا من الحزب الديمقراطي الاجتماعي).


رغم ذلك فإن تهمة التواطؤ مع المجلس العسكري ظلت سيفا مشهرا في وجهه، حتى اضطر أخيرا إلى نفى التهمة على لسان بعض أعضائه. وحتى الآن فإن الدليل الوحيد على ذلك «التواطؤ» أن المجلس العسكري سمح للإسلاميين بتشكيل أحزاب لهم ورفع الحظر عنهم شأنهم في ذلك شأن غيرهم من السياسيين.

 لذلك فلا تفسير لاستمرار الحملة إلا أنها بمثابة احتجاج على العدول عن نهج إقصائهم المعمول به منذ نحو نصف قرن، بما يعني أن شرعية وجودهم هي المشكلة التي لا تزال تؤرق جماعات الليبراليين والعلمانيين.


(4)


وسط الغيوم الداكنة التي تتجمع في الأفق، التي تثير درجات متفاوتة من الاستياء والإحباط، يبرز ضوء لا يمكن تجاهله، يشي بتحول يغير كثيرا من الانطباعات السائدة عن جموع المصريين، الذين يُقال في حقهم دائما أن حبال الصبر عندهم لا نهاية لها. وأن قدرتهم على الاختزان وابتلاع الأحزان لا حدود لها. حتى تحدث كثيرون عن استكانة المصريين واستعدادهم للانصياع والامتثال.


هذا الانطباع غيرته تماما المظاهرات التي حدثت طوال الأسبوع الماضي، التي انخرطت فيها أجيال كسرت حاجز الخوف، وتمردت على الصمت، ولم تعد تبالي بتحدي الظلم والجهر بكلمة الحق في وجه أهل السلطان بارتفاع مراتبهم ومقاماتهم.


ربما جاز لنا أن نقول إن ثورة 25 يناير لم تعد الوطن إلى أهله بعد طول غياب فقط، ولكنها كشفت الوجه المسكوت عليه من طبائع المصريين، الذي أصبحت أرى في ميادينهم وشوارعهم شعبا آخر غير الذي تحدث عنه الآخرون.


لقد قال رئيس المخابرات الإسرائيلي السابق إن الذي تغير في مصر هو الحكم وليس الحاكم. وربما كان ذلك صحيحا بصورة نسبية، لكن الذي فات الرجل أن يذكره أن الشعب بدوره قد تغير وربما لم يرد ذلك لأن ما تغير في شعب مصر هو أكثر ما يقلقهم ويخيفهم.


لست أخفي أنني لم أكن سعيدا ببعض تصرفات وهتافات الشباب الغاضب في ميدان التحرير طوال الأسبوع الماضي، لكن بيني وبين نفسي كنت سعيدا بهم، لأنني وجدت فيهم جيلاً ممتلئا بالحيوية واستعادة قوية لقيمة الغضب التي غيبت طويلا في حياتنا طوال نصف القرن الأخير، حتى ظننا أن ينابيعها قد جفت، إلا أننا اكتشفنا أخيرا أنها توارت فقط ولم تمت ــ الحمد لله.

.............................

28 نوفمبر، 2011

اختبار لايحتمل الرسوب

صحيفة الشروق المصريه الاثنين 3 المحرم 1433 – 28 نوفمبر 2011
 اختبار لايحتمل الرسوب - فهمي هويدي

