Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2011

التضامن له ضريبة

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 2 شوال 1432 – 31 أغسطس 2011
التضامن له ضريبة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_31.html


لا أعرف إلى أي مدى يحتمل المزاج العام في مصر ــ خصوصا في العيد ــ حديثا عن «التقشف»، ولكن الذي أعرفه أننا لابد أن نفتح هذا الملف يوما ما.
وحين حدثت في ذلك أحد كبار المسؤولين في الحكومة كان رده أن الأمر أكثر من ضروري حقا، ولكنه يتطلب شجاعة لا تتوافر لدى كثيرين هذه الأيام.
كنت قد وقعت على تقرير عن خطة التقشف القاسية التي أقرتها الحكومة الإيطالية أخيرا لإنقاذ البلد من الإفلاس، واستهدفت توفير مبلغ 45.5 بليون يورو خلال عامين.
وأثار انتباهي فيها أنها استحدثت ضريبة تطبق خلال العامين سميت ضريبة التضامن. وهي تستهدف أصحاب الدخول المرتفعة وحدهم. فتفرض ما نسبته 5 في المائة على الذين تتجاوز دخولهم 90 ألف يورو سنويا، و10 في المائة على الذين تتجاوز دخولهم السنوية 150 ألف دولار.
من التدابير الأخرى التي قررتها الخطة خفض نفقات الحكومة،
وإلغاء 38 محافظة ودمجها مع محافظات أخرى.
وكذلك إلغاء ودمج 1500 بلدية مع غيرها.
وإلغاء 50 ألف وظيفة لمسؤولين منتخبين على مستوى الدولة المركزية والبلديات المحلية.
كما سيقتطع مبلغ 9.5 بليون يورو من موازنة المجالس المحلية.
في الوقت ذاته طلب من الوزارات أن تضغط مصروفاتها، بحيث توفر 8.5 بليون يورو خلال السنتين.
استهوتني خطة التقشف، ووجدت أن «ضريبة التضامن» التي تفرض لمدة سنتين على أصحاب الدخول المرتفعة فكرة تستحق الدراسة والاقتباس.
وحين عرضت الأمر على المسؤول الكبير وجدته يقول إن ثمة أفكارا للتقشف معروضة على الحكومة، لكنها تواجه مشكلات عدة، منها أن مطالبات المجتمع ممثلا في فئاته المختلفة تضغط بشدة باتجاه تحسين الأوضاع المالية ورفع الأجور، حتى يبدو وكأن الثورة في مصر حين أسقطت النظام السابق ليس فقط للخلاص من استبداده، وإنما أيضا لزيادة أجور العاملين في مختلف القطاعات.
أضاف المسؤول أن الناس معذورون وأن المظالم الاقتصادية التي عانى منها ألوف العاملين كثيرة وشديدة الوطأة، والحكومة تحتاج إلى وقت لتلبية تلك الاحتياجات. لكن أصحاب الحاجات لا يريدون أن يصبروا إلى جانب أن ثقة الناس في وعود الحكومة ليست كافية.
حصيلة المناقشة كانت كالتالي:
المطالبات بزيادة الأجور لا تتوقف والناس لم يعودوا يطيقون صبرا على الانتظار.
والحكومة غير قادرة على الاستجابة لتلك الطلبات في الأجل القصير.

في الوقت ذاته فإنها مترددة في التعامل مع ذوى الدخول المرتفعة. فهي تقدم إلى بعضهم دعما لا مبرر له حين توفر لهم الطاقة بأسعار رخيصة، وكأنها تدفع إليهم ضرائب بذلك الدعم، ينسحب ذلك على الصناعات ذات الاستخدام الكثيف والربحية العالية، مثل الصلب والأسمنت والسيراميك.
من ناحية ثانية فهي تخشى أن تتهم بالتضييق على الاستثمار الخاص في حين أنها تسعى جاهدة إلى توفير المناخ المناسب لجذب تلك الاستثمارات.
النتيجة أن ذوى الدخول الضعيفة يعانون، وذوي الدخول العالية يمرحون مطمئنين. والحكومة حائرة بين الاثنين. فهي غير قادرة على حل مشكلة الأولين، ولا هي قادرة على ممارسة أي ضغط على الآخرين.

لذلك فإننا لا نكاد نرى خطة شجاعة للتقشف تقنع الفقراء بأن لديهم أملا في تحسين أوضاعهم، حين تبدأ الحكومة بنفسها في ذلك وحين تلزم الأغنياء بأداء مسؤولياتهم نحو المجتمع من خلال تضحيات بسيطة لأجل محدود.

وتلك خلفية إذا صحت فإنها تضعنا بإزاء موقف معقد. فليست لدينا حكومة قوية تملك جرأة إعلان خطة التقشف،
وليس لدينا برلمان يمثل المجتمع يتبنى تلك الخطة،
وليس لدينا إعلام مسؤول يعبئ الرأي العام لصالح قضية التقشف لإنقاذ المستقبل، بدلا من التنافس على فضح الماضي واجترار ذكرياته.
........................

30 أغسطس، 2011

معركة مصر المؤجلة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 1 شوال 1432 – 30 أغسطس 2011
معركة مصر المؤجلة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_30.html

إذا كانت ثورة 25 يناير قد حققت إنجازها الكبير بإسقاط حكم مبارك وتحرير المواطن من الاستبداد والهوان، فإن الإنجاز الأكبر المتمثل في تحرير الوطن من التبعية يظل تحديا مؤجلا ومعركة لم يحن أوان حسمها بعد.
(1)
حين يلاحظ المرء ذلك الإقبال الأمريكي المتسم بالإلحاح على تمويل المنظمات الأهلية بدعوى دعم الديمقراطية في مصر، فإنه يجد نفسه مدفوعا إلى التساؤل عن سبب ذلك الإلحاح،
وما إذا كانت الولايات المتحدة حريصة حقا وغيورة صدقا على إقامة الديمقراطية في مصر، أم أنها تبادر إلى الاحتياط حتى لا تقوم في البلد ديمقراطية حقيقية تضر بمصالحها؟


أستبق برد خلاصته كالتالي:
إذا قال قائل بأن واشنطن حريصة على ديمقراطية النظام المصري، فإن كلامه يندرج تحت أحد عنوانين، إما العبط أو الاستعباط،
ذلك أن النظام الذي ثارت ضده الجماهير في 25 يناير كان من بين أهم حلفاء الولايات المتحدة، كما أن النظم الاستبدادية والمتخلفة في المنطقة هي بين أولئك الحلفاء، بل ومن المقربين الذين تحتضنهم واشنطن وتعتبرهم من المعتدلين والأصفياء.

وليس غائبا عن الأذهان ما فعلته واشنطن حين فازت حماس بالأغلبية في الانتخابات الديمقراطية التي جرت في الأرض المحتلة، إذ عاقبتها وخاصمتها وما زالت تضغط لاستمرار حصارها في القطاع وتجويع أهله.
قبل أن أستطرد، أسجل أن ما دعاني إلى الخوض في هذا الموضوع أمران،
أولهما: الهجوم التمويلي المشهود الذي تشنه الولايات المتحدة لاختراق الجمعيات الأهلية والمجتمع المدني في مصر بعد الثورة.
الثاني أنني قرأت مقالة نشرتها صحيفة «الشروق» للدكتور جلال أمين يوم الجمعة الماضي، 12/8، تحدث فيها عن الثورة المصرية ومشكلة التبعية، استهلها بالسؤال التالي: ما فائدة ثورة يناير إذا لم تمكنا من التخلص من التبعية؟..
مضيفا أن مساوئ نظام حسني مبارك كثيرة ويصعب حصرها، ولكن من أسوئها بلا شك إن لم يكن أسوأها على الإطلاق، ضعفه المذهل أمام الإدارة الأمريكية، واستعداده الدائم للانصياع لها. ومن ثم لما تريده إسرائيل أيضا.

وفي مقالته أبدى الدكتور جلال أمين تفاؤله بإمكانية الخلاص من التبعية المفروضة، مستندا في ذلك إلى خبرة التاريخ وتحليل توازنات الساحة الدولية في الوقت الراهن وإن شاركته تفاؤله، فإنني أردت التنبيه إلى أن الأمر يستدعي شروطا يجب توفيرها، ليس فقط في الساحة الدولية، ولكن أيضا بدرجة أكبر في قوة الإرادة المحلية.
(2)
الموقع جنى علينا وأغرى بنا الاستعمار والأطماع الإمبريالية.
هذه العبارة أوردها الدكتور جمال حمدان في الجزء الثاني من كتابه عن شخصية مصر، الذي تعرض فيه لما سماه «جناية الموقع». وفيه قرر أن خطورة موقعنا وأهميته أخرت من استقلالنا وقدرتنا على التحرر نسبيا.
وإنه بقدر أهمية الموقع، بقدر ما كانت شراسة الاستعمار في التمسك به والاستماتة من أجله. مضيفا أنه بسبب فرادة الموقع فإن نحو 40 أمة تطلعت إليه وسيطرت عليه خلال عمره المديد، كما يقدر بعض الباحثين.
في رأي الدكتور حمدان أن مصر لم تكتسب أهميتها الإستراتيجية فقط من موقعها الجغرافي بين الشرق والغرب، ولكن أيضا من كونها مفتاح العالم العربي. إذا سقطت سقط وإذا فتحت فتح.

«ولذا كان الاستعمار يركز ضربته الأولى والقصوى على مصر، ثم ما بعدها فسهل أمره.
هذا أدركته ــ وفشلت فيه ــ الصليبيات وتعلمه الاستعمار الحديث، فكان وقوع مصر عام 1882 بداية النهاية لاستقلال العالم العربي، بينما جاء تحرر مصر الثورة بداية النهاية للاستعمار الغربي في المنطقة، بل وفي العالم الثالث جميعا».
انضاف إلى الموقع الإستراتيجي الفريد عنوانان جديدان خلال الثمانين سنة الأخيرة هما
ظهور النفط في الثلاثينيات
وتأسيس دولة إسرائيل في أواخر الأربعينيات.
الأمر الذي ضاعف من أهمية العالم العربي لدى الدول الغربية الكبرى، وضاعف في الوقت ذاته من أهمية مصر بحسبانها مفتاحا لذلك العالم وقاطرته الأساسية.
وإذا كانت إستراتيجية الموقع سببا لشراسة الاستعمار في تمسكه ببسط هيمنته على مصر على مدى التاريخ، فإن العاملين الجديدين اعتبرا ضمن «المصالح الحيوية» للعالم الغربي التي سوغت لدوله الكبرى الادعاء بأن حضورها ونفوذها في مصر (الدولة المفتاح) ضرورة لا غنى عنها.

لذلك فإنه لم يكن مستغربا أن تسارع الولايات المتحدة فور رحيل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، وتولي السادات للسلطة إلى تثبيت أقدامها في مصر وإقامة مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية في ربوعها، على غرار ما فعلته في تركيا عقب الحرب العالمية الثانية.

وهذا الكلام ليس من عندي ولكنه مقتبس حرفيا من المحاضرة الشهيرة التي ألقاها وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفي ريختر على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في شهر سبتمبر من عام 2008.
في شهادة الرجل التي سبق أن أشرت إليها أكثر من مرة تفاصيل مهمة عن الركائز التي سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إقامتها في مصر لضمان تثبيت نفوذ البلدين فيها. وهي تتمثل فيما يلي:
نشر نظام للرقابة والرصد والإنذار لجمع المعلومات وتحليلها
ــ إقامة علاقة شراكة مع أقوى الأجهزة الأمنية في مصر
-ـ توثيق العلاقات مع الفاعليات صاحبة النفوذ في مصر، التي تشمل أركان السلطة الحاكمة وطبقة رجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية
ــ تأهيل محطات إستراتيجية داخل المدن الرئيسية في مصر
ــ الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز في النقاط الحساسة بالعاصمة إضافة إلى مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر وبجوارها.
(3)
طوال أكثر من 35 عاما على الأقل ــ منذ عهد السادات ــ والولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على تثبيت أقدامهما في مصر لضمان استبقائها في المعية ــ استتباعها إن شئت الدقة ــ بحيث لا تتغير سياستها إزاءهما تحت أي ظرف.

وإلى جانب الترتيبات التي ذكرتها توا، فإن الوزير الإسرائيلي الأسبق تحدث عن تنسيق بين واشنطن وتل أبيب لمواجهة أي تحولات حادة في السياسة المصرية تجاه البلدين.
وبالنسبة لإسرائيل فإنها تعتبر أن سيناء المجردة من السلاح رهينة لديها.
وأن ذلك الارتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لإسرائيل بالعودة إلى احتلالها.
ذلك فيما هو معلن من سياسات وضمانات لثبات السياسة الخارجية المصرية تجاه البلدين. وإذا كان فيه ما يكفي لإثارة قلقنا وتوجسنا، فإن ما تتحدث به الطبقة السياسية في مصر عن ترتيبات أخرى غير معلنة يضاعف من ذلك القلق.

إذ يرى هؤلاء أن الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك قدما لإسرائيل ضمانات غير معلنة لتأكيد التزامهما بإدامة السلام بين البلدين واستمرار «التعاون» بينهما في ظل كل الظروف. وليس مستغربا في ظل ذلك «التجاوب» أن يعد السادات شخصية مرموقة في إسرائيل، أطلق اسمه على أحد ميادين مدينة حيفا، وأن يوصف مبارك بأنه «كنز إستراتيجي»، ويقترح إطلاق اسم مبارك على ميدان آخر في المدينة ذاتها.
(4)
إحدى الخلاصات التي يخرج بها المرء من استدعاء هذه الخلفية أن خروج مصر من بيت الطاعة الأمريكي والارتهان الإسرائيلي ليس أمرا ميسورا، وأن كل الترتيبات والتربيطات التي أعدت خلال الأربعين سنة الماضية استهدفت التحسب للحظة الراهنة.
إذ أريد لها أن تضمن ألا يقع احتمال الخروج، بحيث تبقى السياسة المصرية أسيرة ذلك الماضي.

بالتالي فإن الهدوء الظاهر، المشوب بالرضا النسبي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل على السياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير، ربما كان راجعا إلى اطمئنان البلدين إلى أن الترتيبات التي سبق الاتفاق عليها لا تزال سارية المفعول.
إذ كان متوقعا أن يعبر البلدان عن قلقهما إزاء الثورة التي أسقطت النظام الذي كان حليفا قويا لهما، وحين لا يحدث ذلك ــ حتى الآن على الأقل ــ فلا تفسير له سوى أن البلدين أدركا أن الثورة كانت انقلابا على مبارك ونظامه وربما سياساته في الداخل، لكنها أبقت على سياساته الخارجية كما هي، على الأقل في توجهاتها الرئيسية.
لا أدعو إلى اشتباك أو حرب كما قد يخطر على بال البعض لكني أتحدث عن هدف التخلص من التبعية والانصياع للإرادة الأمريكية والإسرائيلية تحديدا.
وأتساءل في هذا الصدد عن مصير الترتيبات والتربيطات التي أقيمت لاستمرار إلحاق السياسة المصرية بسياسات العدو الإستراتيجي. وهو الإلحاق الذي يظل أحد مظاهر التبعية التي يراد الخلاص منها.
لم يعد سرا أن الضغوط الأمريكية والغربية عموما والإسرائيلية ضمنها بطبيعة الحال، وكذلك التمويل الغربي لمنظمات المجتمع المدني في مصر، تستهدف، إلى جانب ثبات مرتكزات السياسة الخارجية، ضمان أمرين
أولهما علمانية النظام الجديد.
وثانيهما تقليص فرص التيار الإسلامي في التأثير على القرار السياسي.

بالتالي فهم يريدون لمصر ديمقراطية تتحرك تحت هذا السقف. لكن تلك مغامرة غير مأمونة العاقبة. لأن الآلية الديمقراطية إذا استخدمت بنزاهة فقد تسمح للوطنية المصرية ــ وليس الإسلاميون وحدهم ــ بالوصول إلى السلطة والتأثير في القرار السياسي.

وإذا ما تحقق ذلك فإن المطالبة بالتخلص من التبعية ستفرض نفسها على رأس أولويات العمل الوطني. وهنا يصبح الاشتباك السياسي ضروريا ولا بديل عنه.
أدري أن ترتيب البيت من الداخل وتثبيت أركانه من الشروط الضرورية، التي توفر للنظام العافية التي تمكنه من المطالبة بالخروج من إسار التبعية واستعادة الحرية.
وأفهم ترتيب البيت بحسبانه فتح الأبواب للممارسة الديمقراطية وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني، بما يمهد الطريق للنهوض على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

وإذا ما تحقق ذلك الترتيب فإنه يصبح بمقدور مصر أن تتحرى مصالحها العليا فيما تقدم عليه من خطوات، بحيث تستطيع أن تخوض بجدارة معركتها السياسية، وتقول «لا» لكل ما تراه متعارضا مع تلك المصالح أو مع مسؤولياتها الوطنية والقومية

ــ لذلك قلت إنها معركة مؤجلة، لكنها قادمة لا ريب إذا ما أصرت مصر على مطلب الانعتاق والتخلص من التبعية.

