Subscribe:

Ads 468x60px

29 سبتمبر، 2011

إنسانية وليست إسلامية

صحيفة السبيل الاردنيه الخميس 1 ذو القعدة 1432 – 29 سبتمبر 2011
إنسانية وليست إسلامية – فهمي هويدي


لا يزالون يصرون في إيران على أن ثورات العالم العربي من أصداء الثورة الإسلامية التي قامت هناك قبل ثلاثين عاما.
وقد هيمنت هذه الفكرة على أجواء المؤتمر الدولي للصحوة الذي انعقد في طهران خلال يومي 17 و18 الحالي، ودعي إليه نحو 750 شخصا من أنحاء العالم، بينهم 20 مصريا من ذوى الصلة بالموضوع كنت أحدهم.

وأمام حماس الكثيرين لتبني الفكرة التي بدت محورية في المؤتمر، ضاعت أصوات من ارتأوا أن الأمر ليس كذلك بالضرورة.

وكان الشيخ جمال قطب العالم الأزهري المعروف أول الذين فتحوا السجال حول هذه النقطة، حيث استشهد بثورة مصر التي شارك فيها الجميع باختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم، معبرين عن رفضهم الفطري للمهانة والظلم، ودفاعا عن حقهم في الكرامة والحرية،

وكان الدكتور إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي الأسبق أبرز الذين أنكروا عليه موقفه، وكرر إصراره على أن ما حدث في مصر وفي بقية الأقطار العربية الأخرى لا يمكن إلا أن يكون صدى للثورة الإسلامية التي قادها آية الله الخميني.

أدهشتني الفكرة، إذ أزعم أنها تبالغ كثيرا في تأثير الثورة الإيرانية، التي لا أختلف في كونها حدثا تاريخيا مهما في القرن العشرين، لكن قيامها لا يصلح تفسيرا لكل الثورات التي حدثت بعدها في العالم الإسلامي، والعربي ضمنا.

يؤيد ذلك أن ثورات العالم العربي تلاحقت بعد نحو ثلاثين عاما من انطلاق الثورة الإيرانية، وهي فترة كافية في التدليل على انقطاع الصلة بين ما جرى في العالم العربي، وبين الحدث الإيراني الكبير.

ناهيك عن أن ثورات العالم العربي وقعت في وقت خبا فيه بصورة نسبية وهج الثورة الإيرانية ذاتها.

وإذ فهمت أن يتصور الذين قاموا بالثورة الإيرانية في عام 79 أنهم سوف يغيرون العالم من حولهم، وهي الفكرة التي تراود كل الثوار حين تستبد بهم نشوة النصر، كما حدث عقب الثورة الفرنسية والبلشفية وحتى ثورة عبدالناصر في مصر عام 1952، لكني لم أتوقع أن يستمر ذلك الحماس طيلة ثلاثين عاما، بحيث يعقد المؤتمر الدولي الأول للصحوة الإسلامية بعد تلك المدة الطويلة.

حين أتيح لي أن أتحدث في لجنة طلب مني إدارة الحوار فيها، قلت إن انتفاضات الشعوب لها تاريخ في العالم العربي. ومن أبرز تلك الانتفاضات الشعبية ما حدث في السودان في عام 1963، حين نجح الشعب وليس الجيش في إسقاط حكم الفريق إبراهيم عبود، من خلال إعلان الإضراب العام الذي كان تعبيرا عن المقاومة السلبية والسلمية.

وكانت الثورة الإسلامية في إيران بمثابة انتفاضة كبرى أسقطت فيها الجماهير عرش الشاه عام 79.

وفي عام 87 انطلقت انتفاضة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتكررت تلك الانتفاضة في عام 2000،

وبعد ذلك (عام 2007) خرجت الجماهير اليمنية إلى الشارع فيما سمي بالحراك الجندي، الذي من عباءته انطلقت ثورة الشعب اليمني التي لا تزال تطالب برحيل الرئيس علي عبدالله صالح،

وفي بدايات هذا العام (2011) تفجرت الثورة في تونس وانتقلت شرارتها إلى مصر، وتوزعت بعد ذلك الشرارات على أقطار عربية عدة.

