Subscribe:

Ads 468x60px

30 يونيو، 2011

أهالي الضحايا معذورون

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 28 رجب 1432 – 30 يونيو 2011
أهالي الضحايا معذورون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_30.html

في الشهر الماضي، تلقيت اتصالا هاتفيا من بنى سويف، من شخص قال لى إنه أب لأحد الشهداء الذين قتلتهم الشرطة أثناء الثورة، ولأنه يعرف اسم ضابط أمن الدولة المسئول عن قتله، فقد قدم بلاغا ضده إلى النيابة العامة، ولكنه فوجئ بمن يطرق بابه ويعرض عليه 50 ألف جنيه إن هو تنازل عن بلاغه أو غير في أقواله.
ومما قاله أيضا أنه يعرف آخرين من أمثاله تعرضوا للإغراء الذي تعرض له، وبعضهم قبل المبلغ الذي بدا أنه مرشح للزيادة إلى مئة ألف جنيه. وإن المسألة لا تقف عند حد الإغراء المادي، وإنما حين يأتي العرض من طرف يمثل ضابط أمن الدولة فإن «الجزرة» تكون في يد. في حين تظهر العصا في اليد الأخرى.

كان حامل رسالة العرض يقول. لا تنس أنها من ضابط أمن الدولة الذي يستطيع أن يفعل بك الكثير إذا لم تستجب، وباب تلفيق القضايا مفتوح على مصراعيه، بدءا من الاتهام بالاتجار في المخدرات وانتهاء بقضايا الدعارة مرورا بالاعتداء على المال العام وسرقة وتسميم الماشية.
لم يكن لدي وسيلة للتثبت من صحة الكلام، فسجلته في أوراقي، واحتفظت به حتى يتاح لي ذلك، إلا أنني وقعت في جريدة «الشروق» الصادرة في 19/6 على خبر بالصفحة الأولى كان عنوانه كالتالي:
تغيير أقوال الشهود في محاكمة الضباط المتهمين بقتل الثوار (أمام محكمة جنايات الجيزة).

وتحت العنوان ذكرت الصحيفة أن شهود الإثبات فجروا مفاجأة، حيث غيروا أقوالهم الواردة بتحقيقات النيابة، حيث نفى عيد محمد يوسف سائق «ميكروباص» مشاهدته للمتهمين (الضابطان) هاني شعراوي ومعتصم سالم أثناء إطلاقهما النار على المتظاهرين أمام قسم بولاق الدكرور.
فيما أكد مشاهدة المتظاهرين وهم يحاولون إضرام النار في قسم الشرطة وضرب الضباط وأفراد الشرطة الموجودين بداخله. وأنه نقل صديقه الذي لقي حتفه برصاصة في رأسه إلى المستشفي، دون أن يحدد هوية من أطلق الرصاص.
لفت نظري في التقرير المنشور أن محامي الدفاع سأل الشاهد عن سبب تأخره في الإدلاء بشهادته من 28 يناير وحتى 14 فبراير، فرد على السؤال قائلا إنه كان مسافرا إلى بلدته دشنا بمحافظة بنى سويف (!!).
في التقرير أن شاهدا آخر يعمل سائقا أيضا ذكر أنه كان معه ابن خالته، الذي أصيب برصاصة حين كان بالقرب من قسم الشرطة، فنقله إلى المستشفى. وهناك أخبره عدد من الموجودين باتهام الضابطين اللذين سبق ذكرهما بأنهما من أطلقا الرصاص وقتلا ابن خالته، وان أولئك الأشخاص أجبروه على اتهام الضابطين حتى يحصل على حقه من الحكومة ولا يذهب دم قريبه هدرا.
وأضاف في شهادته أنه فوجئ بالمتظاهرين يلقون الطوب على مقر قسم الشرطة ويحاولون حرقه.
وهو ما أثار غضب أهالي الضحايا الذين اتهموا الشاهدين بتغيير أقوالهما والتواطؤ مع الضباط المتهمين.
القصة تكررت في السويس، وفي الإسكندرية حيث ذكر خبر الأهرام (في 21/6) ان خمسا من أسر الضحايا تنازلوا عن حقهم بعد «تصالحهم» مع ضباط أمن الدولة. (المبلغ الذي دفع لقاء ذلك التصالح لم يذكر!)

ولم تكن تلك هي الملاحظة الوحيدة، لأن الملاحظة الأخرى المهمة إن الجلسة تأجلت إلى يوم 17 أكتوبر المقبل أي بعد أربعة أشهر، علما بأن القضية تتعلق بشباب قتلوا أثناء جمعة الغضب يوم 28 يناير الماضي.
سألت الأستاذ جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عن معلوماتهم بخصوص تغيير أقوال الشهود في قضايا قتل المتظاهرين، فقال إنها شائعة وتكررت في عدة محافظات أخرى وإن الشبكة قدمت بلاغا إلى النيابة العامة بهذا الخصوص، ولكن أحدا لم يتحرك لحماية الشهود،

وأضاف أنه لا يستغرب حدوث ذلك، لكنه يستغرب أمورا عدة، منها أن الضباط المتهمين بالقتل الذين يفترض أن يتم احتجازهم، يذهبون إلى المحاكم في الصباح كمتهمين ثم يعودون إلى مكاتبهم في المساء لكى يمارسوا ترهيب الشهود وأهالي الضحايا.

منها أيضا أن أولئك الضباط لهم علاقاتهم التاريخية الوثيقة مع بعض وكلاء النيابة الذين يتسترون على ممارساتهم ويتبادلون معهم المجاملات. وهؤلاء هم الذين يسجلون أقوالهم وقد يتلاعبون فيها.
إن كل الشواهد تدل على أن هناك تسويفا في محاكمة ضباط أمن الدولة المسئولين عن قتل المتظاهرين، كما أن هناك تدليلا لهم غير مبرر، إضافة إلى التلاعب في شهادات الشهود الذي من شأنه تبرئة القتلة وربما إدانة الضحايا في تهمة الاعتداء على مقار الشرطة والضباط «الأبرياء» العاملين فيها.
إذا شاعت أمثال تلك الانطباعات في أوساط أهالي الضحايا، ألا يدعونا ذلك إلى اعذارهم والتعاطف معهم، وتوجيه الاتهام والإدانة إلى الذين سوفوا وتلاعبوا ودللوا القتلة وتستروا عليهم، حتى لا يقال إن «الفلول» هي التي تحاكم أولئك الضباط.
..................

29 يونيو، 2011

شائعة لم تثبت صحتها


صحيفة السبيل الاردنيه الأربعاء 27 رجب 1432 – 29 يونيو 2011
شائعة لم تثبت صحتها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_29.html

في شهر ديسمبر الماضي تلقيت رسالة من قارئ فلسطيني قال فيها إنه عالق أمام معبر رفح منذ ثلاثة أشهر، وإنه في السنة الجديدة يحلم بأمرين،
أولهما: أن يجتاز المعبر لكي يعالج عينيه في القاهرة،
وثانيهما: أن يعامل على المعبر بمثل ما يعامل به الإسرائيليون في طابا.

لم أفاجأ بالرسالة التي خلفت عندي شعورا اختلط فيه الحزن بالخزي، لكنني قلت وقتذاك إن الذي يشترك في حصار غزة وتجويع الفلسطينيين لا يستكثر عليه إذلالهم، وحين صرح الدكتور نبيل العربي أول وزير خارجية لمصر بعد الثورة بأن معبر رفح سيفتح، وأن علاقات مصر بمحيطها وجيرانها ستشهد نقلة جديدة تعبر عن قيمة مصر واعتزازها بكرامتها، استحضرت على الفور رسالة صاحبنا العالق عند المعبر، وقلت إن الله حقق له ما تمناه.
لأن لحظات الفرح في الأفق الفلسطيني شحيحة ونادرة، فإن سحابات الحزن ما لبثت أن ظهرت في ذات الأفق مرة أخرى، حين اكتشفوا أن الكلام المتفائل عن فتح المعبر لم يتم تنزيله على الأرض بالصورة المرجوة.
صحيح أنه فتح بغير تشدد في القيود لعدة أيام لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، إلا أن النظام المتبع سرعان ما عاد إلى سيرته القديمة.

آية ذلك أنني تلقيت خلال الشهرين الأخيرين عدة رسائل من فلسطينيي غزة شكت من ثلاثة أمور،
الأول: استمرار التعامل مع غزة باعتبارها قضية أمنية، لا هي سياسية ولا إنسانية،
الثاني: التمسك بالقوائم الأمنية التي تمنع نحو 60 في المئة من شبان القطاع من دخول مصر.
الثالث: تقليص عدد الذين يسمح لهم بالعبور يوميا، بحيث لا يزيدون على 400 شخص، في حين أن متوسط الراغبين في العبور اليومي يدور حول ألف شخص تقريبا.

وكانت نتيجة ذلك أن أعدادا أصبحت ترحل للمستقبل باستمرار، مما ترتب عليه إغلاق قوائم العابرين حتى يوم 22 سبتمبر المقبل. وهو ما يعني أن أي فلسطيني قادم لزيارة أهله لفترة قصيرة خلال الصيف، لن يستطيع أن يغادر القطاع قبل حلول الخريف في شهر أكتوبر.
في تفسير الموقف المصري من المعبر قال لي مصدر وثيق الصلة بالموضوع، إن هناك عوامل ثلاثة حاكمة لذلك الموقف، هي:
-إن مصر لا تزال لديها بعض المخاوف من الوضع في سيناء، وتخشى أن يؤدى إطلاق العبور من رفح إلى تعزيز تلك المخاوف
-إن القاهرة ليست مطمئنة تماما لنجاح المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ويبدو أن أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية نقل رسالة إلى القاهرة تقول إن فتح المعبر من شأنه أن يؤدى إلى استرخاء الوضع في غزة، مما قد يشجع حركة حماس على عدم التعامل بجدية مع مسألة المصالحة
-إن مصر تواجه ضغوطا قوية ومستمرة من الولايات المتحدة وإسرائيل للإبقاء على الوضع الراهن في رفح كما هو دون تغيير في إجراءات وضوابط المرور.
ضاقت صدور البعض في غزة بالضغوط التي يعاني منها القطاع، فذكر خليل أبو شمالة مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان أن أوضاع الفلسطينيين المسافرين على معبر رفح تعد من أشكال امتهان الكرامة الإنسانية التي تتنافي مع أبسط مفاهيم احترام حقوق الإنسان.

وتساءل: كيف يمكن للأردن أن يفتح حدوده أمام آلاف المسافرين الفلسطينيين يوميا. في حين لا تسمح مصر لأكثر من 300 فقط بالمرور؟ وكتب يوسف رزقة المستشار السياسي لرئيس حكومة غزة مقالة في صحيفة «فلسطين» قال فيها:
«إن الشعب الفلسطيني لم يعد يتحمل الإذلال الذي يمارس ضده في معبر رفح دون مبرر» (الحياة اللندنية 19/6).
يوم الثلاثاء قبل الماضي 21/6 وصل إلى القاهرة في طريق العودة إلى غزة وفد رسمى كان قادما من الجزائر، التي استقبل فيها بحفاوة بالغة.
وضم الوفد وزيرين واثنين من وكلاء الوزارة واثنين من نواب المجلس التشريعي. في المطار لم يستقبلهم أحد، وتم استبقاء الوزيرين ووكيلي الوزارة لمدة ساعة قبل السماح لهم بالخروج،
أما الباقيان فقد احتجزا مدة 4 ساعات قبل أن يسمح لهما ضباط أمن الدولة بالانصراف!
إزاء ذلك ينبغي أن نعذرهم إذا استبد الانفعال ببعضهم، وتساءلوا عما إذا كان نظام مبارك قد سقط حقا أم لا، أو إذا قال قائلهم إن الثورة إذا كانت خبرا صحيحا في بر مصر، فإنها في رفح شائعة سمعوا بها ولم تثبت صحتها.
...............

28 يونيو، 2011

ثورة مصر تبحث عن "بوصلة" – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 26رجب 1432 – 28 يونيو 2011
ثورة مصر تبحث عن "بوصلة" – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_28.html