جولة الانتخابات التى تتم اليوم فى مصر هى اختبار لا يحتمل الرسوب فيه، لسبب جوهرى هو أن الراسب فى هذه الحالة تحديدا ليس المجلس العسكرى وليس الفصائل أو الجماعات السياسية، ولكنى أزعم أن الراسب سيكون الثورة والوطن كله. إذ نحن لسنا بصدد انتخابات نيابية عادية، كما اننا لسنا بصدد تأسيس نظام جديد بديل عن نظام مبارك الذى سقط، ولكننا بالانتخابات نخطو الخطوة الأولى على طريق إقامة جمهورية حقيقية يصنعها الشعب على يديه. صحيح أن النظام الملكى سقط فى عام 1952، وان النظام الجمهورى أعلن منذ ذلك الحين، لكنه كان جمهوريا على الورق وفى الدساتير، ذلك اننا منذ ذلك الحين لم نختر رئيسا من جانبنا، ولكن الرؤساء الثلاثة الذين حكمونا لم يكن لنا فيهم رأى قبل أن يتولوا مناصبهم. إذ جاءوا من حيث لا نحتسب، ثم قيل لنا من باب استيفاء الشكل وسد الخانة: ما رأيكم دام فضلكم؟ ــ فلا نحن الذين اخترناهم ولا نحن الذين غيرناهم (باستثناء الأخير الذى كان لابد من ثورة لإزاحته) ــ صحيح أن الثلاثة لم يكونوا فى مقام واحد، حيث لا يقارن عبدالناصر بالسادات أو مبارك، لكن الثلاثة صحونا ذات صباح على وجودهم على رأس البلد. وجميعهم كانوا من العسكر، والثلاثة حكموا بحزب واحد تغيرت أسماؤه لكنه ظل كيانا واحدا احتكر السياسة، واعتبر نفسه حزبا طليعيا وظل الآخرون ذيولا له، تستخدم فى تزيين المشهد السياسى وتوظف لأجل اتمام الديكور الديمقراطى. ظلت لدينا أنظمة ليس لها من الجمهورية سوى الاسم فقط، وان كانت فى جوهرها «ملكيات» حقيقية، بل وصلت الجرأة ببعض من تولوها أن أرادوا توريثها لأبنائهم، جريا على تقاليد الملكيات المعروفة. ولئن سبقتنا فى ذلك بعض الديمقراطيات «الشعبية» الشيوعية (كوريا الشمالية مثلا) إلا أن التوريث ما لبث أن حدث فى سوريا، ولاحت بوادره فى مصر، وكانت له أصداؤه فى ليبيا واليمن على الأقل. وهى الأنظمة التى يصفها الدكتور منصف المرزوقى السياسى التونسى المرشح رئيسا للجمهورية الجديدة بأنها «جملوكية»، بمعنى أنها جمهورية اسما وملكية فعلا. هذه الخلفية تسوغ لى أن أدعى بأن الانتخابات التى تجرى اليوم تسهم فى تأسيس أول جمهورية حقيقية فى مصر بعد ثورة عام 1952. ولأن الأمر كذلك فقد سمحت لنفسى أن أدعى أنها اختبار لا يحتمل الرسوب. ذلك أن الرسوب يعنى العودة إلى الملكية المقنعة، التى غيرت الزى العسكرى ولكنها أبقت على احتكار السلطة وتأميم السياسة وربما توريث البلد لصالح الأبناء والاحفاد. هناك أربعة شروط لاجتياز الاختبار بنجاح هى: الاقبال على التصويت بذات الحماس الذى شهدناه فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية ــ اتمام الانتخابات فى جو من الحرية والنزاهة التى تغلق الباب تماما على أى تلاعب فى التصويت أو الفرز ــ تأمين العملية الانتخابية فى مواجهة البلطجية ودعاة الفوضى الذين طالما حاولوا إفساد أى عرس ديمقراطى ــ اختيار العناصر الوطنية التى تحمل قيم الثورة على اكتافها وتسعى إلى تنزيل حلم النهوض بالوطن على الأرض. لقد أشاعت بعض الأوساط مخاوف من امكانية النجاح فى تأمين العملية.. لكنى حين وجدت أن انتخابات نقابتى المحامين والمهندسين تمت بسلام ونجاح فى ظل أجواء التوتر الراهنة، اقتنعت بأن النجاح فى الانتخابات النيابية أمر وارد بقوة. ولا استطيع أن أتجاهل فى هذا السياق حقيقة أن ثمة وعيا عاما فى مصر يُطمأن إليه، وان ذلك الوعى كفيل بتحقيق النجاح المنشود بإذن الله. هى مصادفة أن تزامن موعد اطلاق المرحلة الأولى للانتخابات مع غضب الجماهير التى خرجت إلى ميدان التحرير وقد ضاقت صدورها ذرعا بالأخطاء التى ارتكبها المجلس العسكرى، حتى إن بعضهم ذهبوا فى ذلك إلى حد المطالبة برحيل المجلس. ذلك أن الاستجابة لذلك المطلب بصورة آمنة لا تعرض البلاد للانتكاسة أو الفراغ تحتم الاحتشاد لأجل التصويت وإنجاز المراحل الثلاث للعملية الانتخابية فى مواعيدها. لأن تشكيل مجلس الشعب هو الضمان الوحيد لترتيب تسليم السلطة إلى المدنيين، إلى جانب وضع الأساس لإقامة الجمهورية المصرية الحقيقية التى ظل يحلم بها الشعب المصرى منذ قامت الثورة فى شهر يوليو عام 1952. ولأن الأمر كذلك فإننى أكرر أننا بصدد اختبار لا يحتمل الرسوب، ولا بديل عن اجتيازه بتفوق وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.

