Subscribe:

Ads 468x60px

31 مايو، 2011

حين يصبح الشعب هو المشكلة – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء 28 جمادي الاخره 1432 – 31 مايو 2011
حين يصبح الشعب هو المشكلة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_31.html

في مصر الآن لوثة ترفع شعار الدستور أولا، معيدة بذلك إنتاج الصخب الذي غرقت فيه البلاد قبل الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم 19 مارس/ آذار الماضى.

من ناحية أخرى، فإن تلك اللوثة جاءت كاشفة لعورات الطبقة السياسية في مصر، التي تستميت الآن في الدعوة للانقلاب على نتائج الاستفتاء.

(1)

لدىّ ملاحظتان على الحملة الراهنة التي تقودها وتؤججها الأصوات العالية بين الطبقة السياسية، إحداهما في الشكل والثانية في الموضوع.

فمن حيث الشكل أفهم أنه حين تؤيد التعديلات أغلبية 77٪ من المصوتين فإن ذلك يعنى أنه صارت لدينا وثيقة لها حجيتها البالغة، ترسم لنا خريطة طريق لتسليم السلطة إلى المدنيين، ومن ثم وضع حجر الأساس للمجتمع المدني الذي يتشدق به الجميع ابتداء من الربع الأخير من العام الحالي.

وبأي معيار ديمقراطي فإن هذه النتيجة يفترض أن تلزم الـ22٪ من المصوتين الذين اعترضوا على التعديلات، ويستعصي على المرء أن يفهم إصرار تلك الأقلية على عدم الاعتداد بالنتيجة، وسعيها الملح منذ إعلانها إلى الالتفاف عليها لإبطال مفعولها.
مرة بالتشكيك في وعى الجماهير التي صوتت لصالحها،
ومرة بالادعاء بأن الاستفتاء سقط بإصدار الإعلان الدستوري،
ومرة ثالثة بالدعوة إلى إجراء استفتاء جديد، بل إن بعض رموز الطبقة السياسية لم يتورعوا عن الطعن في نزاهة اللجنة الموقرة التي أعدت التعديلات، وقالوا في ذلك كلاما أستحي أن أستعيده، لأنه مما لا ينبغي أن يصدر عن أهل المروءة والعفاف.

إن الشعب -أي شعب- حين يقول كلمته التي تعبر عن ضميره وقناعته، فإن ذلك لا يعد ممارسة ناجحة للديمقراطية فحسب، وإنما هو ينشئ شرعية ملزمة، ليس لأي سلطة أن تردها أو تعبث بها.

ينسحب ذلك على المجلس العسكري، بما يملكه من سلطات استثنائية في المرحلة الانتقالية وفرت له صلاحيات واسعة، منها تعطيل دستور عام 1971 وإصدار الإعلان الدستوري وإصدار التشريعات المختلفة، إذ أن هناك شيئا واحدا يلزمه طول الوقت بحيث لا يستطيع الفكاك أو التحلل منه، هو الأحكام التي أيدتها الأغلبية الحاشدة في استفتاء الشعب.

ليس ذلك كلامي لكنه شهادة المستشار طارق البشري الفقيه القانوني الذي رأس لجنة تعديلات الدستور، استطرادا قال في مناقشة حول الموضوع إن الأحكام التي تم استفتاء الشعب عليها في إنجاز تاريخي يحسب للمجلس العسكري تقيد الإرادة السياسية والتشريعية والدستورية للمجلس ذاته تقييدا حازما.

بحيث إن أي قاض موضوعي إذا ما عرض عليه أي قرار أو تشريع صادر عن المجلس، ويكون مضمونه مخالفا لمقتضى ومضمون التعديلات التي أقرتها الأغلبية، فإنه في هذه الحالة لن يجد مناصا من الحكم ببطلانه.

(2)

هذا الوضع يضعنا إزاء مفارقة مثيرة للدهشة. ذلك أن نضال الجماعة الوطنية المصرية ظل يرنو طوال العقود التي خلت لرفع وصاية السلطة على الشعب وتأسيس نظام ديمقراطي يرد للمجتمع اعتباره وكرامته.

وحين وقعت الثورة وسقط النظام الذي احتكر الوصاية والولاية، ثم جرى استفتاء الشعب حول بعض التعديلات التي تسمح بوضع أول لبنة في بناء النظام الديمقراطي المنشود، أفزعت النتيجة فريقا من الجماعة الوطنية لأنها جاءت بغير ما يشتهون وليس ذلك أسوأ ما في الأمر، لأن الأسوأ أن في مقدمة الذين انقلبوا على الإرادة الشعبية نفر من الليبراليين واليساريين والناصريين الذين عرفناهم مدافعين عن الديمقراطية ورافضين للوصاية على المجتمع.

ثم فوجئنا بأنهم يتهربون من استحقاقات الديمقراطية ويريدون فرض وصايتهم على الإرادة الشعبية.

أما الأشد سوءا فإن بعضا من هؤلاء لم يكتفوا باستهجان رأى الأغلبية واحتقاره، ولكنهم لجؤوا إلى تسفيه الأغلبية والطعن في نزاهة اللجنة التي أعدت التعديلات، متعللين في ذلك بأنها ضمت أحد عناصر الإخوان المسلمين.

كأن بقية أعضاء اللجنة، وهم من أساطين القانون ورجالاته، كانوا إمَّعات. انحصرت مهمتهم في الانصياع لإرادة ذلك الإخواني «الشرير» الذي تحول إلى سُبَّة في وجه اللجنة وتهمة حسبت على المجلس العسكري لا يزال يغمز بها، رغم أن وزارة العدل هي التي اختارته وليس ذلك المجلس.

(3)

الانتقال إلى الموضوع، له مقدمة ضرورية من شقين، أحدهما يتعلق بخصوصية وفرادة الثورة المصرية والثاني يخص العلاقة بين الدستور والمجتمع.