أدري أنه من المبكر وربما من الظلم أيضا أن نتحرى حصاد الثورة بعد مضي خمسة أشهر فقط على قيامها، لكننا لا نستطيع أن نغفل إشارات وعناوين ظهرت في فضاء ما بعد الثورة، مسكونة برسائل ينبغي الوقوف عندها.
(1)
لم أصدق عيناي حين وقعت على المشهد أمام مبنى التلفزيون المصري في «ماسبيرو»، إذ لا أخفي أنني حديث عهد بالمكان الذي ظللت ممنوعا من دخوله طوال نحو أربعين عاما، وقد فاجأني وأدهشني كم الخيام المنصوبة حوله وأعداد البشر الممددين على رصيفه، وحزام الأسلاك الشائكة الذي يحيط به وكم الجنود المدججين بالسلاح المرابطين على أبوابه والمنتشرين في طابقه الأرضي. جاء من ساعدني على الوصول إلى مدخل التلفزيون. وإذ لاحظ دهشتي فإنه تمتم قائلا إن هؤلاء هم أهالي مدينة السلام الذين طردوا من محال إقامتهم ووعدوا بالحصول على مساكن بديلة، ولكنهم وجدوا أنفسهم يقيمون بمخيم أقيم في العراء. وحين لم يجدوا أحدا يحل مشكلتهم أو يستمع إليهم فإنهم قرروا الاعتصام أمام مبنى التلفزيون لكي يوصلوا شكايتهم.
حين تحريت الأمر قيل لي إنهم قضوا أربعة أشهر في المخيم وعاشوا في ظروف شديدة البؤس، فالمكان لا يختلف كثيرا عن حظائر الحيوانات، مياهه ملوثة وحماماته شديدة القذارة، وأكوام القمامة متناثرة في المكان مطلقة روائحها الكريهة وجاذبة إليها القطط والفئران.
قيل لي أيضا إن الأمر لم يختلف كثيرا حين انتقل بعضهم للاعتصام أمام ماسبيرو. ما جد عليهم هو شاطئ النيل الذي أصبحوا يغسلون عنده ويقضون حاجتهم فيه، ورغم أن اثنين ماتا غرقا أثناء الاستحمام في النيل وثالثة دهستها سيارة، فإن وجودهم في المكان أقنعهم بأنهم بذلك حملوا مشكلتهم إلى الشارع، وأعطاهم أملا في أن يرى المسؤولون المارون صورهم بعد أن فشلوا في إسماعهم أصواتهم.
حين دعيت إلى التلفزيون قيل لي إن موضوع الحوار هو «أسئلة الساعة» التي على رأسها السؤال: الدستور أولا أم الانتخابات أولا؟ من ثَمَّ فإن ذهني كان مشحونا بأصداء الضجيج الإعلامي المثار حول الموضوع، إلا أن صدمة المشهد الذي رأيته أمام مبنى التلفزيون أطارت من رأسي ما أعددته ورتبته من أفكار لمناقشة الموضوع، حتى بدا ذلك المشهد وكأنه دبوس تم غرسه في بالونة كبيرة فذوبها وأعادها إلى حجمها الضئيل الذي تعتصره الأصابع الواهنة، الأهم من ذلك أن المقابلة بين هم الناس الممددين على الرصيف وبين الضجيج الذي يملأ الفضاء الإعلامي في مصر حول أيهما أولا، هذه المقابلة جاءت كاشفة لاتساع وعمق الفجوة بين هموم الناس وحسابات النخبة.
(2)
الذين خرجوا إلى الميادين والشوارع وتصدوا للشرطة والبلطجية «لم يخرجوا لكي يطالبوا بالدستور سواء كان أولا أم آخرا، ولا بالانتخابات. لم يخرجوا لتكون مصر ليبرالية أو مدنية أو إسلامية أو مهلبية. خرجوا فقط للأسباب التي تلمس واقعهم. أسعار الطماطم والملابس والمساكن التي ترتفع بجنون، أمين الشرطة الذي يوقف «ميكروباص» شقيقه ليسرق منه خمسين جنيها، الضابط الذي حرر له محضرا واحتجزه وعذبه عدة أيام بلا ذنب. أخته التي لا يملك نقودا لتزويجها. عمه الذي تم تسريحه من عمله بعد خصخصة المصنع. ابن عمه الذي خسر كل شيء في أراضي شباب الخريجين التي مات فيها الزرع عطشا بعد تفضيل أراضي الكبار. خالته التي ماتت بالسرطان بعدما لم يجد لها سريرا بالمستشفى الحكومي..إلخ.
«هل كان يتصور أحد أنه سيأتي يوم يقول فيه البعض إن عدم وضع الدستور أولا هو خيانة لدماء الشهداء، ليرد عليهم فريق الانتخابات أولا قائلين إننا أكثر من قدم الدماء والتضحيات دفاعا عن الثورة؟ بالنسبة للفقراء المعدمين في مصر، فإن كل الصراع حول الدستور أو الانتخابات ونظام حكم البلد عبارة عن «كلام جرايد» لا يمثل أي شيء، إلا بقدر تأثيره المباشر جدا على فرص عملهم ورواتبهم وظروف معيشتهم».
هذه الفقرات ليست لي، ولكنها مقتبسة من تدوينة ثرية لناشط لا أعرفه اسمه محمد أبوالغار (سجلها في 18/6) تطرق فيها إلى الحديث عن مؤتمر لممثلي المنظمات الإسلامية عقد في التسعينيات. تحدث فيه السيد رجب طيب أردوغان الذي كان رئيسا لبلدية اسطنبول وقتذاك. فلم يشر إلى تطبيق الشريعة أو نشر التعاليم الإسلامية بين الناس، وإنما قال للحاضرين إنه سيعمل على حل مشكلة الصرف الصحي في مدينته، وهو ما ضج له الحاضرون بالضحك. وعلق صاحب المدونة على القصة قائلا إن هذا المنطق هو الذي أوصل تركيا إلى ما وصلت إليه. فالناس لا يصوتون لأردوغان لأنه إسلامي أو لأنه سيضع دستورا أكثر ديمقراطية، ولكن لأنه أثبت قدرته على حل مشاكلهم الحياتية اليومية. ثم ختم قائلاك «ليس لدينا أردوغان مصري. لدينا فقط العواجيز النخبويون المملَّون من كل الأطراف، الذين لا يزالون غارقين في تنظيرات إسلامية وعلمانية، ويتجادلون حول الدستور أولا أو الانتخابات أولا. ولهم جميعا أقول: الفقراء أولا».
(3)
هذا النداء الذي استدعى قضية العدل الاجتماعي ترددت أصداؤه بسرعة في القضاء السياسي، جاء كاشفا وفاضحا للنخبة التي انشغلت وشغلت الرأي العام معها بأشياء عدة لا تمثل الأولوية الحقيقية لأهداف الثورة، الأمر الذي يستدعي مجموعة من الملاحظات هي:
* إن موضوع السلطة أصبح محور الاهتمام العام، الأمر الذي صرف الانتباه عن قضايا المجتمع وهموم الناس الحقيقية، والمفارقة التي أشرت إليها توا ليست سوى نموذج صغير نجد صورة مبكرة له في المجال العام، فالانشغال برئاسة الدولة يحتل حيزا كبيرا من الاهتمام، في حين أن أحدا لا يتحدث عن انتخابات مجلس الشعب ولا عن المجالس المحلية أو غير ذلك من المؤسسات التي تمثل المجتمع وتدير حركته. حتى الجماعات الأهلية والدينية باتت مشغولة بتكوين الأحزاب وإثبات الحضور السياسي، وانصرفت عن خدمة الناس وتحسين أوضاعهم، خصوصا فئاته الفقيرة والمستضعفة. أما النخب صاحبة الصوت العالي، فإننا لم نسمع لأحد منهم دعوة أو رأيا في التعامل مع كارثة انحطاط مستوى التعليم أو تدهور الخدمات الصحية أو بؤس العشوائيات وسكان القبور أو مشكلة القرى المحرومة من المياه النقية والصرف الصحي.. إلخ.
* إن الجدل والتراشق الذي يشهده الفضاء المصري تديره وتؤججه القوى القديمة صاحبة الانقسامات التقليدية في المجتمع المصري، الذين وصفهم الناشط محمد أبوالغار بأنهم «العواجيز النخبويون المملون». أعني أنه اشتباك له جذوره الممتدة إلى الماضي، أما الأجيال الجديدة فهي ليست طرفا فيه وربما أصبحت ضحية له. في هذا الصدد فإنني أزعم أن الثقة والعلاقة بين شباب الإخوان المسلمين مثلا وشباب الوفد والتجمع والحزب الناصري، أفضل كثيرا من علاقة القيادات التي تتصدر الواجهات على الجانبين، وإذا صح ذلك فهو يعني أن القوى القديمة التي لا تثق في بعضها البعض ظلت طول الوقت مشدودة إلى الماضي بأكثر من تفاعلها مع الحاضر أو تطلعها إلى المستقبل.
* إنه في ظل الفراغ السياسي المخيم فإن حضور الناشطين السياسيين أصبح يتم على شاشات التلفزيون، في حين لا نكاد نرصد له حضورا مماثلا على أرض الواقع. حتى غدت الثرثرة في برامج الفضائيات بديلا عن الفعل السياسي. والأول أسهل وأقل تكلفة وأكثر وجاهة.
* لأن الإعلام بات ساحة الحضور والتأثير السياسي، فإن مرحلة ما بعد الثورة شهدت تحالفا جديا بين رجال الأعمال والإعلام، ظهر بديلا عن تحالف الثروة والسلطة الذي تبناه النظام السابق. ولست واثقا من دقة الخبر الذي ذكر أن 25 قناة فضائية جديدة ستفتتح في مصر، لكن لدينا من معطيات الواقع ما يكفي في التدليل على أن ثمة تسابقا بين رجال الأعمال للعب دور في الحياة السياسية من خلال الدخول إلى ساحة الإعلام المرئي فضلا عن المكتوب. ولا غضاضة في ذلك من حيث المبدأ. خصوصا أنه حاصل في الدنيا بأسرها. ومفهوم ومقبول مهنيا وسياسيا أن تعبر المجموعة الإعلامية عن هذا التيار أو ذاك، لكن المشكلة عندنا أن أجندة رجال الأعمال وتحيزات المنابر المعبرة عنها أصبحت تتدخل في صياغة الأخبار وتلوينها، غير مكتفية بالتعبير عن تلك الأجندة في مجال الرأي. ومثل ذلك التلاعب في صياغة الأخبار أصبح يتم بصورة مفاجأة في بعض الصحف المصرية خصوصا في الآونة الأخيرة. الأمر الذي يخل بالثقة في حياد وصدقية ما ينشر من أخبار، ناهيك عن أنه يعتبر إهدارا لقيم المهنة ومبادئها.
(4)
أكرر أننا ينبغي ألا ننسى ونحن نطالع هذه الصورة أن عمر الثورة لم يتجاوز خمسة أشهر، ومازلنا في مرحلة رفع الأنقاض بعد هدم النظام القديم. بالتالي فلئن بدا أن ثمة خللا في البوصلة أو تخبطا في الخطى فمن الإنصاف أن يحمل ذلك على قصر الفترة التي مرت بعد قيام الثورة، إضافة إلى خصوصية وفرادة الحدث ذاته. إذ حين تقوم في مصر ثورة شعبية عارمة لا رأس لها ولا قيادة، وحين يتسلم السلطة بعد ذلك طرف آخر غير الذي قام بالثورة، وحين يقع ما وقع في بلد يعاني الجدب السياسي والفراغ الهائل، فلا يستغرب أن يعاني الوضع الجديد أمثال تلك الأعراض وأكثر منها.
لقد أدركنا من خلال تجربة الأشهر الخمسة الماضية أن الثورة لا تزال بحاجة إلى «بوصلة» يتوافق عليها الجميع ويهتدون بها. وتلك وظيفة النخبة بالدرجة الأولى. ولكن النخب، المصرية رسبت في اختبار الاستفتاء الشعبي الذي أصبح يطعن فيه البعض وفي الأغلبية التي صوتت فيه حين جاءت النتيجة بغير ما يشتهون. ولعبت القوى القديمة دورها في إذكاء تلك الفتنة التي كادت تفضي إلى استقطاب خطر يقسم البلد ويجهض الحلم، وأخطر ما في تلك الفتنة ليس فقط أن «الليبراليين» كانوا طرفا أساسيا فيها انطلاقا من المخاوف والظنون، ولكن أنها جرفت الحوار بعيدا عن مسار الثورة، حين انشغلت النخبة عن هموم الجماهير الغفيرة بالعراك حول هيكلة السلطة. وترتب على ذلك أن ظل المجتمع عاجزا عن التقدم إلى الأمام طيلة الأشهر التي خلت. وكان لذلك اللغط صداه في دوائر صناعة القرار، حتى رأينا أن رئيس الوزراء يتحدث عن تأييده لتأجيل الانتخابات في حين كرر المجلس العسكري أن الانتخابات ستجرى أولا وفي موعدها.
لقد لاح أخيرا بصيص من الضوء حين طرحت فكرة تقول: إذا كنتم خائفين من الجهة التي ستضع الدستور، فلماذا لا يتم التوافق من الآن حول مبادئ تبدد ذلك الخوف وتسمح للمسيرة بالتقدم والخروج من الجمود الراهن؟ وهو حل يبدو مسكنا ومهدئا للخواطر، لكنه لا يكفي لتوفير «البوصلة» المنشودة وإن فتح الطريق إلى ذلك.

أما إذا استمر صراع القوى القديمة فأخشى ما أخشاه أن تصبح تلك القوى عقبة في طريق الثورة، وأن يتأجل شعار الفقراء أولا، ليصبح دعوة إلى الخلاص من النخب أولا.
..................

27 يونيو، 2011

في الداخلية أيد خفية


صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 25 رجب 1432 – 27 يونيو 2011
في الداخلية أيد خفية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_27.html

إذا كان الانفلات الأمني في مصر قد تم بفعل فاعل، كما قال رئيس الوزراء الدكتور عصام شرف، فهل استمرار ذلك الانفلات، وإن بدرجة أقل، تم بفعل فاعل أيضا، أم أنها مجرد مصادفة؟

وإذا كان الذي فعلها في البداية قد أبعد عن موقعه، شخصا كان أو فريقا، فهل نحن على ثقة من أن أعوانهم وأذرعهم قد توقفوا بدورهم عن الفعل؟

ولماذا لم نعد نسمع صوت عناصر ائتلاف ضباط الشرطة الذين تضامنوا مع الثورة، وطالبوا بإصلاح المنظومة الأمنية في مصر؟
وما هي القوى التي أسكتت أصواتهم؟ ولمصلحة من تم ذلك؟
لدي عدة أسئلة من ذلك القبيل، تنطلق كلها من الشعور بعدم الاطمئنان إلى براءة بعض الأوضاع في جهاز الشرطة، وترجح كفة الشك في أن هناك من يحرص على استمرار درجة من الانفلات الأمني وإشاعة الشعور بعدم الاستقرار في مصر.
ولست متأكدا مما إذا كان الدافع إلى ذلك هو تعاطف البعض مع رموز النظام القديم وسياساته التي جعلت الشعب في قبضة أو خدمة الشرطة، أم أن هناك من يرى أن الذين قاموا بالثورة مجموعات من الشبان «الصغار» الذين يتعين «تأديبهم» وإقناعهم بأن الشرطة فوق الجميع، وأسياد الناس كما قال أحدهم، وبدونها فإن البلد يظل في خطر، وإن كل ما فعله أولئك الشبان لا قيمة له.
أيا كان الأمر، فالشاهد أنه في الوضع الراهن ثمة رسالة غير بريئة يراد توصيلها إلى كل من يهمه الأمر، وصادرة عن «موقع ما» في جهاز الشرطة.
لست أرى أشخاصا بذواتهم وراء ذلك الخطاب، لكني أرى قرائن لا تخطئها عين تشير إلى وجودهم. وسأضرب المثل باثنتين فقط من تلك القرائن، هما:
1ــ هناك 99 قسم شرطة تم إحراقها أثناء الثورة، ولم يتم ترميم أي منها طوال الأشهر الخمسة الماضية.وكانت نتيجة ذلك أنه تم اللجوء إلى أماكن بديلة لكي يؤدي منها رجال الشرطة مهامهم. وأغلب تلك الأماكن إن لم يكن كلها غير مؤهل لذلك، وحين يكون الأمر كذلك، فإن قسم الشرطة يصبح عاجزا عن أن يؤدي وظيفته، كما أن المكان ذاته يتعذر تأمينه وحمايته.
هناك أكثر من علامة استفهام حول أسباب التقاعس عن ترميم وتشغيل ذلك الكم من أقسام الشرطة طوال الأشهر الماضية، والتسويف في عملية الإصلاح بإحالة الأمر إلى مديريات الأمن التي لا تمتلك أي خبرة في ذلك المجال، علما بأن في الوزارة إدارة للمشروعات مسئولة عن هذه العملية، وليس معقولا ولا مفهوما أن يقف مسئولو تلك الإدارة متفرجين على مشهد الأقسام المحترقة، دون أن يحركوا ساكنا.
الأمر الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن الإمكانات المتوافرة لدى الدولة تسمح بإنجاز هذه العملية بمنتهى السرعة، وإعادة بناء أو ترميم الكنائس التي عرضت للاعتداء تشهد بذلك، لكن هذه السرعة توقفت تماما عندما تعلق الأمر بأقسام الشرطة، الأمر الذي يثير السؤال: لماذا؟
2 ــ في الوقت الذي تكتظ فيه السجون بالنزلاء، الأمر الذي يفتح الباب لعمليات الشغب ومحاولات الهروب التي أصبحت تتكرر بين يوم وآخر، فإن هناك تراخيا مثيرا للدهشة في تسلم سجن وادي النطرون الذي يسع ثلاثة آلاف سجين، وتم بناؤه بتكلفة وصلت 112 مليون جنيه.
معلوماتي أن ذلك السجن الجديد تم الانتهاء من بنائه وأصبح جاهرا للتسلم في أول شهر أبريل الماضي، وأن تشغيله يتطلب بعض تجهيزات بسيطة لا تتجاوز تكلفتها 50 ألف جنيه، ولكن هناك تراخيا غير مفهوم في عملية التجهيز، كان من نتيجته أنه لا يزال السجن بإمكاناته الكبيرة مغلقا منذ ثلاثة أشهر, في حين تعاني السجون الأخرى من التكدس وعدم الأمان. وذلك التراخي الحاصل في تشغيل سجن وادي النطرون حاصل أيضا في التعامل مع التوسعات التي أدخلت على سجني جمصة والمنيا.
أدري أن وزير الداخلية الحالي اللواء منصور العيسوي يبذل جهدا مخلصا لتطهير أجهزة الوزارة من العناصر التي كانت ركيزة السياسة الأمنية الباطشة للنظام السابق، أو تلك التي استثمرت أجواء إطلاق يد الشرطة واعتبارها فوق القانون وفوق أي حساب للضلوع في صور مختلفة من الفساد المالي بوجه أخص، لكن استمرار ذلك الوضع طوال السنوات الثلاثين السابقة أدى إلى توحش الرتب العليا وتوسيع دائرة الفساد في الجهاز، الأمر الذي بات يستدعى المزيد من الحزم في التعامل مع العناصر التي تم تفريخها في تلك الفترة، بما قد يتطلب إعادة هيكلة أجهزة الوزارة و«تنظيفها» من الفلول والأعوان وأعوان الأعوان.
ذلك أنه إذا كانت أشياء كثيرة تحتمل الانتظار في عملية بناء النظام الجديد، فإن إعادة النظر في الجهاز الأمني ليس من بينها بكل تأكيد،

بل لنا أن نقول إنه لكي تنصلح أوضاع كثيرة في البلد اقتصادية واجتماعية، فلا بديل عن التمسك بشعار "الأمن أولا".
..................

26 يونيو، 2011

أوباما و«صديقه» في اليمن

صحيفة السبيل الاردنيه 24 رجب 1432 – 26 يونيو 2011
أوباما و«صديقه» في اليمن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_26.html

نخدع أنفسنا إذا صدقنا أن الرئيس أوباما مهتم «شخصيا» بصحة الرئيس اليمني علي عبدالله صالح أو أن ثمة «تعاونا مشتركا» بين الولايات المتحدة واليمن في أي شيء، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، بل أزعم أن الرئيس الأمريكي يحتاج إلى مساعدة «صديق» لكي يذكره باسم الرئيس اليمنى وربما احتاج إلى «فريق» لينطق الاسم.
كما أنه يبذل جهدا للتعرف على موقع اليمن في الخرائط التي تقدم له.
وذلك على عكس الأخبار التي تروجها وكالة الأنباء اليمنية الرسمية التي تكاد توحي لنا بأن السيد أوباما أصبح لا يرى النوم قلقا على «صديقه» و«نظيره» اليمني، وأنه لم يرفع عينيه عن خريطة اليمن، فهو يتابع الحاصل في صنعاء وتعز وعدن وأبين، وأنه عاتب على الشيخ عبدالمجيد الزنداني، لأنه أيد تنحي الرئيس اليمني عن الحكم.
و«زعلان جدا» من الشيخ صادق الأحمر وشقيقه حميد، لأن العائلة أشهرت السلاح في وجه «صديقه»، وسعت إلى قتله من خلال التفجير الذي تم في مسجده.
مثل هذه الإيحاءات تذكرني بواقعة حدثت قبل عدة سنوات أشرت إليها ذات مرة، إذ كنت في إحدى الدول الخليجية مشاركا في مؤتمر كان من أبرز ضيوفه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.

وذات صباح رأيته غارقا في الضحك وإحدى الصحف بين يديه. وبعد أن دعاني للجلوس معه على طاولة الإفطار أشار إلى خبر أبرزته الصحيفة تحدث عن لقاء وزير خارجية الدولة الخليجية مع «نظيره» الأمريكي،
ثم قال والكلمات تتعثر على لسانه من شدة الضحك، على أي أساس اعتبروا الأمريكي نظيرا له، وما الدليل على ذلك؟ مضيفا أنهم قد لا يملكون شجاعة وصفه بأنه رئيسه الأمريكي، لكن وصف الرجل بأنه «نظير له» «واسعة» أكثر من اللازم.
وحينذاك طمأنته إلى أن ذلك لا يعدو أن يكون كلام «جرايد»، في حين أن كل واحد يعرف حجمه الحقيقي كما يعرف حدوده ودوره.