27 نوفمبر، 2011

شهادة «مضروبة»


صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 2 المحرم 1433 – 27 نوفمبر 2011
شهادة «مضروبة»  - فهمي هويدي

رأى عميد معهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية ما لم يره أحد غيره في بر مصر.
ومن ثم كشف لنا ما كان مخفيا ومستورا ومحيرا للجميع، فقد نقلت عنه صحف الثلاثاء الماضي (22/11) ما وصفته بأنه «شهادة خطيرة» على أحداث ميدان التحرير، خلاصتها أوردتها صحيفة «الأهرام» كما يلي:
إن الرجل -الشيخ الدكتور جميل علام- كشف عن رؤيته مجموعة من الأشخاص فوق أسطح مباني الجامعة الأمريكية (المطلة على ميدان التحرير)، وهم ليسوا من شباب الثورة.

وقال: «إن فريقا منهم كان ينهب ويسرق في الجامعة، وفريقا آخر يقوم بإطلاق النار على قوات الأمن المركزي، وفريقا ثالثا يطلق الرصاص على شباب المتظاهرين. وأوضح أن هذه المجموعة كانت تضم ثلاثين شخصا، وقد تم التحفظ على بعضهم في ميدان التحرير. أضافت الأهرام أن شهادة الدكتور علام جاءت أثناء المؤتمر الصحفي الذي عقده مساعد قائد المنطقة المركزية».

قرأت الخبر مرتين لكي أتأكد من تفاصيل «رؤية» الشيخ الدكتور، واستوقفتني عدة أمور منها أنها شهادة «آحاد»، وعند الأصوليين فهي شهادة ضعيفة لا يؤخذ بها في اعتماد الأحاديث النبوية إلا إذا وجد هناك ما يقويها.
ويشكك في صدقيتها أن الرجل وحده هو الذي أدلى بها، علما بأن وجود ثلاثين شخصا فوق مباني الجامعة الأمريكية ليسوا بالعدد الهيِّن الذي يراه واحد ويعجز عن رؤيته آخرون. ثم أنه قال إن هؤلاء الأشخاص ليسوا من ثوار التحرير.
ولم أفهم كيف تسنى له أن يتأكد من ذلك، وأن يميزهم عن ثوار التحرير، الذين لا نعرف لهم زيا موحدا ولا سمتا مميزا ولا علامة بارزة تسمح للناظر بأن يتعرف عليهم بالعين المجردة من على بعد أكثر من مئة متر. ثم لا بد أن يلفت نظرنا أنه ظهر في المؤتمر الصحفي الذي عقده نائب قائد المنطقة المركزية، وكأنه جاء لكي يعطي شهادة براءة للقوات المسلحة والداخلية.