بين كل هذه الثورات الشعبية كانت الإيرانية وحدها التي وصفت بأنها إسلامية، لأسباب يطول شرحها بعضها يتصل بتصدي الفقهاء لقيادتها، والبعض الآخر يتصل بخصوصية المذهب الشيعي الذي ظل طوال أكثر من 12 قرنا فكرة بلا دولة.

وحين حانت الفرصة، فإن المرجعية الشيعية تشبثت بها ونصت في الدستور على أن إيران دولة إسلامية تعتمد المذهب الجعفري الاثني عشري. وهي المادة 12 التي اعتبرت أبدية وغير قابلة للتغيير.

قلت أيضا إن ثورة الاتصالات أحدثت متغيرات هائلة في العالم وسعت من مدارك الناس ورفعت من مستوى وعيهم، وتبادل خبراتهم. حتى أصبح خروج جموعهم إلى الشوارع والميادين للتعبير عن الغضب أو إعلان المطالب، ظاهرة إنسانية برزت هذا العام، خصوصا بعد الدوي الذي أحدثته الثورة المصرية في أنحاء العالم من الولايات المتحدة إلى إسرائيل.

وهو ما يجعلنا بإزاء صحوة إنسانية، يشارك فيها كل الباحثين عن حقوقهم والمدافعين عن كرامتهم، باختلاف منطلقاتهم إسلامية كانت أو غير إسلامية.

قلت أخيرا إننا ينبغي أن نتواضع في تقديرنا لأنفسنا ولغيرنا، فلا نكتفي بالنظر في المرآة لنرى وجوهنا دون غيرها، وإنما يتعين علينا أيضا أن ننظر حولنا لكي نعرف ما يحيط بنا، ولا غضاضة في أن نتعلم من غيرنا.

وفي كل الأحوال، ينبغي أن ندرك أننا لسنا بداية التاريخ ولا نهايته، وإنما نحن إحدى حلقاته فقط. وغاية ما نتطلع إليه أن نكون حلقة مشرِّفة لشعوبنا ولديننا.
....................

28 سبتمبر، 2011

افهموها يا جماعة


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 30 شوال 1432 – 28 سبتمبر 2011
افهموها يا جماعة – فهمي هويدي


محكوم علينا فيما يبدو أن نظل ندور في فلك الثنائيات التي تضيع الوقت وتستهلك الطاقات بلا مبرر، فقد أهدرنا وقتا غير قليل في الجدل حول أيهما أولا الدستور أم الانتخابات؟!
ثم انتقلنا إلى المفاضلة بين الدولة المدنية والدينية،
ودخلنا في المبادئ الحاكمة وفوق الدستورية وعلاقتها بالدستور،
بعد ذلك وجدنا أنفسنا وسط الجدل حول الانتخابات وما إذا كنا نعتمد النظام الفردي أم القوائم النسبية،
في الوقت الذي بدأ البعض يتجادل فيه حول النظام الرئاسي أم البرلماني.

الآن دخلنا نفقا جديدا، عبثيا هذه المرة، يتعلق بالطوارئ وهل هي انتهت أم أنها مستمرة حتى منتصف العام المقبل كما يوحي بذلك كلام بعض أعضاء المجلس العسكري. وهم الذين انحازوا إلى السياسة وليس إلى الشرعية الدستورية. في حين أن أهل القانون يعتبرون الأمر محسوما ولا يحتاج إلى مناقشة.