وقرأت في وقت لاحق أن الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يجيئون إلى بلادنا لنقل التعليمات وتوجيه الإملاءات ينصحون بأن يحاولوا أثناء لقاءاتهم كيل المديح للقادة العرب بالنفخ فيهم وإيهامهم بأنهم يسترشدون بآرائهم ويستنيرون بتوجيهاتهم.
وهو ما تأكد لدى حين أثار انتباهي تصريح الرئيس أوباما عندما وصل إلى إحدى العواصم العربية، وقال في المطار إنه جاء لكي يستمع إلى نصائح جلالة الملك العربي، وينهل من بحر حكمته.
لا أحد ينكر أن الولايات المتحدة مهتمة باليمن، ولكن ذلك الاهتمام لا علاقة له بالرئيس علي عبدالله صالح أو قبيلتي حاشد وبكيل أو الشعب اليمنى بأسره. ولكنها تعتبر أن نشاط جماعة القاعدة هناك يشكل تهديدا لمصالحها وأمنها الوطني.

ولأن لها «مصالح» في اليمن كان الرئيس من حراسها حين فتح البلد على مصراعيه بأرضه وسمائه لأنشطة الولايات المتحدة التي تذرعت بمكافحة الإرهاب، فإنها كانت حريصة على تهدئة الأوضاع فيه، ليس حرصا على نظامه، ولكن لكي تتفرغ لملاحقة من تتهمهم بأنهم من عناصر القاعدة.

ولهذا السبب فإن السفير الأمريكي في صنعاء كان يلعب دورا جوهريا في إدارة الحوار حول نقل السلطة وحل الإشكال هناك، ولذات السبب فإن مساعد وزيرة الخارجية السيد جيفري فيلتمان زار العاصمة اليمنية في الأسبوع الماضي وأجرى اتصالاته مع مختلف الأطراف لدفع مساعي الحل.

إزاء ذلك فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن الجهد الأمريكي ومعه الأوروبي الذي يبذل لإخراج اليمن من مأزقه يتجاوز بكثير الجهد العربي عامة والخليجي بوجه أخص، ولعلك لاحظت الغياب المدهش للجامعة العربية وأمينها العام عن الساحة اليمنية، بما يعطى الانطباع بأن ما يجري هناك هو شأن أمريكي وغربي بأكثر منه شأنا عربيا!
إن الحقيقة المرة التي يتعين الاعتراف بها في هذا الصدد أنه منذ انكسرت مصر، وبلغ ذلك الانكسار ذروته حين وقعت مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، فإن ذلك كان حدا فاصلا في انتقال مصر -التي جرت وراءها أغلب الأقطار العربية للأسف- من الاستقلال إلى التبعية بصورة تدريجية، وكان انهيار الاتحاد السوفيتي لاحقا وتفرد الولايات المتحدة بصدارة المشهد الدولي عنصرا مساعدا على ذلك.
منذ ذلك الحين لم يلتحق العالم العربي ببيت الطاعة الأمريكي فحسب، وإنما أنعشت الأجواء السلبية أحلام قوى الاستعمار القديم -فرنسا وإنجلترا بالأخص- فعادت إلى محاولة استعادة نفوذها في عدة أقطار عربية، مغربية ومشرقية.
إن شئت فقل إن العالم العربي بعد انكسار مصر وانكفائها استعاد فكرة الانتداب الغربي على رسم سياساته وإدارة شئونه، على نحو بدا قريبا من الانتداب الذي خضعت له فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.

وهو ما دعاني إلى القول ذات مرة حين سألتني مراسلة مجلة «تايم» عن الخلافة الإسلامية، أن الرئيس الأمريكي صار خليفة المسلمين الآن. فهو يعين بعض «الولاة» أو يعزلهم ويرضى عن البعض ويسخط على الآخرين.

كما أنه يرتب أمر حراسة «الولايات» التي تدفع له الخراج والجزية بشكل منتظم.

ومن باب العطف على ولاته وحسن رعايتهم، فإنه يربت على أكتافهم بين الحين والآخر ويخاطبهم بحسبانهم أندادا له وأصدقاء.
..................

25 يونيو، 2011

المهرولون صوب المعونات


صحيفة السبيل الأردنيه السبت 23 رجب 1432 – 25 يونيو 2011
المهرولون صوب المعونات – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_25.html

إذا كانت 600 منظمة مصرية قد تقدمت بطلبات للحصول على منح مالية أمريكية لدعم المجتمع المدني، فمن حقنا أن نسأل:
ما هي تلك المنظمات،
وما هي المجالات التي تنشط فيها،
وما هي الأهداف السياسية أو التنموية التي تسعى إلى تحقيقها،

وإذا كانت الولايات المتحدة قد ضخت بالفعل 40 مليون دولار في مصر لدعم الديمقراطية منذ 25 يناير، بمعدل 8 ملايين دولار شهريا، فما هي الجهات التي تلقت المبالغ،
وما هي الأنشطة «الديمقراطية» التي وظفت لأجلها؟
هذه التساؤلات من وحي الحديث الذي وجهته إلى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، سفيرة واشنطن الجديدة إلى مصر آن باترسون، التي رشحت لخلافة السفيرة الحالية مارجريت سكوبي.
والمعلومات التي أثارت التساؤلات وردت في التقرير الذي نشرته «صحيفة الشروق» يوم 23/6، وبعث به مراسلها في واشنطن.

علما بأن في التقرير معلومات أخرى ذات صلة بالموضوع، منها أن المنظمات الأمريكية مثل المعهد القومي الديمقراطي، والمعهد الجمهوري الدولي تعمل في مصر على تشجيع الديمقراطية ودعم وتنمية قدرات المجتمع المدني المصري.

وأن مبلغ الـ40 مليون دولار وضع تحت تصرف المنظمات الأمريكية التي تتولى رعاية وتمويل المنظمات المصرية الناشطة في مجال التحول الديمقراطي.

أدري أن وزيرة التعاون الدولي في مصر احتجت لدى السفارة الأمريكية مؤخرا على أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية التي تنتهك السيادة المصرية، لكني لا أعرف الدور الذي تقوم به الحكومة في مراقبة مسار ومقاصد تلك الأموال التي تدفقت على البلد بعد الثورة.
ولست واثقا من أن الثورة فتحت شهية الإدارة الأمريكية وأثارت حماسها لدعم الديمقراطية في مصر، فسارعت إلى إنفاق 8 ملايين دولار (حوالي 50 مليون جنيه مصري) دعما شهريا لذلك الغرض،

كما أنني لست واثقا من وجود علاقة بين تلك الأموال وبين تكاثر وتعدد الائتلافات التي نسبت نفسها إلى الثورة، ثم ظهور الانقسامات والأجنحة بين بعض تلك الائتلافات، لكن ما أعرفه عدة أمور هي:
إن منظمات المجتمع المدني تكتسب صدقها وطهارتها من اعتمادها على مواردها التي تجنيها من المجتمع الذي تحميه. وفشلها في ذلك لا يبرر اعتمادها على التمويل الأجنبي.
إن أموال المساعدات التي من ذلك القبيل لا تقدم لوجه الله، وإنما لها أهدافها السياسية التي ليس من بينها دعم الديمقراطية الحقيقية في مصر. وحين تضخ الإدارة الأمريكية هذه الملايين في الساحة المصرية كل شهر فلا بد أنها أرادت بذلك أن «تشترى» شيئا لصالحها من ثمار الثورة وحصادها.
إن المال الأمريكي له إسهامه في تمويل بعض الحملات التي شغلت الرأي العام خلال الأشهر التي خلت. وإن هذا المال غطى مثلا نفقات مؤتمر عقد في أحد الفنادق الكبرى لمعارضة التعديلات الدستورية.
إن بعض المنظمات الحقوقية اعتذرت عن قبول المساعدات الأمريكية، معتبرة أنها تؤدى إلى «تخريب المجتمع المدني». وهذا الوصف ليس من عندي، ولكن سمعته من السيد جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، الذي قال أيضا إن بعض المنظمات التي تلقت مساعدات أمريكية بعد ثورة 25 يناير، كانت تتلقى دعما أمريكيا مماثلا أثناء حكم الرئيس السابق، وكان لها دورها في مساندة نظامه وتسويغ ممارسات أجهزته طول الوقت.
إن الضفة الغربية تعد النموذج الذي يضرب به المثل في قدرة أمثال تلك المساعدات على تخريب المجتمع المدني. ذلك أنه بعد إقامة السلطة الوطنية وخصوصا بعد الانقسام الذي حدث في عام 2006 بين الضفة وغزة، فإن المال الأمريكي ومعه الأوروبي أيضا تدفق بصورة ملحوظة على الضفة التي تكاثرت فيها منظمات المجتمع المدني كالفطر.

وكان هدفه البعيد هو غواية النخب عبر إغراقها بالمال لكي تصبح أكثر مرونة في التعايش مع إسرائيل وأشد نفورا من المقاومة، وبدرجة أو أخرى تحقق لهم ما أرادوا في أوساط تلك النخب.
لقد اختارت الإدارة الأمريكية سفيرة جديدة عملت في السعودية ولها خبرة بمجتمعات الاضطرابات في أمريكا اللاتينية، حيث عينت سفيرة لدى السلفادور ثم كولومبيا. وهو ما أهلها لأن تنقل إلى بلد يموج بالاضطرابات ويعتمد على الدعم الأمريكي مثل باكستان التي غادرتها في العام الماضي. ثم كان ترشيحها للعمل في مصر هو محطتها التالية.

إنهم يعدون عدتهم ويرتبون أوراقهم للتعامل مع الوضع الجديد في مصر. ولا لوم عليهم في ذلك لأنهم يؤدون عملهم بما يحمي مصالحهم، ولكن اللوم الحقيقي يوجه إلى الذين يستجيبون للغواية بسرعة، حين يستجيبون لأجندات «المانحين» ويحاولون إقناعنا بأنهم يخدمون المجتمع، في حين أنهم يضعفونه ويوسعون من دائرة اختراقه.
..................

23 يونيو، 2011

"المانشيت" ليس عنوان الحقيقة

صحيفة الشرق القطريه الخميس 21 رجب 1432 – 23 يونيو 2011
"المانشيت" ليس عنوان الحقيقة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_23.html

أعلن الأزهر أنه يؤيد الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، فذكر العنوان الرئيسي لجريدة «الأهرام» 21/6 أنه يدعم «الدولة المدنية».

راجعت نص الوثيقة التي أعلنها شيخ الأزهر بهذا الخصوص مرتين فلم أجد أثرا لمصطلح الدولة المدنية. ولما تحريت الأمر علمت أن المصطلح ذكر في المشروع الأولى للوثيقة، لكنه رفع منها وظل الأزهر على موقفه الذي سجله في البيان المعلن.

وإذ أرجح أن هذا التفاوت بين العنوان والنص فيما نشره الأهرام، تم بحسن نية، وربما لداعي الاختصار (المدنية كلمة واحدة في حين أن الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة أربع كلمات)، إلا أن خلفيات المسألة أكثر تعقيدا وأقل براءة.
ذلك أنني حين وقعت على هذا التباين لم أستبعد أن يحتج بعض الذين يتخفون وراء المصطلح قائلين:
من قال إننا نريدها وطنية دستورية ديمقراطية حديثة، فليس ذلك ما يهمنا، وإنما الأهم أن تكون «مدنية» قبل ذلك كله.

وأغلب الظن أن شيخ الأزهر أو من يمثله في المراجعة النهائية للوثيقة فطن للملعوب، فقال ما معناه إذا كنتم تريدونها مدنية حقا فإننا نفهمها بهذه المواصفات، أما إذا أردتموها مدنية مسكونة بالعلمانية التي لا يرحب بها المجتمع وينفر منها، فذلك مما لا نوافقكم عليه.

وقد نمى إلى علمي أيضا أنه في مرحلة التداول بشأن الوثيقة طرحت صياغة لهذه النقطة تؤيد الدولة الديمقراطية، التي «لا هي علمانية ولا هي ثيوقراطية»، ولكن من الواضح أن المواصفات الأربع للدولة المنشودة لقيت قبولا أكثر باعتبارها أكثر وضوحا وانضباطا.
لا أستبعد أيضا أن يكون بعض أعضاء مجمع البحوث الإسلامية قد تحروا أصل مصطلح الدولة المدنية فلم يجدوا له أثرا في مراجع مصطلحات علوم السياسة أو الاجتماع، حيث تشير تلك المراجع كلها إلى مجتمع مدني يتشكل في مناخ ديمقراطي وليس دولة مدنية.

الأمر الذي يعني أن الديمقراطية هي البيئة التي ينبغي أن تتوفر أولا. بما يسمح بنشوء ونمو مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني. ولذلك فإن الإصرار على مدنية المجتمع قبل ديمقراطيته يصبح بمثابة وضع للعربة أمام الحصان، فضلا عن أنه يدعو للارتياب، من حيث إنه يضع الديمقراطية في المرتبة التالية للصفة المدنية.
ليس في الوثيقة إضافة على ما يعرفه كثير من الباحثين في الفكر السياسي الإسلامي. وربما كان الجديد فيها فقط هو ملابسات وخلفيات إصدارها. لأنها جاءت ثمرة لحوار بين مجموعة من الفقهاء يتقدمهم شيخ الأزهر، وبين بعض المثقفين الذين كان أغلبهم من العلمانيين.

وقد علمت أن أحد هؤلاء قاطع الحوار بعدما صرح بأنه منحاز إلى الدولة العلمانية، ولا يقبل عنها بديلا. ومن ثم لم يجد مبررا للاستمرار في حضور الاجتماعات.
لأن الوثيقة كما ذكرت فإنني لم أجد في مضمونها ما يمكن التعقيب عليه أو مناقشته، وما كان لي أن أتطرق إلى الموضوع إلا بعدما وقعت على المفارقة التي تمثلت في عنوانه الرئيسي، وخشيتي من أن يشيع بين الناس أن وثيقة الأزهر أيدت الدولة المدنية التي يخفيها العلمانيون في ثنايا المصطلح. خصوصا بين القراء الذين تمر أعينهم على العناوين دون أن يقرأوا النصوص المنشورة تحتها.

علما بأن ثمة مدرسة برزت في الصحافة تراهن على هؤلاء ممن يكتفون بقراءة العنوان ولا يكترثون بالاطلاع على تفاصيله، وقد مرت بنا قبل أيام قليلة فضيحة مهنية من ذلك القبيل، حين نشرت إحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى يوم 14/6 عنوانا يقول:
«مفاجآت قضية التجسس: الضابط الإسرائيلي اتصل بقيادات الإخوان والتقى السلفيين»، ثم تبين أن الخبر لا أساس له وأن المفاجأة الحقيقية أن الجاسوس الإسرائيلي لم يتصل بالإخوان،
وإنما ذكر التقرير المنشور تحت العنوان أن جهاز الموساد طلب منه جمع معلومات عن الإخوان والأقباط والقوات المسلحة وشباب الثورة!

هناك نماذج كثيرة من ذلك القبيل، يختلط فيها السهو والخطأ بالكيد وسوء القصد، لكنها جميعا تدعونا إلى التريث بعد قراءة عناوين الصحف وعدم الاكتفاء بها، لأن «المانشيت» في الصحافة ليس دائما عنوان الحقيقة، وإنما يظل من قبيل «كلام الجرايد» الذي لا يؤخذ بالضرورة على محمل الجد.
..................

22 يونيو، 2011

في الاغتيال الصامت


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 20 رجب 1432 – 22 يونيو 2011
في الاغتيال الصامت – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_22.html

عندما تنشر صحف الصباح أن مصر تفقد كل ساعة زمن 5 أفدنة من أجود الأراضي الزراعية، ثم لا يتحرك شيء في البلد بعد النشر، فإن ذلك يعني أحد أمرين،
إما أن الخبر مكذوب ومن ثم لم يأخذه أحد على محمل الجد،
وإما أنه اعتبر خبرا عاديا لا يستحق الوقوف عنده. فمر به الجميع مرور الكرام ولم يستوقف أحدا.

ولأنني استبعدت أن يكون خبرا من ذلك القبيل مجرد فرقعة لا أصل لها، واستغربت في الوقت ذاته أن يتم تجاهله وعدم الاكتراث به، فقد قررت أن أتحرى أمره بنفسي.

شجعني على ذلك أن لي معرفة سابقة بالرجل الذي نسب إليه الخبر، وهو الدكتور إسماعيل عبد الجليل الذي يشغل الآن منصب المنسق الوطني لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. إذ كنت قد تعرفت عليه حين كان مديرا لمركز بحوث الصحراء يملؤه الحماس والغيرة والسخط على الأوضاع التي كانت.
الخبر نشر في مختلف صحف السبت 18/6 نقلا عن بيان للدكتور عبد الجليل أصدره بصفته، وصدمنا فيه بمعلومة أخرى ذكرت أن المنظمة الدولية التي يمثلها وضعت مصر في المركز الأول عالميا في التصحر. وهو ما أصابني بغصة قلت على إثرها إن تلك صدارة تفضح ولا تشرف، وهي من علامات التفوق في البلادة والخيبة.
اتصلت هاتفيا به ليطمئنني فزادني غما. إذ قال إن المسألة أخطر مما تظن. وإن البيان الذي أصدره بخصوص الموضوع أراد به التحذير والإنذار من أن مصر لا تشهد فقط عملية منظمة تستهدف الاغتيال الصامت للأرض الزراعية، وإنما هي مهددة بأن تواجه مجاعة غذائية إذا لم يتم التعامل بمنتهى اليقظة والحزم مع الظاهرة.
وهو يشرح خطورة العملية قال إن تلك الأرض الثمينة التي يجري تبويرها والبناء عليها تكون فيها الطمي على مدار مئات السنين. لأن مياه فيضان النيل ظلت تضيف ملليمترا واحدا كل سنة، ما يعني أن السنتيمتر من طين التربة تكون خلال عشر سنوات، وأن متر الطمي ترسب خلال ألف سنة تقريبا. وهو ما يتم هدره الآن والتخلص منه برعونة مستغربة ليحل محله الأسمنت والحديد المسلح.
كانت نتيجة ذلك أن مصر أصبحت تفقد سنويا ما يعادل 30 ألف فدان من الأراضي الزراعية، ولا تجد سبيلا إلى تعويضها. ولك أن تتصور حجم الكارثة التي يمكن أن تحل بالبلد إذا ما تضاعف عدد سكانها خلال الأربعين سنة المقبلة، حيث يقدر أن يصل العدد في عام 2052 إلى نحو 163 مليون نسمة، في حين استمر ذلك التراجع المخيف في مساحة الأراضي الزراعية.

