Subscribe:

Ads 468x60px

31 يوليو، 2011

فازوا وخسر الوطن

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 30 شعبان 1432 – 31 يوليو 2011
فازوا وخسر الوطن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_31.html

لم يحدث الأسوأ في ميدان التحرير يوم الجمعة الماضي 29/7. وذلك خبر سار لا ريب.
إذ فشل الرهان على تحول الميدان إلى ساحة حرب بين الإسلاميين والعلمانيين، ولم يقع "التطهير" أو "كمين الدم" الذي تحدث به البعض، وتمناه آخرون.
مع ذلك، فإنني لست سعيدا بأداء الجماهير السلفية، وإن كنت أفهمه، وأرجو ألا يبالغ الآخرون في التعبير عن الاستياء منه.
عندي في فهم موقفهم أربعة أسباب، هي:
أنهم بعد عقود من التغييب والتعذيب والازدراء، إذا أرادوا أن يطلقوا صيحة عالية في الميادين العامة بالقاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن. فقد يعذرون في ذلك.
أعني أن المبالغة في إثبات الحضور يمكن أن تفهم بحسبانها رد فعل على المبالغة في التغييب والإقصاء.
السبب الثاني أنهم قوم حديثو عهد بالممارسة السياسية، ذلك أن الفكر السلفي في أصله معني بتصحيح العقائد ومحاربة البدع. والحركة السلفية بمفهومها المعاصر إنما نشأت في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر ردا على انتشار البدع آنذاك، ودعوة إلى تقويم ما اعوجَّ في معتقدات وتقاليد مجتمع المسلمين آنذاك.
ولم نعرف لجماعتهم اشتغالا بالعمل السياسي إلا في العقد الأخير على الأرجح، وتجلى ذلك في ممارسات بعضهم في الكويت والمغرب في حدود ما أعلم.
وكان ذلك من تداعيات تطور التجربة الديمقراطية في البلدين. وإذا صح ذلك فهو يعني أن الجماعات السلفية في مصر التي كان لها موقفها السلبي من العمل السياسي طوال السنوات التي خلت، تحتاج إلى بعض الوقت لإنضاج موقفها وتطوير خطابها، بما يساعدها على الخروج من ضيق مشروع الجماعة إلى سعة مشروع الوطن، ومن الانكفاء على الذات إلى التفاعل مع الآخر.
السبب الثالث الذي يدعوني لإعذار الجماعات السلفية هو أننا إذا كنا قد احتملنا طوال الوقت أصوات المثقفين الذين تصدروا المنابر والإعلامية وهم يرددون بصوت عالٍ "علمانية علمانية"، فيتعين علينا أن نحتمل أصوات آخرين رفعوا في المقابل شعارات تنادي «إسلامية إسلامية».
السبب الرابع أنه إذا جاز للبعض في الوقت الراهن أن يحاولوا احتكار صدارة المشهد في مصر، ويقدموا أنفسهم بحسبانهم ممثلين للوطن والثورة، ويحاولوا بهذه الصفة أن يرسموا خريطة المستقبل، فينبغي ألا نستغرب من غيرهم أن يسعوا إلى تصويب تلك الصورة لإقناعهم وإقناع غيرهم أن هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم، وأنهم إذا كانوا قد احتكروا الفضاء الإعلامي، فإن للشارع صوتا آخر جديرا بالاعتبار.
ذلك كله أفهمه، لكنني ما زلت عند رأيي في أنني غير سعيد به، ذلك أن المشهد في ميدان التحرير كان يمكن أن يكون أفضل كثيرا لو أن السلفيين تصرفوا على نحو آخر، فالتزموا بشعار اجتماع الإرادة الشعبية ووحدة الصف الوطني، وتجنبوا رفع الشعارات وترديد الهتافات التي عبرت عن هويتهم، ونقلت إلى الملأ مطالبهم.
وإذا استخدمنا المصطلح الذي شاع مؤخرا، فإنني تمنيت أن يكونوا مع غيرهم يدا واحدة، وليس يدا أخرى موازية.
تصوروا مثلا لو أن السلفيين ذهبوا إلى الميدان مكتفين بهيئتهم التي تعبر عن هويتهم، والتزموا في لافتاتهم وهتافاتهم وكلمات ممثليهم بمطالب التوافق الذي تم مع الجماعات الأخرى، وانطلقت من فكرة لم الشمل. ومر اليوم والجميع يلتفون حول ذلك الموقف. ماذا كان يمكن أن يحدث؟
لست أشك في أن الصورة كانت ستصبح أكثر إبهارا، من حيث إنها تضيف صفحة جديدة إلى سجل التلاحم النبيل الذي عرفه الميدان منذ 25 يناير وحتى 11 فبراير،
كما أن السلفيين وغيرهم سيكونون أكثر تفاعلا وتفهما واقترابا، كما أنهم سيبددون قلق الخائفين والمتوجسين. ناهيك عن أن المشهد لن يجدد الثقة في الجميع فحسب، ولكنه أيضا سيحبط آمال المتربصين والساعين إلى إجهاض الثورة وإفشالها.

الأهم من ذلك أن من شأنه إشاعة جو من التفاؤل باستقرار الأوضاع، الذي لا بد أن يكون له صداه على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
الشاهد أن السلفيين لو كانوا قد انخرطوا مع غيرهم والتزموا بعناوين لم الشمل، لكانوا قد كسبوا نقطة لصالحهم تعزز الثقة فيهم والاطمئنان إليهم، ولحققت الثورة والجماعة الوطنية والوطن ذاته مكاسب أخرى، لكنهم للأسف لم يروا كل ذلك، وشغلوا فقط بإثبات الحضور، فحققوا مرادهم، لكنهم زادوا من مخاوف الخائفين، ولم يبالوا بالثورة، أو الجماعة الوطنية، أو الوطن ذاته.واأسفاه!
..................

30 يوليو، 2011

التوافق بديلًا عن التنابذ


صحيفة السبيل الأردنيه السبت 29 شعبان 1432 – 30 يوليو 2011
التوافق بديلًا عن التنابذ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_30.html

الحشد الكبير الذي اجتمع في ميدان التحرير أمس أعاد إلى الأذهان فكرة «التوافق» التي كادت تتراجع، منذ برز في الأفق مشهد التراشق والتنابذ. وذلك تطور مهم للغاية، ينبغي أن يسعى الجميع للحفاظ عليه، ببساطة لأنه يحقق مصلحة أكيدة للجميع.

ذلك أن تجارب كثيرة علمتنا أن مصر التي ننشدها أكبر من أي فصيل بذاته، مهما بلغت قوته. أعني بذلك مصر الديمقراطية المستقلة التي يديرها أهلها ولا تخضع لوصاية أي أحد في داخل البلد وخارجه.
لقد شهدنا في الآونة الأخيرة تنافسا وسباقا على تمثيل مصر وثورتها من جانب أكثر من طرف.

تابعنا من ادعوا أنهم استدعوا كل القوى الحية في المجتمع، وأنهم صاروا ناطقين باسم الثورة والوطن، ثم تبين أن المحاولة ليست سوى تظاهرة سياسية من جانب بعض عناصر النخبة التي جمعت نفرا من الطامحين وآخرين من المتوجين والخائفين الذين قدموا أنفسهم بحسبانهم ليبراليين وعلمانيين وديمقراطيين.
وأمس كنا بصدد تظاهرة أخرى من جانب التيارات الإسلامية والسلفية منها بوجه أخص، حاولت بدورها أن تثبت الحضور وتستعرض القوة.

ولو أن الأمر وقف عند ذلك الحد، وظل مقصورا على طرف يتظاهر في الفضاء الإعلامي والسياسي وآخر يتظاهر في الشارع، لاحتملناه ومررناه. ولكن المشكلة تحدث والمحظور يقع إذا تصور أي طرف أنه صاحب الزمان والمكان، وإذا ظن أن قوته تسوغ له أن يفرض إرادته على الجميع.
خصوصا الأغلبية التي هي ليست إلى جانب هؤلاء أو هؤلاء.

أما المحظور الأكبر فهو أن ينشغل كل طرف بذاته، ناسيا أن هناك وطنا يريد أن يستعيد كرامته، وأن هناك شعبا يتطلع إلى مستقبل أفضل تسوده الحرية والعدالة التي تحفظ للمواطن كرامته بدوره.
أحسب أن هذا المعنى كان واضحا في رسالة الذين أرادوها مليونية الإرادة الشعبية والوحدة الوطنية، وهو عنوان عريض تطل منه بادرة التوافق الذي اهتزت صورته في الساحة المصرية.

والتوافق كما أفهمه لا يعني الاتفاق في كل شيء، ولكنه يعنى إدارة الاختلاف بوعي ورشد. بما لا يطمس خصوصية أي طرف. ولا يطالبه بالتنازل عن مبادئه أو شعاراته. وإنما يهتدي بأمرين هما:
المصلحة الوطنية العليا،
والتفرقة بين نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف، وتقديم الأولى على الثانية في الوقت الراهن.
بكلام آخر، فإن التوافق يعني بين ما يعني إمكانية الالتقاء حول هدف أو أهداف مرحلية، مع بقاء الاختلاف حول الأهداف النهائية.
كما أنه يعني التفرقة بين التناقض الرئيسي والتناقضات الفرعية والثانوية، بحيث يصيح الوقوع في فخ الأول هو المحظور قطعا، في حين أن الثانية يمكن احتمالها والتعايش معها.
لكى يتحقق ذلك، فإن الغيورين على الثورة والوطن ينبغي أن يكونوا واعين بمسئوليات وأولويات المرحلة التي تمر بها مصر.
وأتصور أن هذه الأولويات تتمثل في أمور ثلاثة هي:
استتباب الأمن
وإدارة عجلة الاقتصاد،
والإسراع في تسليم السلطة إلى حكومة مدنية وبرلمان تختاره إرادة الشعب الحرة.
إن الكلام عن علمانية الدولة أو تحكيم الشرعية أو العدول عن تمثيل العمال والفلاحين بنسبة 50 في المئة أو إلغاء مجلس الشورى، مثل هذه العناوين المهمة لا تمثل أولوية في الوقت الراهن، فضلا عن أنها تفتح الأبواب للشقاق والخلاف، في حين أن المطلوب الآن هو أن تفرق بين الأهم والمهم، وان ننشغل بالأولى كي ننتقل بأمان وثقة إلى الثانية.
كان بوسعنا أن ننجز شيئا من ذلك الذي أزعم أولويته لو أننا احتفظنا بلم الشمل واعتنينا بالتوافق حول ما هو مرحلي وأجلنا ما هو نهائي إلى أوانه، ولكن آفة الاختلاف والحسابات الخاطئة ضيعت علينا ستة أشهر دون أن ننجز شيئا منها.

وإذا أسهمت جمعة لم الشمل في استفاقة الجميع وتعاهدهم على استمرار التوافق، فإن ذلك سيعد إنجازا عظيما، لكنى أزعم أن الأمر ليس بهذه السهولة، لأن في مصر الآن من يحرص على الإرباك والتشتيت خوفا مما يمكن أن يأتي به المستقبل.
وهؤلاء لا يكفون عن وضع العصي في العجلات كي لا تتقدم المسيرة خطوة إلى الأمام، تشهد بذلك عناوين الصحف التي صدرت صباح أمس الجمعة، حيث ركز بعضها على لمِّ الشمل، في حين سعى البعض الآخر إلى غرس الألغام في ميدان التحرير. لذا وجب التنويه والتحذير.
..................

28 يوليو، 2011

تلك الرسائل المفخخة

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 27 شعبان 1432 – 28 يوليو 2011
تلك الرسائل المفخخة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_28.html

بعض الصحف المصرية لا تزال تصر على أن السلفيين سيذهبون إلى ميدان التحرير غدا لطرد العلمانيين، وأنها ستكون جمعة تطهير الميدان من المعتصمين.
الأمر الذي إذا صدقناه فلا بد أن نتوقع حربا أهلية في الميدان، ستشل العاصمة وتحطم المحال التجارية ولن يسلم منها السكان، ليس فقط الذين يطلون على الميدان، ولكنها ستطول كل سكان وسط البلد.
صحيح أن هناك من تحدث في الطرد والتطهير، ولكن هذه كانت أصوات آحاد ممن يغلب عليهم الانفعال والشطط، ونظائرهم كثيرون في كل اتجاه وساحة.

وقد سمعنا هتافات بعضهم التي نادت بإسقاط المجلس العسكري والمشير وإعدام حسني مبارك وحبيب العادلي في ميدان التحرير. لكن هذه الأصوات الشاذة تراجعت أمام صوت العقل الذي عبر عنه آخرون، ودعوا إلى ضرورة أن تكون الجمعة إعلانا عن عودة «اليد الواحدة» إلى جماهير ثورة 25 يناير.
ورغم أن موقف العقلاء برز خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، فإن بعض الصحف لا تزال حتى أمس (الأربعاء) تتحدث عن زحف مليونية السلفيين على ميدان التحرير. واستخدام مصطلح «الزحف» يستدعي على الفور احتمال الصدام والاقتتال، لأن الكلمة لا تستخدم في وصف الذاهبين للتصالح والتوافق.
لا أستطيع أن أفسر هذا الموقف بحسن نية. وأشم فيه رائحة التهييج والتحريض والوقيعة. ذلك أنه إذا تحدث صوت واحد عن تطهير الميدان من العلمانيين. في حين دعا عشرة آخرون إلى تضامن الجميع وتعاهدهم على تحقيق الوحدة الوطنية، فإنه من الغفلة أن تفترض البراءة فيمن يردد كلام الأول ويتجاهل كلام العشرة.
النموذج الذي نحن بصدده ليس فريدا في بابه، لأننا نشهد في بعض منابر الإعلام المقروءة والمرئية جهدا حثيثا سواء لتشويه بعض القوى والتيارات أو للوقيعة بين فصائل القوى الوطنية. وهذا وذاك يعتمد أسلوب اصطياد الكلمات أو تحريفها، ولم يخل الأمر من اختلاق بعض الاخبار وإشاعتها بين الناس.
التجمعات الإسلامية لها حصتها التقليدية ونصيبها الأوفر من تلك الحملة. وخلال الأسابيع الأخيرة أصبح المجلس العسكري هدفا آخر لها.

إذ المطلوب أن تظل العلاقة متوترة والخصومة قائمة بين الإسلاميين والسلطة من ناحية، وبينهم وبين العلمانيين من ناحية ثانية، وبينهم وبين الأقباط من ناحية ثالثة،

كما صار مطلوبا أيضا أن تتعمق الفجوة ويستمر الاشتباك بين المجلس العسكري وبين قوى المجتمع، كأنما المراد الآن إقناع الرأي العام بأن القوى الإسلامية تمثل تهديدا للمجتمع المدني، وأن المجلس العسكري يمثل تهديدا لأهداف الثورة.
لا يحسبن أحد أنني أدعو إلى تحصين أي طرف ضد النقد أو الحساب، لكنني أدعو فقط إلى تجنب التحريض والتشويه والوقيعة. فحين يكون قرار الجماعات السلفية أن تذهب لكي تتلاحم مع غيرها من قوى الثورة، فمن عدم الأمانة أن يقال إنها ذاهبة لتطهير الميدان من المعتصمين.

وحين يطلب من عميل للموساد أن يحاول الاتصال بالإخوان، ثم تنشر إحدى الصحف على صفحتها الأولى أنه اتصل فعلا فإن ذلك يعد كذبا يثبت سوء النية.

وليس من البراءة أن يوصف تراجع عدد الفائزين في انتخابات طلاب جامعة القاهرة بأنه «انتصار» للقوى الوطنية والديمقراطية، في حين إذا فاز الإخوان في انتخابات نقابة الصيادلة، فإن ذلك يعد عندهم «انقضاضا» على النقابة.
بذات القدر، فليس من الأمانة ولا حتى من الكياسة أن يوصف ذهاب بعض المتظاهرين إلى مقر وزارة الدفاع بأنه مسيرة للثوار ضد المجلس العسكري، أو أنه بمثابة سحب للثقة من المجلس،

وأسوأ من ذلك أن يطرح سؤال حول ما إذا كان المجلس مع الثورة أم ضدها، فذلك لعب خطر بالألفاظ يضعنا بإزاء مجموعة من الرسائل المفخخة.
المشكلة أن مصر تعيش الآن حالة من الفلتان الإعلامي، خصوصا على صعيد الصحافة المقروءة والإعلام المرئي، وتأثير الأخير أخطر بكثير، ليس فقط على الجماهير العادية، ولكن أيضا بالنسبة لصانع القرار ذاته، حتى أزعم أن التليفزيون يلعب الآن الدور الأخطر في تشكيل الإدراك وصناعة القرار،
ولذلك صار جاذبا لأعداد كبيرة من رجال الأعمال، حتى إن بعض القنوات أصبحت تعبر عن مصالح وأجندات أصحابها الممولين بأكثر مما تعبر عن المصالح الوطنية العليا.
مطلوب منا أن نفتح أعيننا جيدا، لأن بعض الذي ينشر في الصحف لم يعد مجرد كلام جرايد، ولكنه في الحقيقة رسائل مفخخة يراد بها أن تنفجر في وجوهنا جميعا.
..................