ذلك أنه لم يعد خافيا على أحد أن الثورة المصرية صنعتها الجماهير الحاشدة والغاضبة، ولا تستطيع أية قوة أو جهة أن تدعي أنها هي التي صنعت الثورة، وتلك حالة فريدة في التاريخ العربي المعاصر على الأقل، حيث لا أعرف لها سابقة إلا في السودان عام ١٩٦٤، حين أرغمت الجماهير ممثلة في الأحزاب والنقابات وطلاب الجامعات الفريق إبراهيم عبود على الاستقالة من رئاسة الجمهورية، وتسليم السلطة لممثلي الشعب، بعد إعلان العصيان المدني في انتفاضة استمرت 20 يوما.

هذه الخصوصية التي تميزت بها الثورة المصرية كان من نتيجتها أنها ولدت جسما كبيرا بغير رأس ولا مشروع للمستقبل واضح المعالم. ولأن أحدا لا يستطيع أن يدعي أنه «صاحب» الثورة فليس بوسع أي أحد بالتالي أن يمثلها أو أن يدعي أنه صاحب مشروعها. والجدل والتراشق وغير ذلك مما نشهده من صور الاشتباك أو التنافس ليست سوى محاولات لملء الفراغ المترتب على غياب الرأس والمشروع.
العلاقة بين الدستور والمجتمع ملتبسة عند البعض، ممن يرون أن الدستور مجرد فصول ترتب ومواد يحررها أهل الاختصاص لتعبر عن هوية الدولة وقانونها الأساسي. وذلك توصيف غير دقيق، لأن الدستور قبل ذلك هو بمثابة مرآة للواقع الاجتماعي والسياسي. وهذا ليس خبرا جديدا، ولكنه مما تعلمناه على أيدي أساتذة القانون الدستوري في كلية الحقوق.

وقعت على تحرير لهذه النقطة في الكتاب الذي صدر للمستشار البشري عام 2006 تحت عنوان «مصر بين العصيان والتفكك». إذ تصدى وقتذاك لحملة دعت إلى تعديل دستور1971 قائلا: إن الدستور ينظم ما هو قائم ولكنه لا يوجِد أمرا غير موجود ولا يقضي بذاته على ظاهرة يراد إنهاؤها، ضرب في ذلك مثلا بدستور 1923 الذي أتاح قدرا من التداول في السلطة، لا لأنه نظم ذلك فقط، ولكن لأن المجتمع كان فيه تعدد لقوى سياسية واجتماعية متبلورة في تنظيمات وتكوينات مؤسسية، ولم يكن في مكنة أي من هذه القوى أن تنفي الأخريات في الواقع السياسي الاجتماعي.

بكلام آخر فإن التعدد لم يكن معتمدا فقط على ما أتاحه الدستور، وإنما كان يعتمد على الوجود الواقعي الفعال. وخلص إلى أن مشكلة مصر (خلال عهد مبارك) أننا لا نكاد نجد فيها تكوينا سياسيا اجتماعيا ذا إرادة ماضية وذا قدرة على التحريك الفعال المؤثر، ولا نجد من ذلك إلا جهاز الدولة المصري والهيئات التي تتفرع عنه، وهو خاضع لسيطرة إرادة شخصية فردية واحدة، الأمر الذي يشكل أسوأ مناخ لتعديل الدستور، حيث يصبح في هذه الحالة معبرا عن تلك الإرادة الفردية بأكثر من تعبيره عن أشواق المجتمع وتطلعاته.

(4)

التجربة المصرية خير شاهد على صحة هذه المقولة. فعورات دستور 1971 ومأساة التعديلات التي أدخلت عليه أعطت رئيس الجمهورية في مصر صلاحيات تجاوزت ما هو ممنوح للولي الفقيه في الدستور الإيراني (مدة ولاية كل منهما مفتوحة، لكن الرئيس في مصر أعطى حق حل البرلمان المنتخب في حين يمتنع ذلك على الولي الفقيه)، ثم لا تنس قصة المادة 76 التي مهدت لتوريث السلطة حين قصرت الترشح للرئاسة على من يختاره الحزب الوطني دون غيره.

إن مشكلة المشاكل في مصر الراهنة أن النظام السابق أمات السياسة فيها، وحوّل الأحزاب إلى كيانات هزلية هشة، كانت في حقيقة الأمر مجموعة أصفار لا تقدم ولا تؤخر. وكانت نتيجة ذلك أننا وجدنا أنفسنا بعد الثورة بإزاء فراغ سياسي هائل تحاول مختلف التيارات أن تملأه، حتى صرنا نشهد ميلاد حزب جديد بين الحين والآخر. ولم يتح لنا أن نتعرف على أوزانها الحقيقية.

وكل ما حدث أننا انتقلنا من الفراغ السياسي قبل 25 يناير إلى الضجيج السياسي بعد ذلك التاريخ. وهو ما نسمع صداه عاليا في وسائل الإعلام في حين لا ترى له «طحنا» أو أثرا في الشارع. وكانت النتيجة أن أصبح نجوم السياسة ورموزها هم ضيوف الحوارات التلفزيونية، وتحولت السياسة من فعل على الأرض إلى حلقات للثرثرة المسائية.

إذا صح ذلك فإنه يثير السؤال التالي: هل هذا هو الواقع الذي نريد للدستور أن يعبر عنه. وأليس من الأجدر والأشرف أن يعبر الدستور عن واقع تلوح فيه بوادر الحيوية السياسية، بدلا من واقع يعاني الفراغ ويملؤه الضجيج التلفزيوني الذي يختلط في ظله الحابل بالنابل والحق بالباطل؟

دخلت في مناقشة مع مثقف بارز من أنصار فكرة الدستور أولا. فقال إنه في أية مباراة ينبغي أن تكون القواعد معروفة سلفا، ولا تستطيع أن تطالب اللاعبين بالنزول إلى الملعب ثم نقول لهم إن قواعد اللعبة ستعرفونها فيما بعد. وكان يعني أن الدستور هو الذي يبين قواعد اللعبة السياسية، ولذلك فإن البدء بإصداره يعد أمرا ضروريا ومنطقيا في عملية بناء النظام الجديد.