تؤيد ذلك الاختبارات التي واجهها النظام المصري خلال الأشهر الماضية، حين لم يستطع أن يحرز أي تقدم في فتح معبر رفح أمام فلسطينيي غزة،
وحين لم يتقدم خطوة واحدة باتجاه تطبيع العلاقات مع إيران.
حتى الاتفاق الخاص بفتح خط الطيران بين البلدين تعذر إدخاله حيز التنفيذ،
لا بأس من أن يطول طريق الانعتاق لأن الأهم أن نظل سائرين على دربه.
.............................

29 أغسطس، 2011

نسينا أن الإنسان أولًا

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 29 رمضان 1432 – 29 أغسطس 2011
نسينا أن الإنسان أولًا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_29.html

ليس لدي أي تعاطف مع السيد «خنوفة» الذي انتحر بعد أربعة أيام من إلقاء القبض عليه، وحولته وسائل الإعلام إلى «نجم» في عالم الجريمة، حين وصفته بأنه أخطر بلطجي في القاهرة، إذ صورته بحسبانه شقيا مغامرا هرب من سجن وادى النطرون خلال أحداث الشغب التي شهدتها السجون يوم جمعة الغضب (28 يناير الماضي)،
حيث كان محكوما عليه بالسجن عشر سنوات بعد إدانته في قضية مخدرات، وبعد هروبه لم يختف، وإنما ظل يواصل مغامراته حتى اتهم في تسع قضايا أخرى بينها محاولة اقتحام قسم شرطة مصر القديمة مرتين. وقطع طريق صلاح سالم الذي يمثل أحد الطرق الرئيسية المهمة في العاصمة.
حين ألقى القبض عليه فى الأسبوع الماضي أبرزت كل الصحف المصرية الخبر على صفحاتها الأولى، وصورت لنا الخطوة بأنها إنجاز أمني كبير حققته المباحث الجنائية التي تفننت في محاولة الإيقاع به.

وأسهبت الصحف في متابعة سجل جرائمه حتى كرهته على المستوى الشخصي باعتباره أحد رموز الشر والبلطجة التي صار الجميع معبأ ضدهما في مصر.

وحين انتحر احتل خبره مكانة على الصفحات الأولى أيضا مشفوعا بتفاصيل غيرت مشاعري نحوه، وجعلتني أتعاطف مع إنسانيته وليس مع جرائمه.

فقد ذكرت صحيفة «الشروق» أنه هاجم قسم شرطة مصر القديمة في المرة الأولى يوم 5 يوليو، لتهريب بعض أبناء بلدته «عزبة أبوقرن» الذين كان قد تم احتجازهم هناك بعد إحدى الحملات الأمنية.
ولا أعرف إن كان هؤلاء من رجاله وعصابته أم أنه فعلها من باب استعراض فتوته وتأكيد زعامته.
لكن هجومه الثاني على قسم الشرطة هو الذي أثار انتباهي وغير من رأيي.
ذلك أنه شن هجومه المسلح الثاني على القسم يوم 15 أغسطس، لإخراج أمه وزوجته اللتين كانتا قد احتجزتا في القسم لحين تسليم نفسه. وهي معلومة إذا صحت فإنها تعني الكثير في ذاتها وفي دلالتها.
ليس معلوما تاريخ إلقاء القبض على الأم والزوجة وارتهانهما لدى القسم لإجبار خنوفة على تسليم نفسه، ولكننا لاحظنا أن هجومه الأول كان يوم 5 يوليو وأن هجومه الثانى لإخراج المرأتين كان يوم 15 أغسطس، الأمر الذي يدعونا إلى ترجيح أنهما احتجزتا داخل القسم لمدة شهر على الأقل، وأن اقدامه على مهاجمة السجن في هذه الحالة قد يكون مفهوما.

وليس ضروريا أن يكون المرء صعيديا لكي يغار على كرامة أمه وزوجته ويقدم على مغامرة من ذلك القبيل. لأنني أفهم أن مثل هذه العملية يمكن أن تخطر على بال أي «رجل» لديه قدر من الحمية والغيرة، خاصة إذا كان من عوام الناس وليست لديه ثقة في أن القانون يمكن أن ينصفه في هذه الحالة.
بل إنني ذهبت إلى القول إن الشرطة لجأت إلى أسلوب غير قانوني في الضغط عليه حين احتجزت أمه وزوجته بغير ذنب، فرد الرجل بأسلوب غير قانوني في محاولة إطلاق سراحهما. بالتالي فإنهما تعادلا في الإثم.
أما السؤال الذي حيرني هو:
هل لايزال أسلوب احتجاز الأهل وارتهانهم لإجبار الشخص المطلوب على تسليم نفسه لايزال مطبقا بعد ثورة 25 يناير؟

أدري أن ذلك كان من تقاليد الشرطة قبل الثورة، حين كانت تدوس على القانون ولا تتردد في العدوان على حريات الناس وإهدار كراماتهم،
وحين كانت تتصرف على نحو يفتقد إلى الحرفية، فتلجأ إلى البطش حين تعجز عن تحقيق مرادها من خلال التحقيق والتحرى وجمع خيوط الأدلة.
ويكون البطش فى هذه الحالة تعبيرا عن العجز المهني والكسل العقلي.

لكننى تصورت أن الإدانات القوية التي حدثت بعد الثورة لمثل هذه الأساليب العتيقة وغير الإنسانية دفعت رجال الشرطة إلى وقفها. أو على الأقل الحذر الشديد في استخدامها.

لكن النموذج الذى بين أيدينا يدل على أن شيئا لم يتغير وأن «ريمة عادت إلى أساليبها القديمة»، وذلك أكثر ما يثير القلق ويبعث على الاستياء. الأمر الذى يعني أن التغيرات التي حدثت فى جهاز الشرطة شملت الأشخاص، وهذا أمر مهم بطبيعة الحال، لكنها لم تشمل الثقافة السائدة التى هى أكثر أهمية.
وهو ما يدعونى إلى طرح السؤال التالى:
ما قيمة تنحية عدة مئات من كبار ضباط الشرطة عن وظائفهم للاشتباه فى ضلوعهم فى عمليات التعذيب والقهر، إذا لم يؤد ذلك إلى إىقاف تلك الأساليب غير الإنسانية فى التعامل مع البشر؟

بل ما قيمة إسقاط نظام مبارك ومحاكمته إذا استمر بعد ذلك تعذيب البشر واحتجازهم في السجون بغير حق، وإذا فوجئنا بأن أما وزوجة تم ارتهانهما داخل أحد أقسام الشرطة لإجبار رجل البيت على تسليم نفسه.
لقد ظللنا حينا من الدهر نتجادل حول أيهما أولا الدستور أم الانتخابات وفاتنا أن ندق الأجراس لنذكر الجميع بأن الإنسان أولا، حيث ظننا أن تلك بديهية مفروغا منها، وأثبتت التجربة أن ذلك تفاؤل لا محل له،

إن انتهاك حرمة أي إنسان في مصر أو إهدار كرامته يعني أن الثورة لم تحقق أهدافها، وإننا يجب أن نستنفر للدفاع عنها.
...................

28 أغسطس، 2011

الدم الفلسطيني المنسي

صحيفة الشرق القطريه الأحد 28 رمضان 1432 – 28 أغسطس 2011
الدم الفلسطيني المنسي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_28.html

حين قتل الإسرائيليون 11 فلسطينيا يوم الخميس الماضي. بحثت عن الخبر في ست صحف مصرية صدرت صبيحة اليوم التالي (الجمعة 8/26).

ولاحظت أن صحيفتين فقط ذكرتا الخبر على إحدى الصفحات الداخلية. في حين لم تشر إليه الصحف الأربع الأخرى.
إذ كان تركيزها منصبا على تطورات الموقف في ليبيا والقمع الحاصل في سوريا، إضافة إلى اللغط والتراشق بين الجماعات السياسية في مصر.
لم أفاجأ بمستوى التعامل الإعلامي مع الشأن الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي. ذلك أن قتل الفلسطينيين أصبح خبرا عاديا ليس في مصر وحدها، وإنما في العالم العربي أيضا. كأنما اقتنع الجميع بأن الفلسطيني كائن خلق لكي يقتل، وأن الخبر الحقيقي، الذي يستحق التسجيل، ويثير الانتباه أن يبقى الفلسطيني حيَّا.

وهذا الانطباع جعل مشهد الجنازات في الشوارع وكأنه جزء طبيعي من انتظام حركة السير يتدفقه على مدى النهار. وليس ذلك أمرا مستغربا تماما.

فمنذ اختلت الأولويات في العالم العربي، وخرجت مصر من المعادلة بمعاهدة «السلام» انكفأ الجميع على ذواتهم، ولم تعد فلسطين قضية العرب الأولى ولا المركزية بطبيعة الحال، وبصورة تدريجية تراجع الخبر الفلسطيني، وظل ينسحب إلى الصفحات الداخلية، وفي بعض الأحيان يغيب تماما عن الواجهة حتى يكاد يغرق في بحر النسيان.
أدري أن «الربيع العربي» شغل الجميع، وأن أحداثه وأصداءه المثيرة صرفت الانتباه عن كل ما عداه.
وكما مر انفصال جنوب السودان عن شماله، ولم يحرك شيئا في العالم العربي،
وكما استمر مسلسل تآكل العراق وتقطيع أوصاله تحت أعين الجميع،
وكما وقف العرب يتفرجون على المجاعة في الصومال تماما،
كما وقفوا متفرجين على حصار غزة، فإن الانقضاض الإسرائيلي على الفلسطينيين استمر واشتد مستثمرا حالة الذهول والغيبوبة المخيمة على العالم العربي.
الأدهى من ذلك والأمر أن السلطة الفلسطينية في رام الله لم تعد تتحدث حتى عن استعادة الأرض، التي تم احتلالها في عام 1967. التي تشمل كامل الضفة العربية وغزة، وإنما باتت «تناضل» لتقيم دولة فلسطينية، وترفع علمها على 20٪ من أرض فلسطين تشمل المنطقة «أ» فقط من الضفة، في مشروع الاستقلال، الذي تنتوي تقديمه إلى الأمم المتحدة في الشهر المقبل.
قلت إن التراجع في الاهتمام بالقضية بدأ بخروج مصر من المعادلة منذ وقعت المعاهدة المشئومة في عام 1979، مما أدى إلى إضعاف الصف العربي والفلسطيني ضمنا، الأمر الذي أدخل الجميع في نفق المساومة على القضية وشجع الإسرائيليين على الاستعلاء والتغول والسعي الحثيث إلى تصفيتها وإغلاق ملفها إلى الأبد.

وبلغت المأساة إحدى ذراها العالية حين اجتاحت إسرائيل غزة في ظل صمت مصري مدهش ومريب، ثم حين اشتركت مصر في حصار غزة على النحو المفجع والمخزي الذي يعرفه الجميع.
كما رأيت في النموذج الذي أشرت إليه فإن الغيبوبة أصابت الإعلام العربي أيضا، والنخب بوجه أخص، التي اختلت لديها الأولويات بدورها، ولم تعط ممارسات الاحتلال الإسرائيلي حقها من المتابعة، التنبيه ليس فقط إلى ما تمثله من خطر يمهد لتصفية القضية وسحق الفلسطينيين، ولكن أيضا إلى ما تمثله تلك الممارسات من تهديد للأمن القومي المصري وللأمن والسلم في المنطقة بأسرها.
إزاء ذلك، يبدو أن مراهنتنا ينبغي أن تظل قائمة على وعي الشعوب وصوت الشارع في مصر بوجه أخص، ذلك أن الغضب العارم، الذي اجتاح الشارع المصري في الأسبوع الماضي بعد قتل الإسرائيليين للجنود المصريين جاء كاشفا عن عمق المشاعر الرافضة للممارسات الإسرائيلية، وهى المشاعر التي حاول بعض الشباب المصريين التعبير عنها في ذكرى النكبة (مايو الماضي)، حين اتجهت جماعات منهم صوب مقر السفارة الإسرائيلية بعد نجاح الثورة مطالبة بإغلاقها وطرد السفير الإسرائيلي.
إن الإيجابية الوحيدة للغارات التي شنتها إسرائيل على غزة أنها ذكرتنا بأن الربيع العربي سيظل منقوصا ما دام الاحتلال مستمرا لفلسطين وما دام دم الفلسطينيين ينزف في شوارع غزة وأزقتها.

كما ذكرتنا بأن الخطر الذي يهدد الوطن العربي ليس الاستبداد وحده. وإنما الاحتلال أيضا.
..................

27 أغسطس، 2011

المقاومة المدنية هي الحل

صحيفة الشرق القطريه السبت 27 رمضان 1432 – 27 أغسطس 2011
المقاومة المدنية هي الحل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_27.html

ضاق الناس ذرعا بجرأة اللصوص والفتوات وأرباب السوابق، الذين باتوا يرهبونهم ويعتدون على ممتلكاتهم جهارا نهارا، وهم مطمئنون إلى أن الشرطة «صائمة» عن الشغل.

ذهبوا إلى قسم شرطة مصر الجديدة فصارحوهم قائلين:
في الوقت الراهن لن نشتبك مع أحد في الشارع، خصوصا أولئك النفر من البلطجية.
وإذا أردتم نصيحة مخلصة فلا حل سوى أن تتولوا أنتم الأمر بأنفسكم، فتلقوا القبض عليهم وتحتجزوهم، ثم تبلغونا بما فعلتم، وحينئذ سنسارع إليكم لنقوم بما علينا بعد ذلك.
لم يكذب السكان خبرا، ولم يكن أمامهم خيار أمام ذلك الاعتراف من جانب الشرطة. ففعلوها ونظموا «مقاومة مدنية» من بينهم، وحين نجحوا في التصدي لواحد من البلطجية واحتجازه، فإن ذلك شجعهم على استكمال المهمة مع ثان وثالث ورابع حتى العاشر.

وانتبهوا إلى أن البلطجية ليسوا بالقوة التي يصورونها للناس، وإن بعضهم يملك من «البجاحة» وعلو الصوت وبذاءة اللسان أكثر مما يملك من العضلات والعافية. تماما كما أنهم أدركوا أنهم ليسوا ضعفاء حقا ولكنهم متقاعسون ومستضعفون، وقد صاروا أقوى وأكثر منعة حين تكاتفوا وضموا سواعدهم إلى جانب بعضها البعض.
في أقل من أسبوع كان قد تم تطهير الحي من البلطجية، ولم يعد يجرؤ أحد منهم على الاقتراب منه، فقد أوفت الشرطة بما وعدت. ونقلت بسياراتها الذين تم احتجازهم بواسطة السكان. وعرف القاصي والداني أن في الحي رجالا وشبابا يذودون عنه، وأن من دخله قاصدا شرا لن يخرج منه آمنا. حيث هناك من ينتظره لكي يوقع به، ثم يسلمه بعد ذلك إلى من هو أقدر على التعامل معه.
القصة حقيقية وتفاصيلها عندي، وقد اهتممت بها لسببين أحدهما موضوعي والآخر شخصي.
في الشق الموضوعي أسجل ثلاث ملاحظات هى:
أن الشرطة باتت أكثر حذرا ــ أكثر سلبية إن شئت الدقة ــ في التعامل مع المجتمع.
وأن السمعة السيئة التي لاحقتها طوال الأشهر الأخيرة دفعت كثيرين من الضباط إلى إيثار السلامة والبقاء في مكاتبهم، حتى لا يتعرضوا للأذى أو الإهانة إذا خرجوا إلى الشارع.
أدري أن البعض فعلها عامدا إما خوفا من انتقام الناس وإما لتأديبهم وإقناعهم بأنهم بدون الشرطة فلا راحة لهم ولا أمان.
ولا أستبعد أن يحاول بعض «الفلول» من قياداتهم إقناع الرأي العام بأن عصر مبارك كان أفضل، وأن غيابه هو الذي تسبب في الفوضى والانفلات الأمني.
لكني أزعم أن نسبة الأولين أكبر وأن الذين باتوا يؤثرون السلامة وأن الآخرين يمثلون النسبة الأقل التي تتراجع كل حين.
< أن حذر الشرطة وسلبيتها زاد من جرأة الناس عليها، وأغرى البلطجية وأرباب السوابق بأن يتغولوا في المجتمع ويأخذوا «راحتهم» في ممارسة أنشطتهم المختلفة.
أصبح ضابط الشرطة يتصرف وكأن على رأسه «بطحة» يريد إخفاءها وأنه ارتكب ذنبا يجب أن يكفر عنه.
وإذا كان الناس العاديون قد أصبحوا ساخطين على الشرطة، ومستعدين للانفجار في وجه أي واحد منهم لأي سبب، حتى إذا كان تحرير مخالفة مرورية، فلك أن تتصور موقف البلطجية الذين أقنعهم الفلتان الأمني بأن أيديهم باتت مطلقة في الإتيان بما يشاءون من أفعال.
< أن الأغلبية الساحقة من الناس لا يزالون عند سلبيتهم. بحيث باتوا غير مستعدين للتحرك، حتى إذا كان ذلك لأجل الدفاع عن أنفسهم، إلا إذا طلب منهم ذلك أو اضطروا إليه.
ذلك أن ثقافة المجتمع التابع وليس المشارك أو المبادر لا تزال مهيمنة.
وفي القصة التي نحن بصددها فإن شعور الناس بالخطر لم يكن كافيا لتحركهم، ولكن إدراكهم أن الشرطة لن تغيثهم إلا إذا تقدموا هم وبادروا إلى الدفاع عن أنفسهم، هو الذي شجعهم على الانتقال من الموقف السلبي إلى الإيجابي، ومن حالة الاستكانة أمام البلطجية إلى التصدي لهم وإيقافهم عند حدهم.
ذلك يقودني إلى الجانب الشخصي في القصة، وهو أنني أسكن في حي آخر بمصر الجديدة، يعيث فيه اللصوص والبلطجية فسادا في النهار، وينتشر على نواصيه جيش من الشباب والفتيات الذين يعانون من الفراغ والضياع إلى ما بعد منتصف الليل. فيعبثون ويلهون، وأحيانا يتعاركون ويتراشقون بالألفاظ البذيئة والأسلحة البيضاء.
كل ذلك يحدث والشرطة غائبة والناس يتفرجون عليهم من وراء زجاج النوافذ وعبر الشرفات الغارقة في الظلام،

ولم أجد وسيلة لحثهم ــ هم وغيرهم ــ على التخلي عن السلبية والمبادرة إلى تنظيم لجان الدفاع المدني ضد غارات البلطجية واستهتار العاطلين العابثين سوى أن أوجه إليهم النداء من هذا المكان مذكرا بأنه ليس بإحكام «ترابيس» الأبواب وتغليظ الأقفال وحده يأمن الإنسان، وإلى أن تستعيد الشرطة دورها وتثبت حضورها ستظل المقاومة المدنية هي الحل.
.................