27 يوليو، 2011

لحظة الحيرة والالتباس


صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 26 شعبان 1432 – 27 يوليو 2011
لحظة الحيرة والالتباس - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_27.html

إذا جاز لي أن أضع عنوانا للمرحلة التي تمر بها الثورة المصرية هذه الأيام، فلن أتردد في تسميتها «مرحلة الحيرة والالتباس».
على الأقل فذلك ما أستشعره على المستوى الشخصي، وما استقرؤه في الأوساط التي أتعامل معها.

أدري أن ثمة شعورا ظاهرا بالإحباط لدى الذين رفعوا سقف توقعاتهم وأقلقهم ما تم إنجازه إلى الآن،
منهم من انتقد التباطؤ ومنهم من سارع إلى الاتهام بالتواطؤ.
ولا أنكر أن هناك فئات فقدت تعاطفها مع الثورة، لأن أصحابها تضرروا بسببين في معايشهم وأرزاقهم،
ناهيك عن أولئك الذين ارتبطت مصالحهم بالنظام السابق، ووقفوا من الثورة موقف العداء منذ اللحظة الأولى.
لا أتحدث عن أي من هؤلاء، لكني أتحدث عن الذين احتفوا بالثورة فأبهجهم انتصارها وساءهم ابتذالها. فكانوا معها من حيث المبدأ، لكنهم لا يخفون استياءهم من بعض الممارسات التي تتم باسمها.

أتحدث أيضا عن الذين اعتبروا أن استمرار الجيش في المرحلة الانتقالية ضرورة وطنية، كما اعتبروا أن نقد العسكر وتصويب مسيرتهم ضرورة وطنية أيضا، إلا أنهم لم يستريحوا لبعض مواقف المجلس العسكري التي اتسمت بالغموض، (مثلا المحاكمات العسكرية العاجلة لبعض شباب الثورة والمدنية المتمهلة لقاتليهم وأركان النظام السابق)،
هؤلاء استغربوا أيضا بعض التصريحات الانفعالية والغاضبة التي صدرت عن بعض أعضاء المجلس العسكري، ثم فوجئوا بأن الغضب تطور إلى اتهام طعن في نزاهة بعض التجمعات، وهو اتهام يعوزه الدليل، الذي إذا لم يشهر على الملأ فإنه يبدو بمثابة إحياء لخطاب يفترض أن تكون الثورة تجاوزته وطوت صفحته.
أما الشباب الذين كانوا رأس الحربة في إسقاط النظام السابق، فلست أشك في أنهم كانوا ولا يزالون أجمل وأنبل ما أنجبت مصر، ولذلك فإن لهم مكانتهم ولاتزال عزيزة في القلب والذاكرة، إلا أن صفحتهم النقية تعرضت إلى تشوهات أساءت إليهم، وسحبت الكثير من رصيدهم، حيث وفدت إليهم وزايدت عليهم شرائح اختلت لديها الموازين، فلم تفرق بين حماة الثورة وخصومها، ولا بين الحدود المشروعة وغير المشروعة في التعبير عن الاحتجاج، ولا بين الصالح العام والمصالح الفئوية والخاصة.
وإذا كنا قد تفاءلنا خيرا بتجميع القوى المشتتة، ورأينا في محاولات التوافق وتشكل الائتلافات مقدمة لتحقيق الوفاق الوطني الذي شهدناه في ميدان التحرير أيام تلاحمه ومجده، إلا أن ذلك التفاؤل تآكل بصورة تدريجية، بعدما ظهرت في الأفق صور أخرى سلبية، فالائتلافات اخترقت، بحيث لم تعد تعرف الأصيل منها والدخيل، والصالح من الطالح، في حين أصبحت تلك الصيغة التجميعية بابا لمزيد من التشرذم والاحتراب.
أما التحالفات التي استبشرنا بها فقد تحولت إلى باب للاستقطاب والتحزب، الذي قسم الصف الوطني، وأشاع في أوساطه شعورا بعدم الثقة والمفاصلة.
زاد الطين بلة أن الثورة التي أعادت الروح إلى مصر وشعبها، حاول البعض احتكارها واختطافها، وصرنا بين طامحين نصبوا أنفسهم متحدثين باسم إرادة الشعب المصري وضميره
وبين مفتونين ظنوا أنه لا شرعية لغيرهم في البلد، وأن كل ما يصدر عن غيرهم باطل لا يعتد به،
وبين مكابرين ظنوا أن تاريخ الثورة بدأ بهم، وأسقطوا من الحسبان نضال وتضحيات أجيال سابقة تحدت الفرعون وأسقطت هيبته، ومن ثم وضعت المسمار الأول في نعش النظام السابق، ودفعت أثمانا باهظة لقاء ذلك.
أمثال تلك المشاهد التي تجمعت في الفضاء المصري خلال الأسابيع الأخيرة كانت سببا مباشرا لما أدعيه من حيرة والتباس، حيث تداخل الصواب والخطأ وتزامن المقبول مع المرفوض والمنكور، الأمر الذي أوصلنا إلى حالة البلبلة التي صرنا بصددها الآن.
يحتار المرء في ضبط مشاعره، حيث يريد أن يحتفظ بما يعتز به، وأن يقاوم ما ينكره ويستهجنه، بحيث لا يطغى الشعور بالمرارة والحزن على فرحة الإنجاز وقوة الأمل، ولا تصرفنا البقع السوداء عما هو ناصع في الصورة.
وتلك مهمة صعبة، خصوصا في ظل الهرج الإعلامي السائد، وفوضى الانفعال والتصريحات غير المسئولة. لكننا في اللحظات الراهنة أحوج ما نكون إلى إعلاء صوت العقل والحكمة، اللذين يجمعان بين احترام دور المجلس العسكري الذي لا بديل عنه في الوقت الراهن، وبين الإنصات إلى صوت الشارع وأشواق جماهيره التي لم تعد مستعدة للتفريط في حلمها الذي استعادته بعد عناء وطول غياب،

كل ما أرجوه في اللحظة الراهنة أن يمتنع المزايدون، ذلك أن سكوتهم يقدم خدمة جليلة للوطن، إذا كان يعنيهم أمره.
..................

26 يوليو، 2011

أزمة الشرعية في مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 25 شعبان 1432 – 26 يوليو 2011
أزمة الشرعية في مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_26.html

بعد مضي ستة أشهر على إسقاط نظام مبارك، هل يصح أن نقول إن ركوب الثورة بات مقدما على إنجاحها، وإن شرعية تمثيلها أصبحت محل شك كبير؟
(1)
هذا الكلام يحتاج إلى ضبط كي لا يساء فهمه، من ناحية لأن ذلك الذي نتساءل عنه ما كان له أن ينشأ لولا خصوصية وضع ثورة 25 يناير التي صنعتها الجماهير الغفيرة التي لم تكن لها قيادة أو مشروع واضح المعالم،
ثم إنها فرضت نفسها وسط فراغ سياسي مخيم، لذلك كان طبيعيا أن تشكل التجمعات والائتلافات في وقت لاحق وتتسابق لملء ذلك الفراغ، وبسبب التردد والبطء النسبي في اتخاذ القرارات من جانب المجلس العسكري، فقد زادت أهمية تلك التجمعات التي تحولت إلى عنصر ضاغط كان له أثره الفعال في إنجاز بعض الخطوات المهمة التي جاءت ملبية لمطالب الذين خرجوا يوم 25 يناير
(تصفية أركان النظام السابق ــ تطهير وزارة الداخلية من قتلة الثوار ــ رعاية أُسر الشهداء ــ علنية محاكمات المسؤولين عن الفساد السياسي والمالي.. إلخ)

بالتالي فإن من الظلم البيّن الإدعاء بأن التجمعات والائتلافات لم تفعل شيئا، لأنها أدت دورا مهما، إلا أنها لا ينبغي أن توضع كلها في سلة واحدة، حيث فيها الأصيل والدخيل والبريء وغير البريء والحقيقي والوهمي، هذه التمايزات تسوغ لنا أن نتحفظ على تعميم كله «الثوار» على الجميع كي لا يساء استخدامها أو ابتذالها، في هذا الصدد فإنني أفرق بين الذين خرجوا إلى الميادين يوم 25 يناير وظلوا صامدين فيها حتى أسقطوا نظام مبارك وأرغموه على التنحي في 11 فبراير، وبين المتظاهرين الذين التحقوا بالأولين بعد ذلك، وشاركوهم الغضب لسبب أو آخر، فافترشوا الميدان واعتصموا واعتلوا المنصات وتسابقت عليهم وسائل الإعلام، التي فتن بعضهم بها وتعلقوا ببريقها، وهؤلاء وهؤلاء يختلفون على المنتحلين الذين تقاطروا على الميدان من كل صوب وتراوحت دوافعهم بين البراءة وغير البراءة.
من ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعمم ملاحظاتي على الجميع، وأقر بأن معظم تلك الملاحظات مستقاة من المشهد الراهن في ميدان التحرير، الذي يستأثر بالأضواء وبالاهتمام الإعلامي والدبلوماسي، ويراه كثيرون رمزا ومرآة للثورة، في حين أنني أدرك جيدا أن الصورة أكثر جدية ونقاء في محافظات الدلتا والصعيد، التي هي أبعد عن مظان الغواية والفتنة، وهو ما يدعوني إلى القول إن الصورة في ميدان التحرير بالقاهرة وحتى في الإسكندرية، إذا اعتبرت ناطقة باسم ثورة 25 يناير، إلا أنها من بعض الزوايا ليست أفضل ولا أصدق تعبير عنها.
(2)
بوسع أي واحد وابن عمه وزوجته وأولاده القصر أن يشكل «ائتلافا» ينسبه إلى الثورة وأن يقدم نفسه بحسبانه «ناشطا»، وأمامه وسليتان لإشهار الائتلاف، الأولى أن يتعرف على أحد مندوبي الصحف أو معد من البرامج الحوارية وما أكثرها، أو أن ينشئ لنفسه موقعا على الإنترنت يبث من خلاله ما يشاء من آراء وبيانات «ثورية».

وإذا اعتبر نفسه ليبراليا ومدافعا عن الدولة المدنية ومنضما إلى جوقة المهاجمين للإخوان والسلفيين والتيارات الدينية، فإنه سيجد من يحتفي به وينقل مقر إقامته من بيته أو المقهى الذي اعتاد الجلوس عليه، بحيث يصبح زبونا في استوديوهات التلفزيون ولأن كل شيء صار مباحا فبوسعه أن يكتسب شعبية واسعة إذا زايد على الجميع واستخدم ألفاظا جارحة في نقده لرئيس الوزراء واحتشم قليلا، ولم يطلب من المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري سوى الاستقالة، بعدما غمز في قناة المجلس العسكري واعتبره جزءا من الثورة المضادة.
ليس في هذا الكلام أي مبالغة، ذلك أنه إذا كان في الميدان الآن 130 ائتلافا كما ذكر «الناشط» جورج إسحاق للأهرام يوم الخميس الماضي 21/7، فأغلب الظن أن 80٪ من تلك الائتلافات على الأقل قد تشكلت بالطريقة التي ذكرتها، هذا إذا كان لها وجود أصلا.عند الحد الأدنى، فثمة علامات استفهام كثيرة حول بعض تلك الائتلافات وجهات الاتفاق عليها، وفي حدود معلوماتي فإن شخصا واحدا شكل خمسة ائتلافات بأسماء مختلفة، كلها ثورية، ولست متأكدا مما قيل لي عن أن بعض الأجهزة شكلت ائتلافات أخرى لخدمة أغراضها، ولأن الميدان مفتوح أمام الجميع فليس مستغربا أن يحاول كل صاحب مصلحة مشروعة أو غير مشروعة، أن يثبت حضورا من خلال ائتلاف يعبر عنه وخيمة ينصبها يقيمها في قلب الميدان.
الساحة تبدو أكثر انفتاحا عبر الإنترنت إذ بوسع أي أحد أن ينشئ موقعا وهو قاعد في بيته، ثم يقول إن عشرة آلاف تضامنوا معه ويظل «الثائر» مجهولا، كما أن أحدا لا يستطيع أن يتحقق من أعداد أولئك المتضامنين وما إذا كانوا أشخاصا حقيقيين أم وهميين. ولعل كثيرين يذكرون أن بعض الناشطين أعلنوا عن حملة لجمع 15 مليون توقيع لتأييد المطالبة بالدستور أولا، وقصدوا أن يكون الرقم متجاوزا الـ 14مليونا الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية ولأن التوقيع يفترض أن يتم عبر الإنترنت، فإن حامل الكمبيوتر ذكر بعد ساعات أنه تلقى 300 ألف توقيع، وفي المساء قيل إن مليون شخص أيدوا المطلب، وفي اليوم التالي أعلن أن عدد الموقعين وصل إلى ثلاثة ملايين، وكانت تلك الأخبار تحتل مكانها على الصفحات الأولى للصحف المنحازة للموقف، ولكن يبدو أن الذين دبروا الحملة أدركوا أن الحيلة «واسعة» بعض الشيء فأوقفوها بعد أيام قليلة.
قصص الانتحال التي من ذلك القبيل كثيرة بينها قصة المذكرتين اللتين قدمتا إلى المجلس العسكري ومجلس الوزراء وضمتا آلاف التوقيعات التي أيدت فكرة المطالبة بالدستور أولا، ثم تبين أن أغلب التوقيعات لشخص واحد وقلم واحد لم يتغير!
(3)
في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون أغلب ثروة البلد وفي النظام الجديد لدينا أضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة، كأنما كتب علينا أن نظل محلا للاحتكار من جانب فئة من الطامحين، والذي تغير لم يتجاوز أسماء المحتكرين وموضوع الاحتكار، من نماذج ذلك أن ينبري أكثر من واحد من الطامحين لتشكيل وتمويل تجمع يضم أصدقاءه ومعارفه ومن لف لفه، ومن هؤلاء يشكل مؤتمرا تحت لافتة تحمل اسما كبيرا ورنانا، وهذا التجمع ينتخب الرجل أمينا ويرشحه ـ رئيسا ويباشر ذلك التجمع أنشطة متعددة بدعوى أنه يمثل الأمة، هكذا مرة واحدة.
قرأت بيانا لتجمع من هذا القبيل أصدر بيانا استهله بعبارات تقول: أثناء التحضير لمؤتمر مصر الأول والذي عقد يوم 7 مايو 2011 تحت شعار «الشعب يحمي ثورته» بحضور خمسة آلاف مشارك يمثلون جغرافيا كل مصر وجميع أطيافها السياسية والاجتماعية والثقافية، قدمت مجموعة العمل الوطنية لنهضة مصر الدستورية والقانونية التي تمثل خبرات رفيعة المستوى من الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين والقانونيين مشروع وثيقة لإعلان مبادئ الدستور المصري القادم بعد ثورة 25 يناير، سميت الوثيقة واحد، تم طرحها للحوار الوطني عبر موقع المؤتمر (المجلس الوطني) لمدة ثلاثة أسابيع، وقد ورد على الموقع آلاف الاستجابات التي تمثل أفكارا وآراء قيمة من جموع أبناء الشعب المصري بجميع أطيافه، وتم إدراج هذه الأفكار في الوثيقة (2) التي عرضت في الجلسة الأولى لمؤتمر مصر الأول، وشارك في مناقشتها عشرات المشاركين من كل التيارات. وقدمت مئات من المقترحات البناءة حول ما ورد فيها، وتمت إضافة العديد من هذه الأفكار القيمة والمبادئ المهمة، فكانت الوثيقة (3) التي عرضتها جريدة الشروق ليتواصل الحوار الوطني حول ما تضمنته من مبادئ وأفكار دستورية لرسم معالم شرعيتنا الدستورية القادمة.
هذا النص يجسد فكرة الجهد الخاص الذي يتصدى باسم الأمة لصياغة الحاضر والمستقبل، لكنه يظل مفتقدا للشرعية رغم استخدامه أوصافا كبيرة رنانة. فصاحب المشروع تخير أناسا بذواتهم شكّل منهم ما سماه المجلس الوطني وهذا المجلس دعا إلى مؤتمر مصر الأول، الذي قيل إن خمسة آلاف شخص شاركوا فيه يمثلون كل أطياف مصر السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد قدمت إليهم مجموعة العمل الوطنية المختارة والتي ضمت ارفع خبرات الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين وهؤلاء رسموا معالم الشرعية الدستورية القادمة لمصر. بعد ذلك التقديم اللغوي الفاخر الذي أريد به إسكاتنا وإفحامنا وجدنا أن الشخصيات المحترمة المختارة قدمت لنا وثيقة أغرب ما فيها بندان:
الأول يعبث بالمادة الثانية من الدستور ويضعف من الهوية الإسلامية لمصر، حيث يبقى النص على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية والمصدر الرئيسي للتشريع ويضيف إليه عبارة تقول: مع تأكيد هذا المبدأ بالضمانات الدستورية التي تكفل حق غير المسلمين في الاستناد لمبادئ شرائعهم الخاصة كمصدر لتشريعات أحوالهم الشخصية، وهي إضافة تشكك في عدالة النص الأول الذي يعد مرجعا ضامنا لحقوق غير المسلمين، ولم يحدث في أي مرحلة من مراحل التاريخ المصري أن كان سببا في تعطيل أي حق من حقوق غير المسلمين، الأمر الذي يشكك في براءة هدف تلك الإضافة.
البند الثاني يقتبس من الدستور العلماني التركي الذي تجاوزوه هناك منذ أربعين عاما نصا يقضي بقيام القوات المسلحة وليس المجتمع بحماية الدولة المدنية والنظام الجمهوري الديمقراطي من أي انتهاك، وهي الفكرة التي حولت الجيش هناك إلى صانع للسياسة ودفعته إلى القيام بثلاثة انقلابات عسكرية واحد كل عشر سنوات.
هل يمكن أن يقال إن مواقف من ذلك القبيل تعبر بأمانة عن جميع الأطياف في مصر، أم أنها وجهة نظر تيار علماني انتحل تمثيل الأمة وأراد أن يفرض رأيه على المجتمع من خلال شخصيات لم يخترها ذلك المجتمع.
(4)
ليست لدي مشكلة مع مثل هذه الوثائق، التي تعبر عن آراء واجتهادات يمكن أن تحترم، اتفقنا معها أو اختلفنا، لكن المشكلة تنشأ حين يصر أصحاب تلك الآراء على فرضها علينا بدعوى أنها تمثل كل أطياف المجتمع المصري، إذ يحق لنا حينئذ أن نتساءل عمن ندبهم إلى ذلك وعن المعيار الذي لجأوا إليه في ادعاء تمثيل المجتمع. أدري أن القدرات المالية التي يتمتع بها البعض وزعيق الأبواق الإعلامية التي تعبر عنهم وإمكانات ثورة الاتصال التي تيسر الوصول إلى دائرة واسعة من البشر، هذه كلها وسائل تثبت الحضور حقا لكنها لا توفر شرعية التعبير عن المجتمع خصوصا فيما يتعلق بنظامه السياسي ووثائق وخرائط مستقبله. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إنه بعد ستة أشهر من الثورة فإننا في مصر لم ننجح في إقامة أي كيان يستند في شرعيته على انتخاب الناس واختيارهم الحر ـ والحالة الوحيدة التي عبر الناس عن رأيهم فيها كانت الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي لم يكن لها من هدف سوى أنها وفرت لنا خريطة طريق لتأسيس المجتمع المدني الذي يتشدق به الجميع ويهتفون له. ولكن لأن النتيجة لم تكن على هوى البعض فقد تم الطعن في نتيجة الاستفتاء وجرى تشويه من أيدوه وتسفيه موقفهم.
الآن عرفنا لماذا قاوموا بشدة فكرة البدء بإجراء الانتخابات التشريعية، ولماذا يحاولون الاستباق والانفراد بصياغة الحاضر والمستقبل على النحو الذي يستجيب لأهوائهم وأطروحاتهم، ولماذا قبلوا بإطالة أمد استمرار العسكر في السلطة وتأخير تسليمها للمدنيين،