كان ردي أن هذا الكلام منطقي لكنه لا ينطبق على الحالة المصرية، لأن فراغ الساحة السياسية والهرج الشديد السائد فيها يدفعاننا إلى تبني مسار آخر يختلف فيه الترتيب، بحيث نحاول تحريك المياه الراكدة في الحياة السياسية، بما يوفر بعض الحيوية للساحة، ثم نشرع بعد ذلك في وضع الدستور.

وقلت إنه في البدايات لم توضع قواعد اللعبة ثم يدعى اللاعبون للنزول إلى الملعب، ولكن الذي حدث أن الناس لعبوا ثم اكتسبوا خبرة وخرجوا بملاحظات مكنتهم من وضع قواعد اللعب. وهذا ما حدث في اللغة، فلم توضع قواعدها أولا ثم وعى الناس إلى ضبط ألسنتهم وفقا لها، ولكن الناس انطلقت ألسنتهم بالكلام، ثم وضعوا قواعد للغة بعد ذلك.

أضفت أن الوضع الراهن في مصر يجسد مرحلة البدايات الديمقراطية. ولذلك فإن فتح الأبواب لظهور الأحزاب السياسية وتنافس الجميع حول الانتخابات البرلمانية من شأنه أن يخرج البلد من حالة الموات السياسي، كما أنه يمكننا من أن نتعرف على موازين وأحجام القوى السياسية المختلفة. فضلا عن أنه يوفر لنا لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن كيانا منتخبا من قبل الشعب، تم اختيار أعضائه بشفافية وحرية. وأن يوفر هذا الحراك بعضا من الحيوية للمشهد السياسي، فإنه يوفر في الوقت ذاته مناخا مواتيا لانتخاب لجنة وضع الدستور وإنجاح مهمتها.

(5)

إذا جاز لنا أن نتصارح في تشخيص المشكلة فسوف نقرر أن عناصر الطبقة السياسية الداعية إلى البدء بإصدار الدستور تولدت لديهم «عقدة» من الاختيار الشعبي منذ أن صدمتهم نتائج الاستفتاء على تعديلات الدستور.

فهم لا يريدون أن يغامروا بالخضوع لاختبار الانتخابات خشية أن تتكرر الصدمة. ولا يريدون لمجلس الشعب القادم أن يرشح من جانبه لجنة لوضع الدستور الجديد. ويريدون أن يكبلوا المستقبل بدستور يوضع تحت أعينهم ووفق إرادتهم.

وإذا صح ذلك فهو يعني أن الشعب صار في نظرهم هو المشكلة التي لا يجدون حلا لها سوى بإخضاعه لوصايتهم. ويعنى أيضا أنه يراد لنا أن نخرج من وصاية نظام مبارك إلى وصاية بعض عناصر النخبة.. ويا قلبي لا تحزن!
..................

30 مايو، 2011

تدليس إعلامي

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 27 جمادي الاخره 1432 – 30 مايو 2011
تدليس إعلامي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_30.html

يوم الجمعة الماضي (27/5) حين خرجت الجماهير إلى ميدان التحرير وبعض الميادين الأخرى للتعبير عن يوم الغضب، ذكرت النشرة الإخبارية التي بثتها قناة «أو. تي. في» إن من بين المطالب التي دعا إليها المتظاهرون تشكيل مجلس رئاسي لحكم البلاد.
وفي اليوم التالي مباشرة (السبت 28/5) أشارت صحيفة «المصري اليوم» في عناوين الصفحة الأولى إن أهم المطالب: الدستور أولا، وتأجيل الانتخابات.
وذكرت صحيفة «الشروق» أن أبرز مطالب المتظاهرين تمثلت في الدعوة إلى تأجيل الانتخابات.

أما جريدة «الأهرام»، فتحدثت عن مشاركة عشرات الألوف في التظاهرات، الذين طالبوا بإصدار الدستور أولا وتأجيل الانتخابات التشريعية، وعدم انفراد المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإصدار القوانين.
قارنت ما نشرته الصحف سابقة الذكر بالتقرير الذي نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية في اليوم ذاته (السبت 28/5) فلاحظت اختلافا في أمرين،

الأول أن الصحف المصرية ذكرت أن غياب الإخوان لم يؤثر على «المليونية» التي التأمت يوم الجمعة، في حين ذكرت صحيفة الحياة العكس، وقالت إن التظاهرات «أظهرت قدرات الإسلاميين على الحشد، إذ مثل غيابهم عن ميدان التحرير ضربة لأعداد المحتشدين».

الأمر الثاني إن تقرير «الحياة» لم يشر إلى أولوية العناوين والمطالب التي أبرزتها الصحف المصرية، وإنما ذكر أن إحالة الرئيس السابق ونجليه علاء وجمال حظيت باهتمام كبير في قلب ميدان التحرير، إذ طالب المتظاهرون بضرورة التعجيل بمحاكمة مبارك وأركان النظام السابق علانية.

وقالت إن الآلاف توافدوا على ميدان التحرير والميادين الكبرى في أنحاء البلاد، وإن نحو ثلاثة آلاف مصرى احتشدوا في ميدان التحرير مطالبين بأمور كثيرة منها تصحيح مسار الثورة وتشكيل مجلس رئاسة مدني لتنفيذ أهدافها، إضافة إلى إجراء نقاش مجتمعي موسع قبل إصدار التشريعات والقوانين.
ذكر التقرير أيضا أن خطيب الجمعة طالب القوات المسلحة بالرجوع إلى الشعب والثوار قبل إصدار أي قرار مصيري، وانتقد مشاركة بعض رموز الحزب الوطني المنحل في جلسات الحوار الوطني.
في حين ردد المتظاهرون هتافات طالبت بسرعة محاكمة الرئيس السابق وبطانته ومصادرة أموالهم لمصلحة الشعب.
الخلاصة أن الصورة التي سجلها وسوَّقها الإعلام المصري ركزت على ثلاثة مطالب هي:
إصدار الدستور أولا، وتأجيل الانتخابات التشريعية، وتشكيل مجلس رئاسي مدني في الفترة الانتقالية الراهنة.
في حين أن الصورة التي رسمتها جريدة «الحياة» ركزت على مطالب أخرى متعلقة بمحاكمة الرئيس السابق وتصفية رموز الفساد، وغير ذلك مما سبق ذكره.
وحين ذكرت مسألة المجلس الرئاسي في تقرير «الحياة» فإنها وردت ضمن نداءات وعناوين أخرى ترددت في هتافات الجموع الحاشدة.
سألت أكثر من شخص ممن كانوا في ميدان التحرير طوال اليوم، فأيد الشهود دقة التقرير الذي نشرته جريدة الحياة، الأمر الذي يدعونا إلى إعادة تقييم مواقف بعض الأبواق الإعلامية وتحيزاتها في المرحلة الراهنة.