يوم السبت الماضي 24/9 نشرت الأهرام مقالا محكما للمستشار طارق البشري في تبيان انتهاء الطوارئ. وقد تلقيت رسالة بذات المعنى من الأستاذ مدحت أبو الفضل المحامي، ووجدت أنها مفيدة ليس فقط لقوة الحجة فيها، ولكن أيضا لأن في الإعادة إفادة كما يقال، هذه خلاصة الرسالة:

بمقتضى المادة 59 من الإعلان الدستوري تكون حالة الطوارئ قد انقضت بمرور ستة أشهر على صدور ذلك الإعلان ونشره في الجريدة الرسمية. ولا ينال من ذلك ما جاء في نص المادة 62 من الإعلان ذاته التي تقضي بأنه يبقى صحيحا ونافذا ما قررته القوانين واللوائح قبل صدوره، وذلك وفقا لما يعرف بمبدأ المشروعية، التي مؤداها أنه لا يصح أن يخالف تشريع أدنى أحكام التشريع الأعلى مرتبة منه.

فالمشروعية تعني أن القواعد القانونية المدونة، أي التشريعات، تتدرج فيما بينها، بحيث تحتل القمة القواعد الدستورية، وتليها القواعد التشريعية أي الصادرة عن السلطة التشريعية، وأخيرا القواعد اللائحية التي تضعها السلطة التنفيذية. بمعنى أنه في ظل مبدأ المشروعية لا يصح أن يخالف التشريع الأدنى التشريع الأعلى منه مرتبة. أي أن القانون لا يصح أن يخالف الدستور، واللائحة لا يصح أن تخالف القانون، وعلى ضوء هذه القاعدة المستقرة، يتعين تفسير نص المادة (62) من الإعلان الدستوري. وهذا التفسير يؤدي إلى القول بأن القوانين الصادرة من السلطة التشريعية قبل الإعلان الدستوري تكون صحيحة ونافذة ما لم تتعارض مع ذلك الإعلان.

وطالما أن الإعلان الدستوري ينص في المادة 59 منه على أنه لا يجوز أن تمتد حالة الطوارئ لأكثر من ستة أشهر، إلا بالاستفتاء الشعبي، فإن مقتضى مبدأ المشروعية أن يكون التشريع الصادر عن المجلس التشريعي المنحل بفرض حالة الطوارئ صحيحا ونافذ المدة المحددة في الإعلان الدستوري، وهي ستة أشهر، بحيث لا يجوز مدها إلا بالاستفتاء الشعبي، وهذا هو التفسير الصحيح لحكم المادة (62) سالفة الذكر.

والقول بغير ذلك مخالف للمبادئ المستقرة قانونا وذلك لما يلي:

أولا: أن في هذا القول خروجا على مبدأ المشروعية، إذ مؤداه سريان نص قانوني مخالف لنص أعلى منه هو نص دستوري يقرر أنه لا يصح استمرار حالة الطوارئ لأكثر من ستة أشهر بغير استفتاء شعبي يجيز ذلك.

ثانيا: أن الرأي القائل باستمرار القانون القديم الذي يفرض حالة الطوارئ لمدة تزيد على ستة أشهر بغير استفتاء شعبي، يتعارض مع قاعدة الإلغاء الضمني للنص التشريعي، وهذه القاعدة تعني أنه إذا صدر قانونان متعاقبان في الزمان ومتناقضان في الأحكام اعتبر القانون القديم منسوخا ضمنيا بالقانون الجديد. ويكون ذلك من باب أولى إذا كان الجديد نصا دستوريا لما هو مقرر من أن السلطة التي تملك الإلغاء هي السلطة التي أصدرت التشريع، أو سلطة أعلى منها.