25 أغسطس، 2011

ليس دفاعاً عن البكيني


صحيفة الشرق القطريه الخميس 25 رمضان 1432 – 25 أغسطس 2011
ليس دفاعاً عن البكيني – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_25.html

ليس عندي أي دفاع عن المايوه البكيني في شهر رمضان أو في غيره، لكن أعترض على تحويله إلى قضية وموضوع للمناقشة الوقت الراهن،

بل إنه ما خطر لي أن يثار الموضوع بعد ثورة 25 يناير، فضلا عن أنني ما تصورت أن أكون طرفا في الجدل المثار حوله. لكني لا أعرف إلى من نوجه اللوم في استدراجنا إلى مثل هذه الأمور الفرعية، إلى السياسيين والدعاة الذين تختل لديهم الأولويات فيورطون أنفسهم ويشغلون الرأي العام بالقضايا الهامشية والتافهة، أم إلى الإعلام الذي يسعى إلى الإثارة ولا يكف عن الاصطياد، وأحيانا يحرف الكلام لكي يحقق الهدفين معا.
أمس الأربعاء 24 أغسطس أبرزت صحيفتان مصريتان على الصفحة الأولى لكل منهما خبر نقل عن أمين حزب الحرية والعدالة (الإخوان) قوله يجب منع السائحين من شرب الخمر أو ارتداء المايوهات (روزاليوسف)،
في حين ذكرت الثانية أن أمين الحزب، الدكتور سعد الكتاتني، طالب بفتوى من الأزهر لحسم ارتداء المايوه البكيني على الشواطئ العامة، هذا الكلام قيل في جلسة لمؤتمر دعم السياحة، شاركت فيه جهات عدة منها حزب الإخوان.

التفاصيل المنشورة لم تحمل هذا المعنى بالضبط، ولكنها ذكرت أن الدكتور الكتاتني قال إن الشواطئ العامة ينبغي أن تحكمها ضوابط معينة، وأنه إذا كانت الخمور ومايوهات البكيني لها أهمية في الموضوع فإنه يصبح بحاجة إلى دراسة خاصة، أما الشواطئ الخاصة فالناس أحرار فيها.
واقترح أن تعرض إشكاليات قطاع السياحة على مجمع البحوث الإسلامية ليبدي برأيه فيها. بالتالي فإن الرجل لم يقل إنه يجب منع السائحين من شرب الخمر أو ارتداء البكيني، كما ذكرت «روزاليوسف».
ويبدو أن موضوع الخمور والبكيني يحتل موقعا خاصا في بعض الدول العربية، لأنني قرأت قبل عشرة أيام رأيا للشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية في تونس. قال فيه إن الإسلاميين إذا وصلوا إلى السلطة فلن يمنعوا الخمور والبكيني. وهو ما اعتبرته وكالة الأنباء الفرنسية خبرا مثيرا طيَّرته على الفور على مختلف عواصم الدنيا.
سواء بسبب الفضول أو الاستدراج فإن البعض لا يرون في أي تفكير إسلامي سوى أنه سعى لمصادرة الحريات العامة والتدخل في الحياة الخاصة للناس.

وقد نجح الإعلام في إعطاء الانطباع بأن تطبيقات إيران وأفغانستان هما النموذج والمثل الأعلى الذي يحتذيه الجميع، كما أن هناك فريقا من المتدينين اختزلوا الالتزام الديني في الشكل، واعتبروه معيارا للمفاضلة بين الفسوق والإيمان، ولم يروا في التطبيق الإسلامي سوى أنه مجموعة من الشعائر والطقوس، التي لا علاقة لها بقيم المجتمع وأخلاقيات الناس وقواعد المعاملات فيما بينهم.
يذكرني الحديث عن البكيني بحوار أجراه معي صحفي سويدي قبل عدة سنوات، إذ كان سؤاله الأول كالتالي:
ماذا سيفعل الإسلاميون بالرقص الشرقي إذا وصلوا إلى السلطة.

استغربت السؤال فقلت للرجل إنني لا أريد أن أصدق أنك جئت من السويد ولا يشغلك في مصر سوى مستقبل الرقص الشرقي فى حين
توقعت أن تسألني عن أمور أخرى تتعلق بالحرية والديمقراطية والمساواة والعلاقة مع العالم الخارجي، وغير ذلك من الموضوعات المهمة.

ولأنني لا أظن أن الرقص الشرقي مدرج ضمن أولويات المجتمع المصري، فإنني أخبرك صراحة بأنني لست مشغولا به. واعتبره موضوعا مؤجلا لا ينبغي أن يحتل أولوية في تفكير أي مشغول بالهم العام، لذلك فليست لدي إجابة عن السؤال.
أحرج صاحبنا وطلب أن أشرح وجهة نظري بتفصيل أكثر، فقلت إن التقاليد والسلوكيات العامة لا تعالج بقرار من السلطة، ثم إن التدرج هو الأصل في التعامل معها من خلال التربية والحكمة والموعظة الحسنة،
وفي الخبرة الإسلامية فإن الخمر لم تحرم مرة واحدة، ولكن القرآن حرمها على أربع مراحل.

وفي العصر النبوي فإن الأصنام التي هي رمز الشرك تركت في مكانها دون مساس طوال فترة الدعوة النبوية، ولم تهدم إلا بعد 13 عاما حين تم فتح مكة، كما أن نهضة الأمم تمر بمراحل عدة لا يحتل الرقص الشرقي مكانا في أي واحدة منها.
لقد تمنيت على أمين حزب الإخوان أن يحدد موقفا حاسما يرفض فيه التدخل في الحريات الخاصة للناس، وأن ينتهز الفرصة لكي يؤكد أهمية التفاف الجميع حول الأهداف الكبرى التي ينبغى أن تحتل الأولوية في التفكير العام، وعلى رأسها الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية،
أما تشجيع السياحة وقضية المايوه البكيني وبيع الخمور، فهي أمور تترك لأهلها في الوقت الراهن، على الأقل حتى نحقق شيئا من الأهداف الكبرى. وإلا انفتح الباب للانشغال بصغائر الأمور عما هو جليل ومصيري في قضايانا.
.........................

24 أغسطس، 2011

انتهى زمن تدليلهم



صحيفة الشرق القطريه الأربعاء24 رمضان 1432 – 24 أغسطس 2011
انتهى زمن تدليلهم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_24.html

أليس مثيرا للدهشة وللأعصاب أيضا أن تستدعي مصر سفيرها لدى الجزائر بسبب مباراة كرة القدم الشهيرة، ولا تفعلها حين قتلت إسرائيل أربعة من جنودها غير أحد الضباط.

لا أقارن بين وقائع الحالتين وإنما أتحدث عن رد الفعل المصري إزاءهما، فاستدعاء السفير في الحالة الأولى كان تصرفا اتسم بالرعونة والحمق، ولم يكن له من تفسير آنذاك إلا أنه انفعال غير محسوب. أريد به نفاق مشاعر العوام والمزايدة عليها.

ناهيك عن أنه لا مقارنة أيضا بين مشاعرنا إزاء بلد شقيق مثل الجزائر، وآخر خصم وعدو استراتيجي مثل إسرائيل،

لاحظ أيضا أن ذلك الانفعال في مواجهة الجزائر كان بسبب حدث تافه صغير، في حين أن ما أقدمت عليه إسرائيل هو جريمة بكل المعايير.

ثم إن ذلك كان في ظل نظام ما قبل 25 يناير، الذي داس على كرامة المصريين وأذلهم. في حين أن الموقف اللين الذي يدهشنا اتخذ بحق إسرائيل بعد 25 يناير، وهو اليوم الذي كان بداية لمرحلة استرد المصريون فيها وطنهم وكرامتهم. وهو ما يجسد لنا مفارقة أخرى غير قابلة للتصديق.
لئن قيل في تفسير المقارنة أن مصر تعرضت لضغوط قوية لعدم التعبير عن غضبها إزاء إسرائيل بسبب جريمة القتل التي ارتكبتها، وناشدتها الأطراف التي ضغطت، الولايات المتحدة تحديدا، أن تلتزم بضبط النفس.

لكن تلك حجة إذا صحت فإنها علينا وليست لنا. بمعنى أنها طلبت من القاهرة أن تبتلع المهانة وأن تمتنع حتى عن توجيه العتاب للقتلة. إذ نفهم أن استدعاء السفير للتشاور هو تعبير عن العتب. في حين أن سحبه تعبير عن الغضب، والأول أضعف الإيمان، وهو الحد الأدنى في الأعراف الدبلوماسية للتعبير عن الاستياء والدفاع عن المصالح والكرامة الوطنية. كأنما طلب منا أن نلتزم بسلوك العاجزين الذين لا حيلة لهم. ونكتفي بتغيير المنكر بالقلب فقط.
ما يستفز المرء ويجرح مشاعره أن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك حين حاول أن يمتص غضب الشارع المصري فإنه عبر عن الأسف فقط ولم يعتذر عما حدث. وبالمناسبة ليس صحيحا ما نشرته صحفنا القومية من أنه اعتذر. لكن الرجل بصلافته واستعلائه اعتبر أن كلمات الأسف التي عبر عنها يمكن أن ترضي المصريين، وكأن ذلك كان تنازلا منه علينا أن نقنع به وأن نحمد الله على أن الرجل منَّ علينا به.

لا يغير من شعورنا بالاستفزاز ما نشرته الصحف المصرية عن أن القاهرة اعتبرت أن الرد الإسرائيلي غير كاف. وأن إسرائيل يجب أن تتحمل مسؤوليتها عما حدث وأنها مطالبة بتحديد سقف زمني للتحقيق في الحادث..إلخ. ذلك أن هذا الكلام لا يعني أن مصر الرسمية اتخذت خطوات عملية للتعبير عن غضبها، من قبيل استدعاء السفير على الأقل، وإنما أطلقت كلاما في الهواء لم يترجم إلى أي خطوات عملية على الأرض.
يخوفوننا بالحرب ويعتبرون أن إجراءات عملية تجسد السخط والغضب «تصعيدا» مؤديا إلى ذلك الاحتمال الأسوأ. وفضلا عن أن أحدا لم يتحدث عن الحرب ولم يطالب بها فإن هذه المصادرة لمشاعر الغضب تحول معاهدة السلام إلى معاهدة للمهانة والإذلال. ولئن جاز ذلك في ظل النظام السابق الذي تعامل مع إسرائيل بلغة الانكسار والهزيمة، فإنه لا يجوز في زمن الثورة على ذلك النظام واستعادة الشعور بالحرية والكرامة.
باسم رفض التصعيد مع إسرائيل فإنهم يدعوننا إلى «تدليلها» والامتناع عن اتخاذ أي خطوة تكدر خاطرها. بحيث نكتفي بمخاطبة أنفسنا ودغدغة مشاعر شعوبنا من خلال الضجة الإعلامية ومظاهرات الشوارع.
يشهرون في وجوهنا الاتفاقية باعتبارها صكا مقدسا على مصر أن تلتزم به، في حين إسرائيل معفاة من ذلك الالتزام بمقتضى سياسة التدليل التي أشرت إليها توا.

وقد تلقيت حول هذه النقطة تعليقا من المستشار سمير حافظ عبر فيه عن دهشته من إشارة البعض إلى الاتفاقية وكأنها معاهدة محترمة بين طرفيها. إذ ذكرنا بأن قوات الطوارئ الدولية المشكلة بمعرفة الولايات المتحدة كذبت الادعاء الإسرائيلي بأن قتل المصريين تم من خلال قصف من جانب إحدى طائراتها. إذ أعلنت في تقرير لها أن قوة إسرائيلية مسلحة اخترقت الحدود المصرية وارتكبت جريمتها، الأمر الذي يعد غزوة اعتدت بمقتضاها إسرائيل على السيادة المصرية.
وهذا الاعتداء يمثل انتهاكا للاتفاقية وخرقا صريحا لنصوصها.

وكان أجدر بالذين يدافعون عنها أن يكفوا عن نقد رد الفعل المصري، وأن يطالبوا إسرائيل بأن تحترم التزاماتها التي وقعت عليها، وإلا أصبح من حق مصر أن تطالب بإعادة النظر في نصوصها.
إننا نريد في الوقت الراهن ــ وحتى إشعار آخر ــ أن يدرك الجميع أن زمن تدليل إسرائيل قد انتهى. فما عدنا مستعدين لاحتماله، ناهيك عن أنهم لا يستحقونه أصلا.
..................

23 أغسطس، 2011

تداعيات الزلزال السوري – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 23 رمضان 1432 – 23 أغسطس 2011
تداعيات الزلزال السوري – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_23.html

حين يبدأ الحديث عن سوريا ما بعد الأسد فلن يعني ذلك المراهنة على سقوط النظام فحسب، ولكنه يعني أيضا أن المنطقة مقبلة على زلزال من الدرجة العالية، ستجاوز أصداؤه حدود البلد ذاهبة في ذلك إلى أبعد مما يتصور كثيرون.


(1)


مشكلة النظام السوري أنه بدد رصيده وحرق أوراقه وحاصر نفسه في نهاية المطاف،

وأزعم أنه طوال الأشهر الستة الماضية أعطته الأطراف الإقليمية والدولية فرصا كثيرة لكي يستعيد توازنه ويتصالح مع شعبه ويبقى على علاقاته الإيجابية مع أصدقائه. ولكنه أهدر تلك الفرص واحدة تلو الأخرى.
في الوقت الراهن فإن نيران الغضب الشعبي العارم أصبحت تعم الرقعة السورية كلها، الشرارة خرجت من درعا القريبة من الحدود الأردنية في أقصى الجنوب ووصلت إلى القامشلي على الحدود التركية في أقصى الشمال. وانتشرت من البوكمال القريبة من الحدود العراقية في الشرق وحتى اللاذقية وطرطوس المطلتين على البحر المتوسط في الغرب.

وعمت نيران الغضب المدن الكبرى بما فيها حمص وحماة وأدلب ودير الزور. ووصلت إلى دمشق مقر السلطة، وحلب قلعة الصناعة والتجارة.

الأمر الذي يعني أننا بصدد ثورة شعب لم يهدأ لهيبها منذ منتصف مارس الماضي، رغم جهود القمع الوحشي الذي تتعرض له جماهيره.

تتحدث تلك التقارير أيضا عن أن القتلى الذين تم حصرهم تجاوزوا 2300 شخص، وأن أكثر من ثلاثة آلاف اختفوا ولم يعثر لهم على أثر.
أما المعتقلون فقد تجاوز عددهم خمسة آلاف.

وتوثق الصور المتوافرة على «اليوتيوب» وعلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي أساليب التنكيل والتعذيب والقسوة المفرطة التي لجأت إليها السلطة في إصرارها على سحق المتظاهرين، الأمر الذي نسف دعوى النظام بتحميل المسؤولية لجماعات إرهابية انشقت عنها الأرض فجأة، وظهرت في ربوع سوريا رغم القبضة المحكمة التي تخضع لها لبلاد منذ نحو أربعين عاما.