إذ يستدعي إلى أذهاننا حقيقة الدور التحريضي الذي قامت به قناة «أو. تي. في» المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، لتعبئة المشاهدين ضد التعديلات الدستورية.

كما يذكرنا بأن صحيفة «المصري اليوم» التي يملكها رجل الأعمال صلاح دياب نظمت ندوة في أحد الفنادق الكبرى لمعارضة التعديلات استمرت ثلاثة أيام.
تنبهنا المفارقة أيضا إلى أن منابر الإعلام الأساسية تحتكرها نخب معينة وتحاول توظيفها لصالح مشروعها السياسي عن طريق لي الحقائق لتخدم أهداف ذلك المشروع، ولا ينسى في هذا الصدد أن تلك المنابر ذاتها حين قادت حملة التعبئة لمعارضة التعديلات الدستورية، فإن تأثيرها في أحسن فروضه لم يتجاوز حدود 22 في المئة من المصوتين، الأمر الذي يعنى أن 77 في المئه من الذين اشتركوا في الاستفتاء أداروا ظهورهم لهم.
إن أزمة الإعلام تعكس أحد أوجه أزمة النخبة المصرية، التي ينتمى أغلبها إلى مربع الـ22 في المئة، والمسافة بين ما تبثه المنابر الإعلامية المختلفة وبين الواقع هي ذات المسافة بين النخبة والمجتمع.
وفي الحالتين، فإن خطابها يدل على أن تلك النخبة أفرزتها الأنظمة التي توالت في العهود السابقة، وليست خارجة من رحم المجتمع أو معبرة عن ضميره.

إن مصر الثورة تستحق نخبة أكثر انتماء للناس وأكثر أمانة وصدقا في التعبير عن الحقيقة.
................

29 مايو، 2011

وفد شعبي إلى إيران

صحيفة السبيل الاردنيه الأحد 26 جمادي الاخره 1432 – 29 مايو 2011
وفد شعبي إلى إيران – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_29.html

تظل العلاقة مع إيران أحد المعايير التي يمكن أن يقاس بها مدى استقلال القرار المصري، لذلك فقد اعتدت أن أقول حين كنت أسأل عن سبب تعثر تلك العلاقة طوال الثلاثين عاما الماضية أن طرفيها ليسا القاهرة وطهران فقط، ولكن هناك طرفا ثالثا يلعب دورا ضاغطا يحول دائما دون «تطبيع» العلاقات بين البلدين.
لذلك لم أستغرب أن يصرح الدكتور نبيل العربي، وزير خارجية حكومة ثورة 25 يناير بأن مصر تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية مع إيران.
وسرني أيضا أن يتوجه وفد شعبي مصري يضم 40 شخصا إلى إيران هذا الأسبوع في الأغلب، في محاولة شجاعة لكسر الحاجز النفسي بين الشعبين الذي أقامه النظام السابق.
ولعلنا نذكر في هذا الصدد أن اتفاقا كان قد وقع لتسيير خط الطيران بين القاهرة وطهران، ولكن الأيدي الخفية صاحبة المصلحة في استمرار القطيعة تدخلت لتجميده وتأجيل تشغيل الخط حتى إشعار آخر.
سفر الوفد الشعبي المصري له أكثر من دلالة مهمة،
منها أن المجتمع المصري استرد حريته في التعبير عن نفسه وتقدير موقفه، وأن وصاية السلطة وجهاز أمن الدولة على عقول الناس وتوجهاتهم سقطت.

منها أيضا أن عملية التعبئة المضادة التي استمرت طوال الثلاثين سنة الماضية ظل تأثيرها مقصورا على المجال الإعلامي الذي لم يتجاوز تأثيره قشرة المجتمع دون أن ينفذ إلى عمقه.

من تلك الدلائل كذلك أن حركة المجتمع في مصر صارت متقدمة على حركة السلطة.فالمجتمع تصرف في هذا الشأن بعفوية وتلقائية، متأثرا بالوشائج والحس التاريخي، في حين أن حركة السلطة محكومة بحسابات معقدة تضع في الاعتبار معادلات أخرى إقليمية ودولية.
كنت وما زلت أحد القائلين بأنه من المشين والمخجل أن تتجاوز مصر وتغض الطرف عن تناقضاتها مع إسرائيل، لتقوم بتطبيع العلاقات معها رغم أنها لا تزال تعد عدوها الاستراتيجي الأول، في حين تعجز عن ذلك عندما تعلق الأمر ببلد شقيق هو إيران.
ولا تفسير لتلك المفارقة الشاذة سوى أن ذلك ما أراده الطرف الثالث الذي انصاع له القرار المصري في ظل النظام السابق.
ثمة بديهية يعرفها كل الدبلوماسيين والمشتغلين بالعمل العام، وهي أن إقامة العلاقات الطبيعية بين أي بلدين لا تعني بالضرورة رضا كل طرف عن سياسة ومواقف الآخر، كما أنها لا تعني أن الطرفين كونا كتلة ضد أي طرف ثالث. إلا إذا عقدا تحالفا استراتيجيا بينهما.
إن الدول الخليجية التي تحفَّظ بعضها على الموقف المصري الأخير. تقيم كلها علاقات دبلوماسية طبيعية مع إيران، وهي تعد سوقا رئيسية للبضائع والاستثمارات الإيرانية.
وفي كل واحدة من تلك الدول سفير إيراني معتمد، بل في السعودية سفيران أحدهما يمثل الجمهورية الإسلامية لدى المملكة في الرياض، والثاني يمثلها لدى منظمة المؤتمر الإسلامي في جدة.