إلا أن ذلك لا يمنعنا من التأكيد على أن الانتخاب الحر المباشر هو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية على أي كيان سياسي يبغي تمثيل المجتمع أو كل مشروع يراد له أن يصوغ مستقبل النظام الجديد في مصر.
..................

25 يوليو، 2011

الدرس الأول


صحيفة الشرق القطريه الاثنين 24 شعبان 1432 – 25 يوليو 2011
الدرس الأول – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_25.html

قرر أربعة شباب في بلجيكا أن يفضحوا صحف بلادهم ويجعلوها موضوعا للسخرية والتندر. فكرتهم انطلقت من السؤال التالي:
هل يمكن أن تنشر الصحف أخبارا غير موثوقة؟

لكي يجيبوا عن السؤال فإنهم قرروا أن يختبروا العملية بأنفسهم.
ولأنهم يعملون لمصلحة شركة الإنتاج البلجيكية المعروفة «سمكة الصحراء»، فقد قرروا إنشاء شركة بحوث وهمية سموها «داتا درفن» (المعطيات الدافعة). واختلقوا موظفا وهميا مهمته محصورة في إرسال أخبار الشركة من بريد إلكتروني باسمه.

وبعد أن أعدوا عدتهم وحملوا كاميراتهم ليوثقوا كل خطوة يخطونها، فإنهم أعدوا خبرا مختلقا حول الانتخابات التي كانت تجري في بلجيكا.
واختاروا لذلك زاوية تضمن له الإثارة والرواج.

قال الخبر إن الشركة راقبت 50 مقرا انتخابيا، وخلصت إلى أن الناخبين قضوا هذه المرة في غرفة الاقتراع ضعفي الوقت الذي يقضونه عادة.
وأن الرقم القياسي للوقت الذي قضاه الناخبون في غرف الاقتراع كان لسيدة عجوز قضت أكثر من 14 دقيقة هناك،

أرسلوا الخبر إلى كل وسائل الإعلام المعروفة. وكان عليهم الانتظار تسع ساعات فقط كي يروا النتيجة التي كانت مفاجأة، ذلك أن كل الصحف البلجيكية المهمة، الناطقة بالهولندية، نشرت الخبر، بما فيها الصحيفتان الكبيرتان «دي مورجن» و«ستاندارد».

لم يقم أي صحفي منها بتعقب المصدر، والتأكد منه، على رغم إلحاق رقم الهاتف وعنوان بريد إلكتروني بالخبر المرسل.

بارقة أمل وحيدة بانت حينما بعث صحفي واحد من جريدة «الأخبار الأخيرة» برسالة إلكترونية مستوضحا، لم يرد الشباب عبر الشخصية الوهمية. واكتفوا بالمراقبة. فما كان من الجريدة إلا أن نشرت الخبر على صفحتها الأولى، والأنكى أنها واكبت ذلك بنشر تحليل عن لماذا يستغرق الرجال وقتا أقل من النساء عند الاقتراع.
كل مراحل طبخ الخبر سجلت بالصوت والصورة. وإمعانا في السخرية. فإنهم كرروا المحاولة مع خبرين آخرين اختلقوهما،
أحدهما عن الارتباط بين الجنس ومن يقترعون للأحزاب،
والثاني عن دراسة وهمية لأطروحة دكتوراه تناولت قصة يتداولها البلجيكيون بفخر، تقول إن يوليوس قيصر قال عن البلجيكيين إنهم «الأكثر شجاعة» خلال حروبه في بلاد الغال (شمال أوروبا).
إذ اختلقوا طالب دكتوراه، ونقلوا على لسانه أنه بحث الأمر جيدا واكتشف أن قيصر قال إن «الفلمانيين» سكان إقليم فلاندر البلجيكي هم الأكثر شجاعة، وليس البلجيكيون كلهم.
المفاجأة أن الخبرين تصدرا عناوين الصحف، في حين أن الأمور أخذت أبعادا أخرى في خبر «الجنس والتصويت»، الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية «بيلجا» نقلا عن المصدر الوهمي، إذ أضاف محررو الوكالة أن من يصوتون للحزب الديمقراطي الليبرالي هم الأكثر ممارسة للجنس، والأكثر رضا في حياتهم الجنسية.

بعدما نقلت الجرائد الخبر علق رئيس الحزب المقصود أمام أنصاره «هذه الأيام نحن غارقون في الإحصاءات، لكن ما يهمنا هو إحصاء واحد يقول إن من يصوتون لليبراليين لديهم الحياة الجنسية الأفضل». إلا أن ممثل حزب منافس لم يعجبه ذلك، فتوسل السخرية، ووجد بديهيا أن «الليبراليين لديهم سعادة جنسية لأنهم يخونون زوجاتهم».
مغامرة الصحفيين الأربعة تحولت إلى مسلسل تليفزيوني، سجل كل مراحل اختلاق الأخبار والحوار الذي دار حول صياغتها والعبث بمضمونها، وصولا إلى صفحات الصحف التي شربت المقلب، وأبرزت الأخبار على صفحاتها الأولى، وهو ما هز الوسط الصحفي وصدم الرأي العام، بعدما أدرك الناس أن صحفهم المحترمة وقعت في الفخ ولم تتردد في نشر أخبار مكذوبة دون أن تحاول التأكد من صدقيتها.
في تقديم المسلسل اقتبس الشبان قاعدة ذهبية في المهنة سجلها في أحد كتبه نك ديفيس محرر جريدة «الجارديان» البريطانية تحدث فيها عن تحول اتجاهات التغطية الإخبارية المعاصرة وكيف صارت الخفة هي المعيار السائد في العمل الصحفي.

ومما قاله في هذا الصدد «أن العمل الأساسي للصحفي هو التأكد من المعلومات، ولكن غالبية الصحفيين لم يعودوا يفعلون ذلك لأنهم أخذوا منا الوقت. والوقت هو الآلة الأساسية لشغل الصحافة».
الصحف التي تورطت في الفضيحة التزمت الصمت. لكن أحد ممثلي الصحافة الفلمانية تصدى للرد قائلا:
إن ما فعله الشبان الأربعة «كان فظيعا» ويقلل من صدقية الصحفيين، مضيفا أننا لا نستطيع أن نطالب الصحفيين أن يتأكدوا من كل المصادر.

وأمام ذلك «السخط»، لم يفعل الشبان سوى أنهم أعادوا ترديد، ما قاله الصحفي ديفيس، ووجهوا كلامهم إلى ممثلى الصحف الفلمانية قائلين: «إن أولى مهماتك كصحفي هو التأكد من المصادر. وإن لم تفعل ذلك فأنت لست صحفيا». وهو تنبيه يهم كل المشتغلين فى المهنة.
إن شبابنا العاملين في الصحف المصرية والعربية أحوج ما يكونون إلى قراءته مرة واثنتين وثلاثة، باعتبار أن ذلك أحد مفاتيج النجاح في العمل التي ضاعت في زماننا. بعدما أصبح الصحفي مشتتا بين جريدته التي يعمل بها والصحف الخارجية التي يراسلها ووكالات الأنباء التي تشتري منه الأخبار وبرامج التليفزيون التي يشارك في إعدادها مستثمرا مصادره، فكسب مالا كثيرا وخسر مهنته.
إذ أصبحت «مهنة البحث عن المتاعب» مهنة أخرى تتحرى البحث عن «المصاري».
..................

24 يوليو، 2011

بعيون إسرائيلية


صحيفة الشرق القطريه الأحد 23 شعبان 1432 – 24 يوليو 2011
بعيون إسرائيلية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_24.html

س: هل يستطيع الإخوان المسلمون أن يستولوا على السلطة في مصر؟ج: هم ليسوا منظمين على نحو كاف، وليس بمقدورهم الإقدام على هذه الخطوة، خصوصا أن الأوضاع الاقتصادية في مصر سيئة للغاية، وقد أعلنوا أنهم لن يرشحوا أحدا لرئاسة الجمهورية حيث لا يريدون أن يتحملوا عبء الوضع المتدهور. وغاية ما يطمحون إليه هو أن يحققوا إنجازا يضمن لهم ثلث المقاعد في الانتخابات التشريعية المقبلة.
هذا الحوار جرى في لجنة الشؤون الخارجية والأمن بالكنيست الإسرائيلي، والسائل هو نائب اسمه آريه الداد، أما المجيب فهو رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية افيف كوخافي والحوار أشار إليه كاتب بارز في صحيفة «معاريف» هو بن كاسبيت، ونشر يوم 8 يوليو الحالي.
المقال كان عن ربيع الشعوب العربية كما يراه رئيس الاستخبارات العسكرية الذي ركز حديثه على سوريا ومصر. وذكر أن الاضطرابات في سوريا تشمل ما بين 20 و30 مدينة وأن عمليات القمع التي يباشرها الجيش لم توقفها، كما أن خطوات الإصلاح التي أقدم عليها الرئيس بشار الأسد لم تحدث مفعولا يذكر.

في ذات الوقت يرى الرجل أن الجيش السوري منهك وأن الوضع الاقتصادي يتدهور بسرعة مما أدى إلى فقدان ثلث الاحتياطي من العملة الصعبة وفي تقديره أن الرئيس الأسد لا يزال قادرا على أن يطيل ما سماه «حرية الوجودية» لسنة أو سنتين.
في تصور الاستخبارات العسكرية أن الوضع الاقتصادي في مصر لا يختلف كثيرا. ذلك أن الحكومة أصبحت تستجدي شطب الديون في الولايات المتحدة، وتتطلع إلى تدفق المليارات من السعودية ودولة الإمارات، لكن الاستجابة لا تزال جزئية. كما أن الحكومة تعلق أملها على الأسرة الدولية، حيث المطلوب مشروع «مارشال» عاجل لإنقاذ الاقتصاد المصري.
الصورة المرسومة في المقال عن سيناء قاتمة، ففي رأي الاستخبارات إن الوضع يتدهور بسرعة أشد ويقترب من الفوضى الشاملة، وأن هناك 300 ألف بدوي ينتمون إلى أربع قبائل مشتبكة مع النظام المصري، وتسيطر على ما وصف بأنه «الشرق المتوحش» الذي يعد منطقة سائبة لا سلطان للدولة المصرية عليها.
حين تطرق إلى الإخوان المسلمين وقال قولته التي سبقت الإشارة إليها، أضاف أن شباب الإخوان اختلفوا عن الصورة التقليدية المستقرة في الأذهان، المتمثلة في ارتداء الجلابية البيضاء، والنعل (الشبشب) القديم ذلك أن أجيالهم الجديدة أصبحت ترتدي الجينز والقمصان ذات الأكمام القصيرة ويحمل الواحد منهم جهاز كمبيوتر (لاب توب) حيثما ذهب، وهذا التغيير ليس مقصورا على الإخوان وحدهم. كما تراه الاستخبارات العسكرية حيث ارتأت أن ثمة تغيرا نوعيا في الشارع العربي إذ أصبح أكثر جرأة، في حين أصبحت الأنظمة أقل جرأة، وفي تقديره أن في العالم العربي نحو مائة مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، وهؤلاء لديهم مشاكل كثيرة في العمل والسكن، لكنهم خلافا للأجيال التي سبقتهم أكثر وعيا بحقوقهم، وعلى إدراك كاف بما يحدث في العالم حولهم.
في رأي الكاتب إن أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية التي تتابع بدقة ما يجري في العالم العربي وتلهث وراء المواقع الإلكترونية لكي تتحسس نبض الشارع فيه، تقدر أنه سيمر عقد من الزمان أو عقدان لكي تتبلور لديها بوضوح صورة مستقبل العالم العربي، إشارة في هذا الصدد إلى أن الاستخبارات تدرك عمق الصراع بين التيارات الإسلامية المحافظة والتيارات الأخرى الليبرالية المتعلقة بالنموذج الغربي.
كما أنها ترصد مؤشرات حركة شباب الطبقات الوسطى ومظاهر اتساع الفجوة بين الأنظمة وشعوبها، ودلائل عدوى التمرد السياسي وتراجع هيبة الأنظمة الحاكمة التي انتقلت من تونس إلى مصر ومنها إلى الأقطار العربية الأخرى.
خلص بن كاسبيت من استعراضه إلى أن هناك أكثر من تحد ينتظر الاستخبارات العسكرية في تعاملها مع العالم العربي، إذ عليها أن ترصد باستمرار الرسائل التي تبث عبر شبكات التواصل الاجتماعي في الدول المحيطة باختلاف مصادرها، كما أن عليها أن تبحث عن اختراع برنامج يمكنها من الانخراط في فوضى الشبكات الاجتماعية التي تعتمل في العالم العربي، ويترجمها إلى تقرير استخباري يفيد المخطط الاستراتيجي الإسرائيلي.
..................

23 يوليو، 2011

جمهورية التحرير الشقيقة!

صحيفة الشرق القطريه السبت 22 شعبان 1432 – 23 يوليو 2011
جمهورية التحرير الشقيقة! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_23.html

قرر المعتصمون في ميدان التحرير انتخاب برلمان يمثلهم. ومجلس رئاسي يدير أمورهم، ووجهوا إنذارا إلى المجلس العسكري الحاكم بأنه إذا لم يستجب إلى مطالبهم خلال ستة أشهر، فإنهم سيتجهون لانتخاب مجلس أمناء الثورة لإدارة البلاد في الفترة الانتقالية.
هذا الكلام ليس لي، لكن نقلته عن تقرير ضاف نشره الأهرام يوم الأربعاء الماضي 20/7، وتضمن تفصيلات جديرة بالقراءة.
فهمنا من التقرير أن شؤون الميدان تباشرها 4 لجان، واحدة للأمن والثانية للإعاشة والثالثة للنظافة والرابعة للشؤون الطبية.
كل واحدة من تلك اللجان ستنتخب مديرا و4 مساعدين، إضافة إلى عشرين شخصا آخرين.
ومن هؤلاء سيتكون برلمان الميدان الذي يضم 120 شخصا منتخبا إلى جانب 20 آخرين هم المديرون ومساعدوهم الذين سينضمون إلى البرلمان بصفاتهم، الأمر الذي يعني أن مجموع أعضائه سيصل إلى 140 شخصا.
أعضاء البرلمان سيتوزعون على ثلاث لجان للإعلام والسياسة والإدارة، كما أن البرلمان سينتخب مجلسا رئاسيا من بين أعضائه يضم 11 شخصا. وهذا المجلس وحده المخول بالتفاوض باسم المعتصمين.
أضاف التقرير أن مؤتمرا عقد في ساعة متأخرة من الليل لبحث موضوع تشكيل الوزارة الجديدة تحت مسمى «المؤتمر التوافقي لمعتصمي التحرير». وشارك فيه 43 ممثلا للحركات والائتلافات الموجودة بالميدان.