ولئن قيل إن استصلاح الأراضي يمكن أن يعوض ما فقد، فالرد على ذلك أن أفق الاستصلاح محدود، ومحكوم بكمية مياه نهر النيل المتاحة. وهذه الكمية في أحسن فروضها لن توفر لمصر أكثر من مليونين ونصف المليون فدان، الأمر الذي يرفع مساحة الأراضي المزروعة من 8.5 مليون فدان حاليا إلى 11 مليونا حتى تقوم الساعة.
في رأيه أن تبوير الأرض الزراعية وتصحرها ليس المشكلة الوحيدة، وإن كانت الأخطر والأكثر إلحاحا. لأن هناك مشكلة خطيرة أخرى تتمثل في تدهور إنتاجية 2 مليون فدان من الأراضي الزراعية بالدلتا نتيجة لسوء الصرف الذي أدى إلى زيادة الملوحة في التربة.

ذلك أن الأجهزة الحكومية المعنية رفعت يدها عن المصارف، فلا هي قامت بصيانة الموجود ولا هي أنشأت مصارف جديدة، ولم يتمكن المزارعون من إنقاذ التربة بالأسمدة نظرا لارتفاع أسعارها.

وبهذه السياسة ــ اللاسياسة إن شئت الدقة ــ فإن المجتمع يكون قد واصل اغتياله الصامت للأرض، في حين تولت الحكومة إماتتها ببطء.
ثمة دراسة أجريت على واحة سيوة ومدى الهدر المترتب على إهمال العرف الصحي فيها. وقد أثبتت الدراسة أن الواحة التي تتعرض الآن للغرق بسبب أزمة الصرف إذا عولجت مشكلتها فإن ذلك يضيف إلى دخلها السنوي من البلح والزيتون ما يعادل 30 مليون جنيه. وهو مبلغ يضيع عليها بسبب الرعونة والإهمال.
المثير للدهشة أن ذلك التدهور المستمر في حالة الزراعة المصرية يحدث في الوقت الذي يتزايد فيه اهتمام المجتمع الدولي بحقوق المزارع، التي أصبحت في مثل أهمية حقوق الإنسان بحيث أصبحت صيانة تلك الحقوق الأولى التي قررتها لجنة التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة شرطا للحصول على المساعدات المادية والفنية التي تقدم للنهوض بالزراعة في أي بلد.
لقد ساءت سمعة مصر الزراعية، حتى أصبحت إسرائيل هي التي تدرب الأفارقة على مكافحة التصحر.
بالتالي فقد فرغ مصطلح «أم الدنيا» من مضمونه، حتى أخشى أن يستهجنه أحدهم يوما ما ويتساءل: أم ماذا؟
..................

21 يونيو، 2011

عِبَر ترگية لمن يريد أن يعتبر – المقال الأسبوعي


صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 19 رجب 1432 – 21 يونيو 2011
عِبَر ترگية لمن يريد أن يعتبر– فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_21.html

وجهت الانتخابات التركية حزمة من الرسائل التي ينبغي أن تقرأ جيدا، ليس في تركيا وحدها وإنما في مصر والعالم العربي أيضا، وهذه الأخيرة هي الأهم عندي
ــ 1 ــ
الرسالة التي وجهها الأتراك إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم تقول ما خلاصته إن الشعب التركي يريد أردوغان رئيسا وليس سلطانا.

لقد صوتوا له ولحزبه بمعدل واحد من كل ناخبين اثنين. وحين حصل على 50% من الأصوات فقد كانت تلك هي المرة الثالثة في التاريخ التركي المعاصر. إذ لم يسبقه إلى ذلك سوى اثنين هما عدنان مندريس في عامي 1950 و1954 وسليمان ديمريل عام 1965،

كما أنها المرة الأولى التي يحتفظ بها حزب واحد بالأغلبية، يشكل الحكومة منفردا في ثلاث دورات متتالية. وبشهادة الجميع فقد كان أداء الحزب خلال الانتخابات ممتازا، على الأقل من حيث حرصه على أن يمثل مختلف شرائح الشعب التركي واتجاهاته الفكرية والسياسية والعرقية، خصوصا العلويين والأكراد، (كانت له مرشحة يسارية في استنبول هي عائشة نور) واستطاع أن يدخل إلى البرلمان 78 سيدة، أغلبهن من أنصاره (كن 50 في الانتخابات السابقة) ومن بين ممثليه عن استنبول شاب عمره 26 سنة اسمه بلال مجيد)
وبهذه التركيبة الثرية قدم حزب العدالة نفسه بحسبانه حزبا وطنيا يمثل الأمة بمختلف مكوناتها وليس حزبا إسلاميا يمثل فئة بذاتها.
إذا أضفت إلى ذلك النجاحات التي حققها الحزب على صعيد الاستقرار وفي مجال التنمية الاقتصادية والفاعلية السياسية، فإنك تستطيع أن تدرك لماذا صوتت أغلبية الناخبين لصالحه ولماذا حقق فوزه الكبير، لكن الواضح أن المجتمع التركي أراد أن يجعل الفوز مشروطا، بحيث يمكن حزب العدالة ورئيسه من تشكيل الحكومة، لكنه لا يطلق يده في تعديل الدستور منفردا، كيف؟
كنت قد ذكرت من قبل أن أردوغان أعلن على الملأ أن إحدى المهام الأساسية للبرلمان الجديد هي إصدار دستور جديد يؤسس للجمهورية الديمقراطية، بديلا عن الدستور الذي أصدره العسكر في عام 1982، لترسيخ أقدام الجمهورية الكمالية الخاضعة لسلطة العسكر والتطرف العلماني. وهو ما اعتبرته في الأسبوع الماضي ميلادا جديدا ينقل تركيا من ولاية العسكر إلى ولاية الأمة،
وإذا كان الانفراد بتشكيل الحكومة يتطلب الحصول على أغلبية، فإن إصدار الدستور الجديد من جانب حزب العدالة يتطلب فوزه بأغلبية الثلثين، والذي حدث أن حزب العدالة والتنمية فاز بأغلبية الأصوات حقا، لكنه لم يكمل نصاب الثلثين، الأمر الذي يعني أن طريقه أصبح ممهدا لتشكيل الحكومة، أما طريقه إلى تعديل الدستور فقد أصبح شائكا وملغوما.
لقد كان حزب العدالة يرنو للفوز بـ367 مقعدا في البرلمان (550 عضوا) لكي يعد الدستور ولكنه فاز بـ363 مقعدا فقط، الأمر الذي غل يديه فيما انتواه وتعين عليه أن يتفاهم مع الأحزاب الأخرى في هذا الموضوع، ولكن ذلك ليس أمرا سهلا وهو أكثر تعقيدا مما يبدو على السطح.
ــ 2 ــ
تتحدث الطبقة السياسية في استنبول عن أن فكرة إعداد دستور جديد ينقل السلطة من العسكر إلى الأمة أمر لا خلاف عليه لكن ثمة خلافا جوهريا حول مسألة التحول إلى النظام الرئاسي التي يتبناها رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان.

وكما قال لي نائب رئيس حزب الشعب أوغوز ساليشي فإنهم متفقون مع الحزب القومي الممثل في البرلمان على رفض ذلك النظام لسبب جوهري هو أنه يشكل خطورة في بلد ثقافته متأثرة بنظام السلطة العثمانية الذي استمر ستمائة عام. ولهذا فإنهم يعتبرون أن النظام البرلماني يوفر ضمانات لحماية الديمقراطية في تركيا بأكثر من النظام الرئاسي.
في هذا السياق فإن البعض يرون أن النظام الرئاسي يشكل أحد الخيارات المتاحة أمام أردوغان، الذي لا يسمح له قانون حزبه بتولي رئاسة الحكومة لثلاث مرات متتالية. ولأن هذه هي فرصته الثالثة والأخيرة فإن أمامه ثلاثة خيارات لمستقبله،
إما أن يترشح للرئاسة بعد ذلك بما يخرج الرئيس الحالى عبدالله جول من الساحة (يرشحه البعض لسكرتارية الأمم المتحدة).
وإما أن يخرج من السلطة ويتفرغ للحزب مدة أربع سنوات ثم يعود للترشح مرة أخرى لرئاسة الحكومة بعد ذلك.
الخيار الثالث أن يقر الدستور النظام الرئاسي فيصبح هو رئيس الدولة وهو رئيس الوزراء في الوقت ذاته وذلك هو الخيار الأفضل بالنسبة له.
يزيد من صعوبة تمرير التعديل الدستوري بالصورة التي يريدها أردوغان أن البرلمان الجديد يضم عناصر قوية من حزب الشعب والحزب القومي إضافة إلى قوة الأكراد الصاعدة (لهم الآن 36 نائبا، كانوا 20 فقط في انتخابات عام 2007).
لهذا السبب فإن ثمة أصواتًا تحدثت عن أن موضوع الدستور الجديد قد لا يصدر في ظل وجود البرلمان الحالي، وهو الذي عبر عنه صراحة الكاتب التركي مصطفى اوزجان.

وإذا صح ذلك فإنه قد لا يؤثر على قوة وثبات حزب العدالة والتنمية، لكنه قد يضع أردوغان أمام خيارات صعبة لا يفضل أيا منها بعد أن أدرك أن المجتمع التركي يريده، لكنه ليس راغبا في أن يعطيه صَّكا للمستقبل على بياض.
ــ 3 ـ
ما خصنا من رسائل الانتخابات التركية أقرب إلى الدروس التي يتعين استيعابها والاعتبار منها.
سأضرب ثلاثة أمثلة مستقاة من سلوك حزب العدالة والتنمية الذي يعرف الجميع جذوره الإسلامية، باعتبار أنه خرج من عباءة حزب الرفاه ذي الاتجاه الإسلامي الصريح الذي أسسه البروفيسور نجم الدين اربكان (توفى هذا العام).

وكان أردوغان مسؤول الشباب في الحزب في مدينة استنبول ثم رئيس الحزب بالمدينة وبهذه الصفة رشح لرئاسة بلدية استنبول في عام 94، ودخل السجن بسبب انتمائه للحزب، وحين خرج طور من أفكاره وأسس مع بعض رفاقه حزب العدالة والتنمية عام 2001، الذي فاز بالأغلبية في العام التالي مباشرة.
ولأن حجاب الرأس يشكل علما ورمزا له أهميته البالغة في تركيا جعلته بمثابة حد فاصل بين الانتماءين الإسلامي والعلماني، فإن تهمة الأسلمة ما برحت تلاحق رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لمجرد أن زوجتيهما محجبتان وكذلك الحال مع أغلب قيادات الحزب، مع ذلك فتعال نَرَ كيف تعامل الحزب مع المجتمع ومع الانتخابات.
الملاحظة الأولى أن الحزب ظل يقدم نفسه بحسبانه مشروعا لخدمة الناس وليس منبرا لوعظهم. وقد فهم السياسة ليس بحسبانها فن الممكن كما هو التعريف السائد في الغرب ولكنه تعامل معها من منظور فقهائنا الذين قالوا إنها كل ما كان به الناس أقرب إلى العلاج وأبعد عن الفساد.
بالتالي فإن الحزب اختار من البداية أن يقنع الناس بأنه أنفع لهم من غيره، وأنه مؤتمن على مصالحهم ومشغول بهمومهم وأوجاعهم.

ومن ثم ترجم السياسة إلى ضرورة أن يكون حالهم أفضل وحلمهم أقرب إلى التحقيق. وكان ذلك هو الباب الذي دخلوا منه إلى البلديات، حيث تنافسوا على خدمة الناس. الأمر الذي أوصلهم بسهولة إلى قلوبهم.

وهى رسالة أهديها إلى التيارات الإسلامية التي تتسابق الآن على تشكيل الأحزاب وأعينها معلقة على المؤسسات السياسية ومدارج السلطة، ولم نر أحدا منها مشغولا بالمجتمع وخرائطه.
الملاحظة الثانية تتمثل في الجهد الذي بذله حزب العدالة لاحتواء الأطياف المختلفة على النحو الذي حوله إلى حزب وطني مهجوس بمستقبل الأمة وليس مشروع الجماعة.
إذ حين يستعرض المرء هويات المرشحين واتجاهاتهم يدهشه أن قادة الحزب كانوا مشغولين طول الوقت بقضية النهوض بالوطن وليس تعزيز موقع الجماعة، مدركين أن الوطن غاية والحزب وسيلة، وهى المعادلة المختلة عندنا، حيث تتعدد لدينا الشواهد الدالة على أن الجماعة أو الحزب هو الغاية بينما الوطن مجرد وسيلة تستخدم لتقوية الغاية.
الملاحظة الثالثة تتمثل في موقف حكومة حزب العدالة وقيادته من قضية الحجاب الذي لا يزال العلمانيون المتطرفون يعتبرونه خطرا يهدد الجمهورية والعلمانية. ولا يزالون يرفضون تصديق أن زوجتي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء محجبتان، ويعتبرون ذلك من الكوارث التي حلت بالبلاد منذ سنة 2002.

ومعلوم أن القوانين التركية تمنع دخول المحجبات إلى دواوين الحكومة والمؤسسات الرسمية، كما تمنع انتظامهن في المدارس والجامعات الحكومية.

ولكن هذه القبضة تراخت بصورة نسبية بضغط المجتمع بالدرجة الأولى منذ تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة. ولكن الحجاب لم يسمح به قانونا.

وحين صوتت أغلبية أعضاء البرلمان على الإلغاء في عام 2007. فإن ذلك استنفر أركان المعسكر العلماني الذين تحركوا لرفع قضية أمام المحكمة الدستورية العليا لحل حزب العدالة والتنمية بما يؤدي إلى إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات جديدة. وكانت النتيجة أن تم سحب المشروع بسرعة لتجنب أزمة سياسية كبيرة تهدد استقرار واقتصاد البلاد.

وحين طلبت بعض المحجبات أن يترشحن للانتخابات البرلمانية الأخيرة، فإن قيادة الحزب آثرت عدم الاستجابة لطلبهن، لتجنب تأزيم الموقف في البرلمان، فضلا عن التذرع بهذه الخطوة لحل الحزب وإخراجه من المشهد السياسي.
حين ناقشت بعض القيادات في الموضوع فإنهم قالوا إن ذلك القرار اتخذ في ضوء موازنات تمت بين الضرر الأصغر والضرر الأكبر، وإن مسألة الحجاب تحل بالتدريج وطول النفس. لأن المحجبات دخلن إلى مجالس البلديات، وليس ثمة عجلة في إدخالهن إلى البرلمان.
وهناك مصلحة مجتمعية في زيادة تمثيل النساء في البرلمان من 50 إلى 78 سيدة، وهذه تتقدم على المصلحة التي تترتب على ترشيح عدد محدود من المحجبات، فضلا عن أن هذه الفرصة لابد آتية يوما ما، في الانتخابات القادمة غالبا، وذلك درس في التدرج والموازنة يصعب على كثيرين الاقتناع به في بلادنا.
ـ 4 ـ
الرسالة الأخرى التي يصعب على كثيرين استيعابها في المشهد التركي هي أن حزب العدالة والتنمية رغم أنه يعتبر نفسه حزبا وطنيا ومدنيا وليس حزبا إسلاميا، فإن الباحث المدقق يستطيع أن يلحظ أنه يتحرك في إطار المقاصد الإسلامية، التي توصف في الأدبيات السياسية بالمرجعية الإسلامية. وهذه نقطة تحتاج إلى تحرير.
وقبل أن أستطرد أذكر بأن ما أسجله هنا هو اجتهادي الشخصي وليس منسوبا إلى أحد من حزب العدالة والتنمية. ذلك أنني أفرق بين المقاصد التي هي الأهداف الكلية والعليا، وبين الوسائل أو الأحكام التفصيلية.

ومحور المقاصد هو إقامة العدل وتحقيقه بين الناس، باعتباره أمر الله وكلمته بنص القرآن. ويدخل فيه احترام كرامة الإنسان وحقه في مقاومة الظلم وممارسة الحرية والشورى، وتحرير عقله وعصمة دمه وعرضه وماله.. إلى غير ذلك من المقاصد التي تشكل ساحة رحبة للقاء مع الآخرين، وطريقا واسعا للنهوض بالمجتمعات.

وهى هنا مرجعية إسلامية لأن لها تأصيلا شرعيا يدعمها ويؤسس لها. أما تنزيل تلك المرجعية على أرض الواقع فيختلف من مجتمع إلى آخر. فهناك مجتمع يقبل المقاصد وليس مهيأ لاستقبال الوسائل كما هو الحاصل في تركيا، وهناك مجتمع آخر يحتمل الاثنين.
وفي كل الأحوال فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ــ والله أعلم.
..................