في الوقت ذاته فإن استمرار تلك الأساليب نسف أيضا كل وعود السلطة بالإصلاح وأفرغها من مضمونها.
(2)
المشكلة ازدادت تعقيدا في الوقت الراهن. فلم يعد النظام قادرا بعد أكثر من خمسة أشهر على احتواء الانتفاضة وإطفاء الحريق المشتعل ــ كما أنه أغرق البلاد في بحر من الدماء بحيث لم يعد قادرا على التراجع عن أساليبه المتبعة ــ ولم تعد الجماهير مستعدة للتراجع عن مطلبها في إسقاط النظام بعد كل الثمن الذي دفعته، وبعدما سقط النظام في اختبارات الوفاء بوعود الإصلاح التي أطلقها. الأمر الذي أوصل الطرفين إلى نقطة المفاصلة التي لا رجوع عنها.
المشكلة تكمن في صلب وبنية النظام السوري المستمر منذ أكثر من أربعين عاما. إذ لا مكان ولا مجال للسياسة أو حتى السياسيين في الداخل،
ومصطلح السياسة يظهر فقط في التعامل مع الخارج. أما الداخل فالسلطة تدير المجتمع بواسطة أجهزتها الأمنية ولا تسوسه.

والسلطة لا تعنى سوى الرئيس والأجهزة الأمنية. أو الرئيس وسوطه إن شئت الدقة.
وكل ما عدا ذلك ــ بما في ذلك حزب البعث ذاته ــ هياكل لا وجود لها على الأرض.
النظام السوري مضطر لاستخدام السياسة فقط في الخارج لأن ثمة طرفا آخر ينبغي مخاطبته والتعامل معه. وهو ليس مضطرا إلى ذلك في الداخل لأن المجتمع ملغى منه المعادلة. والتعامل معه يتم على قاعدة الإخضاع وليس الحوار، لذلك فإنه منذ تفجرت أحداث درعا في منتصف شهر مارس الماضي، فإن السلطة بأجهزتها الأمنية لم تنشغل إلا بشيء واحد هو كيفية قمع الجماهير وإسكات صوتها.

وكل ما قيل عن حوار داخلي منذ ذلك الحين كان مقصودا به مخاطبة الخارج ومخادعته. فضلا عن محاولة كسب الوقت بطبيعة الحال.
كثيرون يستعيدون في الوقت الراهن أحداث التمرد في حماة عام 1982 الذي سحقته أجهزة الأسد الأب، واستخدمت في ذلك الطائرات والأسلحة الثقيلة. مما أدى إلى قتل ما بين 20 و25 ألف نسمة، كما أدى إلى تدمير أحياء بكاملها من المدينة

وقد لجأ النظام هذه المرة إلى ذات الأساليب دون أن يدرك أن ما مر آنذاك يتعذر تمريره الآن. فالدنيا تغيرت والناس اختلفوا. وأساليب الاتصال ما عاد ممكنا حصارها أو منعها من فضح الجرائم وتعميمها على العالم.
(3)
الواجهة الخارجية للنظام اختلفت تماما عن صورة البيت في الداخل، فقد كسب النظام من عدة مواقف تمثلت فيما يلي:

رفع لواء الممانعة في التعامل مع إسرائيل واستضافة قيادات الفصائل الفلسطينية
ــ مساندة المقاومة الوطنية في لبنان
ــ احتفاظه بعلاقات استراتيجية مع إيران
ــ مساندته للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي
ــ انفتاحه الإيجابي على تركيا.

وأيا كانت دوافعه إلى ذلك. فإن الإنصاف يقتضينا أن نسجل تلك المواقف لصالحه، رغم إدراكنا أن نظام دمشق حافظ على تهدئة الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، ولم يسمح بإطلاق رصاصة واحدة تجاهها منذ احتلال الجولان في عام 67.
لا وجه للمقارنة بين إيجابية الصورة من الخارج وقبحها في الداخل. والأولى لا تبرر ولا تعوض الثانية بأي حال.
بهذه المناسبة فإن أبواق النظام تروج منذ بدأت الانتفاضة الشعبية لمقولة إن سوريا مستهدفة وأنها تتعرض لمؤامرات عدة من الخارج. وهذا صحيح بصورة نسبية، إلا أن الذين استهدفوا النظام لم تكن تقلقهم على الإطلاق سياسته الداخلية، فقد كانوا من أكبر أعوان وحلفاء المستبدين في مصر وتونس.

ولكنهم أرادوا من النظام أن يغير من سياساته الخارجية خصوصا ما تعلق منها بالتحالف مع إيران ودعم حزب الله في لبنان. بالتالي فلا علاقة بين استهداف الخارج وبين تحرك الجماهير ضد النظام.
بل قد أزعم أن ذلك التحرك قد يقلق المتآمرين عليه بأكثر مما يريحهم أو يطمئنهم، لأن المشاعر الوطنية والعروبية المتجذرة لدى الشعب السوري ونخبه الواعية قد تستدعي بديلا ديموقراطيا للنظام القائم يكون أكثر التزاما بالمواقف القومية وأشد إخلاصا لقضية العرب المركزية.
(4)
لا تزال الدبابات تقتحم المدن، في حين أن المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام صامدون في الشوارع، غير آبهين بزخَّات الرصاص الموجه صوب صدورهم العارية. وإزاء استمرار ضغوط الداخل والخارج المتزايدة فليس مستبعدا أن يلجأ النظام إلى إشعال نار الحرب الأهلية بين الأقلية العلوية القابضة على زمام السلطة وبين الأغلبية السنية.

وهناك من يراهن على قدرة السلطة على سحق الجماهير الغاضبة في نهاية المطاف وإقامة نظام أكثر بوليسية وأشد مذهبية، لكن كثيرين يرون أن الدماء الغزيرة التي سالت والمعاملة الوحشية التي تتلقاها الجماهير الغاضبة على أيدي شبيحة النظام وجلاديه تجعل استمرار التعايش مستحيلا بين السلطة والمجتمع. من ثَمَّ فإنهم يرجحون احتمال سقوط النظام.
إذا جاز لنا أن نلخص الخيارات المطروحة فستبدو الآن كالتالي:

إذا استمر النظام فستكون تلك كارثة سيدفع ثمنها الشعب السوري،

أما إذا سقط فسنكون بصدد كارثة أخرى قد تؤدي إلى قلب سوريا ذاتها وقلب الموازين في المنطقة.

ومضمون الكارثة الأولى يمكن تخيله بحسبانه استرجاعا وتعميما لمذبحة حماة.
أما الكارثة الثانية فهي تحتاج إلى بعض التفصيل.
فنحن لا نعرف إلى أي مدى ستتورط الطائفة العلوية في تأييد النظام. وبالتالي لا نعرف حجم الثارات التي سيرتبها ذلك بين العلويين والسنة.

بذات القدر فثمة أسئلة لابد أن تثار حول مصير الفصائل الفلسطينية المستقرة في دمشق والتي استجابت لضغوط النظام واصطفت إلى جانبه ضد الشعب السوري.
وفي ظل الاحتقان الحاصل في لبنان بين فريقي 14 و8 مارس، وحزب الله الذي أعلن وقوفه إلى جانب النظام السوري يشكل القاعدة الأساسية لفريق 8 مارس، فإن سقوط نظام دمشق سيحرم حزب الله من حليف وداعم أساسي، وبالتالي سيضعفه في مواجهة الفريق الآخر، الأمر الذي يهيئ مناخا لتفجير الموقف الداخلي في لبنان.

ذلك أن فريق 14 مارس الذي يقوده سعد الحريري المؤيد غربيا والمدعوم من قبل معسكر الاعتدال العربي، سيجد الظرف مواتيا لتشديد انقضاضه على حزب الله، الذي يواجه موقفا حرجا الآن بعد توجيه الاتهام إلى أربعة من أعضائه في قضية مقتل رفيق الحريري.
وإذا لاحظت أن إيران تقف بقوة إلى جانب النظام السوري، وأن هذه المساندة استتبعت تأييدا واسعا له من جانب أغلب الشيعة فإن سقوط نظام دمشق سوف يؤدي مباشرة إلى فض تحالفه الاستراتيجي مع طهران، وهو ما سيرتب نتيجتين
إحداهما إضعاف موقف إيران وزيادة عزلتها بصورة نسبية،
والثانية إضعاف موقف حزب الله.

وإذا ما حدث ذلك فإنه سيشكل فرصة قد تغري إسرائيل بأن توجه ضربتها العسكرية لإجهاض المشروع النووي الإيراني.

ومعلوم أن تماسك المثلث ثلاثي الأضلاع الذي يضم سوريا وإيران وحزب الله، يشكل أحد المعوقات الأساسية التي حالت دون إقدام إسرائيل على تلك الخطوة طوال السنوات الثلاثة الأخيرة، ذلك أن إسرائيل ظلت طول الوقت تتحسب لرد الفعل الذي يمكن أن يصدر عن حزب الله بوجه أخص إذا ما شنت ذلك الهجوم.
أصداء السقوط المفترض ستسمع في العراق أيضا. ذلك أنه إذا ما أصبح الشيعة في الموقف الأضعف، بعد إنهاء التحالف الاستراتيجي لإيران مع سوريا في ظل إضعاف دور حزب الله وحصاره، فإن ذلك سيخل بموازين القوى داخل العراق، ومن ثم سيغل يد إيران فيها، الأمر الذي قد يقوى من ساعد أهل السنة وينعش تطلعهم إلى زيادة حصتهم وتحسين أوضاعهم. وهو ما قد يجدد الصراع في الساحة العراقية.
تركيا لن تكون بعيدة عن أصداء السقوط. ذلك أن النقد العلني الذي وجهته أنقرة لممارسات النظام السوري لم يؤد فقط إلى توتير العلاقة مع دمشق، وإنما دفع الأخيرة إلى استخدام ورقة الأكراد للضغط على النظام التركي وإزعاجه. ومعلوم أن ثمة أكرادا يعيشون في سوريا. كما أن بعض عناصر حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا لا تزال تحتمي بالتراب السوري.

وفي كل الأحوال فإن أنقرة لن تقف متفرجة لأنها تعتبر أن أي اضطرابات تحدث في سوريا، التي تشترك معها في حدود بطول نحو 800 كيلومتر، تمس أمنها القومي، ولابد من التعامل معها بما يحمى المصالح التركية.
وبقدر ما إن روسيا ستعتبر أن سقوط النظام السوري يعني اختفاء آخر حليف باق لها في العالم العربي، فإن ممثلي الدول الغربية الكبرى النشطين والمتربصين في لبنان سوف يرون في ذلك السقوط فرصة ذهبية تتيح لهم المضي قدما لتحقيق مخططاتهم التي تستهدف إعادة رسم خريطة لبنان السياسية والمنطقة العربية.
لا نستطيع حصر كل أصداء سقوط نظام دمشق، ولكننا نستطيع أن نؤكد شيئا واحدا هو أن استعادة الشعب السوري لكرامته وكبريائه هدف جلل، يهون لأجله أي ثمن يدفع، خصوصا أنهم لم يترددوا في دفع مقدم ذلك الثمن من دمائهم.
....................

22 أغسطس، 2011

أخيرًا غضبت مصر

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 22 رمضان 1432 – 22 أغسطس 2011
أخيرًا غضبت مصر - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_22.html

رغم تضارب الأخبار المتعلقة بعملية قتل الإسرائيليين للضابط والجنود المصريين، إلا أن الأمر الواضح أن إسرائيل تلقت رسالة لم تألفها من الجماهير المصرية الغاضبة التى احتشدت أمام السفارة وظلت طوال الليل تنادى بطرد السفير.

ذلك أن الجماهير التى تمردت على المهانة والاستبداد انتهزتها فرصة لكى تعلن على الملأ أن مجرد الوجود الإسرائيلى فى قلب القاهرة يظل أحد رموز إهانة المصريين وجرح كبريائهم.التضارب الذى أعنيه لم أقصد به ذلك الذى اكتنف موقف الحكومة فقط، وإنما وجدناه أيضا فى التفاصيل التى نشرت عن الحادث.

فقد بينت صحيفة «الشروق» أمس كيف أصدرت الحكومة المصرية ثلاثة بيانات مختلفة بخصوص العملية خلال 12 ساعة.. إلى أن سحب البيان الأخير بحجة انتظار نتائج التحقيقيات الجارية فى الموضوع.

ولم يكن هناك من تفسير لذلك سوى أن المجلس العسكرى آثر التريث وعدم التصعيد السياسى لحسابات قدرها، فى حين أن الحكومة تأثرت بانفعالات الشارع المصرى وسارعت إلى اتخاذ خطوات بذاتها للرد على الجريمة الإسرائيلية من ثم فلعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن موقف الحكومة كان متأثرا بانفعالات الشارع فى حين أن موقف المجلس العسكرى كان متأثرا بحسابات الدولة وتوازناتها.من ناحية أخرى فإن معلومات العملية الإسرائيلية ذاتها سادها الارتباك والتضارب. فالرواية الشائعة فى الصحف المصرية أن الإسرائيلين تتبعوا بواسطة طائرة هليكوبتر مجموعة الفلسطينيين كانوا قد وصلوا إلى رفح المصرية، قرب موقع لقوات الأمن المركزى. وحينما أطلق الإسرائيليون عليهم النار فإنهم قتلوا أحد الضباط المصريين وخمسة آخرين من الجنود،

إلا أن صحيفة «هاآرتس» نشرت فى 19/8 أن تتبع الفلسطينيين تم بواسطة عملية مشتركة جرى التنسيق فيها بين المصريين والإسرائيليين. وهى الرواية التى بثتها الصحيفة مرة واحدة على موقعها ثم سحبتها بعد ذلك. الأمر الذى يشكك فى صدقيتها.تحدثت مع بعض الخبراء فى هذا الصدد فرجحوا أن يكون قتل المصريين بالنيران الإسرائيلية تم على سبيل الخطأ، ولكن الإسرائيليين أرادوا من خلاله أن يوجهوا أيضا رسالة جس نبض إلى النظام الجديد فى مصر. كى يكتشفوا من خلالها موقف المجلس العسكرى ومدى «مرونته» فى التعامل مع الملف الإسرائيلى بعربدته وتجاوزاته.كنت قد قرأت قبل أسبوعين تقريرا إسرائيليا امتدح الرئيس السابق حسنى مبارك وذكر أنه نجح فى جميع الاختبارات التى وضعتها إسرائيل أمامه لكى تطمئن إلى حقيقة مشاعره إزاءها، وكان العدوان الإسرائيلى على غزة واجتياح لبنان من الاختيارات التى اجتازها مبارك بنجاح مشهود، حيث لم يستطع حتى إدانة العدوان، إلى غير ذلك من «النجاحات» التى دفعت إسرائيل إلى اعتباره صديقا عظيما وكنزا استراتيجيا.

وليس سرا أنه بعد ثورة 25 يناير فإن إسرائيل سعت إلى إخضاع النظام المصرى الجديد إلى اختبارات أخرى كان الابتزاز عنوانا رئيسيا لها.

من ذلك أنها ظلت تسرب أخبارا عبر صحفها تتحدث عن زيادة معدلات تهريب السلاح إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، كما تتحدث عن ارتخاء القبضة المصرية على سيناء، وزعمهم أن ذلك أسهم فى ظهور بعض جماعات العنف المسلحة.مسارعة إسرائيل إلى محاولة تطويق الحادث تدل على مدى حرصها على عدم استفزاز النظام الجديد أو التصعيد معه. إذ عقد نتنياهو اجتماعا تشاوريا مع حكومته حول الموضوع. كما أعرب وزير الدفاع عن أسفه لوقوع الحادث، وتم إيفاد مبعوث خاص إلى القاهرة «السفير الإسرائيلى السابق» لتهدئة الموقف وامتصاص غضبها.إن شئنا أن نكون أكثر دقة فسنقول إن مظاهرات المصريين وانفجار مشاعر الغضب لدى شبابهم لم تبعث برسالة إلى الإسرائيليين فحسب، ولكنها بعثت برسالة أخرى إلى المجلس العسكرى ذاته تنبهه إلى طبيعة المزاج الشعبى المسكون بالرفض والنفور من مجمل السياسات الإسرائيلية التى تتسم بالاستهتار والعربدة.لقد أطلقت تسيبى ليفنى زعيمة المعارضة فى الكنيست تصريحا عقب الحادث ذكرت فيه أن الجبهة المصرية لم تعد حدود سلام فى تعبير عن استيائها من غضبة المجتمع والسلطة فى مصر.

وهو كلام لا يخلو من تدليس وتحريض، لأن كل ما فعلته مصر أنها عبرت عن غضبها واحتجاجها إزاء ما جرى. ولم تلجأ إلى ما يمكن أن يخل بمعاهدة السلام التى لم تكف إسرائيل عن انتهاكها.

ولكن لأنهم هناك اعتادوا على أن تحنى مصر رأسها لمثل هذه الحوادث فى السابق، فقد اعتبروا مجرد الغضب ورفض الانصياع والاستسلام من جانب النظام الجديد أمرا مستغربا يخل بتصورهم للسلام الذى يرتاحون إليه.
................