وعبر المجتمعون عن عدم رضاهم على التشكيل الوزاري لأنه لم يتضمن تغيير وزيري الداخلية والعدل، وتحدثوا عن عدة مطالب هي إلغاء وزارة الإعلام وتحرير وسائل الإعلام من التبعية الحكومية وإنشاء هيئة مستقلة للإعلاميين يديرها الإعلاميون العاملون بالانتخاب

واشترطوا لفض الاعتصام الاستجابة للطلبات التالية: القصاص من قتلة الثوار ـ إقامة دولة القانون ـ إعادة هيكلة وتطوير وتطهير وزارة الداخلية ـ نقل الرئيس السابق إلى سجن طرة ـ تخصيص محكمة بكامل دوائرها لقتلة الثوار يكون الرئيس السابق أول الماثلين أمامها ـ إقالة النائب العام ورئيس جهاز المحاسبات ـ إلغاء المحاكمات العسكرية وإطلاق سراح السجناء السياسيين ـ إلغاء قانون منع التظاهر السلمي ـ تشكيل لجنة عليا من مجلس الوزراء للنظر في الشكاوى والطلبات الفئوية ـ الوصول بالحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه خلال عام كحد أقصى.
في هذا الصدد ذكر المعتصمون أنهم سوف يمهلون المجلس العسكري ستة أشهر للاستجابة لتلك المطالب. وإذا لم يتحقق ذلك فإنهم يعتزمون انتخاب «مجلس أمناء الثورة» لكي يتولى إدارة شؤون البلاد في الفترة الانتقالية.
تضمن التقرير قائمة بالحركات والائتلافات الـ43 التي توافقت على تلك المطالب التي منها: اتحاد شباب الثورة ـ ثوار مصر ـ المؤتمر الشعبي الناصري ـ ثوار مصر الأحرار ـ ائتلاف الإسلام الحر ـ الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر ـ جبهة ثوار التحرير ـ تحالف القوى الثورية ـ جبهة أحزاب الثورة ـ الاشتراكي المصري ـ قهوة السياسة ـ أمجاد الاشتراكي الإسلامي ـ جمعية كنتاكي الثورة ـ الجبهة الحرة للتغيير السلمي ـ حركة شباب 6 أبريل «أحمد رفعت» ـ الجبهة الشعبية الديمقراطية لحماية الثورة والوحدة الوطنية ـ العربي الديمقراطي الناصري... الخ.
في التقرير المنشور خبران آخران هما:
إن التيار الكهربائي انقطع عن الميدان فانتشرت شائعة بين المعتصمين تقول إن الاعتصام سيتم فضه بالقوة «فتم الدفع بعدد كبير من الشبان للانضمام إلى اللجان الشعبية المكلفة بتأمين الميدان». ولكن التيار الكهربائي عاد بعد نصف ساعة فعاد الهدوء إلى الميدان.
الخبر الثاني أن مجموعة من المعتصمين أعلنوا أنهم مستمرون في الميدان خلال شهر رمضان. وقاموا بتعليق بعض الزينات الدالة على ذلك في حديقة الوسط.
لا أعرف ما إذا كان هذا الكلام الذي يؤسس لجمهورية التحرير يمكن أن يؤخذ على محمل الجد أم لا. وإذا كان الرد بالإيجاب، فإن سؤالي التالي هو:
ما علاقة كل ذلك بأهداف ثورة 25 يناير «الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية»؟

أما مفارقة المشهد فهي أن هؤلاء المعتصمين صنفوا ضمن المنادين بالدستور أولا، لكنهم حين أرادوا أن يرتبوا أوضاع الميدان فإنهم لجأوا إلى إجراء الانتخابات أولا!
ملحوظة: يوم الأحد الماضي 17/7 كتبت في هذا المكان تعليقا على خبر نشرته صحيفة «روزاليوسف» ذكر أن صاحب عبارة الموت الهارب ممدوح إسماعيل تقدم لشراء حصة الحكومة البريطانية في أحد البنوك وطلب أن يكون الشراء لصالح اثنين آخرين معه من أركان النظام السابق هما صفوت الشريف وزكريا عزمي.
وتلقيت تكذيبا لأصل الخبر من أسرة السيد الشريف، مع صورة لبلاغ مقدم إلى النائب العام ضد الجريدة اتهمها بالتشهير بالرجل ـ لذا لزم التنويه.
..................

21 يوليو، 2011

رائحة العداء للفلسطينيين


صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 20 شعبان 1432 – 21 يوليو 2011
رائحة العداء للفلسطينيين – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_21.html

لا أريد أن أصدق أن دولة الإمارات العربية قررت إبعاد 60 فلسطينيا ممن أقاموا على أرضها لفترات تراوحت بين 20 وثلاثين عاما. لكن الخبر الذي أتمنى تكذيبه وصلني من بعضهم الذين طلب منهم أن يدبروا أمور رحيلهم خلال أسبوع.

وليس ذلك أسوأ ما في الأمر لأن الأسوأ أن هؤلاء جميعا لاجئون ولا يجيز القانون الدولي إبعادهم، فضلا عن أن بعضهم ممن طالت مدة إقامتهم طلب منهم تقديم طلبات الحصول على الجنسية، وحصلوا على جوازات إماراتية لمدة سنتين، وانتهت صلاحيتها بعد ذلك. وهؤلاء لا يملكون الآن أية أوراق ثبوتية، بحيث لم يعودوا قادرين على الرحيل ولم يعودوا ممكنين من البقاء في البلد الذي استضافهم فكبروا فيه وتزاوجوا وأنجبوا وتدرج أبناؤهم وبناتهم في سلك التعليم حتى وصلوا إلى الجامعات.
طلب منهم أن يدبروا حالهم على وجه السرعة، فيحصلوا على تأشيرات الدخول إلى دول أخرى، ويحجزوا بطاقات السفر ويصفّوا أعمالهم، وإلا تعرضوا للتوقيف، ولأنهم لا يملكون جوازات سفر فإن تنفيذ هذه التعليمات يبدو مستحيلا.
الإجراء مدهش في كل ملابساته، فقد فاجأ الجميع ولم يعط له أي تفسير، خصوصا بالنسبة للذين قضوا السنوات الطويلة في بلد رحب بهم حينا من الدهر حتى صار وطنا بديلا لهم. ثم إن الأسلوب الذي اتبع معهم كان مثيرا للانتباه.
ذلك أن ترحيل رب الأسرة يعني في حقيقة الأمر اقتلاع الأسرة بأكملها، لأنه لن يغادر وحده، وإنما سوف يصحب معه كل من يعولهم من الزوجة إلى الأبناء غير الأشقاء، إن وجدوا. وهو للمصادفة ذات الأسلوب الذي تتبعه إسرائيل مع الفلسطينيين والفلسطينيات الذين يتزوجون من أبناء جلدتهم الذين لا يقيمون في الأرض المحتلة. إذ ترفض السلطات الإسرائيلية جمع شملهم وتضطر الطرف الموجود في الأرض المحتلة لأن يغادرها ويلتحق بشريكه في الخارج، الأمر الذي يؤدي إلى تصفية الوجود الفلسطيني بالتدريج وبمضي الوقت.
لم يعد سرا أن أمورا كثيرة تغيرت في دولة الإمارات بعد رحيل الشيخ زايد بن سلطان، وأن توسيع نطاق التعاون الأمني مع الأطراف الخارجية كان من بين تلك المتغيرات، الأمر الذي كان من شأنه زيادة سطوة الأجهزة الأمنية وبروز دورها. وهو ما ترتب عليه تعدد الضغوط في الداخل، ليس فقط فيما خص الوافدين الذين رحلت أعداد منهم تباعا، بل أيضا بالنسبة للناشطين من المواطنين.

وأغلب الظن أن ذلك التشدد الأمني كان من أصداء ما سمي قبل سنوات بالحرب ضد الإرهاب، خصوصا أن أحد أبناء الإمارات كان من بين الذين اشتركوا في أحداث 11 سبتمبر، كما أن اسم دبي تردد كثيرا في التقارير التي تحدثت عن تمويل المنظمات الإرهابية وتحركات المنتسبين إليها. ورغم مضي نحو عشر سنوات على أحداث سبتمبر، إلا أن الضغوط الأمنية لم تتوقف منذ ذلك الحين وحتى اللحظة الراهنة. وكان ترحيل عشرات اللبنانيين من أبوظبي قبل سنتين في مفاجأة مماثلة من تجليات تلك الضغوط، حيث ذكر آنذاك أنهم من الشيعة الذين يشاركون في تمويل وتأييد حزب الله والسيد حسن نصر الله.
وأيا كانت الأضرار التي ترتبت على ذلك الترحيل، فإنها كانت أقل سوءا من تداعيات الموقف الذي نحن بصدده الآن. واللبنانيون في نهاية المطاف لهم وطن استقبلهم، ولكن الفلسطينيين العالقين في أبوظبي الآن اختطف وطنهم وأغلقت أبوابه في وجوههم.
هناك رأي يقول إن هؤلاء الذين تقرر ترحيلهم من قطاع غزة، وإن عملية الترحيل جزء من الضغوط التي تمارس ضد حركة حماس التي تدير القطاع. يعزز هذا الرأي أن للإمارات دورها المشهود في تمويل ومساندة السلطة الوطنية في رام الله، كما أنها لها تمثيلها الدائم في التنسيقات الأمنية الوثيقة الصلة بالأوضاع في الأرض المحتلة.
لست متأكدا مما إذا كان قرار الترحيل صادرا عن الاختراقات الأمنية أم أنه قرار سياسي. كما أنني لست متأكدا من إمكانية تدخل رئيس السلطة الفلسطينية لحماية بعض أبناء شعبه من التشريد، ولا أعرف ما إذا كان الأمين العام لجامعة الدولة العربية يستطيع أن يفعل شيئا لحل الإشكال أم لا، لكن الذي أعرفه جيدا أن رائحة العداء للفلسطينيين تفوح بشكل ملحوظ في أجواء المنطقة، وأن اضطهادهم لم يعد يمارس من جانب إسرائيل وحدها، وإنما صارت بعض الدول العربية تمارس ذلك الاضطهاد بصورة أو أخرى، وكان لنظام مبارك دوره البارز في ذلك.

أعرف أيضا أنه منذ عقد بعض العرب تحالفهم الاستراتيجي مع عدوهم الاستراتيجي أصبح الوفاء باستحقاقات ذلك التحالف هو قضية العرب المركزية، ونقلت قضية فلسطين إلى ساحة المزايدات السياسية.
..................

20 يوليو، 2011

رحيل رجل نبيل

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 19 شعبان 1432 – 20 يوليو 2011
رحيل رجل نبيل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_20.html

ليس سهلا أن تفقد رفيقا عاشرته طيلة أربعين عاما، فلم تر فيه إلا نبلا في الخلق واستقامة في السلوك وسعة في المعرفة وإخلاصا للمهنة ومحبة للجميع. وفي عالم الصحافة بوجه أخص، فقد كان صعبا ولا يزال أن يمضى شخص تلك المدة دون أن يتلوث أو يتلون. وقد كان زميلنا مصطفى نبيل الذي اختطفه الموت منا أمس الأول هو ذلك الشخص النادر الذي أبكى كل من عرفه، وأحدث غيابه فراغا في قلوب الذين احترموه وبادلوه الحب والتقدير.
كنا قد تواعدنا على أن نلتقي في المصيف، وأن نتبادل الكتب التي لم نتمكن من قراءتها وسط شواغل العمل الرتيب. وكان قد أعطاني مسودة كتاب أعده للنشر تضمن عرضا سياسيا وتاريخيا للسير الذاتية التي كتبها سبعة عشر مثقفا مصريا. واختار للكتاب عنوانا هو: الحرية والطغيان في سيرتهم الذاتية.
كنت قد فرغت من قراءة المسودة يوم السبت 16/7 وسجلت ملاحظاتي التي كنت سأناقشه فيها مساء السبت أو يوم الأحد. لم يرد على الهاتف يوم السبت، ولأنه مثلي ممن يستيقظون مبكرا، فقد اتصلت هاتفيا به صبيحة الأحد لكنه لم يرد. وتكرر الاتصال بعد ساعتين فلم أتلق ردا أيضا، لا الهاتف الأرضي أجاب ولا المحمول.

رجحت أن شيئا شغله في القاهرة، وقد فشلت محاولاتي في الاتصال حتى بعد ظهر الاثنين، حتى زوجته وصديقة الجميع «منى» لم تجب. حينئذ ساورني بعض القلق، فكلفت من يتحرى الأمر من محيط العائلة، وأخيرا أبلغت في التاسعة مساء بأنه تعرض لأزمة قلبية شديدة وأنه نقل إلى العناية المركزة في حالة خطرة. ولم يطل أجل عدم تصديقي لما سمعت حتى رن الهاتف المحمول في الحادية عشرة مساء لينعي آخر خبر في مسيرته.
كان أسبقنا وأقربنا إلى الأستاذ أحمد بهاء الدين الذي اكتشف ذكاءه ونقاءه وموهبته في وقت مبكر، فأخذه من وكالة أنباء الشرق الأوسط وضمه إلى دار الهلال، التي أصبح فيها أحد الصحفيين الخبراء في الشؤون العربية. كان ذلك في بداية الستينيات، وهى المرحلة التي لمع فيها اسم مصطفى نبيل وانتخب عضوا في مجلس نقابة الصحفيين. لكن لجنة النظام بالاتحاد الاشتراكي قررت فصله وحرمانه من عضوية النقابة هو وستة آخرين، لأنهم أيدوا التظاهرات التي خرجت احتجاجا وغضبا على هزيمة 67. وهو القرار الذي لم ينفذ في حينه لأن الأستاذ هيكل اعترض على فصل صحفيى الأهرام، فحذت بقية المؤسسات الصحفية حذوه.
في السبعينيات استدعاه الأستاذ بهاء لينضم إلى فريق العاملين في مجلة العربي الكويتية. وكنت قد سبقته إلى هناك بعدما غضب علىّ الرئيس السادات ومنعني من الكتابة في الأهرام ثم فصلني منه في وقت لاحق. وفي الكويت تزاملنا في العمل وتجاورنا في السكن، وكان لمصطفى نبيل وقتذاك إبداعاته الصحفية وإشراقاته الشخصية والإنسانية.

وحين عاد إلى القاهرة عين رئيسا لتحرير مجلة الهلال التي انطلق بها وأعادها إلى زمن مجدها حين كانت منبرا ثقافيا راقيا ورفيع المستوى. وخلال سنوات رئاسته للمجلة أصدر كتاب الهلال الذي قدم للقارئ المصري والعربي مجموعة من أهم الإصدارات الأدبية والسياسية.
حين أحيل مصطفى نبيل إلى التقاعد بعد بلوغه الخامسة والستين، وأصبح كاتبا حرا ومنتظما في المصور، صادف ما لم يخطر له على بال، حيث دفع ثمن نظافته ونزاهته وكبريائه، ذلك أنه لم يكن ذيلا لأحد، ولا بصاصا لأي جهة. وحين تولى أمر المجلة أحد البصاصين الذين ربَّتهم الأجهزة الأمنية وتعهدتهم بالرعاية حتى دفعتهم إلى الصدارة، فإن أول قرار أصدره صاحبنا هو أنه لا يستطيع التعاون مع مصطفى نبيل. فأبعد من المجلة لكنه ظل في إطار الدار ويكتب أحيانا في مجلة الهلال.
وأخيرا ـ بعد الثورة ـ جرت «غربلة» للعاملين في الدار فتقرر الاستغناء عن عدد من الناس كان مصطفى نبيل أحدهم، في حين تم الإبقاء على من هم أدنى منه قامة وأقل قيمة.
الأدهى من ذلك والأمر أن مصطفى نبيل في آخر عمره أقصي إلى الشارع في حين بقي ربيب الأجهزة الأمنية في موقع الصدارة يمارس التهليل للثورة بعدما ظل طيلة السنوات التي خلت يهلل لنظام مبارك وابنه. وبقي الأخير شاهدا على أن العملة الرديئة لا تطرد العملة الجيدة فحسب، لكنها تقتلها أيضا.
..................