ولا أعرف كيف غاب عن الأصوات الناقدة للموقف المصري التي خرجت من تلك الدول أن مصر يمكن أن يكون لها تحفظاتها على بعض السياسات الإيرانية الخارجية، تماما كما أن الدول الخليجية لها تحفظاتها على تلك السياسات.
إنني أفهم جيدا أن تتضرر إسرائيل وتغضب الولايات المتحدة إذا قامت علاقات طبيعية بين القاهرة وطهران حتى لا يتقوى كل من البلدين بالآخر، فضلا عن أن للشيطانين الأكبر والأصغر مصلحة في عزل إيران وتقويض نظامها لأسباب يطول شرحها تتراوح بين رفض إيران للهيمنة الأمريكية ومساندتها للمقاومة الفلسطينية، لكن ما لا أفهمه هو أن تنحاز بعض الدول العربية في هذا الشأن إلى جانب المربع الأمريكي والإسرائيلي.
لا نستطيع أن نغض الطرف في هذا المقام عن أطروحات المختصين بالشئون الاستراتيجية الذين يعولون في نهضة المنطقة بأسرها على اكتمال أضلاع «مثلث القوة» في المنطقة، المتمثل في مصر وتركيا وإيران،

كما أننا لا نستطيع أن نتجاهل أن حجم المنافع والمصالح التي ضاعت على مصر وإيران بسبب القطيعة بينهما هي بلا حدود، وأن آفاق التعاون الاقتصادي والسياحي بينهما هي أيضا بلا حدود،

ولست أشك في أنه بعد زيارة الوفد الشعبي المصري لطهران، فإن زيارة أخرى لوفد من رجال الأعمال المصريين يمكن أن تشكل دفعة قوية لمسار التعاون بين البلدين، خصوصا أنه قيل لي في طهران إن هناك ثمة استعدادا قويا لدى الإيرانيين للدخول في مشروعات استثمارية بمصر في حدود 8 مليارات دولار، وفي هذا فليتنافس المتنافسون.
..................

28 مايو، 2011

كرامة المواطن خط أحمر

صحيفة الشرق القطريه السبت 25 جمادى الأخره 1432 – 28 مايو 2011
كرامة المواطن خط أحمر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_28.html

نريد أن نتفق على أن الاعتداء على كرامة أي مواطن في مصر إهانة لكل المصريين، وطعنة موجهة إلى قلب الثورة، التي ما قامت إلا لترد للشعب المصري كرامته المستباحة.

وأذهب في هذا الصدد إلى أن تلك الكرامة ينبغي أن تظل الخط الأحمر الثابت الذي لا يسمح لأحد كائنا من كان أن يمسه، وأن أي مساس بذلك الخط ينبغي ألا يمر دون حساب رادع.
ما دفعني إلى البوح بذلك الكلام أن شعورا بالغضب والمهانة ينتابني منذ قرأت شهادة أوردها أحد المدونين على الإنترنت (طالب جامعي اسمه مصعب الشامي) يوم 23 مايو الحالي، وكان صاحبنا هذا أحد الذين تظاهروا أمام مبنى السفارة الإسرائيلية في ذكرى النكبة.

وبسبب من ذلك اعتقلته الشرطة العسكرية لعدة أيام. وفي شهادته ذكر مصعب أن أحد ضباط الجيش، وهو يعتقله وصفه بأنه ابن «عاهرة»، فما كان منه إلا أن طلب منه أن يترك أمه في حالها ويخرجها من الموضوع، وحينئذ ركله الضابط في وجهه وأسكته.
منذ قرأت هذا الكلام وأنا أعتبر الركلة أصابت وجهي، والعبارة تتردد في أذني. إذ ذكرني تصرف الضابط بسلوك عناصر أمن الدولة قبل 25 يناير. وقلت إن هذا الرجل لم ينتبه إلى أن الدنيا تغيرت. وأن تصرفه يعنى أنه لم يدرك مغزى أن تكون في البلد ثورة يفترض أن تكون على قطيعة مع ذلك السلوك، بحيث لا يجرؤ ضابط مهما علت رتبته، وأيا كانت الجهة التي ينتمي إليها على أن يتعامل مع أي مواطن مهما صغر شأنه بهذا الأسلوب الجارح.
إذا قيل إن تلك حالة فردية واستثنائية وأن المؤسسة التي ينتمي إليها الرجل، تستنكر التصرف وتستهجنه، فردي أنني قد لا أشك في ذلك، وسوف أصدق الكلام في حالة واحدة هي أن يعلن ذلك الرأي على الملأ وأن يحاسب الضابط على ما فعله.
وإذا قيل إن الثورة لم يمض على نجاحها سوى أشهر قليلة، وأننا لا نستطيع في ذلك الأجل المحدود أن نطالب كل ضابط شرطة أو جيش بأن يعبر عن احترامه ويحسن من لغة مخاطبته للمواطنين، فردي أن هذا مفهوم ولكننا لن نصل إلى تحقيق ذلك الهدف إلا إذا سارعنا إلى محاسبة كل من يثبت أنه اعتدى على كرامة المواطنين، لأن ذلك وحده كفيلا بتحذير الآخرين وردعهم.
وإذا قيل إننا تقدمنا خطوة إلى الأمام حين تم إيقاف التعذيب في السجون والمعتقلات، فردي أن ذلك إذا صح فهو خطوة مقدرة لا ريب يشكر كل من أسهم فيها، ولكنني أذكر بأن الإهانة والإذلال تعذيب نفسي، وأننا لا نسعى إلى تخفيف صور إذلال المصريين وإهدار كرامتهم، وإنما مطلبنا الحقيقي هو طي تلك الصفحة تماما. ووقف كل صور الإذلال والإهانة.
قد يقال أيضا إن الواقعة نسبت إلى ضابط في الجيش وأن ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية يعد خطا أحمر، وأن تعليمات إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة تقضي بالامتناع عن نشر أي مواد تتعلق بتلك المؤسسة إلا بعد إطلاعها عليها والموافقة على نشرها.
وردى على ذلك أنه من حيث المبدأ فإن زمن الخطوط الحمراء انتهى، بمعنى أنه لا ينبغي بعد الثورة أن يكون أي أحد أو أي مؤسسة فوق النقد والمساءلة.