ثالثا: أن هذا النظر يستند إلى تفسير غير صحيح لنظرية عدم رجعية القانون، ذلك أن معنى عدم الرجعية هو عدم المساس بما تم في الماضي من تكوين أو انقضاء مراكز قانونية، وخلاف ذلك فإنه يكون للتشريع الجديد أثر فوري فيسري على كل ما يقع بعد نفاذه ولا يستثنى من ذلك إلا المراكز العقدية غير المتعلقة بنظام قانوني يستقل الأفراد فيه بتنظيم أثاره بإراداتهم، أما ما عدا ذلك خاصة التشريعات التي تتصل بالنظام العام فتسري فور صدورها. وعلى هذا الأساس يسري بأثر فوري القانون الصادر بفرض سعر إلزامي للعملة الورقية. أو قوانين العمل الجديدة. أو المتعلقة بنظام الملكية. والقوانين التي تحكم مركز واختصاص الموظف العام. ومن باب أولى القوانين المتعلقة بالحريات العامة في الدولة.

أذكّر أخيرا بكلمة لواحد من رواد القانون الدستوري في مصر، الدكتور وحيد رأفت، قال فيها: «إن الإسراف في القوانين المنظمة للحريات، يكبل الحرية، ويغرس اليأس في النفوس، ويزيل البسمة من الوجوه، فتصبح الحياة بلا طعم أو أمل»،
 ترى هل يفسر ذلك لماذا يمضي كل فرد في مصر وعلى وجهه قتامة. وفي أدائه يأس وتراخ؟
......................

27 سبتمبر، 2011

عن اختطاف الربيع العربي – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 29 شوال 1432 – 27 سبتمبر 2011
عن اختطاف الربيع العربي – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إذا لم ندرك أن الربيع العربي يتعرض للاختطاف في المرحلة الراهنة، فمعنى ذلك أننا واهمون أو مغيبون، وأننا ما قرأنا نشرات أخبار الساعة، أو قرأناها ولم نستوعب مغزاها.


(1)

في 22 فبراير الماضي، بعد نحو عشرة أيام من تنحي الرئيس السابق ، نشر لي مقال تحت عنوان: ماذا يدبرون للثوار في الخفاء؟ ـ

ـ وكانت الفكرة الأساسية فيه تقوم على أن الأمريكيين والإسرائيليين ظلوا طوال الثلاثين سنة السابقة يمدون جسورهم ويثبتون أقدامهم في مصر، ويخترقون كل ما استطاعوا اختراقه من مواقع أو شرائح اجتماعية، لضمان استمرار نفوذهم والإبقاء على مصر في موقف التابع والمنكفئ.

ولم يكن سرا أن تلك الترتيبات تمت تحسبا ليوم قد يحدث فيه أي تغيير «دراماتيكي» في مصر، كما قيل آنذاك صراحة.

وإذ استشهدت في ذلك بما توافر لدى من وثائق، فإن السؤال الذي طرحته كان كالتالي:
هل ذهب كل ذلك الجهد هباء، ومتى وكيف سيتم استثماره؟

ما لم أذكره حينذاك أن صحيفة «نيويورك تايمز» كانت قد نشرت قبل ظهور مقالي بثلاثة أيام (في 19/2) أن المسؤولين الأمريكيين كانوا واثقين في اليوم الثامن من الشهر ذاته من أن الجيش لن يطلق النار على المتظاهرين في مصر،
وأن أولئك المسؤولين قدروا الدور المهم للجيش الذي له روابطه العميقة بالجيش الأمريكي.

واستوقفني في الكلام المنشور عبارة نسبت إلى المسؤولين الأمريكيين قالوا فيها إن ثلاثين سنة من الاستثمار في مصر كانت لها فائدتها.
فيما وجهه الجنرالات الأمريكيون وضباط الاستخبارات من رسائل إلى نظرائهم المصريين عبر البريد الإلكتروني، وخلال الاتصالات الهاتفية التي أجروها معهم.
وهي الخلفية التي دفعتني إلى التساؤل في ذلك الوقت المبكر عن أهداف هؤلاء وما يدور في عقولهم بشأننا في المرحلة المقبلة.