الأهم من كل ذلك أن رواية الرجل تقول إن أولئك الأشخاص يمثلون الطرف الثالث الذي دأبت الأبواق الرسمية على الإشارة إليه باعتباره المسئول عن الأحداث الجسام التي تطل علينا بين الحين والآخر. ذلك أننا درجنا على استقبال شهادات مماثلة عبرت عنها تصريحات وبيانات رسمية تقول إن القوات المسلحة بريئة، وأن الشرطة وقفت لكى تحرس الناس وتحميهم، وأن المتظاهرين كانوا سلميين ومؤيدين ومن شباب الثورة «الكُمَّل»، لكن المشكلة في الطرف الثالث الذي دأب على أن يندس وسط المتظاهرين، لكي يعكر الأجواء ويوقع بينهم وبين الشرطة والجيش.

هؤلاء «الأبالسة» الذين تنشق عنهم الأرض في كل مناسبة لم يستطع أحد أن يبصرهم بعينيه، ولا أن يقتفي أثرهم أو يدلنا على مكانهم، ولأسباب غير معلومة فإنهم يختفون في المجهول، تماما كما أنهم يجيئون من المجهول، حتى كاد بعضنا يقتنع بأنهم ينتمون إلى عالم الجن والعفاريت، خصوصا أن أجهزتنا الأمنية التي قيل لنا يوما ما بأنها ترصد دبيب النمل، وتحصي أوراق الشجر المتساقط في البلد فشلت في أن تعثر لهم على أثر.

وحده عميد معهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية الذي نجح فيما فشل فيه الجميع. وبعين «زرقاء اليمامة» التي تقول الرواية التاريخية أنها أبصرت وراء الأفق ما لم يبصره آخرون، بحدة البصر وعبقرية البصيرة، رآهم واستطاع أن يدقق في ملامحهم جيدا، ويميزهم عن ثوار التحرير المعتمدين.

لعلها المصادفة التي جعلت شهادة الرجل مصدقِّة ومطابقة لرواية الأجهزة الأمنية والأبواق الرسمية، كما أنها مصادفة أيضا أن يظهر الشيخ واللواء في مناسبة واحدة، لكن ملاحظتي الأساسية أن إخراج المشهد اتسم بسذاجة تشى بأن السيناريو أعده مخرج مبتدئ فشل في السينما، فقرر أن يوظف خبرته المتواضعة في خدمة الأمن الذي هو في خدمة السياسة.

لا أعرف كيف أحصى الشيخ الثلاثين «عفريتا»، وقسمهم بين لصوص يسرقون، ومتآمرين يطلق بعضهم الرصاص على المتظاهرين، في حين يوجه البعض الآخر نيرانهم صوب عناصر الأمن المركزي.
وإذا غضضنا الطرف عن أن الذين يسرقون لا يمارسون مهمتهم فوق السطوح، حيث لا يوجد شيء يسرق، الأمر الذي يجعل إحصاءهم متعذرا، فإن الرسالة التي قرأتها في الشهادة المنشورة كانت كالتالي:

هذا شيخ معمم قادم من الإسكندرية معقل السلفية رأى بأم عينيه ما نحاول أن نقنع الناس به، لكنهم لا يصدقون أن العسكر جميعا -شرطة وجيش- أبرياء من دم المصريين، براءة الذئب من دم ابن يعقوب، إلا أن «الأبالسة» الذين لا يريدون لمصر خيرا هم الذين لا يكفون عن الظهور في كل مناسبة قاصدين تشويه صورة العسكر والوقيعة بينهم وبين الشعب.
وقد رآهم الشيخ المبروك وهم يطلقون النار على الشرطة البريئة والمواطنين الشرفاء في نفس الوقت، تماما كما فعلوا في موقعة ماسبيرو وفي ميدان الأربعين بالسويس وإبراهيم باشا في الإسكندرية.

السؤال الذي لم أجد له إجابة في التقرير المنشور عن «رؤية» الشيخ علام هو: هل هذه «الرؤية» شاهدها الرجل في اليقظة أم في المنام؟!
.................

Delete this element to display blogger navbar