وتعليمات الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة على العين والرأس، لكنها تحتاج إلى ضبط ومناقشة. ذلك أنني أفهم أن ينصرف ذلك الحظر إلى الشأن العسكري بالدرجة الأولى. أي إلى كل ما يتعلق بأنشطة المؤسسة العسكرية المتعلقة بأمن البلد وسياسة الدفاع أو أي عمل عسكري من أي نوع.

ولا أظن أن اعتداء الشرطة العسكرية على المتظاهرين أو إذلالهم بعد اعتقالهم يعد شأنا عسكريا. وبدلا من أن تحظر الشؤون المعنوية نشر أخبار الانتهاكات التي تقوم بها الشرطة العسكرية، فأولى بها والمتوقع منها بعد الثورة أن تمنع وقوع أمثال تلك الانتهاكات من الأساس، وأن تحاسب المسؤولين عنها. فتحمى بذلك المواطنين ولا تتستر على الفاعلين.
من ناحية ثانية، فثمة مفارقة في هذه الجزئية خلاصتها أنه في حين امتثلت الصحف لقرار حظر نشر أخبار تلك الانتهاكات التي ترصدها المنظمات الحقوقية المصرية، فإن قيادة القوات المسلحة دأبت على إذاعة ردود وتعليقات على تقارير تلك المنظمات، ولأهمية مصدرها فإن الصحف: تحتفي بتلك الردود وتبرزها، في حين أن القارئ العادى لا يتاح له أن يطلع على مضمون التقارير موضوع الرد. كأنما أريد للقارئ أن يطلع على مرافعة في قضية لم يسمع بها أصلا!
إننئ أرجو ألا يشك أحد في احترامنا للقوات المسلحة وكل ما هو منسوب إليها، لكننا نرجو منها أيضا أن تبادلنا نفس القدر من الاحترام.
...............................

26 مايو، 2011

ثلاثة أسباب للغضب

صحيفة الشرق القطريه الخميس 23 جمادي الاخره 1432 – 26 مايو 2011
ثلاثة أسباب للغضب – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_26.html

حري بنا أن نبحث عن أسباب الغضب في مصر، بدلا من أن نحاول إجهاض وإفشال جمعة الغضب. خصوصا أن المجتمع المصري لم يعد أمامه سبيل للتعبير عن غضبه إلا أن تخرج جماهيره إلى الشارع في تظاهرات سلمية لكي ترفع صوتها معبرة عما يجيش في صدورها.


وهذا منطوق يحتاج إلى بعض التفصيل، الذي أرجو أن يضع الأمر في نصابه الصحيح.
قبل أي كلام في الموضوع ينبغي أن يكون واضحا أننا تجاوزنا لغة العهد السابق الذي دأبت أبواقه على القول بأن الناس في مصر مسالمون وطيبون، وأنهم حين يخرجون إلى الشارع فإنهم ينطلقون من مشاعر بريئة وحسنة النية،

ولكن المشكلة تكمن في أن ثمة فئات مندسة تستغل تلك البراءة، وتحرف الخروج عن مقاصده النبيلة، بحيث يصبح الاحتجاج تخريبا والهتاف قذفا وتنديدا والمسيرة السلمية عملا عدوانيا يعطل مصالح الخلق ويلحق أبلغ الضرر بالممتلكات العامة.
كما تخلصنا من النظام السابق يفترض أننا تخلصنا أيضا من ذرائعه التي كان يتعلل بها لتكميم الناس وقمعهم، بدعوى حمايتهم من الأشرار الذين يريدون استغلال طيبتهم ونبل مقاصدهم.

بالتالي فليس مفهوما ولا مقبولا أن يجري تخويفنا من خروج الناس في جمعة الغضب، استنادا إلى ذات الحجة القديمة التي لوحت بلافتة الفئة المندسة ذاتها، الساعية إلى إحداث التخريب وإشاعة الفوضى.

لا أنفي أن هناك أشرارا أو مندسين، لكن التعامل معهم لا يكون بمقاطعة الخروج أو استنكار الغضب. ولكنه يكون بالاتفاق على أهداف واضحة للخروج تغلق الباب في وجوههم، بحيث يصبح الخروج بمثابة دفعة قوية لتقدم الثورة على طريق إقامة المجتمع الديموقراطي المنشود، وليس لغما يوقف التقدم ويخرب المسيرة.
لم أنس أنني كتبت ذات مرة محذرا من الخروج حين لم أكن مقتنعا بأسبابه، لكنني أزعم الآن أن ثمة حالة من البلبلة في البلد تكمن وراء الدعوة إلى إقامة ما سمي بجمعة الغضب الثانية غدا.