19 يوليو، 2011

ربيع العرب ينتظر مصر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 18 شعبان 1432 – 19 يوليو 2011
ربيع العرب ينتظر مصر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_19.html

أسئلة ربيع العرب باتت مستحقة بعد ستة أشهر من انطلاق بشاراته، بدءا من تعريف المصطلح إلى تحري شواهده على الأرض، وصولا إلى التفرقة بينه وبين الحمل الكاذب.
ـ1ـ
قبل أيام وجهت إلىّ قارئة هي الأستاذة سمية أمين السؤال التالي عبر البريد الإلكتروني:
متى تنتهي الثورة؟
وذكرتني بما سبق أن أشرت إليه عن الجزائرية، التي عاشت أيام الاستعمار الفرنسي، وعانت من الأوضاع التي استجدت بعد الاستقلال، فقالت لمن حولها إن الاحتلال استمر 130 عاما ورحل، متى إذن ينتهي هذا الاستقلال؟
سؤال القارئة ليس استثنائيا، ذلك أن التعبير عن مشاعر القلق والضيق مما يجري في مصر بات يتردد على ألسنة كثيرين. ولم يعد الاستياء مقصورا على ما يصدر عمن نسميهم بالفلول أو البلطجية فحسب، ولكنه أصاب أيضا بعض الممارسات المنسوبة إلى «الثوار» أنفسهم الذين تعددت أصواتهم وائتلافاتهم، وتحولوا إلى قوة ضغط اختلط عند بعضها الصالح العام بالخاص، حتى ذكرت صحيفة «الشروق» (يوم 16/7) في تقرير لها عن أجواء التعديل الوزاري أن «مشكلة شرف (رئيس الوزراء) لم تعد إرضاء الشعب، ولكن في كيفية إرضاء الائتلافات».
ما يجري في مصر يسوغ لنا أن نقول إن «التجاذب» بات السمة العامة للربيع المذكور حتى الآن على الأقل. تجاذب بين الثوار من ناحية وبين المجلس العسكري والحكومة من ناحية ثانية. وتجاذب بين الائتلافات بعضها مع بعض، وتجاذب بين الأحزاب القديمة والجديدة، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين أدوات وأجهزة النظام القديم، ونظائرها في النظام الجديد وبين الراغبين في تصفية حسابات الماضي والمتطلعين إلى بناء المستقبل. ورغم أننا تجاوزنا مرحلة التجاذب بين أنصار الدستور أولا ودعاة الانتخابات أولا، إلا أن ذلك لم يهدئ تماما من أجواء المعسكرين المشتبكين.
الوضع في ساحات انتفاضة الشعب العربي ليس أفضل كثيرا، وربما كان أسوأ.
في تونس لا يزال التجاذب على أشده خصوصا بين العلمانيين والإسلاميين.
في ليبيا يشن العقيد القذافي حربا شرسة ضد معارضيه، الأمر الذي يهدد بانقسام البلد.
في اليمن يصر الرئيس على عبدالله صالح على التمسك بمنصبه حتى آخر رمق، وفي سبيل ذلك فإنه أبدى استعدادا لجر البلاد إلى حرب أهلية، ولا يبالي باحتمالات انفصال الجنوب عن الشمال.
في سوريا تتواصل عمليات السحق والقتل التي يباشرها الجيش والشبيحة، في حين تعاني قيادات المعارضة من الانقسام والتجاذب. في البحرين توتر بين السنة والشيعة.
في العراق تلويح بانفصال السنة في إقليم مستقل شأنهم في ذلك شأن الأكراد في الشمال وتصدع في رئاسة الدولة. في السودان نجحت عملية تمزيق الوطن الواحد، وتم انفصال الجنوب عن الشمال.
في المغرب والجزائر والأردن اضطرابات وغليان محوره الإصلاح السياسي.
ولبنان مرشح للانفجار في أي لحظة بسبب الإصرار على محاصرة حزب الله والتآمر لتوريط بعض أعضائه في قضية مقتل الرئيس الحريري.
أما في فلسطين، فقد انتهزت إسرائيل فرصة انشغال العالم العربي بأحداثه الداخلية وتراجع الاهتمام العام بالقضية، ومارست التنكيل بالشعب الفلسطيني عبر استمرار الغارات على غزة، وإحكام الحصار حولها ومنع وإفشال حملات التضامن الدولي مع الفلسطينيين عبر البحر والبر، كما نجحت حتى الآن في إفشال المصالحة الفلسطينية وإبقاء الوضع في معبر رفح كما كان عليه قبل الثورة، وكأن تغييرا لم يحدث في مصر.
ــ2ــ
أين الربيع العربي في هذه الخريطة؟ تختلف الإجابة باختلاف زاوية رؤية المشهد، فإذا نظرت إلى الخريطة من زاوية الأنظمة الحاكمة، فستجد أن نظامين عربيين فقط تغيرا، في تونس ومصر، لكنهما يعانيان من التجاذب، مما جعل وجهه البديل عنهما لم تتحدد بعد. أما في بقية الأقطار العربية فالقديم على حاله، بعضه يقاتل ويقتل دفاعا عن استمراره، وبعضه يحتال بطُعم الإصلاحات أو بتقديم الرشاوى للناس لكي يضمن الاستمرار، والبعض الثالث يدفن رأسه في الرمال مدعيا أن له خصوصية تحصنه ضد الإصابة بالعدوى من الآخرين.قراءة الخريطة من زاوية النخب الطافية على سطح الساحة العربية فإن الشعور بالإحباط لن يفارقنا. لأن السمة الغالبة على تلك النخب أنها لا تزال أسيرة حساباتها الخاصة، التي قدمتها على المصلحة الوطنية. وصراعات النخب في مصر وتونس بوجه أخص تشهد بذلك.

ذلك أن الاشتباك في البلدين حول هوية النظام الجديد، وهل تكون علمانية أو إسلامية؟ شغل الجميع عن ديمقراطية النظام المنشود. إذا نظرنا إلى الصورة من زاوية المصالح الغربية فستلاحظ أنها مؤمنة ومحصنة تماما حتى الآن على الأقل. بل وستلاحظ أن بعض هذه الدول لم يتردد في تقديم العون إلى الانتفاضات الشعبية بحجة «دعم الديمقراطية»، وإذا كانت الولايات المتحدة قد أعلنت عن ذلك رسميا، وخصصت 150 مليون دولار لأجل ذلك، فإن عدة دول أوروبية فعلت نفس الشيء بغير إعلان. أما العلاقات مع إسرائيل فالتطبيع الذي كان لا يزال قائما لم يطرأ عليه أي تغيير.
وحدها الشعوب التي يمكن أن تقول إن بشائر الربيع حلت في أوساطها. إذ ارتفع صوتها بالاحتجاج والغضب، وخرجت إلى الشوارع والميادين عزلاء وعارية الصدور، معلنة عن رفضها للذل والاستبداد والفساد الذي لا يقل عن ذلك أهمية أن تلك الشعوب بدت مستعدة لدفع ثمن استرداد حريتها وكبريائها ودفعت ذلك الثمن من دمائها. ولم تكن تلك هبة عارضة انطلقت ثم هدأت، ولكنها بدت غضبة مسكونة بالإصرار والعناد، آي ذلك أن تلك الجماهير لا تزال صامدة منذ أشهر في اليمن وليبيا ومنذ أسابيع في سوريا.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعني أن التحدي الحقيقي الذي يواجه حلول الربيع هو كيف يمكن توفير الظروف والآليات التي تمكن الشعوب العربية من أن تصبح شريكة في صناعة مصيرها، بحيث تتحول من مفعول به إلى فاعل ومن قوة ضغط إلى صاحبة قرار.
ــ3ــ
من الأمور الجديرة بالملاحظة في هذا السياق أنه في حين تستيقظ الشعوب العربية وتتطلع لاسترداد كرامتها وحقوقها، فإن السياسات الغربية تشهد تحولات إستراتيجية مهمة تتبدى في الموقفين الأمريكي والأوروبي. ذلك أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين يسحبون قواتهم ببطء من الشرق الأوسط ووسط آسيا، كما يتم بصورة تدريجية سحب المظلة الأمنية الغربية التي طالما ميزت المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. وهي العملية التي بدأت في العراق وأفغانستان وباكستان، وثمة اتفاق بين الباحثين الاستراتيجيين على أن وجود القواعد الأمريكية في الخليج ذاته غدا أمر استثنائي لن يدوم طويلا.
في الوقت ذاته تبدو الولايات المتحدة منهكة بسبب الحروب ومفلسة فمجموع ديونها يبلغ 14500 بليون دولار، أي ما يوازي 100 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي، ويبدو أن إنفاقها 900 بليون دولار على العمليات الدفاعية والعسكرية هذه السنة لا يمكن أن يدوم. فهي تنسحب من العالم العربي والإسلامي حتى تركز طاقاتها على الصين التي تعد منافستها العالمية. ويدل إخفاق الرئيس باراك أوباما الواضح في فرض حل الدولتين على إسرائيل على الضغط الأمريكي ويذكر بمدى سيطرة الناشطين الموالين لإسرائيل على السياسة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط، ويعتبر اعتماد العرب على الولايات المتحدة من أجل مشكلة فلسطين خطأ كبيرا.
منذ عشرين سنة أرسلت الولايات المتحدة 500 ألف جندي من أجل إخراج صدام حسين من الكويت. إلا أن تلك الأيام ولت. فقد أدت الحربان في العراق وأفغانستان اللتان أخفقت فيها الولايات المتحدة إلى حد بعيد وحيث تم ارتكاب جرائم كبيرة، إلى تراجع الأمريكيين عن أي رغبة في الدخول في مغامرات في الشرق الأوسط، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران حتى لو بلغت العتبة النووية إلا أنها لن تسمح أيضا لإسرائيل بجرها إلى حرب ضد طهران، كما فعلت إسرائيل وأصدقاؤها الأمريكيون عام 2003 من أجل شن حرب على بغداد.. فقد تم تعلم الدرس من ذلك.
هذه الشهادة ليست لي، وإن كنت أتفق معها، لكنها للكاتب البريطاني باتريك سيل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، نشرتها له صحيفة الحياة اللندنية في 8/7 الحالي، مقال له تحت عنوان التحديات التي تواجه العرب.
ــ4ــ
الربيع العربي حقيقة إذن وليس وهما أو حملا كاذبا. لكنها حقيقة محاصرة في محيط الشعوب، ولا سبيل إلى تحويلها من مشاعر فياضة وأمنيات إلى واقع يمشي على الأرض إلاَ من خلال ثلاثة عناصر هي: إرادة حرة وديمقراطية حقيقية، ومشروع نهضة يهتدى به ويستهدفه الجميع، لكن الأمر في العالم العربي ليس سهلا على الإطلاق. وهو بالنسبة لمصر بالذات مليء بالألغام والتحديات، سأقول لك لماذا؟
ذلك أن العالم العربي اجتمعت له خصوصيات تميزه عن أي مكان آخر في العالم. بالتالي فهو مختلف في أوروبا الشرقية أو أمريكا اللاتينية أو أي تجمع بشري آخر، فهو في النظر الغربي بقعة تلازم فيها الإسلام مع النفط جنبا إلى جنب مع إسرائيل. إذ الإسلام تنشر في أقطار عدة وكذلك النفط لكن إسرائيل مغروسة في مكان واحد هو قلب العالم العربي.
الإسلام يخيف الغربيين والنفط يغريهم وإسرائيل تحمي مصالحهم كما أنها تمسك بخناق العرب. ولهذه الأسباب فإن الفرار الاستراتيجي الغربي المستمر منذ وقعت اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916 (بعد الحرب العالمية الأولى) يقضي بتفتيت العالم العربي وإبقائه تحت الوصاية الغربية المباشرة وغير المباشرة.
ربيع العرب بالمواصفات التي ذكرتها ضار بالمصالح الغربية، ذلك أن ثمة تعارضا بنيويا بين استقلال إرادة الأمة العربية وإقامة ديمقراطية حقيقية فيها وبين التطلعات والاستراتيجيات الغربية. لذلك لن أمل من التنبيه إلى أن تلك الاستراتيجيات لا تريد للعالم العربي سوى ديمقراطية منقوصة تفعل فعلها في الداخل في حين تظل المصالح الغربية تحت الخط الأحمر ينبغي ألا يمس.
لأن مصر هي الدولة المحورية في العالم العربي، إذا صحت صح ذلك العالم والعكس صحيح، فإن تلك الإستراتيجية تنطبق عليها بوجه أخص وبدرجة أكبر بكثير من أي قطر عربي آخر، لذلك لم تخطئ مجلة «إيكونوميست» حين قالت في عددها الأخير (في 15/7) إن مصر هي «بوصلة» العرب، وقد آثار انتباهي في الدراسة التي أعدتها حول ثورات العالم العربي أنها وضعت ثلاثة سيناريوهات للمستقبل. الأول نسبته 60٪ ويرشح للمستقبل حصادا ديمقراطيا هزيلا يحل محل الثورتين المصرية والتونسية.
الثاني نسبته 20٪ ويطرح احتمال عودة الديكتاتورية، أما الثالث فهو يطرح احتمال إقامة ديمقراطية حقيقية ونسبة حدوثه 20٪.هذه النتيجة لا تختلف عما قلته من قبل عن حرص الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة على إقامة ديمقراطية منقوصة في مصر، وهو الاحتمال الذي رجحته الإيكونوميست. لكن ذلك الاحتمال لا ينبغي التعامل معه بحسبانه قدرا مكتوبا لا مفر منه، وإنما تتعين قراءته باعتباره تحديا تفرضه الإرادة الغربية. وهو في الوقت ذاته اختبار لمدى استقلال الإرادة العربية عموما والمصرية بوجه أخص.
إن ربيع العرب ينتظر مصر. ومصر تنتظر همة وشجاعة أبنائها الشرفاء الذين نجحوا في إسقاط فرعون مصر، وليس كثيرا عليهم أن يواجهوا تحدي فراعين العالم، الذين قرروا أن تقزيم مصر شرط لضمان مصالحهم في المنطقة، والنجاح الأول تتويج للجهاد الأصغر، أما معركة الدفاع عن استقلال الإرادة فهي الجهاد الأكبر الذي به يكتمل الربيع.
..................

18 يوليو، 2011

تحيه لوزير غير مناسب !

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 17 شعبان 1432 – 18 يوليو 2011
تحيه لوزير غير مناسب ! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_18.html

لو أن السيد محمد العرابي وزير الخارجية هو الذي قدم استقالته بعد أسبوعين من تعيينه في منصبه، فله عندي تحية واجبة، أما إذا كان قد أقيل فالذين أقالوه يستحقون العتاب.
لقد كنت أحد الذين انتقدوه فور إعلان نبأ تعيينه في منصبه، وقلت إن كثيرين يشهدون له بما يتمتع به من فضائل شخصية، ولكن سياسته ومواقفه هي موضع التحفظ ومناط الاختلاف معه، إذ اعتبرته مناسبا لمرحلة ما قبل 25 يناير، وامتدادا طبيعيا للسيد أحمد أبو الغيط، آخر وزراء خارجية النظام السابق، من ثَمَّ فقد اعتبرته الوزير المناسب للزمن غير المناسب.
لا أعرف ما إذا كان الرجل قد أدرك ذلك أم لا، وإن كان المحيطون به يتحدثون عن تأثره بالنقد الذي وجه إليه، وعن ضغوط أسرته التي فوجئت بعدم الترحيب به ولست واثقا مما قيل عن أنه تلقى تلميحات توحي بصعوبة استمراره في منصبه في ظل تعدد الأصوات التي اعترضت على وجوده.

أيا كان السبب فالشاهد أن الرجل لم يحتمل هذه الأجواء، وقرر أن يستقيل، رغم أنه لم يختبر بعد. وإذا صح ذلك فإنه يستحق التحية والتقدير، لأنه امتلك شجاعة التخلي عن منصب يحلم به ويركض وراءه كثير من الدبلوماسيين. وهذه فضيلة تضاف إلى شمائله الأخرى. وفي بلد الفراعين الكبار والصغار، فليس سهلا التنازل الطوعي عن منصب الخارجية، رغم ما يوفره من وجاهات وسفرات في أنحاء العالم ولقاءات مع الزعماء والرؤساء، الأمر الذي يعني أن مقاومة هذه الغوايات مما يحمد للمرء ويزكيه. حتى أزعم أن خروجه بهذه الطريقة أكرم له وأشرف من استمراره في ظل النقد الذي لم يتوقف سواء لتصريحاته على قلتها، أو على خلفية خدمته في إسرائيل أو علاقته بالنظام السابق ورئيسه.
إننا نعرف مسؤولين كبارا رفضهم الرأي العام لأسباب تتعلق بالكفاءة الشخصية أو الذمة المالية ومع ذلك فإنهم تحدوا الرأي العام واستمروا في مناصبهم، غير مبالين بما يقوله الناس عنهم، مكتفين برضا المسؤولين الأرفع عنهم. وكانت النتيجة أنهم فازوا برضا أولئك المسؤولين وخسروا الشارع. ومثل هذه النماذج كثيرة قبل الثورة وبعدها.