21 أغسطس، 2011

ليست اتفاقية أرثوذوكسية

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 21 رمضان 1432 – 21 أغسطس 2011
ليست اتفاقية أرثوذوكسية - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_21.html

نريد أن نرفع القداسة عن اتفاقية كامب ديفيد، ونتعامل معها باعتبارها عملا بشريا يؤخذ منه ويرد، طبقا لما تقتضيه المصلحة العليا لمصر.

أدرى أنها اتفاقية دولية، وأنها تمت فى ظل موازين قوة أو موازين ضعف معينة، كما أننى أؤيد أنها لا ينبغى أن تكون موضوعا للعبث والمزايدة ولا محلا للمغامرة. لكن ذلك لا ينبغى أن ينفى عنها بشريتها أو إخضاعها لاعتبارات المصلحة العليا.أقول هذا الكلام بمناسبتين،

الأولى ما نشرته صحف أمس (السبت 20/8) على لسان الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء السابق فى لقاء له بمدينة طنطا أن من يتحدثون عن إلغاء اتفاقية كامب ديفيد لا يدركون عواقبها، وأنهم فتوات يمارسون «الفتونة» فى غير مكانها،

وقوله إن موضوع الإلغاء مستحيل لأننا وقعنا الاتفاقية بشهادة العالم وتحت سمعه وبصره.

أما المناسبة الثانية فهى ما يحدث الآن فى سيناء، والحملة التى تباشرها أجهزة السلطة المصرية لاستعادة الأمن وضبط المجموعات التى تباشر أعمال عنف غير مشروعة هناك. وهى الحملة التى تتابعها إسرائيل وتحدثت عن أنها «سمحت» بإدخال تعزيزات أمنية مصرية لمساندتها

وقد استشعرت وخزا ومرارة حين تكرر ذلك التصريح فى وسائل الإعلام الإسرائيلية، لاننى مازلت غير قادر على تصديق فكرة استئذان إسرائيل كلما أرادت مصر أن تعزز وجودها الأمنى فى سيناء، التى مازالت جزءا لا يتجزأ من تراب مصر الخاضع لسيادتها. أدرى أن ذلك أمر قررته الاتفاقية المذكورة، إلا أننى أفهم أيضا أنه من الأمور المعيبة التى لا ينبغى السكوت عليها واحتمالها طول الوقت. وربما كانت مما ينبغى إعادة النظر فيه يوما ما.أوافق تماما على أن ملف العلاقات المصرية الإسرائيلية له حساسيته، وينبغى التعامل معه بحذر شديد، الأمر الذى ينبغى أن يستبعد دون تفكير أى خطوة غير محسوبة، أو أى إجراء لا تؤمن عواقبه أو يكون الضرر فيه أكثر من النفع.

كما أننى أفهم أن التصدى لمختلف ملفات السياسة الخارجية له شروطه التى ينبغى استيفاؤها أولا. وفى مقدمتها قوة وثبات الموقف الداخلى، سياسيا واقتصاديا بالدرجة الأولى.لكنى لا أوافق على الإطلاق على أمرين

أولهما أن نصبح عبيدا للاتفاقية. بحيث يظل دورنا محصورا فى الانصياع والامتثال لها. رغم ما قد تشوبه بعض بنودها من إهدار للمصالح العليا.

وثانيهما أن نحيط الاتفاقية بهالة من القداسة، تجعل من المستحيل الاقتراب منها من أى باب.

ثم إننى أضيف أمرا ثالثا هو أن خياراتنا فى التعامل مع أى اتفاقية مهما كان استكبار أو صلافة أى طرف لها لا تتراوح بالضرورة بين الإلغاء أو الانصياع. لأن هناك خيارا ثالثا واسع المجال يتمثل فى تعديل بعض بنودها التى يتبدى فيها الإجحاف والظلم.

ذلك أننا إذا كنا نرفض المغامرة بالإلغاء. فإننا نرفض أيضا استمرار ما فيها من إجحاف، قبلته مصر فى ظروف معينة قبل ثلاثين عاما، وهذه الظروف طرأت عليها متغيرات فى بنية المجتمع المصرى وتركيبته السياسية ينبغى أن توضع فى الاعتبار.قبل أسابيع قليلة هدد رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بإلغاء اتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين، ردا على قرار السلطة فى رام الله التوجه إلى الأمم المتحدة وطلب الاعتراف بفلسطين كدولة مستقلة.

وتحدثت التقارير الصحفية عن دراسات تجرى فى إطار الخارجية الإسرائيلية لتداعيات هذه الخطوة وآثارها، ولم يقل أحد أن أوسلو مقدسة أو أنه يستحيل الاقتراب منها، لأنها صنعت تاريخا جديدا فى علاقات الإسرائيليين بالفلسطينيين، ولكن الموضوع لايزال محل مناقشة فى وسائل الاعلام الإسرائيلية.إذا قال قائل إن نتنياهو لوح بهذا القرار وهو مدرك انه فى موقف القوة، فلن أختلف معه وأعتبر هذه الحجة مؤيدة لما أدعو اليه، من ضرورة التمكن من اسباب القوة التى تمكن صاحب الحق من ان يجهر بحقه ويدعو إليه، بحيث يكون واثقا من ان كفة المصلحة ستكون أرجح من الضرر أو المفسدة،

علما بأننى لا أتحدث عن الغاء اتفاقية كامب ديفيد (وهو ما أتمناه)، وإنما أتحدث عن الاستعداد لمراجعة بعض بنودها وصياغتها بصورة تكون اكثر اتفاقا مع المصلحة الوطنية المصرية،

أقول ذلك دون ان اخفى اقتناعا بأن تلك الاتفاقية تتحمل قسطا كبيرا من المسئولية عن انكسار مصر وتقزيمها كما تتحمل المسئولية عن التفريط فى حقوق الفلسطينيين وفتح الباب لتصفية القضية.لو أن الفريق شفيق حذر من التهور فى التعامل مع الاتفاقية، وقال إنها يمكن أن تقرأ وتراجع بعض بنودها فى ضوء المصلحة العليا لمصر. لكان أكثر توفيقا وأحكم.

لكن كلامه عن استحالة الاقتراب منها وتصويرها بحسبانها اتفاقية أبدية وأرثوذوكسية لا نملك إلا أن نقبل بها كما «أنزلت» يسىء إليه كسياسى يطرح نفسه مرشحا لرئاسة الجمهورية.
وإذا ما أصر على موقفه هذا فإنه سيخسر صوتى على الأقل.
................

20 أغسطس، 2011

غلطة الشاطر


صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 20 رمضان 1432 – 20 أغسطس 2011
غلطة الشاطر - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_20.html

شممت رائحة غير مريحة فى كلام رئيس الأركان الفريق سامى عنان الذى أعلن فيه أن «مدنية الدولة أمن قومى لا مساومة عليه»، وهو الإعلان الذى تحول إلى عنوان رئيسى للصفحات الأولى فى صحف الخميس الماضى 18/8.

ذلك أن الطريقة التى أبرز بها كلامه ذكرتنى بتصريحات رؤساء الأركان فى تركيا، الذين اعتبروا يوما ما أنهم حراس النظام العلمانى هناك، وظل كل واحد منهم حين يريد أن يحذر القوى السياسية، وقبل أن يقوم بانقلابه أن علمانية الدولة مسألة أمن قومى ولا مساوة عليها.وهى المرحلة التى عانت منها تركيا كثيرا و تجاوزتها أخيرا، حتى اتجهت الحكومة فى الوقت الراهن إلى استصدار تشريع يمنع القوات المسلحة من إصدار بيانات سياسية.
أرجح ألا يكون الرجل قد قصد المعنى الذى اشير إليه، ومن ثم نظلمه إذا حملنا كلامه بأكثر مما يحتمل، لكننى بصراحة لم أفهم لماذا أقحم الفريق عنان نفسه فى الموضوع أصلا، خصوصا أن عنوان الدولة المدنية ملتبس وحمال أوجه. ناهيك عن أنه لا أصل له فى علوم السياسة أو الاجتماع.وإنما هو «اختراع مصرى» كما وصفه الدكتور عمر الشوبكى فى أحد الحوارات، وإن لم يقل إنه حيلة لجأ إليها بعض المثقفين للتمويه والتستر على فكرة الدولة العلمانية سيئة السمعة فى المجتمع المصرى.
وفى حدود علمى فإن واحدا فقط منهم هو الذى جهر برأيه الصريح فى الموضوع، وقال فى مقالة نشرتها له الأهرام أن المراد هو دولة علمانية وليست مدنية.المتخصصون فى علوم السياسة والاجتماع يتحدثون عن مجتمع مدنى وليس دولة مدنية. وثمة كتابات عدة صدرت حول الموضوع عن مؤسسة الأهرام وكذلك الشبكة العربية للمنظمات الأهلية. التى كان من بين مطبوعاتها التى عرفت المصطلح بدقة «الموسوعة العربية للمجتمع المدنى». وكنت قبل نحو عشرين عاما قد نشرت فى الأهرام مقالة تحت عنوان «دفاع عن المجتمع المدنى». وضمنتها فى وقت لاحق كتابا لى صدر بعنوان: للإسلام والديمقراطية.ما أريد أن أقوله إن مصطلح الدولة المدنية الذى اعتبره الفريق عنان قضية أمن قومى. ليس سوى ملعوب أطلقه أولئك النفر من المثقفين ووظفوا له تعبيرا غامضا له جاذبيته ويتعذر الاعتراض عليه.

ولا أظن أن رئيس الأركان أراد أن يكون شريكا فى اللعبة، وأن يصطف إلى جانب ذلك الفريق المهجوس بمخاطر ما هو دينى، فأراد أن يشهر فى وجهه «فيتو» المدنى، فى تلاعب بالألفاظ فيه من المكر بأكثر مما فيه من الرصانة والأكاديمية.
قال أحد الأصدقاء ممن يحسنون الظن بالفريق عنان إنه حين تحدث عن الدولة المدنية فإنه كان يقصد نقل السلطة من حكم العسكر إلى الحكم المدنى. وهو تأويل ليس عندى ما يؤيده. وإن كنت قد سمعت به ذات مرة من الشيخ محمد الغزالى رحمه الله. ذلك حين سمع بمصطلح المجتمع المدنى الذى بدأت وسائل الإعلام الحديث عنه فى الثمانينيات فسألنى عن معناه.
وما إذا كان المقصود به المدنى فى مواجهة العسكرى.
أم المدنى نسبة إلى المدينة المنورة التى نزلت فيها بعض سور القرآن فصارت مدنية، فى مقابل سور أخرى مكية (من مكة).
أم أنه استخدام للمصطلح القانونى الذى يميز بين ما هو مدنى وجنائى فى القضائيا.
وقتذاك قلت له إن المصطلح فى مبتدئه أريد به الإشارة إلى دور أهل المدن فى المجتمع (البورجوازية) فى مواجهة السلطان المطلق للملوك والأمراء. الذى كان مخيما على أوروبا فى القرن السابع عشر. وهى الأجواء التى دفعت الفيلسوف الإنجليزى جون لوك إلى إصدار كتابه «الحكومة المدنية» فى عام 1690م.

طوال العشرين سنة الأخيرة على الأقل لم يستخدم المدنى لتحدى ما هو دينى أو معارضته، وفى مقالى بالأهرام الذى سبقت الإشارة إليه.فإننى دافعت عن المجتمع المدنى وقلت إنه ليس مقطوع الصلة بالدينى. حيث مجال حركته ينصب على ما هو اجتماعى وسياسى، ولا شأن له بالحالة العقيدية. واعتبرت المؤسسات الأهلية التقليدية التى عرفتها الخبرة الإسلامية ضمن مؤسسات المجتمع المدنى، وفى المقدمة منها الأوقاف ومؤسسات الزكاة والحسبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجمعيات الحرفيين والصناع وغيرها.

لو أن الفريق عنان تحدث عن ديمقراطية الدولة لكان أكثر موضوعية واقناعا، خصوصا أن الديمقراطية هى البيئة الطبيعية الحاضنة للمجتمع المدنى وبغيرها لا تقوم لذلك المجتمع قائمة.

فى حين أنه عندما ردد مقولة بعض المثقفين عن الدولة المدنية فإنه دخل فى دائرة الشبهات، وظلم نفسه حين وجدناه فجأة وبغير مبرر مصطفا إلى جانب الذين يتلاعبون بالألفاظ ويحاولون مصادرة ما هو دينى ومعارضته بقناع الدولة المدنية ــ لكنها غلطة الشاطر التى نرجو ألا تتكرر.
.................

18 أغسطس، 2011

نحو (حلف فضول) سياسى

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 18 رمضان 1432 – 18 أغسطس 2011
نحو (حلف فضول) سياسى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_18.html

بتأسيس ما سمى بـ«الكتلة المصرية» دخلت مصر طورا جديدا من أطوار الاستقطاب بين الإسلاميين والعلمانيين، له صلته الوثيقة بترتيبات الانتخابات التشريعية التى يفترض أن تبدأ فى الشهر المقبل.

صحيح أن الكتلة تضم فصيلا منسوبا إلى الصوفية ولكنه فصيل هامشى حتى داخل المجلس الأعلى للطرق الصوفية الذى نأى بنفسه فى بيان رسمى عن المشاركة فى المشاحنات السياسية الجارية.

وأغلب الظن أنه ضم إلى الكتلة من باب ذر الرماد فى العيون، خصوصا أن التجمع يضم ليبراليين وشيوعيين وقوميين وأقباطا وآخرين ممن لا يلتقون إلا على الالتزام بالموقف العلمانى والحرص على الاحتشاد لمواجهة التيار الإسلامى بمختلف فصائله وعلى رأسها الإخوان المسلمون.ما حدث فى مصر له نظيره فى تونس، التى شكلت الأحزاب العلمانية فيها ما أسموه التجمع الديمقراطى، لتحدى قوى التيار الإسلامى وعلى رأسها حزب «النهضة»، إلا أن الصورة هناك أوضح منها فى مصر، ذلك أن الأحزاب المتأثرة بالثقافة والسياسة الفرنسية لم تخف هويتها ولم تتستر وراء أى قناع، ولكنها أسفرت عن وجهها وذهب بعض عناصرها إلى حد المطالبة بإلغاء الفصل الأول من الدستور التونسى الذى ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، كما طالب آخرون بالنص فى الدستور على علمانية الدولة.

ورغم أن الأطراف العلمانية فى مصر ليست بعيدة تماما عن جوهر هذا الموقف ومنها من دعا فى العالم الماضى إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور، فى بيان نشر على الملأ ووقع عليه أشخاص صاروا فى صدارة المشهد الراهن، إلا أنهم آثروا تقديم أنفسهم الآن على نحو مختلف ــ فأسقطوا من خطابهم مصطلح العلمانية سيئ السمعة فى مصر واستبدلوه بـ«المدنية». واضطرتهم الضغوط الشعبية إلى القبول بالمادة الثانية من الدستور، حتى إشعار آخر على الأقل.ما يهمنى فى ذلك الاستقطاب أنه يحمل بين طياته ثلاث مخاطر هى:


(1) أنه يشكل منعطفا فى مسار وأولويات التناقض فى كل من الثورتين فى كل من مصر وتونس. إذ بدلا من أن يظل التناقض الأساسى الذى يشغل الجميع هو ذلك الحاصل بين أنصار الثورة وأعدائها، فإنه تحول إلى احتراب وتناقض بين أبناء الثورة أنفسهم، الأمر الذى حرفهم عن حسم التناقض الرئيسى مع أعداء الثورة والمتربصين بها.


(2) أن ذلك يصرف قوى الثورة عن أهدافها الحقيقية المتمثلة فى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، أو بشعار الفقراء أولا. وإنما يحول الصراع من سياسى واجتماعى إلى أيديولوجى ويجعله صراع هويات وليس صراعا بين سياسات. وهو ما تجسد مثلا فى إشغال الرأى العام بما إذا كانت الدولة ستكون ذات هوية علمانية/ مدنية، أم دينية/ إسلامية وهى المشكلة التى تهم النخب السياسية ولا علاقة مباشرة لها مع المواطن العادى.


(3) أن الاستقطاب الإسلامى العلمانى إذا ما استحكم فى المجتمعات العربية ذات الأغلبيات المسلمة فإنه لن يكون فى صالح القوى الأخيرة. ذلك أن صياغة الصراع على ذلك النحو من شأنها أن تضع تلك القوى فى موقف الضد من الانتماء الإسلامى.

ولن يخلو الأمر من حملات تستثمر الأجواء المواتية لتصنف الليبراليين والعلمانيين بحسبانهم مشتبكين مع الإسلام ذاته، وليس مع جماعات سياسية لها مرجعيتها الإسلامية. وفى مجتمعاتنا المحافظة والمتدينة فى عمقها الشعبى فإن حساسيتها إزاء هذه النقطة بالذات تحكم على الطرف العلمانى والليبرالى بالخسران المبين


ــ وإذا حقق ذلك فوزا للقوى الإسلامية فإنه سوف ينسحب بالخسارة على الوطن وعلى نظامه الديمقراطى المنشود. ذلك أن سفينة الوطن لن تستقيم مسيرتها إلا إذا تكاتفت كل القوى الوطنية الحية للدفاع عن مصالحه العليا وجماهيره المتعطشة إلى العدل والحرية.