20 يونيو، 2011

كارثة أمنيه

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 18 رجب 1432 – 20 يونيو 2011
كارثة أمنيه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_20.html

ما يحدث في العالم العربي يعد كارثة أمنية من وجهة النظر الأمريكية، ذلك أن الثورات والانتفاضات الجماهيرية التي تفجرت في أرجائه أسقطت حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسهم الرئيس المصري السابق الذي اعتمدت عليه المخابرات الأمريكية طوال ثلاثين عاما.
هذه واحدة من أهم الخلاصات التي سجلها ملف العدد الأخير من مجلة «نيوزويك» الذي خصص لقراءة التحولات الحاصلة في العالم العربي، من خلال استطلاع آراء الخبراء الأمريكيين الذين كانت لهم أدوارهم في نسج تلك العلاقة أو تتبع أطوارها.
حين يطالع المرء التقرير الأمريكي ويقف على نبرة الأسف فيه على رحيل الرئيس مبارك وسقوط نظامه، فإنه يستحضر على الفور الأسف المماثل الذي عبرت عنه إسرائيل على لسان ساستها، إلى الحد الذي دفع حاخامها الأكبر للدعاء له بالشفاء من مرضه ودعاه إلى محاولة التواصل مع شيخ الأزهر لمنع محاكمته بأي رأى أو فتوى تؤدى الغرض،

وهي إشارات تقنعنا بأن الرئيس السابق لم يكن يعد كنزا إستراتيجيا لإسرائيل فقط، وإنما للولايات المتحدة أيضا. وأنه كان مقبولا ومرحبا به من جانب الأمريكيين والإسرائيليين بأكثر من قبول المصريين له.
بما يعني أنه كان ممثلا وراعيا لمصالحهم بأكثر من رعايته لمصالح الشعب الذي ظل يحكمه طوال ثلاثين عاما.
الملاحظة الأخرى المتصلة بهذه النقطة أن رجل مبارك لدى الأمريكيين ورجل الأمريكيين لدى مبارك كان اللواء عمر سليمان، الذي لعب الدور ذاته في علاقة مصر مع إسرائيل. ولدى الفلسطينيين والأتراك قرائن وشهادات متعددة تجمع على أن الرجل كان متحيزا للإسرائيليين في مباحثاته مع الفلسطينيين.
وفي بعض الحالات، فإنه كان إسرائيليا أكثر من الإسرائيليين، حتى إنه في إحدى المرات نقل إلى الفلسطينيين مطلبا أدهشهم بدعوى أنه صادر عن الإسرائيليين. ونقل المطلب إلى الأتراك، فسافر مبعوث منهم إلى إسرائيل بطائرة خاصة لتحرى الحقيقة في الأمر، ثم تبين أن المعلومة غير صحيحة، وأن الإسرائيليين ليست لديهم فكرة عن الموضوع.
لم يكن مبارك ورجاله فقط هم الوكلاء، لأن ما يستوقف المرء أيضا في التقرير المنشور أن الخبراء الأمريكيين تحدثوا عن قادة الدول العربية ومسئولي الأجهزة الأمنية فيها (المقصود تونس ومصر وليبيا واليمن)، باعتبار أنهم بين رجالهم في المنطقة، في إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة ظلت طوال العقود الأخيرة مطمئنة إلى أن العالم العربي مستسلم ومستكين داخل بيت الطاعة الأمريكي، ولكن مفاجأة الثورات العربية أخلت بهذه المعادلة، بحيث خرج البعض من بيت الطاعة في حين ظل آخرون كامنين في داخله.
ثمة إشارة أخرى مهمة في التقرير هي أن إدارة الرئيس بوش التي دعت في العلن إلى ضرورة الالتزام بقيم الديمقراطية لمحاصرة الإرهاب وتجفيف منابعه، لكنها في الوقت ذاته كانت ترسل المعتقلين إلى مصر ودول أخرى لتعذيبهم واستنطاقهم لمتابعة أنشطة الجماعات الإرهابية، الأمر الذي دفعها في مقابل ذلك إلى غض الطرف عن ممارسات الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية،

ليس ذلك فحسب، وإنما لجأت الولايات المتحدة إلى حماية تلك الأنظمة، إذ وجدت أن استمرارها يحقق مصالحها الحيوية في المنطقة.
من المفارقات الجديرة بالملاحظة في هذه النقطة، أن إدارة الرئيس بوش ظلت تتحدث عن الديمقراطية في العلن وتناصر الأنظمة الاستبدادية في الواقع، ولكن إدارة الرئيس أوباما وجدت أن رياح الديمقراطية تتقاطع مع مصالحها، فكفت عن الحديث عنها، وظلت على موقفها من رعاية ما تبقى من أنظمة استبدادية.
وفي الوقت ذاته، فإنها اتجهت إلى محاولة اختراق المجتمعات التي تخلصت من الحكم الاستبدادي من خلال الإعلان عن تقديم مساعدات للمنظمات الأهلية بدعوى مساعدة التطور الديمقراطي.
الملاحظة الأخيرة على ملف «نيوزويك» أن ما حدث في العالم العربي من ثورات فاجأ العواصم الغربية وأربكها، وواشنطن في المقدمة منها، وتمثلت المفاجأة في أن ما جرى كان خارج كل التوقعات التي رصدتها الأجهزة الاستخبارية.

وسواء كان السبب في ذلك هو الاستعلاء أم سوء التقدير والغباء، فالشاهد أنهم لم يفهمونا، لا هم ولا أصحابهم الذين حكمونا.
..................

19 يونيو، 2011

أموالنا المنهوبه


صحيفة السبيل الاردنيه الأحد 17 رجب 1432 – 19 يونيو 2011
أموالنا المنهوبه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_19.html

ماذا يكون شعور المواطن المصري حين يقرأ في الأخبار أن المحكمة الوطنية الإسبانية أطلقت سراح رجل الأعمال المصري الهارب حسين سالم بعد دفع كفالة قدرها 27 مليون يورو (نحو 40 مليون دولار أو ربع مليار جنيه مصري)، وهي الخطوة التي تم اتخاذها بعد إعلان السلطات الإسبانية تجميد 32.5 مليون يورو في حسابات الرجل، ومصادرة عقارات أخرى له بقيمة عشرة ملايين يورو، إضافة إلى مصادرة خمس سيارات فارهة مملوكة له.

المصادرة تمت في الأسبوع الماضي، والكفالة دفعت يوم الجمعة 17/6، بما يعنى أن الحكومة الإسبانية وضعت يدها على ما يعادل 120 مليون دولار من أموال الشعب المصري التي أخفاها الرجل في إسبانيا وحدها، ولم تعرف بعد أرصدته الأخرى في أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وإسرائيل.
وإذا كان ذلك رصيده في دولة واحدة، فلك أن تتصور الحجم المهول من الأموال التي نزحها طوال عهد الرئيس السابق سواء من خلال بيع الغاز المصري لإسرائيل وتجارة السلاح، أو المشروعات والمنتجعات والشركات التي ظل يستأثر بها، مستثمرا علاقته الخاصة جدا مع الرئيس السابق وأسرته.
وهذه النقطة الأخيرة بالغة الأهمية، لأن حسين سالم لم يكن مجرد رجل أعمال على صلة وثيقة بالأجهزة الأمنية، ولكنه كان رجل مبارك في عالم «البيزنس».
وثمة لغط مثار منذ سنوات طويلة حول طبيعة تلك العلاقة والمدى الذي ذهبت إليه، حتى إن البعض يتحدث منذ عدة سنوات عن «شراكة» بينهما.
وعن أن تفاصيل العلاقة لا يعرفها خارج نطاق الأسرة غير رجلين اثنين هما اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة السابق، والدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان الرئاسة.
ما نعرفه في القانون أن الكفالة تودع في خزينة المحكمة لمنع المتهم من الهروب، وهي تتحدد في ضوء أحد اعتبارين إما حجم ثروته أو طبيعة الجريمة التي ارتكبها،

ولأن ما نسب إلى الرجل من جرائم لم يتم التحقيق فيه وبالتالي فلم تتم إدانته قانونا، فلم يبق إلا العامل الآخر الذي يعنى أن هذا المبلغ الكبير حكم به عليه بالنظر إلى ثرائه الفاحش.

حالة حسين سالم تجسد نماذج الرجال الذين أحاط بهم الرئيس نفسه، وأطلق لهم العنان لكي ينهبوا البلد ويمصوا دمه وينهشوا لحمه، ولأنهم كانوا فوق الرءوس وفوق القانون، فقد توحشوا وافتروا، إذ فتحت لهم كل الأبواب وقدمت لهم كل التسهيلات والاستثناءات.

كل رجال الرئيس فعلوا ما فعله حسين سالم، مع اختلاف الحظوظ بطبيعة الحال، والكفالة التي حكم بها على الرجل دالة على مدى تكدس البنوك الغربية بالأموال التي نهبها أولئك الرجال من دم المصريين وعرقهم طوال الثلاثين عاما الماضية. الأمر الذي يعيد إلى الضوء قصة الأموال المهربة والجهد المبذول لاستردادها وإعادتها إلى الشعب صاحب الحق الأول فيها.
ولا مفر من الاعتراف هنا بأن الجهد الرسمي الذي بذل لاسترداد تلك الأموال لم يكن بالقوة أو السرعة اللتين تقتضيهما الحال.

إننا نعلم أن الأمم المتحدة أقرت في عام 2003 معاهدة منع الفساد وغسيل الأموال. بضغط من الولايات المتحدة والدول الغربية لمراقبة ومصادرة الأموال التي قيل إنها تمول الإرهاب.

وكان ذلك ضمن إجراءات الحرب على الإرهاب التي اتخذت في أعقاب أحداث سبتمبر عام 2001. وبسببها أجبرت البنوك الغربية على الكشف عن حسابات عملائها تنفيذا لتلك الاتفاقية التي لا يزال مفعولها ساريا إلى الآن.
صحيح أن ثمة إجراءات قانونية يجب الالتزام بها في الحالة التي نحن بصددها، لكن لا أحد ينكر أن الضغوط السياسية التي تمارسها الحكومة تظل صاحبة التأثير الأكبر في حسم المسألة، وهو ما يدعو رجال القانون المعنيين إلى ضرورة اللجوء إليه دون تردد أو تراخ.
أدري أن حبال الصبر عندنا طويلة في مصر ما بعد الثورة، وأن الهم ثقيل والأولويات تتأرجح كل حين، لكننا في حالة الأموال المهربة صبرنا بأكثر مما ينبغي، ولم يقدم لنا تفسير مقنع لذلك، من ثم فينبغي أن يقدر شعور المواطن المصري إذا ما أساء الفهم في هذه الحالة.
..................

18 يونيو، 2011

أحلامنا الكبيرة وحقيقتنا المرة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 16 رجب 1432 – 18 يونيو 2011
أحلامنا الكبيرة وحقيقتنا المرة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_18.html

لم يصادروا الوطن فحسب، لكنهم صادروا أيضا حقنا في الحلم بِغَدِه.

ذلك أنهم حين اختطفوه فإنهم استأثروا بحاضره ومستقبله. وليتهم سعوا إلى النهوض به، على الأقل كما يفعل أي صاحب «عزبة» بحيازته التي يملكها، ولكنهم شغلوا أنفسهم بنهبه واستحلابه. كما يفعل أي محتل ينقض على ملك غيره.

هذه الفكرة ظلت تلح علي طوال لقاء شهدته مع بعض الكتاب للاطلاع على المخطط الاستراتيجي لإعمار مصر. إذ فوجئت بأن ثمة أحدا يفكر في مستقبل البلد واستراتيجية إعماره،
وكانت المفاجأة الثانية أن يستشار في الأمر بعض أهل الرأي من المثقفين.
أما المفاجأة الثالثة فهي ما رأيت وما سمعت. وهذه النقطة الأخيرة تحتاج إلى بعض التفصيل.
أدري أن الأمر لم يخل من مسئولين من ذوي النوايا الطيبة حاولوا أن يفعلوا شيئا لصالح مستقبل البلد خلال السنوات التي خلت، لكن ذلك الجهد إما أنه أجهض ولم يكتب له الاستمرار، وإما أنه كان يتعامل مع الواقع المصري من زاوية جزئية وليس من منظور شامل، وكانت النتيجة كما نراها الآن، أن النهابين للبلد ظلوا أضعاف البنائين. وأن مصر توقفت عن النمو في حين سبقها آخرون، ممن كانت بلدانهم قرى وأحراشا لا تُذكر على الخريطة، في حين كانت مصر منارة يستضاء بها ومطمعا للمتغولين والفاتحين.
ظلت مصر كما هي، شعب مخنوق في بلد فضفاض. ودولة فقيرة في بلد غني، إلى أن صارت جسما كبيرا بلا عافية، يركض في مكانه طول الوقت، لكنه لا يتقدم إلى الأمام، فلم يضيِّع نفسه فقط، لكنه ضيَّع من حوله أيضا. إذ لا يعقل أن يظل الشعب المصري على مدار تاريخه يعيش على نحو 6٪ من المساحة الكلية للبلد، وأن تظل 94٪ من أرض البلد صحراء جرداء خالية من العمران.

ولا يعقل أن تطل البلد على سواحل بطول نحو 1700 كيلو متر (على البحرين الأبيض المتوسط والأحمر)، وأن يقع في قلب أهم مصادر الطاقة الشمسية في العالم، وأن تكون 24٪ من أراضيه (على الساحل الشمالي) صالحة للتنمية بقليل من الجهد وكثير من الجدية والعزم.

ولا تسأل عما يتوافر له من معادن في سيناء ومناطق أخرى، لا يعقل أن يتوافر للبلد كل ذلك إضافة إلى كثافة سكانه ورصيده من التاريخ والجغرافيا، ثم تكون حاله باعثة على الرثاء على النحو الذي لا تخطئه عين.

إذ لا يليق به أن يعيش نحو ربع سكانه تحت حد الفقر، (نحو 20 مليونا بعضهم يسكن في المقابر). وأن تبلغ نسبة الأمية فيه نحو 30٪ والبطالة عشرة في المائة. وأن تصبح الفجوة بين أغنيائه وفقرائه صادمة ومفجعة كما هو الحال الآن.
اللقاء الذي أتحدث عنه دعا إليه الدكتور فتحي البرادعي وزير الإسكان. وخلاله تم توزيع نسخ من المخطط الاستراتيجي سابق الذكر. ورغم أنه جاء حافلا بالمعلومات الثمينة عن مختلف مصادر التنمية واحتمالاتها في أنحاء مصر، فإن أهم ما فيه ثلاثة أمور:

الأول أنه جمع كافة الدراسات التي سبق إجراؤها على أوجه التنمية في مصر.
الثاني أنه تناول فكرة التنمية من مختلف زواياها، العمرانية والاجتماعية والاقتصادية.
أما الأمر الثالث والأهم فإن المشروع بدأ دعوة قوية لاستعادة عافية الوطن واستثمار طاقاته وقدراته البشرية والمادية.
بمعنى أنه انطلق من فكرة الاعتماد على الذات أولا، وليس مد اليد إلى الآخر. وهو ذات النهج الذي سارت عليه ماليزيا وتركيا والبرازيل، الذي يختلف كثيرا عن النهج الذي اتبع مع باكستان وأفغانستان. وهما الدولتان اللتان بات يضرب بهما المثل في العيش على أعطيات «الدول المانحة».
إحدى أهم الخلاصات التي خرجنا بها من الاجتماع أننا أمام مشروع كبير يتجاوز حدود وزارة بذاتها بقدر ما أنه يلبي طموح وطن يتطلع إلى حياة أفضل ومستقبل أكثر إشراقا. ومسئولية تحقيق ذلك الطموح تتحملها كل أجهزة الدولة وفعاليات المجتمع.

والضمان الوحيد لتحقيقه يتمثل في توفر الإرادة الجادة والحازمة لدى سلطة القرار. وبغير تلك الإرادة فلن يتوافر لذلك الطموح الاستمرار، وإنما سيتحول إلى حلم لاح في الأفق، فهيج العواطف ودغدغ المشاعر ثم انزوى.
حين خرجت من الاجتماع وصادفت أكوام القمامة على طول الطريق المؤدى إلى بيتي. أفقت من الحلم الذي حلّقنا في أجوائه على السؤال التالي:
هل الذين فشلوا في حل مشكلة القمامة في البلد مؤهلون حقا للتطلع إلى النهوض به وإعادته إلى مجرى التاريخ؟!
..................

16 يونيو، 2011

سوريا إلى أين؟

صحيفة الشرق القطريه الخميس 14 رجب 1432 – 16 يونيو 2011
سوريا إلى أين؟ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_16.html

النظام حاول إعادة إنتاج مذبحة حماة ولم يدرك أن السوريين تغيروا
الوضع في سوريا أشبه بسيارة انفلت عيارها فاندفعت هابطة من قمة جبل مرتفع، بما يجعلك تتنبأ بمصيرها وأنت مغمض العينين.