وفي كل الأحوال فإنني أفضل كثيرا أن يتساءل الناس لماذا استقال المسؤول وتتعدد اجتهاداتهم في ذلك، بدلا من أن يستشعروا أن المسؤول متشبث بالكرسي رغم استمرار تجريحه ويردد الجميع سؤالا واحدا هو:
متى يغادر الرجل المنصب ليريح ويستريح؟
إذا صح الاحتمال الآخر، وكان المسؤولون قد ارتأوا أن مغادرة السفير العرابي منصب الوزير من شأنها أن تحسن صورة الحكومة وتجنبها الحرج، فإن ذلك يستدعي عدة أسئلة، منها على سبيل المثال:
كيف يمكن أن يطلب من الرجل الاستقالة بعد أسبوعين من توليه المنصب؟
وإذا كان الذين عينوه قد اكتشفوا أنه مرفوض من الرأي العام فكيف تحروا عنه إذن ومن الذي قام بتلك التحريات قبل تعيينه؟
وإذا كانوا قد أخطأوا الاختيار هذه المرة، أليس من الجائز ــ والحاصل ــ أن يكونوا قد ارتكبوا الخطأ ذاته في حالات أخرى؟
إن موقع وزير خارجية مصر خصوصا بعد الثورة له حساسيته ووضعه الخاص، حيث علق كثيرون آمالا كبيرة على الوضع المستجد، إلا أنني أفهم أن الأولوية معطاة في الوقت الراهن لملفات الوضع الداخلي، لأن عافية الداخل شرط لممارسة دور له قيمته في الخارج.
ولذلك فإن ملف السياسة الخارجية شبه مجمد في حدود معينة. يستثنى من ذلك ما يتعلق بالأمن القومي المصري مباشرة.
وهذه الأجواء صورت لآخرين أنهم يمكن أن يحتلوا مكانة مصر ودورها في العالم العربي، وقد شهدت تحركات وممارسات من ذلك القبيل ظن أصحابها أن مقعد مصر في مركبة القيادة العربية قد خلا، وأنهم أصبحوا مؤهلين للعب دور «الشقيقة الكبرى». وهو الوصف الذي كان بمثابة زلة لسان تورط فيها السيد العرابي في إحدى زياراته العديدة.
لهذه الاعتبارات فإن اختيار وزير جديد للخارجية يمثل الثورة المصرية حقا، ويدرك حقيقة وحجم البلد الذي يمثله، كما يدرك دقة الظرف التاريخي وأولوياته. هذه المهمة من الدقة والصعوبة بمكان. ولذلك فإن إحسان الاختيار لها يغدو ضروريا،
ولست أشك في أن وزارة الخارجية تعد أحد معاقل الوطنية المصرية، وأنها حافلة بالعناصر التي تشرف البلد في هذه المرحلة.

لذلك أزعم أن المشكلة ليست في العثور على الكفاءة المناسبة، ولكنها في معايير وجهة الاختيار بالدرجة الأولى.
..................

17 يوليو، 2011

في ملف عبـَّارة الموت

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 16 شعبان 1432 – 17 يوليو 2011
في ملف عبـَّارة الموت – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_17.html

لأن بحر الأحزان عندنا بلا شطآن. فاعذرونا إذا أطل علينا كل يوم حزن جديد.
وحزن عبارة الموت ليس جديدا كما يوحي بذلك ظاهر الكلمة، ولكنه خارج قائمة الأحزان المتداولة هذه الأيام. والتي تدور في فلك ضحايا الثورة، الذين يستحقون كل الاهتمام. فضلا عن الإجلال والاحترام.
وليس هناك من قاسم مشترك يجمع بين ضحايا العبارة وضحايا الثورة سوى انهم جميعا فقدوا حياتهم جراء جرائم النظام السابق.
فالأولون قتلهم التواطؤ والفساد، والآخرون قتلهم المستبدون الصغار من أعوان المستبد الأكبر.
ما دعاني إلى فتح ملف العبارة والانضمام إلى المطالبين بإعادة التحقيق في الجريمة التي راح ضحيتها أكثر من ألف مواطن مصري خبر مثير وقعت عليه في صحيفة «روز اليوسف» (عدد 10/7)

الخبر يقول إن رجل الأعمال ممدوح إسماعيل صاحب العبارة الذي هرب إلى لندن وحكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات تقدم بطلب لشراء حصة الحكومة البريطانية في بنك «نورثون روك» مقابل 2.5 مليار يورو حتى تتغاضى بريطانيا عن تسليمه لمصر في إطار الحكم القضائي الصادر ضده.
وحين قدم الطلب إلى وزير المالية البريطاني فإنه أشر عليه بعبارات كان من بينها ان حكومة بريطانيا ترفض قبول عرض استراتيجي من متهم هارب إليها.
ذكر الخبر المنشور أيضا أن الوزير جورج أوزبورن طلب إعادة فتح ملف ممدوح إسماعيل الذي اتضح من خلال عرضه أنه يمتلك أرصدة في لندن تتجاوز 10 مليارات يورو (!).
الأغرب والأشد إثارة مما سبق أن ممدوح إسماعيل حين قدم أوراق ومستندات شراء حصة بنك «نورثون روك» فإنه طلب أن يكون الشراء لصالح ثلاثة أشخاص هم ممدوح إسماعيل نفسه ومعه آخران هما صفوت الشريف وزكريا عزمي.

وإذا لاحظت أننا نتحدث عن صفقة بما يعادل 2.5 مليار يورو (اليورو يعادل 8.41 جنيه مصري)، فإن ذلك يصور لك كم المبالغ التي أودعها أركان النظام السابق في الخارج.
وطبقا لما ذكرته الصحيفة، فإن وزارة المالية البريطانية طلبت فتح التحقيق أيضا حول اختلاط أرصدة ممدوح إسماعيل بأرصدة كل من صفوت الشريف وزكريا عزمي.
إذا صح هذا الكلام الخطير، فإنه يثير مسألتين على الأقل.
واحدة تتعلق بأرصدة أعوان الرئيس السابق المودعة في البنوك الأجنبية، ذلك أنه إذا كان اثنان منهم فقط اشتركا مع ثالث في صفقة واحدة بقيمة 2.5 مليار يورو.
فلك أن تتصور حجم الأرصدة المنهوبة التي هربها هؤلاء بعد الثورة وقبلها، وكم الأرصدة الأخرى التي سارع بقية الأعوان إلى تهريبها وإخفائها في عواصم العالم.
المسألة الثانية تتعلق بطبيعة العلاقة بين زكريا عزمي وممدوح إسماعيل، وكان اسم الأول قد تردد في الحديث عن تسهيل هروب الثاني إلى خارج مصر بعد غرق الباخرة، لكنه أنكر ذلك بشدة، وقال إن العلاقة معه كانت عادية،
لكن المعلومات التي أوردها الخبر (أكرر: إذا صحت) تدل على أن العلاقة بين الرجلين كانت غير عادية، الأمر الذي جعلهما يشتركان معا في شراء فندق بقيمة 2.5 مليار يورو، من ثم فإنها تقدم قرينة جديدة على وثوق العلاقة بينهما، كما تسلط الضوء على تواطؤ زكريا عزمي على الأقل في تيسير تهريب ممدوح إسماعيل إلى إنجلترا، وتلك فضيحة أخرى لنظام تولى حماية من قتل شعبه.
إن الذين تابعوا القضية يعرفون أنه بعد غرق العبارة وموت الألف مصري، فإن اتصالات خفية أجلت إدراج اسمه ضمن الممنوعين من السفر إلى الخارج. وهو الإجراء الذي كان ينبغي أن يتخذ فور وقوع الحادث. يعرفون أيضا أن النائب العام آنذاك لم يصدر قرار المنع إلا بعد نحو أربعين يوما من غرق السفينة، الأمر الذي وفر لممدوح إسماعيل فرصة ترتيب أمره والهرب خارج البلاد.
وهذه معلومة يعرفها جيدا النائب العام الحالي الدكتور عبدالمجيد محمود. الذي كان وقتذاك أحد مساعدي النائب العام.
أكثر من ذلك، فإن رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت الدكتور فتحي سرور. حاول التلاعب في تقرير لجنة تقصى حقائق كارثة العبارة وماطل في استلام التقرير، وهي واقعة يشهد عليها النائب حمدي الطحان الذي رأس اللجنة وأصر على عدم تغيير أي شيء في تقريرها.
إن أصابع «العصابة» التي حكمت البلد طيلة الثلاثين سنة الماضية كانت وراء كل فساد أو جريمة وقعت، ومن العدل أن يحاسب هؤلاء على ما اقترفوه.

والحساب في الحالة التي نحن بصددها ليس فقط عقابا لهم، ولكن وفاء بحق ضحايا العبارة الذين قتلوا مرتين.
مرة حين حشروا في سفينة خربة ومخالفة لشروط السلامة غرقت بهم،
ومرة حين لم ينصفهم أحد بعد مماتهم.
..................

16 يوليو، 2011

حكومتان في مصر

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 15 شعبان 1432 – 16 يوليو 2011
حكومتان في مصر– فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_16.html

يوم الخميس الماضي (14/7) أبرزت صحف الصباح المصرية العناوين التالية:
إنهاء خدمة 505 لواءات شرطة، و164 عميدا لأول مرة في تاريخ وزارة الداخلية.
مصدر عسكري يقول: ملتزمون بالإعلان الدستوري والانتخابات البرلمانية ستجرى أولا وباب الترشح سيفتح في شهر سبتمبر المقبل.

النائب العام تسلم ملف موقعة الجمل وإحالة 25 متهما للمحاكمة.
نجاح مفاوضات رفع أسعار الغاز المصري لإسرائيل يوفر لمصر 4 مليارات جنيه تسهم في رفع الحد الأدنى للمعاشات وسد عجز الموازنة.
البورصة تنتعش وتسترد سبعة مليارات جنيه من خسائر الثلاثاء.
هل هي مصادفة أن تتابع هذه الأخبار في أعقاب اعتصام 8 يوليو الذي رفعت فيه شعارات من أبرزها «الثورة أولا» و«القصاص والمحاكمة»؟
استبعد احتمال المصادفة وأرجح أن تكون وثيقة الصلة بالغضب الذي عبر عنه المعتصمون في ذلك اليوم، لأنها جميعا تبدو وكأنها استجابة لمطالب الجماهير الثائرة، وهو تقدير إذا صح فإنه يعني عدة أمور في مقدمتها ما يلي:
- إن في مصر الراهنة حكومتان. واحدة تمثل الجماهير والثانية تمثل العسكر. وإن خروج الجماهير إلى «مقراتها» «ومنصَّاتها» في الشوارع والميادين أصبح الوسيلة الأكثر فاعلية في مخاطبة حكومة العسكر بعدما لم ينجح المبعوثون والمراسيل وحلقات الحوار في تحقيق المراد.
- إنه في غياب وجود مؤسسات واضحة تعبر عن الرأي العام، فإن الخروج الاحتجاجي أصبح الخيار الوحيد أمام الناس لإيصال صوت الجماهير إلى مسامع حكومة العسكر «الشقيقة»، الأمر الذي يضفي شرعية على الاعتصامات والتظاهرات التي تتبنى مطالب المجتمع في المرحلة الراهنة إلى أن ينتخب الناس مؤسسات تنطق باسمهم وتعبر عن أشواقهم.
وحتى يتحقق ذلك فينبغي أن نرحب بالاعتصامات والتظاهرات، ما دامت تتم في إطار التعبير السلمي والمتحضر، الذي يخدم مصالح المجتمع ولا يعطلها.
- إن ذلك الخروج بمثابة إشهار إفلاس الأحزاب التقليدية التي تتجاوز العشرين ولا تزال تقدم نفسها بحسبانها «قوى سياسية»، وتطالب بأن يكون لها دور في صناعة الحاضر والمستقبل.
وقد أثبتت التجربة أن تلك الأحزاب كان حضورها على الورق أكثر من حضورها على الواقع، وأن ظهورها على شاشات التليفزيون بديل عن ظهورها أو فاعليتها في الشارع.
- الأمر الثالث المهم أن تلك الخطوات التي تحدثت عنها الصحف طال انتظارها، وكان يمكن أن تصدر قبل عدة أشهر. إذ ليس مفهوما مثلا لماذا تأخر تطهير وزارة الداخلية مدة خمسة أشهر. ولماذا أيضا تأخر تسليم ملف موقعة الجمل «2 فبراير» كل هذه المدة، خصوصا أنها توفر وقتا كافيا للتلاعب في الأدلة وفي أقوال الشهود، فضلا عن التلاعب في محاضر التحقيق.

كما لا يستطيع أن يكتم المرء حيرته إزاء الصمت الذي ران خلال تلك الفترة بخصوص الانتخابات، وكيف أنه سمح بإشغال الرأي العام ووسائل الإعلام بمسألة المفاضلة بين أيهما أولا: الانتخابات أم الدستور.
ولو أن المجلس العسكري أعلن في وقت مبكر أنه ملتزم بخريطة الطريق التي وضعت للانطلاق في بناء النظام الجديد لوفر على الجميع الوقت الذي ضاع والاستقطاب الذي حدث من جراء إشغال الناس بالجدل حول الموضوع. ولا أريد أن أصدق ما يروج له بعض الخبثاء من أن ذلك كان مقصودا.
بوسعنا أن نقول إننا ضيعنا وقتا ثمينا خلال الأشهر الخمسة الماضية كان يمكن أن يستثمر على نحو أفضل لوضع أساس النظام الجديد بما يحقق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.

وأسوأ ما في ذلك التأخير ليس فقط أنه انعكس بالسلب على احتمالات الاستقرار، ولكن أيضا أنه سحب الكثير من رصيد ثوار 25 يناير، خصوصا في الجانب المتعلق بالالتفاف الشعبي حولهم. حتى أزعم أنه إذا كان الثوار قد ضاقوا ذرعا ببطء القرار السياسي وتردده في حسم ملفات مهمة وحساسة في البلد، فإن قطاعات لا يستهان بها من الرأي العام ضاقت ذرعا أيضا بالعديد من الممارسات التي نسبت إلى الثوار وأضرت بمصالح الناس العاديين وزادت من معاناتهم.
وهو ما تجلى في قرار إغلاق مجمع التحرير وقطع بعض الطرق المهمة، والتهديد بتعطيل بعض المرافق العامة التي في المقدمة منها قناة السويس، الأمر الذي أضر كثيرا بمفهوم «الخروج الرشيد» الذي نعتبره حقا وندافع عنه.
في هذا الصدد، فإنني أزعم أن مثل هذه الممارسات تضغط على السلطة حقا، لكنها تضر بالثوار أنفسهم أيضا، ليس فقط لأنها تفتح الباب للفوضى التي يحلم بها عناصر الثورة المضادة، إذا لم يكن لها دور فيها، ولكن أيضا لأنها تشوه صورة الثوار والثورة ذاتها لدى المواطن العادي، وهو أمر محزن في ذاته وفيما يترتب عليه. لأنني أحد الذين عولوا كثيرا على حضور ممثلي الثورة في الانتخابات التشريعية التي تحل قبل نهاية العام.

ولكن الممارسات التي أشرت إليها تسحب من رصيد هؤلاء الأمر الذي إذا استمر فإنه ينذر بإضعاف تمثيلهم في المجلس التشريعي القادم، وهو ما يزيد من معدلات الحزن والقلق.
..................

14 يوليو، 2011

ما بين الثورة والسلطة

صحيفة السبيل الأردنيه الخيس 13 شعبان 1432 – 14 يوليو 2011
ما بين الثورة والسلطة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_14.html

هل تتحول ميزة الثورة المصرية وتفردها إلى نقمة؟
هذا السؤال من وحي الأحداث التي تتلاحق في مصر الآن، احتجاجا على ممارسات الإدارة وافتقادها إلى "الحزم الثوري"،
ذلك أن الخروج السلمي للجماهير الغفيرة الذي انتهى بسقوط مبارك وفريقه لم يلجأ إلى أسلوب القطيعة الكاملة مع النظام السابق، من ثم لم يسع فور سقوطه إلى بتر أذرعه واقتلاع أدواته،
بالتالي فما حدث من الناحية العملية أننا استبدلنا رأسا برأس، واكتشفنا في وقت لاحق أن الجسم كله كما هو. وحين مارس الجسم حركته الطبيعية المعتادة أدركنا أن استجابته دون ما كان مرجوا أو متوقعا، وهو ما أغضب الثائرين واستفزهم، في حين أن الجسم تحرك بمعدله الطبيعي وكان منسجما مع ذاته.
بكلام آخر، فإن الثورة السلمية حين لم تلجأ إلى المحاكمات الاستثنائية وإلى تطهير الأجهزة الحكومية من شخوص النظام السابق وامتداداته، فإن ذلك أسهم في تعثر مسيرتها.
ضاعف من المشكلة وزاد من تعقيدها أن ذلك النظام وهو يحكم قبضته على المجتمع دأب طوال ثلاثين عاما على تفكيك خلاياه وإعادة تركيبها من خلال رجاله وعلى قياسه، وهو ما يعني أن أعوان مبارك وابنه تم توزيعهم على جميع مؤسسات الدولة ومرافقها وأجهزتها السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والأمنية بطبيعة الحال.
وهو جهد أدى إلى احتواء الجميع وإلحاقهم ببيت الولاء والطاعة، ولم يستثن من ذلك القضاء أو الجامعات أو المجالس المحلية والجمعيات الأهلية، وبهذا الأسلوب أصبحت كل القشرة الطافية على سطح الحياة المصرية مشدودة إلى النظام ومنتفعة به، ومتجهة بولائها إلى مبارك وابنه.
إزاء ذلك كان من الصعب للغاية من الناحية العملية أن تنتزع تلك القشرة السمكية مرة واحدة، لأن من شأن ذلك أن يحدث فراغا رهيبا يهدد بشل النظام الجديد وإفشاله، ولذلك كان من الطبيعي أن يتم التعامل ببطء وحذر مع ذلك الوضع، الأمر الذي ضاق به المجتمع ذرعا بعدما رفعت الثورة من سقف توقعاته واستدعت أحلامه المؤجلة.
لقد حدث تعارض بين سلمية الثورة وثورية الإجراءات، لأن الروح التي تلبست الثوار لم تنتقل إلى جهاز الإدارة، ولذلك تصرف كل على طبيعته وتحرك بوتيرة مختلفة عن الآخر، وكان ذلك أوضح ما يكون في خطوات محاكمة أركان النظام السابق وإجراءات رعاية أسر ضحايا الثورة.
هذا التفاوت يمكن التعبير عنه بصيغة أخرى أسهمت في تعقيد الموقف، هي أن الذين قاموا بالثورة في مصر لم يكونوا هم الذين تسلموا السلطة، وهو ما دعاني إلى القول في مقام سابق إن الذين ثاروا على النظام أسقطوا رأسه حقا، لكنهم سلموا السلطة إلى أدوات ذات النظام الذي أسقطوه، وكان ذلك نتيجة طبيعية ومنطقية ترتبت على أنه لم يكن للثورة تنظيم يحركها أو قيادة حددت مسارها، وكان الشعور بالمهانة والغضب هو العنصر الجامع للثائرين الذين فوجئوا بهشاشة النظام وسقوطه المدوي الذي لم يكن في حسبانهم.
إذا كان الأمر كذلك، فقد كان طبيعيا أن تختلف الحسابات والتطلعات والسقوف، وكأن طبيعيا أن تنشأ مسافة بين مطالب الثوار وخطوات الحكومة، التي هي المسافة الطبيعية بين تطلعات الثورة وحسابات الدولة،