ولا أستبعد أن يكون صدور قرار إحالة الرئيس السابق إلى محكمة الجنايات أمس الأول (24/5) محاولة لامتصاص بعض ذلك الغضب. يشجعنا على ذلك الظن أننا لاحظنا أن بعض القرارات المهمة أصبحت تصدر قبل حلول يوم الجمعة، سواء لتهدئة المشاعر أو للتدليل على أن ثمة تجاوبا وتفاعلا مع رغبات الجماهير وتطلعاتها.
إن تحرير ذلك الغضب في اللحظة الراهنة من الأهمية بمكان، ولا يقل عن ذلك أهمية أن نتفق في ذات الوقت على ضوابط وحدود ذلك الغضب، ما يجوز منه وما لا يجوز،

أدرى أن ثمة اجتهادات كثيرة في تحري أسباب الغضب، بعضها محق ومقبول وبعضها تجاوز حدود المقبول والمعقول. ولا ينبغي أن يزعجنا ما فيه من شطط لأن ارتفاع صوت المجتمع وتعدد الآراء فيه من فضائل ثورة 25يناير،

كما أن استدعاء الشرائح التي خاصمت السياسة وعزفت عنها واتجاه الجميع إلى الاهتمام بالشأن العام فضيلة أخرى، ناهيك عن أن وسائل الاتصالات الحديثة أتاحت لكل صاحب رأي أن يجهر بما عنده وينقله إلى محيطه، الأمر الذي يسوغ لنا أن نقول بأن عصر تكميم الأفواه قد انتهى إلى غير رجعة.
لقد أتيح لي أن أطلع على أغلب البيانات التي صدرت داعية إلى جمعة الغضب، وهو ما يسوغ لي أن أقول إن ثمة أسبابا ثلاثة معقولة وراء حالة البلبلة والغضب هي:
< إن ثمة إهانات وانتهاكات تعرض لها الناشطون ما كان لها أن تحدث في ظل الثورة. وما سجلته في هذا الصدد منظمات حقوق الإنسان المصرية فضلا عن المنظمات الحقوقية الدولية يؤكد وقوع تلك الانتهاكات، ولعل أقربها ما حدث للمتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية يوم 15 مايو، وهي الوقائع المشينة التي جرى تعميمها على الكافة، مما أعتبره إهانة للثورة ذاتها وليس للناشطين وحدهم. صحيح أن التعذيب توقف تقريبا، لكن الإهانة والإذلال لا يزالان كما كانا في عهد العادلي وزبانية أمن الدولة.
< إن أزمة الثقة في جهاز الشرطة لا تزال مستمرة. وهناك انطباع عام بأن أصابع الجهاز القديم لا تزال تتحرك في مواقع متقدمة بوزارة الداخلية، وإذا صح ذلك فإنه يعني أن تطهير الداخلية لم يتحقق بالشكل المطلوب بعد، وقد ذهب سوء الظن بالبعض إلى حد القول بأن اللواء العادلي ــ الوزير السابق ــ لا يزال يمارس مهام منصبه من سجن طرة.
< إن ثمة شعورا بأن هناك تراخيا في محاسبة رموز الفساد في العهد السابق، في حين أن المحاكم العسكرية تتعامل بشدة وبقسوة مشهودة مع المتظاهرين والناشطين.
فالأولون يدللون ويستجوبون خلال أسابيع أو أشهر، في حين أن الآخرين تصدر بحقهم الأحكام العسكرية بسرعة مدهشة.
وهو وضع لا يخلو من غرابة، لأنه يجعل نظام ما بعد الثورة مترفقا وحنونا على الظالمين والفاسدين، وشديدا وقاسيا على الناشطين والثائرين.
وتلك لعمري مفارقة لو أدركها السابقون لتلبستهم الدهشة واعتبروها من علامات الساعة الصغرى.
..................

25 مايو، 2011

الرحيل هو الحل


صحيفة السبيل الاردنيه الأربعاء 22 جمادي الاخره 1432 – 25 مايو 2011
الرحيل هو الحل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_25.html

ثلاث إشارات خطيرة وعميقة الدلالة خرجت من صنعاء خلال هذا الأسبوع:

الأولى: إن الرئيس على عبدالله صالح الذي تشهد بلاده منذ أربعة أشهر انتفاضة شعبية تطالبه بالرحيل، رفض التوقيع على المبادرة الخليجية التي استهدفت توفير انسحاب كريم له ونقل السلطة إلى نائبه، وكانت تلك هي المرة الثالثة في غضون أربعة أسابيع التي يوافق فيها الرجل على المبادرة، ثم يتملص منها في اللحظة الأخيرة، ويرفض التوقيع عليها، بعدما وصفها بأنها «مؤامرة انقلابية» على النظام والشرعية الدستورية.
الإشارة الثانية: تمثلت في أن وفد مجلس التعاون الخليجي ومعه سفراء مجلس التعاون والسفراء الغربيين الذين انضموا إلى الوفد لإيجاد مخرج سلمي للأزمة، هؤلاء جميعا حوصروا في داخل مبنى سفارة دولة الإمارات العربية من قبل مئات المسلحين الذين استجلبهم الرئيس وجماعته للدفاع عنه.

ورغم أنه يشك في أن ذلك تم بغير علم الرئيس، إلا أنه بعد ساعات من الحصار، صدرت التعليمات بتوجيه مروحيتين خرجتا من مقر دار الرئاسة وهبطتا في محيط سفارة دولة الإمارات، حيث نقلتا الدبلوماسيين المحاصرين إلى مكان آمن، قبل أن ينقلوا من هناك إلى العاصمة السعودية الرياض.
الإشارة الثالثة: إنه في اليوم التالي لذلك مباشرة حدث اشتباك مسلح لأول مرة في صنعاء بين قوات الأمن الموالية للرئيس وبين قبليين يحرسون منزل الشيخ صادق عبدالله الأحمر، شيخ مشايخ قبيلة حاشد المؤيد للمعارضة.