كان ذلك ردي على من سألني:
إلى أين سوريا ذاهبة؟

ذلك أنه بعد قصف البيوت بالأسلحة الثقيلة، وقتل أكثر من 1200 مواطن، واضطرار عشرة آلاف سوري وسورية إلى اللجوء إلى تركيا هروبا من الجحيم الذي نصبته قوات الجيش والأجهزة الأمنية، بعد كل ذلك فإن رصيد النظام السوري مع شعبه يكون قد انتهى تماما، وباعدت بين الطرفين بركة من الدم مملوءة بجثث الضحايا.
كنت أحد الذين قدَّروا النظام السوري وحمدوا له موقفه إزاء المقاومة وانحيازه إلى جانب العديد من القضايا القومية، كما كنت على استعداد لغض الطرف عن ممارسات تورط فيها النظام في لبنان مثلا.
لكن ما لم يكن تمريره ممكنا ولا قبوله محتملا أن يمعن النظام في سحق وترويع الشعب السوري على النحو الذي شهدناه خلال الأسابيع التي خلت. حتى أزعم أن ممارسات السلطة في دمشق لم تبق للنظام على صديق أو محب، وأن كل الدعايات السوداء التي لاحقت النظام السوري طوال السنوات الماضية باتت تتضاءل وتصغر إذا قورنت بالصورة البشعة التي رسمها النظام لنفسه في الأسابيع الأخيرة.
هذا التحول في المشاعر يلحظه المرء بقوة في تركيا، التي كان رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان من أقرب المقربين إلى الرئيس السوري بشار الأسد، وكان للمودة الشخصية التي نشأت بين الرجلين مردودها القوي على علاقات البلدين اللذين طورا بنجاح تلك العلاقة على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية.
ولكن الفظائع التي ارتكبت بحق الشعب السوري ألقت بظلالها الكثيفة على تلك العلاقة، وسببت حرجا شديدا للحكومة التركية.
قيل لي في أنقرة إن رئيس الوزراء التركي لم يكف عن تنبيه صديقه بشار الأسد إلى ضرورة الاستجابة لصوت الشارع ومطالب الجماهير.

وسمعت من مصادر موثوقة أن الرئيس السوري ظل يسّوف ويماطل وينقل إلى أردوغان معلومات مغلوطة منها مثلا أن في سوريا 64 ألف إرهابي مسلح وأن هؤلاء يهاجمون الجيش والشرطة،
وظل يكرر على مسامعه حكاية «الشبيحة» الذين عاثوا في البلاد فسادا وترويعا، وكانوا هم الذين تسببوا في قتل المواطنين وأعداد من رجال الجيش. إلى غير ذلك من الروايات التي يصعب تصديقها، والتي جاءت دالة على أن الرئيس السوري لا يريد أن يتراجع وأنه بات مقتنعا بأن «السحق هو الحل».
فى أنقرة يقولون إن أردوغان ألح في وقت مبكر على الرئيس الأسد لإلغاء الطوارئ والعفو عن المسجونين وإجراء بعض الإصلاحات السياسية، إلا أن الرئيس السوري تأخر كثيرا في الاستجابة، في الوقت الذي واصل فيه انتهاج سياسة القمع والسحق، الأمر الذي أفقد تلك الخطوات مغزاها، وأفقد ثقة المواطنين السوريين في صدقية التوجه نحو الإصلاح.

ومن الواضح أن أردوغان فقد بدوره الأمل في صديقه الأسد، فانتقد علنا عملية قتل المتظاهرين وأدان وحشية الأجهزة الأمنية.
ما يثير الانتباه في المشهد السوري أن إسقاط النظام لم يكن مطلبا للمتظاهرين الذين كانت مسيراتهم السلمية التي خرجت في البداية لا تطالب بأكثر من الإصلاح وإطلاق الحريات العامة، لكن حملات القمع التي اتسمت بالقسوة المفرطة وتعاملت مع الجماهير باستهانة وازدراء شديدين، رفعت من وتيرة الغضب. خصوصا حين أسالت دماء المواطنين العزل بمن فيهم الأطفال.

وأدى ذلك تلقائيا إلى رفع سقف المطالب، فتعالت نداءات الغاضبين داعية إلى إسقاط النظام، الذي ثبت أنه صم آذانه عن مطالب الشعب، كما أغمض أعينه عما يجرى في أرجاء العالم العربي.
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن الذين راهنوا على قمع الناس وسحقهم، هم الذين حثوا الجماهير ودفعوها دفعا إلى المطالبة بإسقاط النظام.

وحين أرادوا إعادة إنتاج مذبحة حماة سنة 1982، في عهد الأسد الأب، فإنهم لم يدركوا أن الدنيا تغيرت كما أن السوريين أنفسهم تغيروا، بحيث أن ما مر قبل نحو ثلاثين عاما يتعذر تمريره أو السكوت عليه الآن.

إن أحدا لا يستطيع أن يلوم العزل والمسالمين الذين غضبوا لكرامتهم، ولكن كل اللوم ينبغي أن يوجه إلى الذين عموا وصمُّوا، وآثروا إذلال الناس وقهرهم، فحولوا دموعهم إلى دم وسخطهم إلى ثورة وعتابهم إلى ثأر لا ينسى.
..................

15 يونيو، 2011

نقطة في بحر

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 13 رجب 1432 – 15 يونيو 2011
نقطة في بحر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_15.html

أن يكون لإسرائيل جاسوس في مصر فذلك ليس خبرا. الخبر أن يتم القبض عليه،

أما الضربة الأمنية الحقيقية فهي أن يتم ضبط بقية الجواسيس الذين يرتعون في أرجاء مصر منذ فتحت أبواب المحروسة لأمثالهم عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979.

وليس ذلك اكتشافا ولا هو من قبيل الأوهام، لأن التغير الذي حدث في مصر بوقوع ثورة 25 يناير كان ولا يزال يمثل خبرا كارثيا لإسرائيل، ولا يزال يعد كابوسا لم يفق منه قادتها.

وأي متابع لما تنشره الصحف الإسرائيلية من تعقيبات وما يتسرب من تعليمات لرئيس الوزراء تتعلق بالتعامل مع الأوضاع في مصر، ذلك كله يشير إلى أمرين
أولهما التشاؤم والهلع الذي أصاب النخبة بقيام الثورة وغياب الرئيس السابق (الكنز الاستراتيجي).
الأمر الثاني هو الحذر الشديد من جانب نتنياهو الذي منع الوزراء من التعليق على ما يجرى في مصر حفاظا على «شعرة معاوية» مع نظامها الجديد.
كنت قد نشرت في 22 فبراير الماضي،
مقالة تحت عنوان: «ماذا يدبـِّرون للنظام الجديد؟»،
قلت فيها ما خلاصته أنه من الطبيعي أن تكون الأحداث في مصر بعد الثورة ــ وقبلها أيضا ــ محل رصد واهتمام، بوجه أخص من جانب الدوائر الأمريكية والإسرائيلية. ليس محبة في المصريين ولا إعجابا بسواعد و عيون المصريات، ولكن لأنهم يدركون جيدا أن أي تغيير في مصر لابد أن يكون له صداه القوى في العالم العربي، الأمر الذي يعني الكثير بالنسبة لهؤلاء. لأن العالم العربي يترجم في النظر الغربي إلى عنوانين رئيسيين هما النفط وإسرائيل، فضلا عن أنه سوق لترويج البضائع وإنعاش تجارة السلاح.
قلت أيضا إن الأمريكيين والإسرائيليين لن يقفوا متفرجين على الحاصل في مصر، ولكن من الطبيعي أن يكونوا على صلة مباشرة بالحدث إن لم يصبحوا في قلبه ومؤثرين على اتجاهاته.

إضافة إلى أن ذلك استنتاج منطقي يخطر على بال أي مشتغل بالعمل العام، فقد أعدت التذكير بمحاضرة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفي دختر التي ألقاها في شهر سبتمبر عام 2008 على الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني، وفيها تحدث عن الترتيبات الإسرائيلية لمواجهة أي تحولات «كارثية» ــ من وجهة نظرهم ــ يمكن أن تحدث في مصر.
وأشار بوجه أخص إلى أمور خمسة هي: -
إقامة شراكة مع القوى والفعاليات المؤثرة والمالكة لكل عناصر القوة والنفوذ، في دوائر الطبقة الحاكمة ورجال الأعمال والنخب الإعلامية والسياسية.
- إقامة شراكة أمنية مع أقوى جهازين لحماية الأمن الداخلي في البلاد، هما جهاز أمن الدولة والمخابرات العامة.
- تأهيل محطات استراتيجية داخل المدن الرئيسية المؤثرة على صنع القرار، متمثلة في: القاهرة ــ الإسكندرية ــ الإسماعيلية ــ السويس ــ بورسعيد.
- الاحتفاظ بقوة تدخل سريع من المارينز (الأمريكيين) في النقاط الحساسة بالقاهرة (جاردن سيتي ــ مصر الجديدة)، إضافة إلى الجيزة. وبإمكان تلك القوة الانتشار خلال بضع ساعات والسيطرة على مراكز عصب الحياة العامة.
- مرابطة قطع بحرية وطائرات أمريكية في قواعد داخل مصر، خصوصا في الغردقة والسويس ورأس بيناس.
انطلقت هذه الترتيبات كما ذكر الوزير الأسبق من الاقتناع بضرورة تبنى استراتيجية استباقية حيال مصر من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكان تقدير واشنطن ــ والكلام للوزير الإسرائيلي ــ أنها يجب أن تقيم في مصر بعد وفاة عبدالناصر مباشرة وتولي السادات، مرتكزات ودعائم أمنية واقتصادية وثقافية على غرار ما فعلته في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة.
لست في موقع يسمح لي بأن أتثبت من أن ما خطط له الإسرائيليون والأمريكيون حدث بالفعل كله أو بعضه، لكن الذي لا شك فيه أنه توفر لهم خلال الثلاثين سنة التي أعقبت توقيع اتفاقية السلام، الوقت الكافي والظرف المواتي لتحقيق ما يريدون.
وعند الحد الأدنى فلا بد أنهم حاولوا على الأقل زرع وتجنيد شبكة من المتعاونين الذين يمدونهم بما يمكنهم من تثبيت أقدامهم، بما لا يسمح لمصر بأن تتراجع عما تورطت فيه، منذ وقعت معها معاهدة السلام.

ولا يستقيم عقلا أن ينحصر الجهد الإسرائيلي في الجاسوس الذي ألقى القبض عليه أخيرا (ايلان تشايم جرابيل)، أو غيره ممن ألقي القبض عليهم في ثلاث قضايا تخابر أخرى خلال الأشهر الأربعة الماضية.

إذ يظل هؤلاء مجرد نقطة في بحر إذا وضعنا في الاعتبار الأهمية القصوى التي توليها إسرائيل لعلاقتها مع مصر وخوفها من تنامي الوطنية المصرية.
..................

14 يونيو، 2011

تركيا على أبواب ميلاد جديد – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء 12 رجب 1432 – 14 يونيو 2011
تركيا على أبواب ميلاد جديد – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_14.html

هي أكثر من مجرد انتخابات تشريعية، لأنها تفتح الباب لإعلان ميلاد جديد لتركيا يرسي أساس جمهوريتها الثانية، التي تنتقل بها من ولاية العسكر إلى ولاية الأمن.

(1)

إن شئت فقل إننا بصدد حالة من التوافق الوطني على ضرورة طيّ صفحة الانقلابات العسكرية التي تعاقب ثلاثة منها كل عشر سنوات منذ سنة 1960
(الانقلاب الرابع وصف بأنه أبيض لأن العسكر أجبروا حكومة نجم الدين أربكان على الاستقالة في سنة 1997.
أما الخامس فقد أجهض في سنة 2007 ولا تزال ملابساته محل تحقيق حتى الآن).

الجميع اتفقوا على ضرورة وضع دستور جديد لتركيا يزيل آثار عدوان الدستور الذي فرضه العسكر إثر انقلاب عام 1980، وكرس وصايتهم على المجتمع من خلال تشديد قبضة العسكريين على السياسة، وبسط هيمنة التطرف العلماني على مؤسستي القضاء والتعليم.

وهي ذات السياسة التي فرضها مؤسس الجمهورية كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي، لكن المجتمع ظل يتملل منها ويحاول الفكاك من أسرها من خلال هوامش الديمقراطية المتاحة.

وكانت العلامة البارزة على ذلك هي الانتخابات التي جرت في عام 1950، التي صوتت فيها الأغلبية لصالح الحزب الديمقراطي ومني حزب الشعب الذي أسسه أتاتورك بهزيمة منكرة أفقدته هيمنته على الحكم التي ظلت مستمرة طوال 17 عاما. وهو ما لم يغفره الجيش المفوض دستوريا بالتدخل لإقرار السلام والأمن الاجتماعي والسياسي في البلاد، فقام في سنة 1960 بأول انقلاب له في ظل الجمهورية، وشكل لجنة تحقيق قضت بإعدام رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ووزيري الخارجية والمالية. ولم ينفذ الحكم بالأول في حين أعدم الثلاثة الآخرون وفي المقدمة منهم رئيس الوزراء عدنان مندريس.

بإعداد الدستور الجديد يرد المجتمع الاعتبار لعدنان مندريس وصاحبيه، الذين كانوا في مقدمة شهداء الديمقراطية في تركيا. ويسجل الفصل الأخير في كتاب الديمقراطية، الذي سطروا بدمائهم فصله الأول في خمسينيات القرن الماضي. هكذا قال رئيس حزب العدالة والتنمية في مدينة إسطنبول عزيز بابوتشو.

نائب رئيس حزب الشعب المنافس أوغوز ساليتشى يؤيد بدوره الحاجة إلى وضع دستور جديد، لكن حزبه لديه قائمة طويلة من الأسئلة حول الجهة التي ستعد الدستور، وحول ما سيقرره من مبادئ للمرحلة المقبلة وأهمية عرضه على الاستفتاء العام في كل الظروف.

(2)

لأن الجميع يدركون أنها لحظة فارقة في تاريخ تركيا الحديث، فإن السباق ظل طول الوقت مفعما بالحيوية والحماسة، ذلك أن موضوعه لم يكن فقط الفوز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان والاشتراك في تشكيل الحكومة، وإنما كان الأمر أكبر من ذلك وأبعد، لأن نسبة الفوز لها مردودها في نسبة المشاركة في صناعة المستقبل وتأسيس الجمهورية التركية الثانية التي تنعقد فيها الولاية للأمة لأول مرة منذ تأسست الجمهورية في عام 1923.

رفع من وتيرة الحماسة أن قادة الأحزاب التقليدية، وفي المقدمة منها حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه كمال أتاتورك ولا يزال يتبنى مشروعه، والحزب القومي الذي يمثل العرق التركي والقومية الطورانية، هؤلاء أدركوا أن الزمن يكاد يتجاوزهم وأن دورهم يتراجع في المشهد السياسي، منذ فاز حزب العدالة بالأغلبية في انتخابات عام 2002 وشكل الحكومة منذ ذلك الوقت دون الحاجة إلى الائتلاف مع أي حزب آخر.

لهذه الأسباب فإن الأحزاب المنافسة ألقت بكل ثقلها لكي تكسر الأغلبية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية في البرلمان (يمثله في الوقت الراهن 340 عضوا من بين 550 هم مجموع أعضاء البرلمان)،

لكن طموح حزب العدالة والتنمية أكبر وأبعد هذه المرة. فهو لا يريد أن يكتفي بالأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة منفردا (النصف زائد واحد)، وإنما يطمح إلى تحقيق أغلبية الثلثين (367 عضوا) لكي يتمكن من وضع الدستور الجديد.

صحيح أن التنافس على أشده بين حزبي العدالة والتنمية من ناحية والشعب الجمهوري من ناحية ثانية، إلا أن الصورة أوسع من ذلك بكثير. فالأحزاب المسجلة رسميا عددها 60 حزبا، لكن الذين قرروا خوض المعركة الانتخابية نحو 20 حزبا فقط.

والرهانات والأضواء مسلطة في وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي العام على أربعة أحزاب فقط تحاول جذب الأنصار من بين 50 مليون ناخب. وهذه الأحزاب هي:

* حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ركز في دعايته على أن الهدف هو سنة 2023، ذكرى مرور مائة سنة على تأسيس الجمهورية، شاهرا في ذلك شعار:
لكي تنعم بلادنا بالاستقرار ولكي تصبح تركيا أكبر وأعظم.

ولتحقيق ذلك الهدف فالحزب أعلن عن قائمة طويلة من المشروعات العملاقة والجذابة التي تدغدغ مشاعر الجماهير التركية وتداعب أحلامها.

* حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي الذي تنحى زعيمه السابق بسبب فضيحة أخلاقية، ويسعى رئيسه الجديد كمال كيليجدار أوغلو، وهو يساري علوي من أصول كردية، لتحويله إلى حزب يمثل اليسار الديمقراطي.
لذلك فإنه يخاطب الأكراد والعلويين والطبقة العاملة والفقيرة. وقد ركز في دعايته على تنفيذ بعض المشروعات التي تهم الناس، وفي مقدمتها توسيع مظلة التأمين لتشمل عائلة كردية.

* حزب الحركة القومية الذي أصبح يعاني من شدة الضعف بعد بث تسجيلات فضائحية لعشرة من أعضاء مكتبه السياسي الذي يضم 16 عضوا، مما أدى إلى استقالتهم وأحدث فراغا في قيادته. إضافة إلى أن زعيمه دولت باهشلي عجز عن تقديم برنامج جدي ووعود انتخابية حقيقية. الأمر الذي أصبح يرشح الحزب للخروج من البرلمان
(القانون يشترط لدخول البرلمان أن يحصل الحزب على 10% من أصوات الناخبين على الأقل).

* الكتلة الرابعة المرشحة لدخول البرلمان يمثلها الأكراد المستقلون الذين يمكن أن ينضموا تحت راية حزب السلام والديمقراطية، ويوفروا بذلك نسبة الـ10% التي تمكنه من دخول البرلمان.