عقد المشهد أكثر أنه في غياب تنظيم يمثل الثورة فإن الأصوات تعددت في محيطها، وقد لاحظنا في اعتصام هذا الأسبوع أن مجموعة من الثوار قدموا إلى الحكومة والمجلس العسكري قائمة بخمسة أو ستة طلبات، كما قدمت مجموعة أخرى قائمة بأحد عشر مطلبا.
أحد الحلول التي تخرجنا من مأزق تلك التباينات أن تجرى في مصر انتخابات برلمانية تعبر عن خريطة المجتمع، بعدها تشكل حكومة مدنية، تكون خطوة باتجاه تسلم السلطة من العسكر.
وهذه الحكومة تكون مسئولة أمام البرلمان، الذي له أن يحاسب كل وزير وأن يسحب الثقة منه أو من الحكومة بأسرها، وفيما علمت فإنه كان مقترحا في البداية أنه بعد استفتاء 17 مارس، يفتح باب الترشيح للانتخابات في شهر يونيو، (بعد نحو ثلاثة أشهر)، على أن تجرى الانتخابات خلال 60 يوما بعد ذلك، ولكن ذلك الموعد أجل إلى شهر سبتمبر، الأمر الذي يعني أن الانتخابات ستجرى في شهر نوفمبر، وأننا سنظل إلى قرب نهاية العام في ظل الوضع المتأرجح الراهن، بلا برلمان يمثل المجتمع وبلا حكومة مسئولة أمامه، وسيظل المجلس العسكري وحده المسئول عن إدارة البلد وممسكا بمفاتيح السلطتين التنفيذية والتشريعية،

وإذا استمرت ضغوط بعض «الليبراليين» لمزيد من التأجيل، فربما رحل إجراء الانتخابات لأشهر أخرى، وحينذاك لا نعرف بالضبط ما يخبئه القدر لنا.
..................

13 يوليو، 2011

أسئلة الساعة وضروراتها

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 12 شعبان 1432 – 13 يوليو 2011
أسئلة الساعة وضروراتها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_13.html

الخبر الجيد أن الشعب والجيش لا يزالون يدا واحدة. الخبر السيئ أن الثوار والمجلس العسكري لم يعودوا كذلك. على الأقل، فذلك ما تدل عليه التطورات التي شهدتها مصر خلال الأيام الأخيرة، التي بدا فيها أن الفجوة تتسع بين المجلس العسكري وبين شريحة واسعة من ثوار 25 يناير، لدرجة أن البعض عاتبني لأنني ذكرت فيما كتبت يوم الاثنين الماضي أنني «متعاطف» مع المجلس، رغم أنني أوردت تحليلا انتقدت فيه ممارساته التي وصفت بعضها بالارتباك والارتجال.
وكان ضيق البعض باستخدام وصف «التعاطف» مثيرا للدهشة ولا يخلو من دلالة جديرة بالملاحظة، الأمر الذي أقنعني بأن ذلك التحول في المشاعر يحتاج إلى تفسير.
أسجل ابتداء خشيتي من أن يتأثر البعض بانفعالات اللحظة المسكونة بالاستياء ونفاد الصبر، فينسون أن المجلس العسكري هو الذي حرس الثورة وأمنها ونجَّحها أيضا، ما يعني أنه لولا موقفه لما تنحى الرئيس السابق ولما حققت الثورة هدف إسقاط النظام. أضيف إلى ذلك أن المجلس العسكري ومن ورائه القوات المسلحة لا يزالون يؤدون دورهم في حراسة الثورة وتأمينها، ولولا هذا الدور لشهدنا في مصر استنساخا للمشهد السوري أو اليمني أو الليبي، حيث يبدي النظام في تلك الأقطار استعدادا لسحق الجماهير وقصف المتظاهرين وتصفية المعارضين، ثمنا لبقائه واستمراره. وهي خلفية تسلط الضوء على خطورة الدعوة التي يروج لها البعض هذه الأيام ممن توقفوا عن الحديث عن الثورة المضادة. وبدأوا يشيرون بأصابع الاتهام إلى المجلس العسكري. ومنهم من ذهب به الانفعال حدا جعله يضم المجلس إلى مربع تلك الثورة.
ما أريد أن أقوله هنا ثلاثة أمور. أولها أن بقاء المجلس العسكري يظل ضرورة وطنية، حتى يتسلم المدنيون السلطة، وأنه على الذين يتحرون المصلحة الوطنية حقا أن يتحاوروا تحت هذا السقف. الثاني أن التسليم بضرورة دوره لا يعني على الإطلاق لا التسليم بكل ما يصدر عنه ولا تحصينه ضد النقد والمساءلة. وأزعم في هذا الصدد أنه إذا كان بقاء المجلس ضرورة، فإن نقده يظل ضرورة بدوره. لكنه النقد الذي يصوب المسيرة وليس ذلك الذي يهدم المعبد على من فيه. الأمر الثالث أنه على الذين يصوبون سهامهم صوب المجلس العسكري أن يفكروا جيدا في بدائله، التي هي الأسوأ بكل المعايير.
شهدت جلسة حوار انقسم المشاركون فيها فريقين،
أحدهما انتقد تباطؤ الإجراءات التي أصدرها المجلس العسكري، وفسر ذلك بسوء التقدير والتردد في اتخاذ القرار.
أما الثاني فقد ذهب به سوء الظن حدا دفعه إلى رفض فكرة التباطؤ وترجيح احتمال «التواطؤ». ورغم أن الأخيرين يعدون قلة، إلا أن مجرد ظهورها في الظرف الراهنة يعد جرس إنذار يجدر ملاحظة دوافعه ومراميه.
ما أدهشني في هذا الفريق الأخير أن أصحابه الذين كانوا في الجلسة من أشد المتحمسين للثورة والغيورين عليها، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنهم من الساخطين أو المتآمرين عليها، الأمر الذي يدعونا للانتباه إلى أن ثمة غلطا ما وقع وأوصل الأمور إلى ما وصلت إليه. هل هو بطء إجراءات محاكمة المسئولين عن القتل والفساد في العهد السابق؟
هل هو القصور في التواصل مع الرأي العام بما يؤدي إلى إيضاح ما التبس وتوضيح ما انغلق؟
هل هو الإعلام الذي انحاز إلى الإثارة والتهييج على حساب الموضوعية والمسئولية؟
هل هي الأجندات الخاصة التي تبناها البعض وفرضوها على المجتمع من خلال الأبواق التي تعبر عنهم؟
هل هم الذين قفزوا إلى صدارة المشهد وأرادوا اختطاف الثورة منتهزين فرصة فراغ الساحة السياسية وغياب القيادة التي تعبر عن الإجماع الشعبي؟
هل هم «الفلول» المتربصون والساعون إلى الوقيعة بين الثوار والمجلس العسكري؟
هل هي الأصابع الأجنبية التي تريد إدامة الفوضى وإشغال الرأي العام بغير الأهداف الحقيقية للثورة؟
قد تكون هناك تساؤلات أخرى. وقد لا يكون هناك سبب واحد يمكن الارتكان إليه في تفسير الشرخ الحاصل الآن، وإنما أدت إليه أسباب عدة، وربما هذه الأسباب مجتمعة. لكني لا أستطيع في تفسير تحول المشاعر واستدعاء سوء الظن أن أتجاهل الدور المهم الذي أسهم به غموض بعض المواقف والقرارات، حيث لم يفسر لنا أحد لماذا تأخرت كثيرا محاكمة المسئولين عن قتل الثوار وعن الفساد الذي استشرى في البلاد، في حين تسارعت محاكمة أعداد كبيرة من المدنيين أمام المحاكم العسكرية، كما لم تفسر لنا بعض التعيينات التي تمت في مواقع عدة وأثارت الحيرة والدهشة، على الأقل في حين إنها بدت أكثر ملاءمة للنظام السابق منها لمصر ما بعد الثورة.
غدا نواصل بإذن الله.
..................

12 يوليو، 2011

هل يدير مبارك السياسة الخارجية لمصر؟ – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 11 شعبان 1432 – 12 يوليو 2011
هل يدير مبارك السياسة الخارجية لمصر؟ - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_12.html


هل نبالغ إذا قلنا إن نسائم الربيع التي هبت على مصر بعد الثورة أنعشت حقا أجواء الداخل، لكنها لم تلامس بعد علاقاتها بالخارج؟
وهل يصح أن نقول إن المجلس العسكري يدير شؤون مصر الداخلية، وإن الرئيس السابق لا يزال يدير سياستها الخارجية؟
(1)
ربما جاز لنا بعد ستة أشهر من قيام الثورة أن نلقي بأسئلة من ذاك القبيل. صحيح أنه من المبكر للغاية أن نتساءل عما حققناه من أهداف (لاحظ أننا نتحدث عن «النسائم» وليس الربيع ذاته) لكن ذلك لا يمنعنا من التساؤل عن وجهة الثورة وآفاقها المتاحة حتى الآن على الأقل.

صحيح أيضا أنه من الصعب في بعض الأحيان أن نفصل بين الداخل والخارج نظرا لتشابك الأنشطة بينهما. (فالتمويل الأمريكي لبعض منظمات المجتمع المدني يستهدف التأثير في الداخل حقا، ولكنه موصول بقرار سياسي أمريكي)، إلا أننا سنقيم مؤقتا فصلا تعسفيا بين المجالين لكي نحاول الإجابة عن السؤال المتقدم.
ليس خافيا على أحد أن الأبصار مشدودة إلى الداخل منذ انطلقت ثورة 25 يناير بأحداثها المثيرة، الأمر الذي حجب عن كثيرين ليس فقط إمكانية متابعة ما يجري من أحداث خارج مصر، ولكنه أيضا صرف الاهتمام عن مؤشرات السياسة الخارجية ومسار علاقات القاهرة بمحيطها القريب والبعيد.
ولئن ظل بعضنا ينتقد انكفاء مصر على نفسها منذ تراجع دورها في ظل النظام السابق، إلا أن ذلك الانكفاء اقترن بعد الثورة بتراجع الاهتمام بالسياسة الخارجية المصرية ذاتها.
لن أختلف مع من يقول إن مصر ليست معزولة عن محيطها، وأنها موجودة في العديد من الساحات على الصعيدين الدولي والإقليمي، لكني أضيف أن ذلك الحضور إذا لم يقترن بموقف مستقل وبرؤية إستراتيجية واضحة تنطلق من الالتزام بالمصالح العليا للوطن والأمة، فإنه يصبح عملا روتينيا لا يشكل إضافة تذكر.

إن شئت فقل إن العبرة ليست بمجرد الحضور أو التحرك، لأن الأهم هو على أي أرض يقف الطرف الحاضر، وفي أي اتجاه يتم التحرك وأي مصلحة يتحراها ذلك التحرك.
(2)
في 27/6 كان العنوان الرئيسي لصحيفة «روزاليوسف» كالتالي:
العرابي: لا مساومة على أمن الخليج العربي
وتحت العنوان ذكر الخبر المنشور أن السيد محمد العرابي وزير الخارجية صرح عقب أدائه اليمين الدستورية أن أمن دول الخليج مسألة حيوية بالنسبة لمصر ــ وأنه لا تفريط ولا مساومة في أمن الخليج، ثم تحدث بعد ذلك عن استعادة مصر لدورها على مختلف الأصعدة.
بعد ذلك بأيام قليلة في (4/7) نشرت صحيفة «الأهرام» على صفحتها الأولى تصريحا للسيد العرابي قال فيه إن العلاقات المصرية لن تكون أبداً على حساب أمن واستقرار دول الخليج.

وفي اليوم التالي مباشرة (5/7) نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» على صفحتها الأولى تصريحات منسوبة إلى السيد العرابي قال فيها إن مصر ترفض أي تدخل خارجي ــ وأن استقرار البحرين خط أحمر.
مضمون التصريح لم يكن جديدا. فهو يتكرر على ألسنة المسؤولين في الخارجية والرئاسة المصرية طوال الثلاثين سنة الماضية. طوال عهد مبارك وفي مرحلة السادات أيضا.

لكن ما استوقفني فيه أمران
أحدهما الإلحاح على الفكرة وتكرارها في أوقات متقاربة.
والثاني أن الوزير ما برح يدق الأجراس محذرا من الوضع في الخليج.
في حين التزم الصمت إزاء الإجراءات المتسارعة التي تتخذها السلطات الإسرائيلية للتوسع في الاستيطان وتهويد القدس،
كما لم يتحدث عن انفصال الجنوب في السودان،
أو قصف طائرات الناتو لليبيا،
أو شبح الانفصال المخيم على اليمن،
أو آثار الزلزال الذي ضرب سوريا، وغير ذلك من تجاوزات الخطوط الحمراء التي يفترض أن تكون مقلقة لمصر ولها تأثيرها على أمنها القومي.
فسرت ذلك الإلحاح في تصريحات وزير الخارجية الجديد بأمرين،
أولهما أنها محاولة إزالة آثار التصريحات التي أدلى بها الدكتور نبيل العربي الوزير الذي سبقه، وتحدث فيها عن تطبيع العلاقات مع إيران، أسوة بما هو حاصل دبلوماسيا بين دول الخليج ذاتها وبين الجمهورية الإسلامية. وهى التصريحات التي أقلقت بعض دول الخليج ومنها من عبر عن قلقه بإشارات مسكونة بالغضب والعتاب، مس بعضها أوضاع العمالة المصرية في تلك الدول.
الأمر الثاني الذي فسرت به التصريحات أنها تبعث برسالة طمأنة تتجاوز منطقة الخليج، لتصل إلى من يهمه الأمر في واشنطون وغيرها خلاصتها أن السياسة الخارجية المصرية في ظل النظام الجديد لن تختلف عما كانت عليه في النظام القديم.
استوقفتني أيضا تصريحات وزير الخارجية الجديد بخصوص الوضع في لبنان في أعقاب إعلان لائحة الاتهام في قضية اغتيال الرئيس الحريري. فقد نقلت صحيفة «الأهرام» على لسانه في 4/7 قوله إن مصر حرصت على تحقيق العدالة (في لبنان) وعلى احترام عمل المحكمة الدولية.. مشيراً إلى أن العدالة مطلب لكل لبناني وأنها الضمان الحقيقي للاستقرار في لبنان.
لم يكن الرجل محايدا. ذلك أنه تجاهل الوضع الاستثنائي للمحكمة الدولية التي أنشئت بقرار من مجلس الأمن، بعد رفض الولايات المتحدة اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية القائمة فعلا وامتناع واشنطون عن التوقيع على اتفاقيتها حتى لا يخضع جنودها للمحاسبة جراء ممارساتهم في أفغانستان والعراق.