تعى الذاكرة الإسلامية قصة «حلف الفضول» الذى أقامه فى الجاهلية نفر من وجهاء قريش لنصرة الضعفاء فى مواجهة من يستقوون عليهم، وقال عنه النبى عليه الصلاة والسلام إنه لو أدركه لانخرط فيه وانضم إليه.

وهو موقف استبعدت فيه الأيديولوجيا، حيث لم ير فيه النبى كونهم مشركين وهو مسلم موحد بالله، ولكنه انطلق من الدفاع عن قيمة مشتركة تمثلت فى الدفاع عن الضعفاء فى مواجهة ظلم الأقوياء.

ولست أشك فى أن بين المتصارعين فى زماننا الكثير من القيم المشتركة التى تستحق التضامن والتوافق بين المختلفين، ومن ثم تخرجنا من الاستقطاب النكد الذى نحن مقبلون عليه. لكن المشكلة أنه فى حين لدينا الكثير مما هو مشترك فإن الساعين إلى التلاقى والتوافق قلة خافتة الصوت وقليلة الحيلة.
...................

17 أغسطس، 2011

كبَّروا أدمغتكم


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 17 رمضان 1432 – 17 أغسطس 2011
كبَّروا أدمغتكم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_17.html

حين انحاز توني بلير إلى جانب الرئيس الأمريكي جورج بوش في حملة غزو العراق، تعرض موقفه للنقد، حيث استكثر البعض هناك أن ينقاد رئيس الوزراء البريطاني وراء الرئيس الأمريكي في مغامرة من ذلك القبيل.

في تلك الأثناء نشرت إحدى الصحف البريطانية رسما كاريكاتوريا للرئيس بوش وهو يتجول في مزرعته، وقد سحب وراءه كلبا صغيرا كتب عليه اسم توني بلير.

ما أثار انتباهي في الصورة المنشورة ليس فقط المدى الذي ذهبت إليه في نقد رئيس الوزراء، وإنما أيضا أنها مرت دون أن تحدث أي صدى.

لست أشك في أن توني بلير لم يسعد بنشرها، ولكنه ابتلعها واعتبرها من قبيل النقد السياسي الذي عليه أن يحتمله وينصت إليه طالما ظل في موقعه كرئيس للوزراء، وربما اختلف الأمر لو أنه كان خارج المنصب وتصرف كمواطن عادى.
لم أنس الصورة طوال السنوات العشر الماضية، وقد استحضرتها حين قرأت في صحف الأحد الماضي أن إحدى الناشطات احتجت على تصرفات المجلس العسكري ووصفته بأنه «مجلس كلاب» في سياق تعليق غاضب لها نشرته على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك).

كما ذكرت على ذات الصفحة أن القضاء «إذا لم يحصل على حقنا محدش يزعل لو طلعت جماعات مسلحة (وقامت) بعمل سلسلة اغتيالات، طالما لا يوجد قانون أو قضاء».

وهى الآراء التي بسببها أحيلت إلى النيابة العسكرية يوم الأحد الماضي (14/8). حيث تم التحقيق معها بعدما وجهت إليها تهمة الإساءة إلى المجلس العسكري وتوجيه السباب إليه، كما اتهمت بالدعوة للقيام بعمليات مسلحة واغتيالات ضد أعضاء المجلس العسكري ورجال القضاء. وبعد التحقيق قررت النيابة العسكرية الإفراج عن الناشطة أسماء محفوظ بكفالة 20 ألف جنيه لحين تحديد جلسة لمحاكمتها في القضية التي حملت رقم 55 لسنة 2011 إداري/ عسكري.
لم أسترح للأسلوب الذي عبرت به الفتاة عن غضبها، وأدهشني رد فعل المجلس العسكري فلا هي وفقت فيما كتبته، ولا المجلس وفق فيما لجأ إليه،

وإذا عذرناها بحكم انفعالها كشابة متحمسة ليست مطالبة بأن تتروى فيما تعبر به، كما أنها ليست مطالبة بأن تدقق في اختيار الألفاظ التي تستخدمها فيما تكتب،
فإنني أزعم أن المجلس برتبه العليا ومقامه الرفيع وكونه سلطة تدير البلد، لا عذر له.

إذ أفهم أن تنفعل الفتاة وتطلق الكلمات والعبارات غير المصقولة،
لكن المجلس بجلالة قدره ليس له أن ينفعل ويتعين عليه أن يدقق جيدا فيما يصدره من قرارات أو بيانات.

هي في نهاية المطاف فرد عادى، ولكن المجلس مؤسسة غير عادية. وحين يشتبك معها فإنه يخصم من رصيده وينزل من عليائه. ويتصرف وهو المجلس «الأعلى» كَنِدٍ لفتاة في العشرينيات من عمرها.

وكما يقولون في خطابنا العادي فإن المجلس بما أقدم عليه «جعل رأسه برأسها» في حين كان عليه أن يتعامل مع مثل هذه التجاوزات برحابة صدر وباستعلاء فوق الانفعال والغضب.
لو أن الكلام الذي قالته الفتاة صدر عن حزب سياسي أو مؤسسة جماهيرية لفهم موقف المجلس العسكري. الذي يفضل أن يرد على الكلام بكلام مماثل، وليس بنيابة عسكرية وتهم مبالغ فيها من قبيل التحريض على القيام بعمليات مسلحة واغتيالات ضد المجلس العسكري وأعضاء الهيئات القضائية، كما ورد في قرار التحقيق مع أسماء محفوظ.
تمنيت أن يفكر المجلس العسكري سياسيا وليس أمنيا أو تأديبيا. كما تمنيت أن ينسى أعضاء المجلس طوال فترة قيامهم بإدارة البلد على الأقل، تقاليد المعسكرات وأساليب الضبط والربط التي تحكم علاقاتهم بالجند، وينتبهون إلى أن للسياسة ملاءمات وموازنات مختلفة تماما.

وأزعم في هذا الصدد أن المجلس خسر سياسيا بقراره إحالة الفتاة إلى النيابة العسكرية، في حين أن صاحبتنا كسبت كثيرا سياسيا وإعلاميا وخرجت من التحقيق مناضلة وبطلة.

وحين انفعل عضو بالمجلس العسكري أثناء متابعة أحد البرامج التليفزيونية فجرح كاتبة مرموقة ووجه آخر أصابع الاتهام لإحدى الحركات الاحتجاجية. فإن المجلس خسر سياسيا وخرج الآخرون كلهم أبطالا.
مطلوب من المجلس أن «يكبر دماغه» وأن يحتفظ بمقامه وهيبته، بحيث يستعلى فوق مشاعر الانفعال والغضب، لأن الغضب في السياسة هو الخطوة الأولى على طريق الندامة.
...................

16 أغسطس، 2011

أزمة المجتمع المدني في مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 16 رمضان 1432 – 16 أغسطس 2011
أزمة المجتمع المدني في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_15.html


لا أفهم لماذا لا نتعامل مع ملف منظمات المجتمع المدني بما يستحقه من شفافية وشجاعة، كي نخلصه مما يلاحقه من لغط وشبهات، ونمحو من صفحاته آثار الغموض ومفردات "العبط والاستعباط".
(1)
يوم الجمعة الماضي 12/8 كان الموضوع مثارا في مختلف الصحف القاهرية.
وذهبت صحيفة «الشروق» في الاهتمام به إلى حد إبرازه في العناوين الرئيسية للصفحة الأولى، التي بدت كالتالي:
أخطر أزمة بين مصر وأمريكا منذ سقوط مبارك
- القاهرة ترفض إشراك ممثلين عن المجتمع المدني والقطاع الخاص في إدارة صندوق المساعدات الأمريكية
- واشنطن تعتبر «تخوين» المنظمات الممولة أمريكيا «تصعيدا غير مبرر»
- وصحيفة تتهم القاهرة بشن حملة عداء ضد أمريكا.
من المعلومات التي نشرتها الصحف في ذلك الصباح أن واشنطن قررت استدعاء رئيس مكتب الوكالة الأمريكية للتنمية بالقاهرة جيمس بيفر، بعد عشرة أشهر فقط من تكليفه بالمهمة.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤول أمريكي قوله إن سبب الاستدعاء هو الاتهامات والجدل المثاران في القاهرة حول المساعدات الأمريكية لمنظمات المجتمع المدني.

كما أن صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ذكرت في تعليق لها أن جهود الولايات المستمرة لتعزيز الإصلاحات الديموقراطية في مصر «ينظر إليها بشكل خاطئ».
وأشارت إلى أن المجلس العسكري صور الجماعات التي تحصل على التمويل الأمريكي وكأنها تعمل لحساب حكومة أجنبية.
وذكرت أن المجلس خاض معركة وراء الكواليس عدة شهور، لمنع واشنطن من إعطاء الأموال إلى الجماعات المؤيدة للديموقراطية خارج نطاق الإشراف المباشر للحكومة المصرية.
لأنه لا دخان بغير نار وراءه، كما يقول المثل الشائع، فإن هذه الأصداء الأمريكية تدل على أن موضوع المنظمات الأهلية أصبح مصدرا للقلق والتوجس من جانب السلطات المصرية التي ضاقت به. وهو ما تجلى مثلا في الاتهام الذي وجهه في 20/7 اللواء حسن الرويني عضو المجلس العسكري لبعض المنظمات بالحصول على تمويل أجنبي وتدريب بعض عناصرها في صربيا (حيث مقر المخابرات الأمريكية في أوروبا).
(2)
ما ذكرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن معركة ما وراء الكواليس صحيح، لأن وزارة التضامن الاجتماعي وجهت في شهر مارس الماضي رسالة عبر وزارة الخارجية تحفظت فيها على الأنشطة التي تقوم بها وكالة التنمية الأمريكية في القاهرة.

واستند التحفظ على أن ثمة اتفاقا بين القاهرة وواشنطن وقع عام 1978، ينص على ألا تمارس مثل تلك الأنشطة إلا من خلال القنوات الرسمية في مصر.
خلال الأسابيع التالية تواتر الحديث في وسائل الإعلام حول اللعب في الساحة المصرية من خلال منظمات المجتمع المدني.

ففي 23/6 نشرت جريدة «الشروق» تقريرا لمراسلها في واشنطن ذكر أن السفيرة الأمريكية الجديدة لدى مصر أعلنت أمام لجنة الشؤون الخارجية أن 600 منظمة مصرية تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أمريكية لدعم المجتمع المدني.
وأضافت أن الولايات المتحدة قدمت 40 مليون دولار خلال خمسة أشهر إلى منظمات المجتمع المدني لدعم الديموقراطية في مصر، بمعدل 8 ملايين دولار كل شهر (تعادل نحو 50 مليون جنيه).
في 28/7 نشر الأهرام أن الحكومة المصرية تلقت تقريرا حول تقديم 600 جمعية أهلية مصرية طلبات للحصول على مبلغ 650 مليون جنيه خصصتها المعونة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وصياغة المعونة في كل من أستراليا وكندا وهولندا وألمانيا، وذكر الأهرام أن مجلس الوزراء شكل لجنة لتقصى حقائق الموضوع.
في 9/8 نشر الأهرام خبرا عن قيام النيابة العامة تجرى تحقيقات مع بعض الجمعيات والأحزاب التي تم تأسيسها بعد 25 يناير وقبله، «التي ثبت بالدليل القاطع تلقيها أموالا من الخارج».
في 10/8 نشر الأهرام تعليقا لزميلنا أحمد موسى عرض فيه بعض المعلومات التي تضمنها تقرير حول الموضوع ذاته أعدته وزارة التعاون الدولي في 14/7 حول أوضاع 123 منظمة أهلية مصرية.

من هذه المعلومات أن الأمريكيين اقتطعوا 60 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية التي تقدم لمصر. لصالح أنشطة «دعم الديموقراطية».

منها أيضا أن إحدى المنظمات حصلت في أبريل الماضي على 5 ملايين و600 ألف دولار لتنفيذ برنامج يستمر 9 أشهر
- وحصلت منظمة أخرى على مليون دولار لإنتاج 30 حلقة تلفزيونية للعرض في مصر حول ذات الموضوع.

وحصل المعهد القومي الديموقراطي على مليونين و600 ألف دولار لتدريب مراقبين وطنيين ومرشحي مجلسي الشعب والشورى.

أما المبالغ التي وزعت على بقية المنظمات والأحزاب المصرية فقد تراوحت بين 232 و900 ألف دولار.
لفت التعليق الانتباه إلى أن قرار مد العمل بالموازنة الفيدرالية الأمريكية تضمن نصا غير مسبوق يعطى واشنطن الحق في توجيه مبالغ من مخصصات برنامج المساعدات لتمويل منظمات المجتمع المدني دون الرجوع إلى الحكومة!.
(3)
في هذا السياق ثمة شهادة مهمة للدكتورة أماني قنديل أبرز الخبراء المصريين المتخصصين في شؤون المنظمات الأهلية والمجتمع المدني
(حصلت على الدكتوراه في عام 1985، وكانت أطروحتها حول نفس الموضوع، ومنذئذ وهي تعمل في المجال الذي درسته).
في حوار معها ذكرت ما يلى:
< أن منظمات المجتمع المدنى بصيغتها الراهنة ظهرت في مصر مع بداية الثمانينيات، في ظل سياسة الانفتاح. وأن رجال الأعمال في القاهرة والإسكندرية هم الذين بادروا إلى إنشائها لتشجيع برنامج الخصخصة.
وأول جمعية تأسست في هذا الإطار كانت الغرفة التجارية المصرية الأمريكية التي أصدر الرئيس السابق أنور السادات قرارا جمهوريا بإنشائها في سنة 85.
< إن الطور الثاني من الجمعيات الأهلية اهتم بحقوق الإنسان. وكانت البداية بالمنظمة العربية التي كان تمويلها ذاتيا ومحليا. وبعدها ظهرت المنظمة المصرية التي كان تمويلها خارجيا، الأمر الذي أغرى آخرين بالدخول في ذلك المجال، فخرجت منها 13 منظمة أخرى.
< في ظل إغراء التمويل الأجنبي تكاثرت الجمعيات والمنظمات الأهلية كالفطر بعد ذلك، ورغم أن بعض المنظمات التزمت بالإطار القانوني المقرر وعرفت مصادر تمويلها، فإن البعض الآخر تعامل معها باعتبارها دكاكين ومنظمات عائلية،
وفي حين أنها يفترض أن تكون تطوعية وغير ربحية فإن البعض حولها إلى مصدر للتربح ودعوا إلى صرف مكافآت وأجور لأعضاء مجلس الإدارة.
< في الآونة الأخيرة حدث هجوم تمويلي على منظمات المجتمع المدني في مصر خصوصا من جانب المؤسسات الأمريكية. وظهر في القاهرة وسطاء وسماسرة لإتمام صفقات التمويل.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن 14 منظمة في مصر حصلت على تمويل يقدر بملايين الدولارات، كما أن إحدى المنظمات حصلت على 3 ملايين دولار لتسويق المرشحين لرئاسة الجمهورية الثلاثة، الذين يحصلون على أعلى الأصوات في الاستفتاء الجاري على الإنترنت.
لا تعترض الدكتور أماني قنديل على التمويل الأجنبي إلا إذا كان مشروطا. وتدعو إلى ضرورة مطالبة الجانب الأمريكي بالإعلان عن المنظمات المصرية التي وزع عليها مبلغ الأربعين مليون دولار. كما تصر على الالتزام بالشفافية في الموضوع، بحيث تتم إحاطة السلطة والرأي العام بقوائم المنظمات المعتمدة على التمويل الأجنبي والمبالغ التي تتلقاها كل منظمة.
(4)
لا أخفي توجسا من التمويل الأجنبي في كل أحواله، واعتبر أن الأصل فيه عدم البراءة خصوصا إذا كان مقدما من دول لها مصالحها وتطلعاتها.
وقد استثنى التمويل الذي تقدمه منظمات دولية، وهو استثناء أتعامل معه بحذر لأن الدول الكبرى أصبحت تتحكم في أكثر تلك المنظمات.
هذا التوجس يتضاعف حين تلاحظ ذلك الهجوم التمويلي الذي تتابعت موجاته بشكل ملحوظ في أعقاب ثورة 25 يناير.