(3)

عشت التجربة في تركيا طوال الأسبوع الذي سبق الانتخابات. ولشدة الضجيج الذي ملأ الفضاء خيل إليّ أن أحدا لم ينم خلال الأيام التي سبقت التصويت يوم الأحد الماضي.
فسيارات المرشحين تجوب الشوارع على مدار الساعة، محملة بمكبرات الصوت التي تبث الأغاني التي أعدتها بعض الأحزاب للدعاية لنفسها وبرنامجها، كما تبث الأغاني الشعبية التي يحبها الناس ويرددونها.
وفي كل ميدان مؤتمر لهذا الحزب أو ذاك.
أما الأعلام ورموز الأحزاب فهي تملأ الجدران، وتظلل الشوارع، وبعضها يتدلى من البنايات الكبيرة. الأمر الذي يرشد المارة إلى خريطة أنصار الأحزاب المتنافسة في كل حي.

قيل لي إن شدة التنافس على الانتخابات بين الأحزاب استدعت وجود شركات تخصصت في تنظيم الحملات الانتخابية، بمستلزماتها من السيارات والملصقات والأغاني والمهرجانات وغير ذلك، لكن أكثر ما أثار انتباهي كان كثرة عدد الشبان المتطوعين الذين يشاركون في تلك الحملات.

كنت أعرف أن ثقافة التطوع للعمل الخيري والعام شائعة في تركيا، لكنني دهشت حين علمت أن حزب العدالة والتنمية وحده شارك في حملته الانتخابية بمدينة إسطنبول وحدها 26 ألف متطوع نصفهم من النساء.
وهؤلاء تفرغوا لمهمتهم طوال الشهرين الأخيرين وقيل لي إن أولئك المتطوعين لم يتركوا بيتا أو متجرا لناخب في المدينة إلا وطرقوا بابه وتواصلوا معه واستمعوا إليه.

إلى جانب هؤلاء صادفت في إسطنبول وأنقرة مجموعات من الشباب الاشتراكي الذين قدموا من أنحاء مختلفة من أوروبا للدعاية لحزب الشعب في الشوارع والأسواق، كما كانت هناك مجموعات أكبر من البلقان وبعض الدول الإسلامية جاؤوا لمساندة حزب العدالة والتنمية.

إضافة إلى ما سبق، فثمة ملاحظات أخرى تستوقف المرء في المشهد الانتخابي في مقدمتها ما يلي:

* إن الجدل والتراشق بين الأحزاب منصب على الشأن الداخلي بشكل عام. أما السياسة الخارجية لتركيا فلا أحد يتحدث عنها إذا استثنينا انتقادات من جانب قادة حزب الشعب لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ذكرت أنه اتبع مع إسرائيل "سياسة استفزازية". وانتقادات أخرى سمعتها وجهت إليه لوما لتحالفه مع سوريا (رغم انتقاداته لممارسات النظام السوري).

* إن المجتمع التركي يعيش حالة استقطاب مثيرة للانتباه. وهو ما رصده رئيس مركز أبحاث "كوندا" في أنقرة تارهان أردم، الذي قال إن الاستقطاب بين الناخبين ظل في السنوات الماضية يتراوح بين 50 و60%، لكنه وصل في الانتخابات الأخيرة إلى 80%، الأمر الذي يعني أن هذه النسبة من الناخبين ستصوت لهذا الحزب أو ذاك، دون مناقشة القضايا أو البرامج التي يطرحها.

* إن الأحزاب العلمانية لا تزال تثير خوف الناخبين من الخلفية الإسلامية لقادة حزب العدالة والتنمية، ملوّحة في ذلك بفكرة "الأجندة الخفية" التي يقولون إنه يستبطنها.
وسمعت رئيس حزب الشعب وهو يعلن في أحد المؤتمرات أن حزب العدالة يهدد عقائد الشعب التركي (يقصد أنه يهدد إيمانه بالعلمانية)، ثم وهو يكرر في أكثر من لقاء شعبي "أن الجمهورية في خطر".

* إنه في الوقت الذي أصبحت تركيا على أبواب وضع دستور جديد بديلا عن ذلك الذي أصدره العسكر بعد انقلاب عام 1980، فإن قائد ذلك الانقلاب الجنرال كنعان إيفرين (94 سنة) خضع للاستجواب في الأسبوع الماضي لسؤاله عن علاقته بمحاولة الانفلات التي جرى التخطيط لها في عام 2007.

(4)

فوز حزب العدالة والتنمية بالمركز الأول بين الأحزاب المتنافسة أصبح مسلما به من قبل الجميع. ولأنني أكتب هذه المقالة قبل الإعلان النهائي للنتائج إلا أن الترجيحات تشير بقوة إلى أن الحزب سيفوز بأكثر من نصف المقاعد، أما أغلبية الثلثين التي يتطلع إليها فليس مقطوعا بها.

وعند الحد الأدنى فإن السيد أردوغان الذي تعرض لمحاولة الاغتيال ما بين 12 و13 مرة سيتمكن من تشكيل الوزارة للمرة الثالثة. وهو خبر سار بالنسبة إليه وللحزب بطبيعة الحال، لكنه يحمل في طياته مفاجأة لم ينتبه إليها كثيرون، خلاصتها أنها المرة الأخيرة التي يشغل فيها منصب رئيس الوزراء (الباشبكان).

ذلك أن لوائح الحزب لا تسمح له ولا لغيره من القيادات بأن يشغل موقعه لأكثر من ثلاث مرات، الأمر الذي يعني أنه في الظروف العادية ينبغي أن يغادره إلى غير رجعة بحلول عام 2015، ليس وحده، وإنما سيخرج معه في ذلك التاريخ 150 آخرين من القياديين في الحزب الذين رافقوه في رحلته.

وهو ما يدركه المسؤولون في الحزب جيدا، ويتحسبون له من الآن، الأمر الذي يضيف إلى قائمة الأسئلة التي تطرحها النتائج في صورتها النهائية،
أسئلة أخرى تتعلق بمصير أردوغان وربما مصير النظام السياسي التركي في الدستور الجديد.

ولأن الأسئلة كثيرة، فلم يعد هناك مفر من العودة إلى الموضوع في الأسبوع المقبل بإذن الله.
..................

13 يونيو، 2011

ملفات «المتعاونين»

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 11 رجب 1432 13 يونيو 2011
ملفات «المتعاونين» – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_13.html

لم أفهم لماذا أبرزت إحدى الصحف الأسبوعية المصرية تقريرا عن إعلامية تليفزيونية شهيرة، الخبر فيه أنها كانت «تتعاون» مع جهاز أمن الدولة في ظل النظام السابق، ذلك أنني اعتبرت أن التقرير ظالم وغير بريء،
ببساطة لأنها لم تكن وحيدة في هذا المضمار.
لذلك، فإن السؤال الذي خطر لي بمجرد أن قرأت العنوان هو:
لماذا هي دون غيرها من المتعاونين الذين يتصدر بعضهم الواجهات حتى الآن، ولم أجد تفسيرا لذلك سوى أن مسألة التعاون مع أمن الدولة أثيرت لتصفية حسابات أخرى لا أعرفها.
لست في وارد الدفاع عن الإعلامية التي لا تربطني بها أية علاقة، ولم ألتق بها في أي وقت، ولكنني أزعم أن ملف الإعلاميين المتعاونين مع الأجهزة الأمنية لم يفتح بعد، رغم أن تناوله سهل للغاية لمن يريد أن يتعرف على الحقائق والمواقف.

إذ في المجال الصحفي تحديدا، فإن «الأرشيف» المتاح للجميع يحفل بالشهادات التي لا تقبل الشك أو الطعن، ذلك أن ممارسات كل صاحب قلم هي «اعترافاته»، التي لا يستطيع أن يدعى الآن أنه أدلى بها تحت التعذيب أو أنها انتزعت منه بالإكراه.
وإذا جاز لنا أن نتصارح في الموضوع، فلا بد أن نتفق ابتداء على أن مصر ظلت طوال العهد السابق تحكم بالشرطة والإعلام.
الشرطة كانت تقمع الناس، والإعلام كان يغسل أدمغتهم ويشوه إدراكهم،

بسبب من ذلك فإنه ما من مؤسسة صحفية أو مكتب صحفي في مصر إلا وتم اختراقه بصورة أو أخرى، وما من كاتب أو مراسل صحفي إلا وطرق الجهاز بابه وحاول استخدامه.
وكلنا نعلم أن من «تعاون» فاز ونال الرضا، ومن تمنع ورفض فعليه أن يدفع ثمن موقفه.
حدث ذلك معي مرتين حيث تلقيت في منتصف الثمانينيات اتصالين من جهتين مختلفتين.

كان الأول محاولة لجس النبض، حيث دعيت إلى لقاء قيل لي فيه إن أسماء كبيرة (لا داعي لذكرها الآن) قدمت إليها معلومات تتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية، ولكنها لم تحسن استخدامها. وإنهم يرشحون أسماء أخرى موثوقا فيها لكي تؤدي «الواجب الوطني» المطلوب.

وهي رسالة لم أستوعبها جيدا إلا حين تلقيت اتصالا هاتفيا قبل رحلة اعتزمت القيام بها إلى إيران، وطلب مني العقيد أو العميد المتصل معلومات معينة، الأمر الذي أصابني بصدمة دفعتني إلى إبلاغ الرجل بألا يعاود الاتصال بي ثانية، ثم أغلقت سماعة الهاتف دون أن أسمع رده.

وفي اليوم التالي مباشرة ذهبت إلى الدكتور مصطفي الفقي الذي كان يعمل في مكتب الرئيس آنذاك، وأبلغته بما حدث.
وطلبت منه أن يبلغ المسئولين في الأجهزة المعنية بأنهم اختاروا الشخص الغلط والعنوان الغلط. ويبدو أنه أوصل الرسالة، لأن أحدا منهم لم يتصل بي بعد ذلك على الإطلاق.
كنت قد رويت في مقام آخر ما سمعته ذات مرة من أحد القياديين في حركة حماس، حين سأل رئيس المخابرات العامة السيد عمر سليمان أثناء لقاء اتسم بالود والتبسط عن الجهة التي تضغط على «الزر» فيهاجم الإعلام الفلسطينيين، ثم تضغط مرة أخرى فتخف اللهجة وتتسم بالاعتدال.
وقتذاك ابتسم عمر سليمان وقال إنه هو الذي يضغط على الزر،

كما أنني لست أنسى في هذا الصدد أنني سمعت ضابطا كبيرا في جهاز أمن الدولة يصف العاملين في إحدى المؤسسات الصحفية بأنهم «أولادنا، الذين ربيناهم على أيدينا حتى كبروا وأفلحوا»!.
وأمثال هؤلاء كثيرون في مختلف الصحف، وبعضهم لا يزال يحتل الصدارة في بعضها.
إن «المتعاونين» يراهنون على ضعف الذاكرة العامة، لكن «الأرشيف» لا يزال حافظا لكل واحد سجله. وإذا قدر للملفات أن تفتح فسوف يدهش الجميع حين يكتشفون المتعاونين الكبار الذين تحولوا الآن إلى ثوريين وإصلاحيين وهم الذين ظلوا أبواقا للأجهزة الأمنية طول الوقت حين تسابقوا على تجميل سياسات الداخلية، ونظموا القصائد في مدح لجنة السياسات، وجندوا أقلامهم وصحفهم لتمرير التوريث وامتداح «اكتساح» الحزب الوطني للانتخابات التشريعية الأخيرة.
وهم الذين روعوا الناس بما سموه «ميليشيا» الإخوان لتبرير الانقضاض عليهم. وهم الذين استخدموا للوقيعة بين المسلمين والأقباط وبين المصريين والفلسطينيين، ووصف بعضهم رجال المقاومة بأنهم «أوباش».
وقال قائلهم إن إيران أخطر على العرب من إسرائيل، وإن العلاقات مع إسرائيل ينبغي أن تقدم على العلاقات مع العرب إذا حدث التعارض بينهما. وكان التوجيه الأمني الخادم للسياسات المعوجة والمرذولة وراء كل تلك الفرقعات والأكاذيب.
حين يترك كل هؤلاء ويتم ذبح إعلامية لأنها كانت متعاونة مع أمن الدولة، فإن ذلك يعد ظلما ما بعده ظلم.

إنني لا أدعو إلى تبرئتها. ولكنني أرجو ــ إذا كان لابد من فتح الملف ــ أن نراجع جيدا قائمة المتهمين، ليعرف دور كل واحد في ذلك «التعاون» المشبوه.
..................

12 يونيو، 2011

مصر وتركيا.. هناك فرق

صحيفة الشرق القطريه الأحد 10 رجب 1432 – 12 يونيو 2011
مصر وتركيا.. هناك فرق – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_12.html

في حلقة مناقشة باستنبول أمس الأول، لم أجد وجهًا للمقارنة بين المشهد الانتخابي كما رأيته هناك في الأسبوع الأخير الذي سبق الاقتراع اليوم، وبين نظيره في مصر.

واختزلت رأيي في خلاصة مفادها بأن المقارنة في هذه الحالة تصبح بين ممارسة ديمقراطية حقيقية، وبين نموذج للديمقراطية المغشوشة. أو بين الديمقراطية الحقيقية والفيلم الديمقراطي.
ولأنه لم يكن هناك الكثير الذي يمكن إضافته إلى هذا المعنى. فإنني آثرت نقل المناقشة إلى مستوى آخر، بمقتضاه حاولت رصد أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين التركية والمصرية.

فالبلدان كبيران يتشابهان في الثقل السكاني (85 مليونا في مصر و75 مليونا في تركيا)،
ولكل منهما أهميته الاستراتيجية الخاصة المستمدة من موقعه الحاكم،
كما أن لكل منهما دوره الذي لا ينكر في التاريخ الإسلامي،
ثم إن كلا منهما ينتمي إلى عالم أهل السنة والجماعة، حيث المسلمون 99 في المئة في تركيا و94 في المئة في مصر،
وللأسف فإن البلدين متحالفان مع واشنطون ومتصالحان مع «إسرائيل».
من ناحية أخرى، فثمة تمايزات واختلافات بين البلدين، فتأثير تركيا محكوم بحدودها الجغرافية، وربما بهمَّتها السياسية،
أما تأثير مصر فهو ممتد إلى أرجاء العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.

وتراكم الخبرة السياسية والنهضة الاقتصادية مشهود في تركيا بأكثر منه في مصر، التي ما زالت تتعثر في مسيرتها السياسية وفي نهوضها الاقتصادي.

والمجتمع المدني في تركيا حاضر بقوة، ممثلا في أحزابها السياسية والمنظمات الأهلية، في حين أن المجتمع المدني في مصر يعانى الهشاشة والضعف.

وتركيا حسمت خيارها في تبنيها للنموذج الغربي والتحامها بمنظومة قيمه، وبالتالي فمشروعها الحضاري واضح المعالم، على العكس تماما من الحاصل في مصر.
والعلمانية في تركيا أقرب إلى الدين أو المقدس الذي لا يجوز التراجع عنه، وهي في مصر عنوان يتعلق به بعض المثقفين والسياسيين، في حين أنه يعد مصطلحا سيئ السمعة بين العامة.
في تركيا، الحركة الإسلامية ناضجة ومتطورة، ولديها خبرة طويلة بالعمل الاجتماعي والسياسي، وهي في مصر مربكة ومتعثرة ولا تزال تحبو، خصوصا في مدارج السياسة، وهو تفاوت ناشئ عن ثراء التجربة الديمقراطية في تركيا، وضعفها الشديد في مصر.
في الخبرة التركية، ظل الجيش لاعبا أساسيا في الساحة السياسية، بل كان صانعا للسياسة منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى أوائل القرن الحالي. وقد بدأ نفوذ الجيش يتراجع بعد تولي حزب العدالة والتنمية للسلطة في عام 2002،
أما في مصر، فباستثناء ثورة ضباط القوات المسلحة في يوليو عام 1952، فإن الجيش ظل خارج السياسة، إلى أن انحاز إلى مطالب الشعب في ثورة 25 يناير الأخيرة.

والمقارنة في هذه النقطة لا تخلو من مفارقة، لأنه في الوقت الذي يتراجع فيه دور الجيش في السياسة التركية، فإن بعض المثقفين والسياسيين الجدد في مصر أصبحوا ينادون بالإبقاء على دور الجيش في السياسة، خوفا من أن تأتى نتائج الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل بما لا يحبون!
التنوع السكاني في تركيا مختلف تماما عنه في مصر، فهم هناك يتوزعون بين الأتراك والأكراد، والعلويين وأهل السنة والشيعة.
أما في مصر فالتجانس المجتمعي أشد وضوحا، ربما بسبب تلاحم الجميع حول مجرى النيل الضيق، والتنوع في حدود الاختلاف العقائدي بين المسلمين والأقباط.
هناك فرق آخر ناشئ عن موقع كل من البلدين. فتركيا بلد بعيد عن إسرائيل، وبالتالي فإن سياساتها الخارجية لا تتأثر كثيرا بمجريات السياسة الإسرائيلية.
أما مصر فوضعها أكثر حساسية بحكم جيرتها لإسرائيل وارتهان الأخيرة لسيناء، فضلا عن احتلالها لفلسطين، الأمر الذي يشكل تهديدا مستمرا للأمن القومي المصري.

بالتالي فربما لا تلام تركيا إن هي حاولت أن تكون طرفا محايدا أو وسيطا بين العرب وإسرائيل، لكن مثل هذا الدور يشين السياسة المصرية ويعد وصمة عار في جبينها إن هي انطلقت منه.
لم أنس الانتخابات وما جرى فيها، لكن لها كلام آخر في موقع آخر بإذن الله.
..................