لم يكن هناك شك في أن الأمريكيين وغيرهم فوجئوا بما حدث، وأنهم سارعوا منذ اللحظات الأولى إلى الإفادة من رصيد استثمارهم في مصر طوال الثلاثين سنة السابقة لكي يكونوا في «الصورة» قبل الإقدام على أي خطوة. ذلك أن المفاجأة باغتتهم وكانت أقرب إلى الصدمة، التي جاءتهم من حيث لا يحتسبون.

(2)

أحتفظ بتقرير نشرته مجلة نيوزويك في ( 12/6 ) عن المأزق الذي واجهته واشنطن بوجه أخص، بعدما فوجئت بتجليات «الربيع العربي» إذ أثار انتباهي فيه التركز على أن رجال المخابرات المركزية الأمريكية أقاموا خلال سنوات «مكافحة الإرهاب» علاقات وثيقة مع شخصيات رئيسة في الجيوش وأجهزة الأمن والسياسيين في منطقة الشرق الأوسط.

وبسبب تلك العلاقات الوثيقة فإن المخابرات المركزية أصبحت أكثر اعتمادا على أجهزة الاستخبارات المحلية، خصوصا في مصر التي كان الرئيس السابق حليفا رئيسا اعتمد عليه،

وكان اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة هو الشخصية المحورية في تلك العلاقة. التي بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي.
وهي الفترة التي قامت فيها المخابرات المركزية بتتبع عناصر تنظيم القاعدة في أنحاء العالم، وإرسالهم إلى مصر لاستجوابهم وانتزاع الاعترافات منهم. الأمر الذي ارتفعت وتيرته واتسعت دائرته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

أضاف التقرير الذي كتبه كريستوفر ديكي أن سقوط مبارك أسقط معه اللواء عمر سليمان الذي كانت واشنطن قد رحبت به وراهنت عليه كخليفة له، ولكن خروج الأخير من ساحة المخابرات والسياسة أربك الإدارة الأمريكية لأنها لم تكن مطمئنة إلى الوضع المستجد، وغير واثقة من إمكانية نسج علاقة مخابراتية معه على النسق الذي كان سائدا في عهد مبارك.

الصورة تكررت في ليبيا. إذ ذكر التقرير أن المخابرات البريطانية والأمريكية صاغت في تسعينيات القرن الماضي علاقات وثيقة مع رجل المخابرات الليبية المخضرم موسى كوسا (الذي عين لاحقا وزيرا للخارجية)،

وأصبحت العلاقة أكثر قوة بعد الحادي عشر من سبتمبر. وفي ظلها تمت عملية «إعادة تأهيل» العقيد القذافي لكي يصبح أكثر قبولا وتعاونا مع الغرب.
وحين قامت الثورة في ليبيا، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قدمت الدعم الجوي للثوار. لكن «كوسا» انشق بسرعة وذهب إلى لندن. وهو ما أدى إلى حرمان الغرب من قناة الاستخبارات الليبية الأولى.

الوضع لا يقل خطورة في اليمن ــ هكذا قال الكاتب ثم أضاف :
إن القيادة الأمريكية كانت قد عملت على إيفاد شبكة من المستشارين الذين قاموا ببناء وحدة خاصة لمكافحة «الإرهاب» تابعة لمنظومة الأمن المركزي في البلاد، بقيادة ابن أخ الرئيس على عبدالله صالح. وبعد ثورة الشارع اليمني فإن المستقبل لم يعد واضحا، لكن الثابت أن الوضع لن يستمر كما كان في السابق.

الخلاصة التي خرج بها الكاتب من تقريره أن الربيع العربي أفقد الإدارة الأمريكية أهم ركائزها في المنطقة، ثم إن حالة عدم الاستقرار التي أسفر عنها باتت تشكل بيئة مناسبة لانتعاش «الجهاديين»، الذين يقصد بهم جماعات التطرف الإسلامي التي يعد تنظيم القاعدة من نماذجها، وهو ما اعتبره تهديدا قويا للمصالح والحسابات الغربية.