ومن العبط والاستعباط أن يظن أحد أن أولئك الممولين تقاطروا محبة في الشعب المصري، ولكن التمويل في هذه الحالة بوجه أخص ليس سوى رأس حربة لمحاولة الاختراق الخارجي. كما ذكر بحث الدكتور محمد سعيد إدريس في مقالته التي نشرها «الأهرام» في 2/8.
هذا الذي أدعيه ليس مجرد تخوف أو انطلاق من نظرية المؤامرة، لأن شواهد الواقع من حولنا تدل على المنظمات الأهلية الممولة من الخارج أصبحت تؤدي دور المستشرقين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إذ كان أغلبهم يقومون بمهمة دوريات الاستكشاف التي مهدت الطريق لتقدم قوات الاحتلال، وابتكروا لذلك علم الأجناس (الانثروبولوجى) لإنجاح التحكم في الشعوب المحتلة.
لقد مهدت المنظمات الأهلية المدعومة من الفاتيكان الأرضية لانفصال «إيريان الغربية» عن إندونيسيا في أواخر التسعينيات،
كما كان لها دورها في انفصال جنوب السودان عن شماله.
وهي الآن تنشط في الضفة الغربية لحث الفلسطينيين على التعايش والتصالح مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

وحين أصدرت الراحلة سناء المصري في عام 1998 كتابها «تمويل وتطبيع»، فإنها وثقت الدور الذي يقوم به التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في مد جسور التطبيع بين مصر وإسرائيل.
تعرف الموسوعة العربية للمجتمع المدني المنظمات الأهلية بأنها تطوعية ومستقلة وغير ربحية. لكن كلمة الاستقلال تحتاج إلى تحريره إذ ليس يكفى أن تكون مستقلة في إداراتها وأنشطتها. لأنها إن لم تكن مستقلة في مصادر تمويلها فأي استقلال آخر لا معنى له. ذلك أن الممول هو الذي يحدد أجندة المنظمة التي يقدم إليها ماله.
من هذه الزاوية فإن أغلب منظمات المجتمع المدني المعتمدة على التمويل الأجنبي في مصر تصبح مجرحة في استقلالها، لذلك لم يبالغ السيد جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان حين وصفها بأنها تخرب المجتمع المدني ولا تخدمه.
إن المجتمع المدني الحقيقي لا تقوم له قائمة إلا إذا اعتمد على التمويل الذاتي، الذي يكفل للمنظمات الاستقلال والديمومة والبراءة بطبيعة الحال.

وللأتراك خبرة ممتازة في هذا المجال انطلقت من عبقرية فكرة الوقف - التي بمقتضاها يتسابق الناس على عمارة الدنيا أملا في الفوز بعمارة الآخرة، إذ من خلال الوقف فإن المجتمع الإسلامي استطاع على مدار تاريخه أن يبين نفسه مستقلا عن السلطة الحاكمة.
في تركيا 75 ألف وقف مسجل في الأناضول ونحو 178 ألف جمعية أهلية، تعتمد كلها على التمويل الذاتي، وتغطي مختلف الأنشطة الاجتماعية والخيرية والثقافية. وهناك جمعية لكل 830 مواطنا، بينما في مصر جمعية لكل 2800، فصلت في ذلك دراسة للدكتور إبراهيم غانم في الموضوع نشرتها المجلة الاجتماعية القومية في شهر مايو عام 2008.
لقد اقتبس الغربيون نظام الوقف من الدولة العثمانية. ولا تزال الوقفيات تمول أهم الجامعات في الولايات المتحدة.

لكن بلادنا هجرت الوقف وأصبحت تعتمد في منظماتها الأهلية على التمويل الغربي، فاستبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير..

وكانت النتيجة أنهم تقدموا بما أخذوه عنا. وكان إضافة لهم، وتعثرنا بما أخذناه عنهم وصار خصما علينا، فنال كل طرف ما يستحقه.
.................

15 أغسطس، 2011

من يخطف الثورة؟


صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 15 رمضان 1432 – 15 أغسطس 2011
من يخطف الثورة؟ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_15.html

أفهم أن تنشغل القوى السياسية التقليدية بصراعاتها المستمرة منذ نحو نصف قرن. لكن استغرب ولا أفهم أن تعبر السلطة القائمة فى مصر بعد الثورة عن مواقف يبدو منها أنها باتت طرفا فى ذلك الصراع. سأشرح لك كيف ولماذا.

معلوم أنه بين الصراعات التى عرفتها مصر وتأججت فى ظل ثورة يوليو 52 ذلك الذى وقع بين التيارين الإسلامى والعلمانى. خصوصا أن الأخيرين ظلا قابضين على السلطة طول الوقت.

وقد أشرت من قبل إلى أن ذلك الصراع تجدد واشتد بعد ثورة 25 يناير مع اختلاف بسيط فى التفاصيل. ذلك أنه قبل ذلك التاريخ كانت السلطة هى التى تقود الصراع ووراءها العلمانيون باختلاف فصائلهم.

أما بعد الثورة الأخيرة فإن العلمانيين أصبحوا يقودون الصراع ويحاولون بكل ما يملكون من قوة ونفوذ أن يلحقوا السلطة بهم.

أدرى أن بعض الإسلاميين ارتكبوا حماقات لا أدافع عنها ولم أتردد فى انتقادها. لكننى أزعم أن التناول الموضوعى والبرىء ينبغى أن يعطيها حجمها، وأن يفرق فى ذلك بين الاستثناء والقاعدة كما ينبغى أن يعاملها بمثل معاملة حماقات الآخرين.

فإذا صح مثلا أن آحاد الناس رفعوا العلم السعودى فى مليونية 29 يوليو،
فى حين ذهب عشرات آخرون قبلهم إلى السفارة الأمريكية طالبين حماية الولايات المتحدة، ورفع غيرهم أعلام الشيوعية الدولية فى ميدان التحرير. فإن إدانة الجميع تصبح واجبة.

أما أن يظل البعض يصرخ تنديدا بالأولين وملتزما الصمت التام إزاء الآخرين، فإن ذلك يعد موقفا لا يمكن افتراض البراءة فيه، حيث فيه من الاصطياد والكيد بأكثر مما فيه من الأمانة والإنصاف.

استطرادا أذكر بأن المجلس العسكرى حين عين واحدا من الإخوان لمهمة مؤقتة فى لجنة تعديل الدستور. وخرج بذلك قليلا عن معادلة الإقصاء والاستئصال فإن الدنيا قامت ولم تقعد فى أوساط العلمانيين، الذين لا يزالون يلومون المجلس ويبتزونه بسبب تلك «السقطة» (!)

أما حين عين فى الوزارة الأخيرة ثلاثة من حزب الوفد وواحد ماركسى من حزب التجمع وثالث من الحزب الديمقراطى الاجتماعى، وكلهم علمانيون بالمناسبة، فقد قرت أعين الجميع ولم يتفوه أحد بكلمة نقد أو مؤاخذة باعتبار أن ذلك استمرار لسياسة الإقصاء التى كانت متبعة قبل الثورة.

وللعلم فإن المجلس العسكرى تعلم الدرس من «خطيئة» تعيين العضو الإخوانى فى لجنة تعديل الدستور، إذ منذ ذلك الحين لم يقع الاختيار على إسلامى واحد فى كل التعيينات التى تمت طوال الأشهر الأربعة الأخيرة.

ما دعانى إلى استدعاء هذه الخلفية أننى لاحظت تطورا نوعيا خلال الأسبوع الأخير فى شكل الاصطفاف الحاصل فى مصر، إذ خلال الأشهر التى تعاقبت بعد الثورة كان المجلس العسكرى والحكومة التى تخيرها تقفان ـ فيما هو معلن على الأقل ـ على مسافة واحدة تقريبا من التيارات العلمانية والإسلامية المشتبكة.

لكن ما صدر من بيانات وتصريحات خلال ذلك الأسبوع الأخير أعطى انطباعا موحيا بأن المجلس العسكرى والحكومة أصبحا يرددان مقولات الطرف العلمانى، ويتبنيان مواقفه وخطابه ــ أقول لك كيف؟

إذا قرأت بيان مجلس الوزراء الذى نشر فى 11/8 ستجد أنه يتبنى إلى حد كبير أفكار مشروع ما سمى بالتحالف الديمقراطى الذى تثار أسئلة كثيرة حول هوية ووزن القوى المشاركة فيه وهل هى قوى حقيقية أم شلل مختلفة فى قبيلة سياسية واحدة.
وهو المشروع الذى سعى إلى إضعاف المادة الثانية من الدستور الخاصة بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين. ودعا إلى إقحام العسكر فى السياسة بحجة الدفاع عن الدولة المدنية.

كما أن المجلس تبنى خطاب العلمانيين الذى ادعى أن تظاهرة 29 يناير كانت محاولة لاختطاف الثورة، ولم ير فى التظاهرة سوى «ظهور أعلام غريبة عن الدولة المصرية»، واعتبر ذلك مصدرا «للقلق البالغ» الذى سجله بيان المجلس.

أيضا إذا دققت فى التصريحات التى نشرتها صحف السبت 13/8 منسوبة إلى اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكرى، ستجد أنه يتحدث عن إصدار إعلان دستورى جديد فى وقت قريب لضمان مدنية الدولة، وعن وثيقة مبادئ حاكمة لاختيار الجمعية التأسيسية لإعداد الدستور الجديد.

وظاهر الكلام يوحى بأن السلطة القائمة بضغط من القوى العلمانية التى فرضت نفسها وصية على المجتمع ستصدر وثيقة إضافية لن تضع خريطة طريق لوضع الدستور الجديد فحسب، ولكنها ستحدد أيضا طريقة اختيار الجمعية التأسيسية التى ستضع الدستور. كل ذلك تخوفا من دور الإسلاميين أو من احتمالات حضورهم.

ولا أستبعد إذا ما استمر الاستسلام للضغوط أن تصدر وثيقة لاحقة تحدد مواصفات وهيئة الأشخاص الذين سيشاركون فى وضع الدستور فيستبعد منهم ذوو اللحى والمحجبات لضمان مدنية الدولة المرجوة.

اختم بثلاثة أسئلة هى:
أين ذلك كله من أهداف الثورة؟
ومن حقا الذى يريد اختطافها؟

ثم هل يمكن أن يقودنا فتح الباب لما سمى بالمواد الحاكمة إلى الإبقاء على العسكر فى السياسة بحجة الحفاظ على دور «المؤسسة الحاكمة»؟
.................

14 أغسطس، 2011

يكبرون ومصر تصغر

صحيفة الشرق القطريه الأحد 14 رمضان 1432 – 14 أغسطس 2011
يكبرون ومصر تصغر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_14.html

لا يكف رجب طيب أردوغان عن إدهاشنا، فيوم الأربعاء الماضي (10/8) أعلن في اجتماع سياسي بأنقرة أنه يعتزم زيارة الصومال، مصطحبا معه أسرته، للفت أنظار الجميع بمن فيهم العرب والمسلمون بطبيعة الحال، إلى كارثة المجاعة التي ضربت البلد وأشاعت فيه الخراب والموت.

ليس ذلك فحسب، وإنما قررت حكومته أن تستضيف مؤتمرا طارئا لوزراء خارجية الدول الإسلامية يوم الأربعاء المقبل 17/8 وقد وجه الدعوة لهذا الغرض الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو، الأمين العام لمنظمة التعاون (المؤتمر سابقا) الإسلامي، المعروف بأنه تركي الأصل.
الصحافة التركية التي أبرزت الخبر ذكرت أن السيد أردوغان تحدث مع وزير خارجية مصر السيد محمد كامل عمرو الذي استقبله في أنقرة في اليوم ذاته، عن الأمل المعقود على مشاركة مصر في المؤتمر الطارئ محبذا حضوره شخصيا نظرا لأهمية الدور المصري. وحسبما ذكرت التسريبات التركية فإن أردوغان كرر هذا المعنى على مسامع الوزير المصري ثلاث مرات أثناء اللقاء، إلا أن الوزير لم يؤكد حضوره ووعد بمراجعة ارتباطاته حين يعود إلى القاهرة.
الصورة تبدو مقلوبة ومسكونة بالمفارقة. فرئيس الوزراء التركي هو المبادر إلى لفت الأنظار والتضامن مع حملة إغاثة الدولة الإفريقية عضو الجامعة العربية، فيقرر الذهاب بنفسه مع زوجته لمعاينة المشهد على الطبيعة. ولا يكتفي بذلك وإنما يحرك منظمة التعاون الإسلامي، وتستضيف بلاده وزراء خارجية الدول الإسلامية عساهم يفعلون شيئا لإغاثة المنكوبين في الصومال. ومبادرته تلك تعبر عن حرص على تقديم تركيا بحسبانها بلدا كبيرا له دوره الإقليمي والدولي. وهو بذلك يسعى إلى تغيير الانطباع الذي ساد في بعض الدوائر وتعامل مع تركيا باعتبارها مجرد جسر بين الشرق والغرب. وهو الانطباع الذي أصبح المسؤولون الأتراك يلحون في كل مناسبة على نفيه واعتباره تهوينا من شأن الدور التركي وبخسا لحقها.
سجل أردوغان منذ تقلد السلطة في عام 2002 يحفل بالقرائن الدالة على إصرار تركيا على أن تتصرف كدولة كبرى في المنطقة. إذ انطلق متكئا على الأغلبية التي حصل عليها في المجلس التشريعي ومكنته من تشكيل الحكومة، وبعد أن حصد الفوز السياسي جنبا إلى جنب مع النهوض الاقتصادي، أصبح بمقدوره أن يتحرك بثبات وجرأة على الصعيدين الإقليمي والدولي، فكانت سياسة إنهاء المشاكل العالقة مع الجيران التي أطلق عليها (زيرو مشاكل) ثم توسيع نطاق التعامل التجاري مع إفريقيا وإلغاء تأشيرات الدخول بين بلاده وبين ست دول عربية واشتباكه العلني مع شمعون بيريز ومقاطعته مؤتمر دافوس غضبا لفلسطين.

ولاحقا إصراره على اعتذار إسرائيل وتعويضها للأتراك الذين قتلتهم في حملة السفينة مرمرة التي قصدت إغاثة غزة، وصولا إلى التعاون مع البرازيل لإيجاد مخرج لأزمة المشروع النووي الإيراني. وكانت مبادرته قبل الأخيرة أنه أعلن عن رغبته في زيارة قطاع غزة في أعقاب زيارة كان مقررا أن يقوم بها لمصر في الشهر الماضي، ولكن تأجيل الزيارة ترتب عليه تأجيل موعد الزيارة التي أغضبت فكرتها إسرائيل وأثارت حفيظتها.
الخلاصة أن تركيا أصبحت تتحرك في مختلف الساحات طول الوقت، وصرنا لا نكاد نلمح وزير خارجيتها في عاصمة حتى نجده قد طار منها إلى عاصمة أخرى. كما أنه ما من مشكلة تطل برأسها في المنطقة إلا ونفاجأ به في قلبها ساعيا إلى رأب الصدع وإطفاء الحريق.
في الوقت الذي ظلت فيه تركيا تكبر وتكبر، كانت مصر تصغر وتصغر، رغم أنهم هناك لا يكفون عن القول إنه لا غنى عن دور مصر، وأن غيابها يحدث فراغا لا أحد يستطيع ملأه. وليس خافيا على أحد أن سياسة مبارك والضغوط الأمريكية والإسرائيلية كانت وراء انكفاء مصر وتقزيم دورها طوال الثلاثين سنة الماضية. إلا أنه من الواضح أن هذا الوضع لم يتغير كثيرا بعد قيام الثورة. وهو ما دعاني إلى القول قبل أيام إن شواهد الواقع تكاد توحي بأن مبارك لا يزال يدير السياسة الخارجية المصرية.

تدل على ذلك اللقطة التي أشرت إليها قبل قليل وحث أردوغان لوزير خارجية مصر ثلاث مرات على حضور الاجتماع الاستثنائي لإغاثة الصومال. وهي المهمة التي كان يفترض أن تقودها مصر وتبادر إليها لا أن تتردد في المشاركة فيها.
قيل لي في تفسير موقف وزير الخارجية المصري إنه ليست لديه تعليمات بخصوص السياسة الخارجية، ويتحدث البعض عن ضغوط مورست خلال الأسابيع الأخيرة لضبط معالم السياسة الخارجية وتثبيتها في حدود مساراتها السابقة. وهي همسات نرى شواهد عدة تؤيد صحتها، لكنني لا أستطيع أن أؤكد مدى صدقيتها وأتمنى أن تكذبها الأيام المقبلة.
...................

13 أغسطس، 2011

هم المشكلة وليس الحل


صحيفة الشرق القطريه السبت 13 رمضان 1432 – 13 أغسطس 2011
هم المشكلة وليس الحل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_13.html

مشكلة السوريين مع نظامهم أنهم اقتنعوا بأن السلطة التي تحاول حل المشكلة هي أصل المشكلة.

ذلك أن المرء لو تابع القرارات التي أصدرتها السلطة طوال الأشهر الخمسة الماضية سيجد أنها ظلت طول الوقت تحاول امتصاص غضب الناس واسترضاءهم.

ففى شهر أبريل الماضى ــ بعد شهر من بدء الاحتجاجات فى درعا وظهور بوادر الاحتجاجات فى عدة محافظات أخرى ــ أصدر الرئيس بشار الأسد قرارا بإلغاء قانون الطوارئ المعمول به منذ سيطر حزب البعث على السلطة عام 1963، وفي ظله وتطبيقا له كانت تتم عمليات الاعتقال التعسفي والاحتجاز وحظر المعارضة.