11 يونيو، 2011

الكرة في ملعب الشرطة

صحيفة الشرق القطريه السبت 9 رجب 1432 – 11 يونيو 2011
الكرة في ملعب الشرطة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_11.html

تشييع جنازة شهداء الثورة المجهولين يذكرنا بأن الذين قتلوهم لا يزالون بدورهم مجهولين.

وإذا كان لدينا عذر في عدم التعرف على أولئك الشهداء طوال الأشهر الأربعة الماضية، فلا ينبغي أن نتعلل بأي عذر في التعرف على الذين أصدروا الأوامر بقتلهم. الأمر الذي يجعل ملف العلاقة مع الشرطة مفتوحا، بل ومسكونا بدرجات متفاوتة من الشك وسوء الظن.

وأخشى أن يطول الأمد بهذه الحالة بحيث تتحول في مرحلة ما إلى عقدة وعاهة لا علاج لها. ولو أن الأمر وقف عند ذلك الحد لأمكن الصبر عليه لبعض الوقت، أملا في أن يداوي الزمن الجراح إذا أمكن التعامل بذكاء مع الموضوع بما يطهِّر الذاكرة أو ينسيها. إلا أنني أخشى أن تذهب الأمور إلى أبعد، بحيث تتحول المسألة إلى «ثأر» بين الشعب والشرطة.

أعني أن القضاء إذا لم يعاقب القتلة ويمسح أحزان الناس ويهدئ من خواطرهم، فلا أستبعد أن يقوم الناس من جانب بالثأر لأبنائهم. خصوصا أن منهم من يعرف من الذين أطلقوا الرصاص على أبنائهم أو عذبوهم حتى فاضت أرواحهم.

وليس ذلك مجرد افتراض، لأن بعضهم عبَّر عن ذلك بالفعل خلال المؤتمر الجماهيري للتضامن مع أهالي شهداء إمبابة الذي عقد في الثاني من شهر يونيو الحالي وحضره عدة مئات من الناس.

وذلك تحذير ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد ولا يستهان به. فقد نفاجأ يوما ما بقتل واحد من أولئك الضباط، الأمر الذي قد يفتح الباب لسلسلة من اغتيالات الثأر لا يعلم إلا الله حدودها ولا تداعياتها.
لست أحبذ ذلك بطبيعة الحال وأعترض عليه بقوة، إلا أنني أحذر من وقوعه وأرجو ألا يستمر «تدليل» ضباط أمن الدولة الذين ثبت في حقهم تعمُّد تعذيب الناس وإذلالهم، بما يقنع الرأي العام بأن دم الشهداء لم يذهب هدرا، وأن القانون أخذ مجراه في معاقبة القتلة.

علما بأن خطوة من هذا القبيل كفيلة بتهيئة الأجواء لإعادة ثقة الناس في الشرطة وفي القانون، فضلا عن أنها قد تكون رادعا لآخرين من العاملين بالأجهزة الأمنية، يقنعهم بأنهم لم يعودوا فوق القانون ولكنهم سيحاسبون على تجاوزاتهم يوما ما. وإذا لم يحاسبهم القانون فالمجتمع كفيل بهم.
لقد استخدمت عامدا مصطلح «تدليل ضباط أمن الدولة» لأننا لم نلمس حزما في محاسبة المسؤولين منهم عن القتل والتعذيب. بل وجدنا بعضهم يحضر إلى قاعة المحكمة كمتهم في الصباح، ثم يخلى سبيله ليعود إلى مكتبه في المساء وكأن شيئا لم يكن. ومن ثم تحولوا إلى متهمين نصف الوقت وفراعين بعد الظهر وحتى منتصف الليل.
لا أشك في إخلاص واستقامة وزير الداخلية الحالي، وأعلم أنه قام بإبعاد بعض المساعدين والقيادات المشكوك في ضلوعهم في العديد من الجرائم التي ارتكبت.

وأفهم أيضا أن موقفه شديد الدقة وأنه واقع بين نارين.
إذا أرضى الناس خسر الجهاز الأمني، وإذا أرضى الجهاز الأمني خسر الناس،

وذلك محور التحدي الذي يواجهه الرجل. لكنني أفهم أيضا أن زمن إذلال الناس إن لم يكن انتهى فعلا فيجب أن ينتهي بأسرع ما يمكن. تماما كما أن الزمن الذي كانت فيه الشرطة مطلقة اليد في العبث بكرامات الخلق قد انتهى بدوره، بحيث لا المجتمع صار مستعدا لتقبل الإهانة ولا أحد يستطيع أن يدعي أنه فوق القانون.
أدرى أيضا أن ثمة تطاولا من جانب البعض على جهاز الشرطة، وذلك يظل استثناء لا يقاس عليه، لكننا نعلم أن أفضل وسيلة لجلب الاحترام لأي طرف، هي أن يكون ذلك الطرف جديرا حقا بالاحترام.

وفي هذا تقول العرب إن من «طالت عصاه قلَّت هيبته».
لسنا بصدد اختيار الأولوية بين البيضة والدجاجة، لأننا على يقين من أن الشرطة هي التي ينبغي أن تكون في خدمة الشعب وليس العكس، وهي إذا أحسنت أو أساءت فإن مردود ذلك على المجتمع حاصل بمنتهى السرعة.
إن بعض ضباط الشرطة لا يزالون يعيشون في الماضي الذي نريد أن نطوي صفحته. وقد أدهشني ما قرأته عن الطالب «المثالي» في كلية الشرطة الذي كتب قصيدة اعتبر فيها الشرطة أسياد البلد وأنذر الناقدين لهم بأن حياة أهلهم ستصبح مثل «الهباب».
قد يكون هذا رأيا شخصيا للضابط الشاب، لكنه أيضا تعبير عن ثقافة ما قبل ثورة 25 يناير، التي يبدو أن بعض ضباط الشرطة لم يتيقنوا من حدوثها، لأنهم لم يجدوا شاهدا عليها في مبنى لاظوغلى، باستثناء الأخبار التي يسمعونها من التلفزيون.

إن الكرة في ملعب الشرطة ومطلوب منها أن تدبر حالها قبل فوات الأوان.
..................

09 يونيو، 2011

فقط في سوريا


صحيفة الشرق القطريه الخميس 7 رجب 1432 – 9 يونيو 2011
فقط في سوريا – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_09.html

السوريون تزاحموا على الإنترنت للتعبير عن شعورهم بالقهر والذل
فقط في سوريا تمنع المظاهرات استنادا إلى قانون يدعي تنظيم المظاهرات.فقط في سوريا يتم اعتقال طلاب الجامعات من قبل فرع الأمن الجوي.فقط في سوريا إحدى عشرة سنة تعتبر فترة قصيرة للشروع بالتغيير.فقط في سوريا الشعب ينادي بالوحدة الوطنية والدولة تحقنهم بإبر الطائفية.
فقط في سوريا الدولاب له استعمالات أخرى غير الموجودة في بلد آخر.فقط في سوريا للمنافقين مجلس منتخب.فقط في سوريا يقتل المواطن برصاصة دفع ثمنها، ثم يتم تضليله بإعلام يدفع نفقاته، ثم تتم رشوته بضرائب دفعها من جيبه.
فقط في سوريا الأمن لا يسمع بقرار وقف إطلاق النار حتى بعد ستة أسابيع من إعلانه من قبل الرئيس.فقط في سوريا يحتقر المواطن وتهدر كرامته بحجة الممانعة والمقاومة.فقط في سوريا هناك خمس جامعات رسمية و13 جهازا أمنيا يصعب على السوريين تعداد أسمائهم.
فقط في سوريا أكبر المنشآت الحكومية قد تكون السجون المركزية.فقط في سوريا يسجنونك عشرين عاما بلا تهمة ثم يطالبون بأن توجه إليهم خطاب شكر بعد إطلاق سراحك.فقط في سوريا تسجن لمجرد اتصالك بمحطة تلفزيونية.فقط في سوريا يخرج المتظاهرون حمدا لله على نعمة المطر.
فقط في سوريا يتمنى المرء ألا تكون له خالة حتى لا يضطر إلى زيارتها.فقط في سوريا لا يشعر الناس بالطمأنينة والأمن إلا بعد اختفاء رجال الأمن.فقط في سوريا يستقي الإعلام الرسمي الأخبار من المسلسلات.
فقط في سوريا يموت الشعب ليحيا الرئيس، وينفق الشعب لتسترزق الحكومة.فقط في سوريا يهجر المواطنون قسرا ثم يجبرون على دفع بدل اغتراب.فقط في سوريا تنخرط في السلك العسكري لتخدم شخصا وليس وطنا.
فقط في سوريا تسحب الدبابات من جبهة الحرب لتقتحم المدن وتدار إلى صدور الشعب.فقط في سوريا ينصح الرئيس بترشيح نفسه لقيادة العالم بجميع قاراته.فقط في سوريا تقطع الكهرباء عن المدن في فصل الصيف لتباع إلى دول أخرى.فقط في سوريا قد يدخل الطفل إلى السجن قبل أن يدخل المدرسة.
فقط في سوريا ذهب جارنا إلى عمله صباحا وعاد بعد 11 عاما.فقط في سوريا فعل انتحر فعل مبني للمجهول.فقط في سوريا الله بمعاونة الرئيس يحميان البلد.
فقط في سوريا المواطن يسعى ويناضل ولا يحلم بأكثر من أن يكون إنسانا.فقط في سوريا يصفق أعضاء مجلس الشعب بحرارة عندما يقرأ الرئيس آية من القرآن الكريم.فقط في سوريا يقوم المتظاهرون بقتل أنفسهم.
فقط في سوريا السلفية ليست مقصورة على المسلمين باختلاف مذاهبهم وأفكارهم، بل تتسع دائرتها لتشمل المسيحيين أيضا.فقط في سوريا دولة دستورية تحكم بمراسيم رئاسية.فقط في سوريا الصورة تكذب والدماء تكذب والشعب يكذب ووسائل الإعلام كلها تكذب. وحده النظام لا يكذب.
فقط في سوريا لا يأخذ المواطن راحته في فتح فمه إلا إذا ذهب إلى طبيب الأسنان.فقط في سوريا كل وسائل الإعلام تحت الرقابة، لا تستثنى من ذلك سوى البرامج الموسيقية.فقط في سوريا إذا مات المرء وهو يصرخ طلبا للحرية فهو إما خائن أو عميل أو مندس، أو في أحسن الأحوال مغرر به، أما من مات بحادث سير فهو شهيد يستحق أن توضع صوره وتماثيله في كل مكان بالبلاد.
فقط في سوريا تختصر المباني فيتم جمع مجلس الشعب على المسرح في مكان واحد ليتسع الوطن للمؤسسات الأمنية.فقط في سوريا سب الرئيس كفر وسب الدين وجهة نظر.فقط في سوريا كل خطابات الرئيس تاريخية.
فقط في سوريا يبذل جهاز المخابرات جهدا لمعرفة عنوان ابن تيمية تمهيدا لاعتقاله، ولم يسمع أحد منهم بأنه مات قبل 700 سنة.
هذه بعض التعليقات التي حفلت بها مدونة، تزاحم السوريون للتعبير عن آرائهم فيها والتنفيس عن شعورهم بالقهر والذل.
وقد تناقلتها مختلف المواقع خلال الأسابيع الماضية وجمعت حصيلة كبيرة منها نشرة «وصلة» التي تصدرها في مصر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

وقد وجدت أن تعميمها على أوسع دائرة ممكنة من القراء العرب ليس مفيدا فقط، ولكنه واجب أيضا.
..................

08 يونيو، 2011

للكارثة أوجه متعددة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 6 رجب 1432 – 8 يونيو 2011
للكارثة أوجه متعددة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/06/blog-post_08.html

الوضع قبل 25 يناير كان كارثيا، وكل الذى حدث أننا تسترنا عليه قبل ذلك التاريخ، ثم رفعنا أصواتنا بالحديث عنه بعده.

الخبر ليس جديدا تماما، لأن كل واحد فى مصر إما سمع به أو عانى منه. لكن جريدة «الأهرام» أوردت لنا (فى عدد 2/6) بيانات مفصلة مستقاة من تقرير أخير للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، صدر تحت عنوان «مصر فى أرقام»، وثق الكارثة ووسع من دائرتها.

وقدمته «الأهرام» التقرير بحسبانه شهادة تثبت أن حكومة الدكتور أحمد نظيف خدعتنا حين ظلت طوال نحو خمس سنوات تحدثنا عن ارتفاع معدلات النمو التى ظللنا نرفل فيها طوال ما سموه «أزهى العصور».حين طالعت البيانات المنشورة رأيت ما يوحى بأن كل شىء كان معوجا وأن سهم التدهور لم يترك قطاعا إلا ونفذ إليه واخترقه. من نماذج تلك البيانات ما يلى:● فى مجال الخدمات الصحية فى الفترة بين عامى 2005 و2009 انخفض عدد الأسرة بالمستشفيات الحكومية من 156 ألفا إلى 129 ألفا، بما يعنى أنه فى حين زاد عدد السكان من 66 إلى 76 مليون نسمة، فإن الأسِرَّة المتوفرة بالمستشفيات نقصت 23 ألف سرير.فى الوقت ذاته انخفض عدد مكاتب الصحة من 337 عام 2005 لتصل إلى 22 مكتبا عام 2009.

كما انخفض عدد مراكز رعاية الأمومة والطفولة من 203 إلى 157 مركزا.

وأكثر التخصصات التى شهدت تدهورا كانت «الحميات» التى يعتمد عليها محدودو الدخل فى المحافظات من 106 عام 2007 لتصبح 43 فقط عام 2009.

وتقلص عدد الأسرة من عشرة آلاف إلى قرابة خمسة آلاف سرير.

كما انخفضت وحدات جراحة اليوم الواحد من 12 وحدة عام 2006 لتصل إلى تسع فقط عام 2009. وبالتالى انخفض عدد الأسرة بها من 711 سريرا لتصل إلى 377 فقط.● انخفض نصيب الفرد السنوى من استهلاك بعض المنتجات الغذائية مثل الحبوب. إذ كان نصيبه 333 كيلوجراما سنة 2006 وأصبح 303 عام 2009.

كذلك انخفض نصيبه من اللحوم الحمراء من 16 كيلو إلى 14 فقط.
ونفس الشىء بالنسبة للبقوليات التى انخفضت حصة الفرد منها من 8.8 كيلوجرام إلى 6.9 كيلو.
وهذا ما حدث أيضا للآليات التى انخفضت فيها حصة الفرد من 77 إلى 76 جراما فى الفترة ذاتها.● فى حين انخفض عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم من عشرين مليونا و657 ألف قضية عام 2006 إلى 17 مليونا و215 ألف قضية عام 2009، إلا أن الأوضاع الاقتصادية أدت إلى زيادة عدد المنحرفين.
حيث زادت قضايا الكسب غير المشروع من 650 ألف قضية إلى قرابة 800 ألف قضية فى الفترة نفسها.
● شهدت السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعا ملحوظا فى عدد الكوارث. فحوادث القطارات ارتفعت من 975 حادثا عام 2004 لتصل إلى قرابة 1260 حادثا عام 2010.
أما حوادث السيارات فقد ارتفعت من 18 ألف حادث سنة 2006 إلى قرابة 25 ألف حادث عام 2010.
بالتالى فقد زاد عدد ضحايا حوادث السيارات من نحو 31 ألف قتيل ومصاب إلى 46 ألفا وخمسمائة شخص خلال نفس الفترة.● من الأرقام الأخرى ذات الدلالة التى تضمنها التقرير أن معدلات البطالة وصلت إلى 9٪ ، وأن نسبة التضخم كانت 4.8٪ عام 2005 ووصلت إلى نحو 12٪ فى الوقت الحاضر،

وأن العملية التعليمية عانت بدورها من التدهور، وارتفع متوسط الطلبة لكل فصل من 29 طالبا عام 2005 إلى 32 طالبا فى 2009،
كما ارتفع عدد حالات الطلاق من 65 ألف حالة عام 2005 إلى قرابة 90 ألف حالة عام 2009.استفزنى إعلان هذه المعلومات الآن. وقلت إن توقيت إصدار التقرير شهادة إدانة للذين سكتوا طول الوقت، ثم مارسوا شجاعتهم فى فضح النظام بعد سقوطه، وهى الشجاعة التى اكتشفناها أخيرا فى مواقف العديد من الإعلاميين والمثقفين.

نقلت رأيى هذا على الهاتف إلى اللواء أبوبكر الجندى رئيس جهاز التعبئة العامة والاحصاء. فكان رده أن التقرير ليس جديدا، وأن الجهاز يصدر مثيلا له منذ عشر سنوات على الأقل فى شهر مارس من كل عام. وهو فى العادة يتضمن صورة الواقع كما هى بغير تجميل أو تزييف، فى الوقت نفسه، فإنه يوزع على كل الجهات المعنية فى البلد.

وما حدث أن الإعلام كان يتجاهل ما ننشره طوال السنوات الماضية، ولكنه انتبه إلى مضمون التقرير بعد سقوط النظام، ومن ثم مارس «حريته» فى نشر المعلومات الواردة فيه.

ولو أن أحدا اطلع على ما أصدرناه فى عام 2010 أو الأعوام التى سبقته فسيجد أن معلومات وشهادات الكارثة موجودة فيها، ولكنها قوبلت بالصمت آنذاك.أفحمنى كلام الرجل فقلت إن للكارثة أوجها متعددة وإن إزالة آثارها قد تحتاج إلى وقت أطول مما نتصور.
..................

Delete this element to display blogger navbar