(3)

الثورة الليبية كانت فرصة القوى الغربية لاختراق الربيع العربي واختطافه، ذلك أن أجهزة الاستخبارات الغربية التي فوجئت بما حدث في مصر وتونس قررت ألا تتكرر المفاجأة.

وكان تلك خلاصة المشاورات التي تمت بين ممثلي تلك الأجهزة في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإنجلترا. وحين لاحت نذر الثورة في ليبيا فإنهم لم يضيعوا وقتا. إذ تحولت تلك المشاورات إلى اجتماعات يومية واتصالات تنسيقية على مدار الساعة. فقد كان الهدف جذابا والصيد ثمينا. إذ إن التدخل السريع في هذه الحالة يسمح للدول الغربية أن تدخل على الخط وتصبح مباشرة في قلب الصورة بما يسمح لها بأن تصبح شريكا في الحدث ومن ثم طرفا مؤثرا في مسار الربيع ومقاصده.

ثم إن ثروة النفط الليبي تمثل عنصرا جاذبا ومشجعا يستحق الهرولة، بما يعيد إنتاج تجربة العراق الذي فازت الإدارة الأمريكية بالنصيب الأوفر فيه.

ناهيك عن أن الموقف أفضل كثيرا في الحالة الليبية، فقد كانت الولايات المتحدة دولة احتلال وطرفا غازيا في العراق، لكنها مع «الحلفاء الغربيين» تحولت إلى فرقة إنقاذ استجابت لمطلب قيادة الثورة الليبية في حماية المدنيين من بطش العقيد القذافي وقسوة نظامه.

وبرحيله يتخلص الغربيون من حاكم مستبد ومتقلب لا يؤمن جانبه ولا تتوقف مغامراته وحماقاته. إضافة إلى هذا وذاك فإن عملية إعمار ليبيا وتنميتها بعد سنوات التخلف الذي فرضه العقيد على بلاده إبان حكمه،
وبعد الخراب الذي تسبب فيه حينما ثار الشعب ضده، تعد هدية كبرى لشركات الإعمار الغربية لابد أن تسهم فى انتعاشها.
(المؤسسات الدولية قدرت كلفة إعادة إعمار ليبيا خلال السنوات العشر المقبلة بما يتراوح بين 250 و500 بليون دولار).

هذا التحليل ليس من عندي ولكنه خلاصة لما كتبه أحد الخبراء الأمريكيين، هو فيليب زيليكاو في مقالة نشرها له موقع صحيفة فاينانشيال تايمز في ( 22/8).
وصاحبنا هذا باحث ومؤلف، كان شخصية مهمة في مجلس الأمن القومي الأمريكي على عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب كما أنه كان أحد أبرز المسؤولين عن أداء الحكومة الأمريكية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر،

وهي المقالة التي علق عليها وناقشها في ( 24/8 ) باحث آخر هو بيل فان أوكين، وكانت فكرته الأساسية في المقالة، التي جسدها عنوانها هي أن ليبيا في الوقت الراهن أصبحت نموذجا لإعادة تقسيم العالم العربي التي تتطلع إليها القوى الكبرى في الغرب.

إلى جانب التحليل سابق الذكر، فقد استوقفتني في المناقشة التي دارت بين الرجلين ثلاث ملاحظات هي:

<
إن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة حين أدركت أن الثورتين المصرية والتونسية بلا قيادة، فإنها سارعت بكل السبل لمحاولة استثمار ذلك الفراغ لصالحها.

<
إن تلك الدول في سعيها إلى اختراق الربيع وتقسيم العالم العربي استعانت ببعض أصدقائها العرب، ممن يقودون دولا تقمع الحريات في بلادهم، لكنهم يقدمون يد العون والمساعدة إلى الشعوب الأخرى المتطلعة إلى الحرية والديمقراطية.