وتجاهل أيضا عملية تسييس المحكمة والتحقيقات من البداية. كما تجاهل خبث التوقيت في إعلان قرار الاتهام متزامنا مع إتمام تشكيل الحكومة الجديدة
وفي النهاية بدا وزير الخارجية مصطفا إلى جانب فريق 14 آذار الذي يقوده سعد الحريري وتقف وراءه الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل ومعها دول «الاعتدال» العربي. وهو ذات الموقف الذي التزمت به السياسة الخارجية المصرية طوال عهد الرئيس السابق.
نظرت بعد ذلك إلى الحاصل في معبر رفح، الذي لم يختلف كثيرا بعد الثورة عما كانت عليه الأوضاع قبل 25 يناير. فالقيود ذاتها مفروضة على العابرين، حيث قوائم الحظر مازالت كما هي. ومحدودية أعداد المسموح لهم بالعبور لم يطرأ عليها أي تعديل. كما أن المعاملة السيئة للفلسطينيين العابرين ظلت كما كانت من قبل. وكأن شيئا لم يتغير في مصر.
(3)
في المشاهد الثلاثة رأيت سياسة مبارك لا تزال مطبقة بحذافيرها. وإذا سألتني لماذا القياس على تلك المشاهد دون غيرها، فردي أنني اعتمدت عليها لأنها من نماذج مناطق التماس مع الإستراتيجيات الغربية في المنطقة. الأمر الذي يضفي حساسية خاصة على الملفات الثلاثة الفلسطيني واللبناني والإيراني، وكلها موصولة بالمصالح الإسرائيلية بطبيعة الحال.
وهو ما يدفعني إلى القول إن كيفية التعامل مع تلك الملفات تعد معيارا لقياس درجة استقلال القرار السياسي المصري، ومؤشرا على مدى انخراط مصر فيما أطلق عليه معسكر الاعتدال العربي، الذي ترعاه الولايات المتحدة وإسرائيل.
لست واثقا من دقة معلومات الصحافة الألمانية التي تحدثت عن غرفة عمليات مشتركة أمريكية إسرائيلية تتابع على مدار الساعة ما يجري في مصر منذ قامت الثورة، لكن ما أفهمه أنه إذا كانت الدولتان قد اضطرتا للقبول بخلع الرئيس السابق، إلا أنهما تعتبران أن استمرار سياسته في الشأن الخارجي أمرٌ يخصهما، ولا يحتمل المساس والتقاطع.
وما أعرفه أنهما تمارسان ضغوطا بوسائل شتى لضمان استمرار تلك السياسة في العديد من المجالات، حتى إن واشنطون استخدمت تلك الضغوط لتقييد المرور من معبر رفح بعد إطلاقه لعدة أيام. وكان لها ما أرادت.
في ضوء ذلك التحليل فإننا نستطيع أن نفهم لماذا قوبلت تصريحات الدكتور نبيل العربي بالفتور والاستياء، حين تحدث عن فتح معبر رفح، وطالب إسرائيل بتنفيذ التزاماتها في اتفاقية السلام، ودعا إلى التعامل بندِّية مع الولايات المتحدة وإلى تطبيع العلاقات مع إيران.

ولماذا استقبلت دوائر عدة انتقاله من الخارجية المصرية إلى أمانة الجامعة العربية بدرجات متفاوتة من الترحيب والارتياح. ذلك أنه في الحسابات الإستراتيجية فإن منصب وزير خارجية مصر، إذا كان من نوعية الدكتور نبيل العربي، يظل أكثر حساسية وأهمية من أمين الجامعة العربية.

فالرجل في منصبه الأول يمكن أن يجعل من مصر رافعة للعالم العربي بأسره (إذا كان معبرا عن سياسة النظام بطبيعة الحال)، في حين أنه في منصبه الثاني يقود عربة معطوبة فاقدة القدرة على الحركة.
إن حملة تقزيم مصر التي توجت بتوقيع معاهدة كامب ديفيد كانت أهم مكسب إقليمي حققته الولايات المتحدة وإسرائيل في نصف القرن الأخير. والدولتان حريصتان على الاحتفاظ بتلك الجائزة وليستا على استعداد للتفريط فيها تحت أي ظرف.
ولا تنس أن مبارك وصف في إسرائيل بأنه «كنز استراتيجي» احتفاء بسياسته بالدرجة الأولى. الأمر الذي يصور لك الجهد الذي يمكن أن تبذله والضغوط التي تمارسها لاستمرار تلك السياسة والحفاظ على «الكنز».
(4)
إن شعار الكرامة الذي رفعته ثورة 25 يناير لا يخص المواطنين وحدهم، ولكنه يشمل الوطن أيضا. وهو ما يفترض أن تعبر عنه سياسات الخارج بقدر ما يتعين أن تلتزم به سياسات الداخل. وإذ مازلنا نخوض معركة الدفاع عن الكرامة في الداخل في الوقت الراهن، فإنني أزعم أن الدفاع عن كرامة الوطن أطول وأكثر شراسة، وبغير خوضها وكسبها يظل البلد مَهِيضَ الجناح ومنقوص الكرامة.
لقد أهدر النظام السابق كرامة المواطن حين أذله وأفقره. كما أنه فرط في كرامة الوطن حين أفقده عافيته وألحقه بقطار التبعية وفرض على مصر تحالفا إستراتيجيا مهينا مع عدوها الاستراتيجي، كما قيل بحق.

وإذا كانت لدينا مشكلة مع فلول النظام السابق، فمشكلتنا أكبر مع رعاة ذلك النظام. والأخيرون أخطر وأخبث بما يملكون من أسباب القوة وبما يمارسونه من ضغوط غير منظورة.
صحيح أنه من الطبيعي أن تحتل الأولوية معركة الدفاع عن كرامة المواطن، إلا أننا ينبغي أن نكون على وعي كافٍ باستحقاقات الدفاع عن كرامة الوطن.

في هذا الصدد يتعين الانتباه إلى أن القوى الأجنبية الضاغطة لا تريد لمصر ديمقراطية حقيقية تفرز حكومة وطنية تعبر عن ضمير الشعب وأشواقه. لكنها تريد لنا ديمقراطية منقوصة تتحرك تحت سقف المصالح الغربية والمخططات الإسرائيلية. وهي راضية بالحاصل في مصر الآن، حتى إن الولايات المتحدة اعتمدت مبلغ 150 مليون دولار لدعم الديمقراطية التي تنشدها.

ولن تتمكن مصر من مواجهة تلك الضغوط إلا إذا توافرت للمجتمع درجة من العافية تمكنه من مقاومة كل ما من شأنه المساس بكرامة البلد وتهديد مصالحه العليا.

وهذه العافية لا تتوافر إلا في ظل إرادة مستقلة وحياة سياسية نظيفة. ومجتمع قوي بمؤسساته وخلاياه الحية التي تتحرك في إطار مشروع وطني يستلهم حلم النهضة وينطلق من قيم العدل والحرية والمساواة، مستهدفا الحفاظ على كرامة المواطن وعزة الوطن
وإذا ما خطونا الخطوة الأولى في هذا الطريق فستكون تلك علامة على السقوط النهائي لنظام مبارك.
..................

11 يوليو، 2011

أن يقف العسكر وحدهم

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 10 شعبان 1432 – 11 يوليو 2011
أن يقف العسكر وحدهم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_11.html

لدى تعاطف مع المجلس العسكري الذي وجد نفسه مستدعى لتأمين الثورة في مصر، ثم اكتشف بعد ذلك أنه يقف وحيدا في حمل كل هموم البلد، ومحشورا بين ضغوط الشارع من ناحية وبين ضغوط الخارج من ناحية ثانية، وكل منهما لا يرحم.
لقد أدى الجيش واجبه الوطني في تأمين الثورة والانحياز لإرادة الشعب. وتلك مسؤولية لم يسع إليها لكنه استجاب لها بشجاعة في لحظة بدا فيها أن خطرا داهما يهدد الجبهة الداخلية.

إذ ربما يؤكد كثيرون أن الجيش قرر التدخل عقب إعلان ثوار الميدان عن نيتهم الزحف إلى مقر القصر الجمهوري، في حين كانت التعليمات لدى الحرس الجمهوري تقتضي إطلاق الرصاص الحي على كل من يحاول اقتحام القصر، الأمر الذي كان ينذر بوقوع مذبحة تُغرق القاهرة في بحر من الدم. ولتجنب تلك الكارثة كان لا بد أن يعلن الجيش موقفه، وقد كان.
لم يكن الجيش صاحب الثورة ولكنه كان حارسها الأمين. ولذلك فإنه لم يشكل مجلسا لقيادة الثورة، حيث لم يكن له أن يدعي ذلك. وإنما باشر مسؤولياته تحت مظلة المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وكانت مشكلة المجلس منذ اللحظة الأولى أنه يتعامل مع طوفان من البشر الذين أجمعوا على رفض ممارسات وسياسات نظام مبارك، وتعلقوا بحلم إقامة نظام جديد يرد للمواطن اعتباره ويلبى حاجاته ويرفع عنه أمد المذلة والهوان.
المشكلة الأخرى أن قنوات الاتصال بين السلطة والمجتمع كانت إما معطوبة أو مسدودة ومشبوهة. ولم يكن أمام المجتمع من حل يسمع به صوته للمجلس الذي تولى السلطة سوى أن يسلك أحد طريقين، فإما أن يخاطبه من خلال الإعلام أو يبادر بالنزول إلى الشارع. وكل منهما لا يخلو من مغامرة ذلك أن البعض احترفوا ممارسة الثورة من خلال الظهور على شاشات التليفزيون. أما البعض الآخر فقد استسهلوا التنادي للنزول إلى الشارع والاعتصام بالميادين. ولم يكن بوسع أي أحد أن يعرف ما الذي يمثله الذين جذبتهم أضواء التلفزيون، وما هي حقيقة الجموع التي احتشدت في الميدان. من منهم الذي أسهم في الثورة ومن منهم انتسب لها ودفعه الفضول إلى الالتحاق بالحشود المجتمعة في الشارع. من الذي دفع الثمن، ومن الذي ركب الموجة بالمجان.
هذا الفراغ رتب ثلاث نتائج سلبية تتمثل فيما يلي:
- إن مجلس الثورة عانى من الارتباك، وربما الارتجال في قراراته، ذلك أنه لم يجد طرفا مسؤولا يحدد له ما المطلوب بالضبط، وما هي الأولويات التي يتعين الالتزام بها. ولحل ذلك الإشكال فإنه لجأ إلى اجتهادات أعضائه من ناحية وإلى سلسلة الحوارات التي أجريت مع مختلف الفرقاء والخبراء من جهة ثانية، ومن الواضح أنهم غرقوا في بحر الاجتهادات والآراء التي حصلوها خلال تلك الحوارات، التي كان معظمها أقرب إلى منصات التنفيس منها إلى جلسات العمل.
- إن الفراغ السياسي الكبير الذي عانت منه مصر جراء إصرار النظام السابق على احتكار السلطة وتقزيم أو تدمير القوى الحية في المجتمع، فتح الباب لمحاولات عديدة لتمثيل الثورة وركوب موجتها. وتنافست في ذلك القوى التقليدية مع التجمعات الجديدة، وتداخل الصالحون مع الطامحين والطالحين. ولعب رأس المال دورا مهما في تشكيل الخريطة الجديدة. وفي النهاية فإننا وجدنا أنفسنا أمام عناوين كبيرة ورنانة ظهرت كلها فجأة، دون أن تعرف لها هوية أو وزنا. لكن الذي حدث أن هذه الكيانات كلها أصبحت تقدم نفسها بحسبانها «قوى الثورة»، دون أن يتاح للمجتمع أن يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت تلك الصفة حقيقية أم منتحلة.
- إن المجلس العسكري وهو يقف وحيدا وسط أمواج الثورة المتلاطمة اعتمد على رصيده المعنوي أكثر من اعتماده على قوى المجتمع الحية، ولأنه ليس مستندا إلى تمثيل شعبي مؤسسي يشد من أزره ويتكئ عليه، فإن ذلك لا بد أن يؤثر بالسلب على موقفه في مواجهة الضغوط الخارجية التي ينبغي ألا يستهان بها، خصوصا إذا أدركنا أن تلك الضغوط صادرة عن طرف في غطرسة الولايات المتحدة أو في حلف وبلطجة إسرائيل. وفرق كبير في موقف يتبناه المجلس العسكري استشعارا منه لمسؤوليته وواجبه الوطني، وبين أن يكون الموقف تعبيرا عن إرادة شعبية لا يملك لها أحد ردا.
إن النخب التي تتصارع الآن في مصر مدفوعة في ذلك بمخاوفها أو حساباتها الخاصة، تطيل من أمد الفراغ السياسي وتعطل تمثيل الإرادة الشعبية في حراسة الحاضر وصناعة المستقبل. والأسوأ من هذا وذاك أنها تحرم المجلس العسكري من المؤازرة الشعبية والمدنية وتغرى أعضاءه بالاستمرار في السلطة، ولأنهم بشر فقد يستطيبونها في وقت لا ينفع فيه الندم.
..................

10 يوليو، 2011

لمصر لا للعسكر

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 9 شعبان 1432 – 10 يوليو 2011
لمصر لا للعسكر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/07/blog-post_10.html

لدي اعتراض على الهجوم على المجلس العسكري، وأكثر من اعتراض على مداهنته، والهجوم الذي أعنيه هو مطالبة المجلس بالرحيل ورئيسه بالاستقالة.
وهو من قبيل الدعوات التي إذا أطلقت في غمرة الحماس والانفعال فقد تكون من قبيل الرعونة والطيش، وإذا أطلقت عن قصد ووعي، فإنها تدعونا إلى إساءة الظن بالقائلين، خصوصا إذا لم يقدموا لنا بديلا أفضل يقنعنا ويطمئننا.

وما لم يحدث ذلك، فلست أشك في أن مثل هذه الدعوات إذا لم تكن صادرة عن عناصر الثورة المضادة، فإنها تقدم هدية مجانية لتلك العناصر.
وفي حدود علمي، فإن فكرة تخلي الجيش وخروجه من المشهد طرحت في دوائر قيادة القوات المسلحة، كما وجه المجلس العسكري رسالة أو أكثر إلى من يهمه الأمر تنبه إلى ذلك الاحتمال، عندما صدرت الأوامر بانسحاب الجيش من الميدان في تلويح باحتمال انسحابه من المشهد في مجمله والعودة إلى الثكنات، إلا أن الحرص على حماية الثورة وتأمينها كان العنصر الذي رجح استبعاد أمثال تلك الخيارات.
ولئن دعوت إلى ضرورة الحفاظ على المجلس العسكري، واستمرار قيادته لاستكمال دور الجيش في الحفاظ على الثورة والانحياز إلى أهدافها، فإنني لا أرى غضاضة في نقد الآراء التي تصدر عن أعضاء المجلس، بل أزعم أن ذلك النقد من الضرورة بمكان، ليس فقط لأن بعضها يستحق المراجعة والتصويب، وإنما أيضا لكي لا يتصور أحد من أولئك الأعضاء بأنه فوق النقد، وهو داء يصيب بعض أهل السلطة في مصر التي لم تعان من الفراعين فحسب، وإنما عانت أيضا من الذين تخصصوا في صناعة الفراعين وتأليه ذوى السلطان.
في هذا الصدد، فإنني لم أسترح مثلا إلى تشديد أحد كبار أعضاء المجلس العسكري في اجتماع عقد مع رؤساء الأحزاب في الأسبوع الماضي على أننا "لن نسمح" بكذا وكذا، وإذ استخدم المتحدث هذه العبارة ثلاث مرات، فإن ذلك أعطى انطباعا سلبيا لدى الحاضرين، الذين اشتموا في لغة الحديث رائحة الدور الوصائي الذي ضقنا به ذرعا في ظل النظام السابق.
مداهنة المجلس لها أكثر من شاهد، ذلك أن بعض ممثلي الأحزاب الوليدة العاجزة حين يدعون إلى الالتقاء مع ممثلي المجلس، بحسبانهم ضمن «القوى السياسية»، فإنهم يلجأون إلى تعزيز مواقعهم من خلال المداهنة وكيل المديح للقوات المسلحة الباسلة وقيادتها الرشيدة التي أخرجت مصر من ضيق الاستبداد إلى فضاء الحرية.. إلخ. وهي ذات المدرسة القديمة التي تعول على رضا السلطة لتعوض الغياب في الشارع.
لن نتوقف أمام هذا الأسلوب، لأن الفجاجة فيه واضحة ومكشوفة، لكن هناك موقفا آخر تبدو فيه المداهنة مجرد احتمال، وربما كان الدافع إليه سوء التقدير والخطأ في قراءة الخرائط السياسية. أعني بذلك تلك الفكرة التي أطلقها البعض في الفضاء المصري داعين إلى النص في الدستور على موقع خاص للقوات المسلحة في الدفاع عن الشرعية والمجتمع المدني، أسوة بما كان عليه الحال في تركيا.

وذلك تشبيه مع الفرق الكبير، لأن الجيش التركي كان قد حمى البلد ضد هجوم الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وألغى الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي، ثم أقام نظاما علمانيا تحت وصايته، وأجرى ثلاثة انقلابات عسكرية باسم تلك الوصاية، كان آخرها انقلاب عام 1980، الذي أصدر قادته الدستور الذي يحاولون التخلص منه وتغييره الآن، لإقامة الجمهورية الديمقراطية بديلا عن الجمهورية الكمالية "نسبة إلى كمال أتاتورك".
إن وضع الجيش في تركيا باعتباره وصيا على البلاد ورقيبا على السياسة فيها، لا يكاد يقارن بوضع الجيش في مصر، ثم إنهم هناك يحاربون منذ نحو 40 سنة لإزالة آثار عدوان الجيش على السلطة والمجتمع حتى أوشكوا على إخراجه من المشهد السياسي، في حين أن البعض منا يدعو إلى إشراكه في المشهد، ومن ثم اللحاق بالمرحلة التي رفضتها النخبة الديمقراطية منذ أربعة عقود.
إذا جاز لنا أن نتصارح أكثر، فإنني لا أتردد في القول بأن تلك الدعوة التي أطلقت في مصر لإضفاء وضع خاص للجيش في الدستور. تمثل إهانة وسحبا للثقة من الشعب المصري الذي هو المنوط به الدفاع عن الدستور والمجتمع المدني، في حين أن الجيش مهمته الدفاع عن حدود الوطن ضد أي خطر يهدده.
إننا ندعو المزايدين إلى الامتناع عن الاستمرار في استدعاء الجيش أو مداهنته، راجين منهم أن يظل ولاؤهم لمصر وشعبها لا للعسكر.
..................

Delete this element to display blogger navbar