ومن الناحية الشكلية والقانونية فإن إلغاء الطورئ بدا خطوة للأمام، كان يفترض أن تنهي جميع الإجراءات الاستثنائية التي يتعرض لها الناشطون في سوريا.

بعد أيام قليلة من إنهاء الطوارئ أصدر الرئيس الأسد مرسوما بمنح الجنسية للمواطنين الأكراد في شرق البلاد، الذين يشكلون عشرة في المائة من مجموعة السكان الذين يقدر عددهم بنحو 22 مليون نسمة، وكان 150 ألفا من الأكراد قد سلجوا باعتبارهم أجانب فى تعداد عام 1963.

في منتصف شهر مايو أعلنت الحكومة أنها ستجري حوارا وطنيا في مختلف أنحاء البلاد في غضون أيام، لمعالجة القضايا التي فجرت الاحتجاجات. وأجرت لهذا الغرض جولات من المشاورات مع قوى المعارضة في دمشق.

في آخر شهر مايو أصدر الرئيس السوري عفوا عاما عن السياسيين المسجونين والمعتلقين.
وقالت وسائل الإعلام إن العفو سيسري على أصحاب كل الاتجاهات السياسية، بما في ذلك أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين يطبق القانون عقوبة الإعدام على كل من يثبت بحقه الانتماء إليها.

في خطوة تالية اتخذت الحكومة مبادرات لاسترضاء الإسلاميين، فرفعت الحظر المفروض على ارتداء النقاب وتحدثت إحدى الصحف الرسمية عن إغلاق كازينو القمار الوحيد الموجود بالبلاد.

بدعوى التفاعل مع معاناة الجماهير أعلنت الحكومة عن تخفيض أسعار الوقود، بحيث خفض سعر الديزل بمقدار الربع للتخفيف عن المواطنين ولاعتبارات اقتصادية واجتماعية
وإلى جانب ذلك أعلنت الحكومة أنها بصدد تشكيل لجان لدراسة الإصلاح الاقتصادي وأخرى لإصدار قانون جديد يضمن حرية الإعلام.

في شهر مارس استقال رئيس الوزراء ناجي عطري، وعين الرئيس السوري مكانه رئيسا جديدا هو عادل سفر، الذي ينتمي إلى حزب البعث وكان وزيرا للزراعة في الحكومة السابقة،
ولم يقف التغيير عند ذلك الحد، ولكنه شمل أيضا وزير الدفاع وقبله محافظ درعا ومحافظ حمص.

ولمحاولة تغيير صورة النظام وإبعاد الأشخاص الذين ساءت سمعتهم، أعلن رجل الأعمال النافذ رامي مخلوف، الذي يمت بصلة قرابة للرئيس. وقال الرجل الذى يعتبره السوريون رمزا للفساد واستغلال النفوذ أنه سيترك الأعمال التجارية وسيتفرغ للعمل الخيري. حيث أوضح أنه سوف يتنازل عن أرباح أسهمه في شركة «سيرياتل» للاتصالات للأعمال الخيرية. وسيطرح جزءا من الأسهم للاكتتاب العام.

أخيرا في أواخر يوليو الماضي أقر مجلس الوزراء مشروع قانون تشكيل الأحزاب السياسية، لكي تنضم سوريا إلى مجموعة الدول الديمقراطية التي تطبق التعددية السياسية.

وفي الوقت ذاته أقر مجلس الوزراء مشروع قانون الانتخابات العامة، الذي يستهدف تنظيم عملية الانتخابات التشريعية والمحلية وضمان سلامتها.

حين يطالع المرء على الورق هذه «الإنجازات» فقد يخطر له السؤال التالي:
ماذا يريد الناس أكثر من ذلك؟

ــ وقد يتملكه التعجب من أن غضب السوريين مستمر، وإن تظاهراتهم تنتشر من محافظة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى، إلا أنه سيجد في سيل الأخبار المنشورة ما يبدد دهشته.

ذلك أن كل ما صدر من قرارات ومراسيم لم يلمس الناس أثرا له على الأرض. وإنما كان من قبيل الخدع والمخدرات السياسية.

دل على ذلك إصرار السلطة على محاصرة المدن واقتحامها بالدبابات والمدرعات، واستمرارها في قتل المتظاهرين وتصفية المعارضين.
من ثم فإنهم فقدوا ثقتهم فى كل ما يقال ويعلن، وصعدوا من هتافاتهم التي بدأت مطالبة بالإصلاح، ثم تطورت بسرعة إلى مطالبة بإسقاط النظام.

لقد نفد رصيد السلطة لدى الجماهير، منذ اللحظة التى سال فيها الدم السوري على الأرض، وكلما غرقت البلاد في الدم ازداد إصرار الناس على تحدي النظام. لأن ممارساته أقنعت الجميع بأنه هو المشكلة وأنه لا يؤتمن على أي حل بل إن رحيله هو الحل.
.........................

11 أغسطس، 2011

فضيحة فى المحكمة


صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 11 رمضان 1432 – 11 أغسطس 2011
فضيحة فى المحكمة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_11.html


ما شاهدناه فى محاكمة الرئيس السابق كان مثيرا وخاطفا للأبصار لا ريب، لكن ما سمعناه كان جارحا للآذان. لا كلام لى فيما رأيناه لأن الصور وفَّت وكفَّت فضلا عن أن الجميع تحدثوا فى هذا الشق، لكن الذى سمعناه من المحامين سكت عليه كثيرون، رغم أننى أعتبره فضيحة تستحق الإثبات والمراجعة. ذلك أنه من بين نحو عشرين محاميا تحدثوا أمام المحكمة فإن واحدا فقط هو الأستاذ فريد الديب تحدث بلغة عربية سليمة، أما الباقون فإن لسانهم العربى بدا عاجزا ومشوها على نحو مذهل. إذ إن مستواهم فى التعبير اللغوى لم يكن يتجاوز مستوى تلاميذ المدارس الإعدادية.
كنت أحد الذين صدموا فى لغة المحامين. ذلك أننى لأسباب يطول شرحها ــ بعضها يتعلق بالخبرة المهنية فى سكرتارية التحرير ــ استشعر وخزا كلما سمعت خطأ لغويا، واعتبر أن مثل هذه الأخطاء تشكل عدوانا وإهانة للهوية العربية. لكننى سكت يومذاك. إذ وجدت أنه من غير المستساغ أن أخرج القارئ من أجواء محاكمة مبارك وما استصحبته من أصداء فى داخل مصر وخارجها، لأشغله بالفضيحة اللغوية التى تجلت فى كلام المحامين. من ثم فقد تجرعت الحزن واختزنته،

لكن الوجع ظل قائما. إلا أن حوارا بثته الإذاعة البريطانية يوم الإثنين الماضى 8/8 أخرجنى من هذه الحالة. ظل أن مذيعة أحد البرامج سألت ضيفها الذى كان صحفيا مقيما فى لندن منذ 30 سنة عن رأيه فى تدهور المستوى اللغوى للمحامين المصريين الذى ظهر أثناء جلسة محاكمة الرئيس السابق.. فوافقها الرأى وقال إنها ظاهرة شائعة فى أوساط الأجيال الجديدة من المثقفين. نبهنى الحوار إلى أن بث وقائع الجلسة على الهواء أثار فضول الملايين فى العالم العربى وخارجه، الأمر الذى أتاح للجميع أن يتابعوا كلام المحامين وأن يتعرفوا على الفضيحة بأنفسهم. وهو ما يعنى أن دائرة الفضيحة شملت كل الناطقين باللغة العربية، بقدر ما صدمت الغيورين على الفصحى الذين لا أشك فى أن أحدا منهم لم يكن يتصور أن يصل التدهور اللغوى بين خريجى الجامعات فى «الشقيقة الكبرى» إلى تلك الدرجة من التدنى والقبح.
لا أعرف إلى أى مدى فوجئ العالم العربى بلغة المحامين المصريين. لكن الذى أعرفه أنها ليست مشكلة المحامين وحدهم. ولكن المحامين مجرد «عينة» لمستوى خريجى الجامعات، الذين انتقلوا من الأمية اللغوية التى حصلوها فى مراحل التعليم السابقة. إلى مستوى آخر من الأمية فى الجامعات التى لا توجه أى عناية للغة العربية، بل إن بعض كلياتها أصبحت تتباهى بأنها فتحت أقساما «أرقى» تدرس باللغات الأجنبية، وطلابها وطالباتها ينظرون بدونية إلى زملائهم الذين يدرسون باللغة العربية.
إذا تتبعنا المشكلة فى عمقها فسنجد أن انحطاط اللغة الفصحى له أسباب عدة من بينها اتصاله الوثيق بتراجع مؤشرات الاعتزاز بالهوية والكبرياء الوطنى. ولذلك فإن انحطاط اللغة يظل من تجليات الانحطاط الثقافى والهزيمة الحضارية. ولذلك قيل إن اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال.
إن مراحل الضعف السياسى والانكسار الحضارى تصيب البنية الثقافية فى مقتل، بذات القدر الذى تضعف فيه مراكز العافية الأخرى فى المجتمع. لذلك فإن تدهور التعليم يصبح ضمن أخطر تلك الانهيارات، ذلك أنه لا يقوض الحاضر فقط لكنه يدمر المستقبل أيضا ــ من هذه الزاوية أزعم أن الأداء البائس للمحامين يظل أحد القرائن التى تدين عهد مبارك، وأن أولئك المحامين أصبحوا من حيث لا يدرون شهودا على انحطاط عهده الذى لم تصغر فيه مصر فقط، ولكنها مسخت وتشوهت أيضا.
حين انهار التعليم فى مصر، لم ينحط مستوى الإحاطة باللغة العربية ولا ضعف مستوى الخريجين فقط، ولكن أدى ذلك إلى انتعاش المدارس الأجنبية التى باتت تهدد وجود العربية الفصحى ذاته. وفى الوقت الراهن فإن كل أبناء القادرين جرى احتلال لسانهم باللغة الإنجليزية إلا من رحم ربك بطبيعة الحال. واستمرار هذا الوضع يجعلنا نتشاءم كثيرا بالمستقبل، الذى أزعم أن الفصحى ستلقى فيه ضربات قاصمة وقاضية.
فى أجواء الهزيمة ينتعش المتغربون ويجترئ الغلاة والمتعصبون الذين يعادون العربية الفصحى ويحتقرون شأنها. ولدينا فى مصر من بات يبث برامج تليفزيونية ونشرات إخبارية باللهجة العامية، فى عداء سافر للعربية الفصحى وللهوية التى عبر عنها. وقد بلغ احتقار العربية والازدراء بها حدا جعلنا نقرأ فى إعلان قبيح نشر أكثر من مرة فى شهر أبريل الماضى أن: الشبكتين بؤا (بقيا أو أصبحا) شبكة واحدة والفرحة بَئِت فرحتين!
إن احتقار اللغة عار يعبر عن التصاغر واحتقار الذات.
...................

10 أغسطس، 2011

كى لا يبتذل ميدان التحرير

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 10 رمضان 1432 – 10 أغسطس 2011
كى لا يبتذل ميدان التحرير - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/08/blog-post_10.html

أخشى على المليونيات من الابتذال، بقدر ما أخشى أن يفقد ميدان التحرير براءته. ففى عناوين جريدة «الشروق» أمس (الثلاثاء 9/8) ان اتحاد الثورة يتمسك (بمليونية) ميدان التحرير وان ائتلاف الثورة يقاطع..
وفى بداية الأسبوع قرأنا بيانا لبعض الطرق الصوفية مع مجموعات أخرى علمانية وشيوعية وقومية وقبطية وغير ذلك دعا إلى مليونية «فى حب مصر» يوم الجمعة المقبل، لكننا أول أمس الأول وقعنا على بيان للمجلس الأعلى للطرق الصوفية ينفى علاقة المجلس بالمليونية وبأى أحزاب سياسية صوفية. وبالمناسبة فإننى لم أفهم لماذا إقحام حب مصر فى الموضوع هذه المرة بالذات، وكأن المليونيات السابقة كانت فى حب شىء آخر. كما أننى لم أفهم أن تنادى المجموعات العلمانية واليسارية بفصل الدين عن السياسة، ثم تفاجأ بأنها تستعين ببعض الطرق الصوفية لحشد أعضائها فى تظاهرة الجمعة.
المشكلة كما أفهمها أن كثيرين انزعجوا من حضور السلفيين فى تظاهرة جمعة 29 يوليو، واعتبروا أن كثافة الحضور أريد بها اختطاف الثورة وتوجيه مسيرتها صوب إقامة ما يسمى بالدولة الدينية، وهو ما سبب ازعاجا للعلمانيين واليساريين فقرروا إقامة تظاهرة أخرى لإثبات الحضور والدفاع عن مشروع الدولة المدنية. وتفتق ذهن البعض على فكرة اللعب على التناقض التاريخى بين السلفيين والصوفيين (أفهموهم أن السلفيين سيهدمون الأضرحة)، فاستعانوا بالآخرين للرد على الأولين. واستخدم فى ذلك شعار المليونية ووقع الاختيار على ميدان التحرير ليكون ساحة المقارعة والمنافسة.
وهى معركة لا علاقة لها بالثورة أو بهموم الشعب المصرى فى حين لا ينشغل بها سوى نفر من المثقفين الذين دأبوا على إشغال الرأى العام طوال الأشهر الستة الماضية بحساباتهم ومراراتهم. وكانوا لا يزالون أحد أسباب تعويق انتقال السلطة إلى المدنيين وبالتالى أحد أسباب استمرار حكم المجلس العسكرى وتأخير الانتقال إلى الديمقراطية.
إن تظاهرة فى الميدان لا تعنى اختطاف الثورة. ومن التبسيط الشديد والمخل أن يتصور أى أحد أن إقامة تظاهرة مضادة من شأنه استرداد الثورة من خاطفيها. أدرى أنه فى الفراغ السياسى الراهن فإن القوى المختلفة باتت تلجأ إلى رفع صوتها فى الشارع أو الميادين. كما أنها أصبحت تلجأ إلى وسائل الإعلام كى توصل الصوت إلى أوسع دائرة ممكنة من الناس.
أدرى كذلك أن بعض المثقفين لم يكفوا طوال الأشهر الماضية عن شحن الرأى العام وتأجيج المشاعر وتعميق الخلافات، كما أن بعض المنابر الإعلامية لم تقصر فى الاصطياد والاختلاق والدس. لكن العقلاء يجب أن يتعاملوا مع هذه الأعراض باعتبارها من آثار رفع الإصْر والغطاء فى أعقاب السنوات الثلاثين التى عاشتها مصر مكبلة بالقهر ومرتهنة بقانون الطوارئ. وهى فترة كفيلة بأن تصيب كثيرين بمختلف العقد والتشوهات.
إن العقلاء يجب أن يدركوا أن مصر أكبر من أن يختطفها أى أحد، كما انها ليست ملكا لأى أحد. وإن الفرقعات التى تطلق للترهيب فى الفضاء السياسى، هى فى حقيقتها مجرد تجليات للحرب الباردة القائمة بين مختلف القوى. التى علمتها السنوات الثلاثين كيف تتخاصم وتتحارب ولم تتعلم بعد كيف تتحاور وتتعايش.
إن المتطرفين والمهيجين والفوضويين موجودون فى كل اتجاه. وغلاة العلمانيين ليسوا أفضل كثيرا من غلاة المتدينين. فالذين يكفرون المتدينين بالديمقراطية لا يختلفون عن الذين يكفرون العلمانيين ويخروجونهم من الملة الدينية. من ثم فتحويل ميدان التحرير إلى ساحة للصراع بعد أن كان رمزا للثورة ولتلاحم فئات الشعب وقواه ــ يبتذل الميدان ويهين المليونيات ويسىئ إلى الثورة. لذلك فإذا كان لابد من استمرار ذلك الصراع البائس فليكن خارج ميدان التحرير، وبعيدا عن المليونيات. وليبق فى إطاره الطبيعى، بين قوى تقليدية ومثقفين فشلوا فى الحوار والتعايش، تماما كما كان طوال العقود الماضية. وبهذه المناسبة فإن ذلك التسابق على إثبات الحضور فى ميدان التحرير لا يحقق انتصارا لأى طرف ولا فوزا بأى غنيمة، ولكنه يعنى فشل الجميع فى الاستعلاء فوق المرارات وعجزهم عن الالتزام بقيم الثورة ومبادئها أو حتى الوفاء للشهداء الذين يتمسح بهم البعض هذه الأيام.
إن هذا الصراع الثقافى والسياسى البائس أشد خطرا على الثورة من الدور الذى تقوم به فلول النظام، لأن هؤلاء الأخيرين يعملون على ضرب الثورة من الخارج، فى حين أن ذلك الاشتباك بين النخب التى تتحدث عنها يطعن الثورة من الداخل ــ لذا لزم التنويه.
.................

Delete this element to display blogger navbar