<
إن الجهد الغربي لن يتوقف عند ليبيا ولا حتى عند سوريا، ولكن الحبل على الجرار كما يقولون بمعنى أن الباب لا يزال مفتوحا لانطلاق انتفاضات في ساحات أخرى مسكونة بعوامل التوتر واحتمالات الانفجار. وإذ تعلمت الأجهزة الأمنية الغربية الدرس من تجربتي مصر وتونس وعنصر المفاجأة فيهما، فإن تلك الأجهزة والقوى التي وراءها لن تكون بعيدة عن تلك الانتفاضات.

(4)

من يقرأ التعليقات والتحليلات الغربية للربيع العربي يجد أنها لا تختلف حول أربعة مصادر للقلق هي:

1ــ احتمالات تراجع النفوذ الغربي، حيث وصف البعض أجواء العالم العربي الآن بأنها مشبعة بإرهاصات مرحلة ما بعد الحقبة الأمريكية.

2
ــ ظهور التيارات الإسلامية على مسرح السياسة المفتوح بعد عقود من الحظر والتعتيم. وكان ذلك أشد وضوحا في مصر وتونس وليبيا على الأقل. وتحظى ليبيا بتركيز خاص لأن قائد المجلس العسكري في طرابلس (عبدالحكيم بلحاج) كان قائدا سابقا للجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، وقد هرب إلى أفغانستان إلى أن سلمته المخابرات المركزية إلى القذافي حيث قضى عدة سنوات في السجن، ولم يطلق سراحه إلا بعدما اشترك مع بعض زملائه في إجراء مراجعة فكرية أعلنوا فيها عدولهم عن العنف. كما أن المجلس الانتقالي يضم اثنين من أعضاء الإخوان المسلمين.

3
ــ تأثير ذلك الربيع على مستقبل إسرائيل ومصير معاهدة السلام مع مصر ومعاهدة وادي عربة في الأردن (صحيفة هاآرتس وصفت الربيع العربي بأنه «كارثة» ــ 15/9).

4
ــ التداعيات المترتبة على ذلك في بقية أنحاء الوطن العربي، بما في ذلك الملكيات التي كان الظن أنها أكثر استقرارا، خصوصا بعدما أصبحت الأصوات الداعية إلى الإصلاح تتردد في مختلف الأرجاء، من المشرق إلى المغرب مرورا بمنطقة الخليج.

الخلاصة أن قوى الهيمنة في الغرب حين أدركت أن عالما عربيا جديدا يولد ويتشكل، فإنها سارعت إلى الاحتشاد للتعامل مع الوضع المستجد، بالاختطاف أو الإجهاض أو الاختراق.

لكن ذلك كله ليس قدرا مكتوبا، وإنما هو سعي يحتمل الإحباط ولا يصمد أمام الاحتشاد المقابل من جانب القوى الوطنية إذا أدركت مكمن الخطر واجتمعت على التصدي له. وهو ما يقتضى تمييزا واضحا بين التناقض الرئيس والتناقضات الفرعية. والتصدي لقوى الهيمنة الغربية يتصدر المربع الأول، في حين أن كل ما عداه يظل تناقضات فرعية تأتي في المرتبة التالية من الأهمية.

إن المرء لا يستطيع أن يكتم شعوره بالحزن والحسرة، حين يرى الصدام محتدما وعلى أشده في الساحة المصرية بين مختلف التيارات والقوى، خصوصا بين الإسلاميين والعلمانيين وإن الجميع مشغولون بتصفية حسابات التناقضات الفرعية، في حين أن جبهة التصدي للتناقض الرئيس لا تكاد تجد من يحرسها ويذود عنها.

لا أستطيع الحكم على نوايا الذين يؤججون الخلاف حول التناقضات الفرعية، لكن ما أقطع به أن ذلك الجهد الذي يبذلونه إذا لم يكن سعيا مقصودا لإجهاض الثورة، فهو في حده الأدنى يمهد الطريق لاختطافها.
......................

Delete this element to display blogger navbar