وشملت الاشتباكات أحياء وسط صنعاء، مثيرة الذعر بين السكان. وذكرت تقديرات أولية أن ستة أشخاص على الأقل قتلوا، وأن 40 جرحوا، وأن النيران المتبادلة أصابت عدة مبان حكومية، وكان الرئيس على عبدالله صالح قد حذر في ليلة سابقة من وقوع حرب أهلية وحمل المعارضة المسئولية عنها.
ثمة تفصيلات تذرع بها الرئيس اليمني في تفسيره لعدم التوقيع على المبادرة، لكن من الواضح أن ذرائعه يريد بها شيئا واحدا هو إطالة أمد بقائه في السلطة وتمسكه بمنصبه مهما يكن الثمن، مع المراهنة على إنهاك المتظاهرين المعتصمين في أنحاء البلاد طوال الأشهر الأربعة الأخيرة.
جانب من المشهد يبدو تكرارا للحدث الليبى، فكما أن العقيد القذافي يتحصن في قلعته (باب العزيزية) في قلب العاصمة طرابلس، وكما أنه أناط بأبنائه مسئولية قيادة المجموعات التي توصف بأنها «كتائب القذافي»، فإن الرئيس اليمني فعل نفس الشيء، إذ تحصن في مقره بصنعاء، وترك لأبنائه مهمة قيادة القوات الخاصة التي تتولى حمايته.

وإذا كان العقيد جمع من حوله ــ بفلوسه ــ أعدادا من المرتزقة لكي يهتفوا له وينخرطوا في كتائبه، فإن الأخ علي عبدالله صالح اعتمد بدوره على إغراء مرتزقة القبائل بالمال، لكي يحتشدوا حول قصره ويهتفوا له (قيل لي إن الواحد منهم يتقاضى 200 دولار في اليوم).

هذا كله مفهوم، إنما الذي يستحق التفكير حقا السؤال التالي:

ما الذي يشجع الرئيس اليمني على مقاومة ومعاندة المطالبين له بالرحيل طوال أربعة أشهر،
وما الذي يشجعه على تحدي ورفض مبادرات دول مجلس التعاون الخليجي، التي انضمت إليها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي،
بل إنه ذهب في تحديه إلى حد محاصرة وفد الوساطة من جانب القبليين المسلحين.
ليس ذلك فحسب، وإنما تحدث في كلمته عن الحرب الأهلية، وبعث برسالة تحذيرية من خلال هجوم قوات الأمن على مقر الشيخ الأحمر ومحاولة اقتحام مقره؟
يتحدث المطلعون على الشأن اليمني عن صفات مشهودة للرجل، ليس بينها جرأته في مواجهة التحديات التي يواجهها.. خصوصا إذا كانت من الجيران الذين لا ترد لهم كلمة من جانبه، أو من الأجانب الذين يدعمونه بعدما أطلق أيديهم للعمل في أنحاء اليمن، بدعوى تضامنه مع حملة مكافحة الإرهاب وتتبع عناصر القاعدة.
في تفسير تلك الجرأة على المماطلة والتحدي، قال لي أحد العارفين هامسا إنه لا يستبعد أن يكون الرجل قد تلقى من قيادات الدول المحيطة إشارات شجعته على ذلك. وهؤلاء أرادوا بذلك ليس الدفاع عن الرئيس اليمني وحده، ولكن الدفاع عن أنفسهم أيضا.

وفي تقديره إن تلك القيادات أرادت أن تبلغ الجماهير ــ وغضبها ليس مقصورا على اليمن وحده ــ إن الأمر ليس سهلا، وإن خروجها واعتصامها في الشوارع لا طائل من ورائه. ومن الأفضل لها أن ترضى بالموجود، بعد إدخال بعض التحسينات التي تجمل النظام، بدلا من المطالبة بتغيير النظام وإسقاطه.
في حدود علمي، فإن هذه الرسالة أرسلت بالفعل، لكن المعتصمين في أنحاء اليمن لم يأبهوا بها، ولا يزال نداؤهم يدوي في الأفق مصرا على أن رحيل الرجل هو الحل.
.................

24 مايو، 2011

خطبة مصرية في طهران – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 21 جمادي الاخره 1432 – 24 مايو 2011
خطبة مصرية في طهران – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_24.html

كان لابد من بذل بعض الجهد لإقناع الإيرانيين بأن الثورة المصرية ليست صدى للثورة الإسلامية، ولا هي من تجليات الصحوة الإسلامية، كما أنها ليست جزءا من المشروع الأمريكي لإقامة الشرق الأوسط الجديد.
(1)
طوال أكثر من ثلاثين عاما من متابعة أحداث الثورة الإسلامية، كنت أذهب إلى طهران محملا بمجموعة من الأسئلة، أطوف بها على من أعرف من صناع القرار والمطلعين على أسرار البلد، حيث كنت أواصل السؤال وهم يجيبون. لكن الأمر اختلف هذه المرة، إذ أدركت منذ اللحظة الأولى أننا تبادلنا الأدوار. حين وجدت أن لدى الإيرانيين قائمة طويلة من الأسئلة التي تنتظر الإجابة حول الذي جرى في مصر.

ولم يكن السائلون من الدبلوماسيين والمثقفين فحسب، وإنما سبقهم إليها عدد من كبار المسؤولين الذين اكتشفت أنهم يتابعون ما تنشره الصحف المصرية كل صباح، ويجدون فيها ما يحيرهم بأكثر مما يجدون ما يشبع فضولهم ويفهمهم.
كانت المناسبة أن معهد الدراسات السياسية والدولية التابع لوزارة الخارجية قد دعا إلى ندوة ليوم واحد حول «الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية وتأثيرها على مستقبل القضية الفلسطينية»، وتحدد موعد الندوة في 15 مايو الحالي، وهي ذكرى اغتصاب فلسطين وإعلان دولة إسرائيل في عام 1948.

وفي إشارة لا تخلو من دلالة فإن المعهد دعا للحديث في الندوة التي كان جمهورها من الدبلوماسيين العاملين، اثنان من مصر فقط هما الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية، وكاتب هذه السطور. إلى جانب ثلاثة من الباحثين الإيرانيين، في مقدمتهم وزير الخارجية السابق السيد منوشهر متكي.

وقال لي أحد السفراء الذين تولوا تنظيم الندوة إنهم اكتفوا بالمتحدثين المصريين ليس فقط للأهمية الكبرى للثورة المصرية، ولكن أيضا لإدراكهم أن مصير القضية الفلسطينية مرتبط إلى حد كبير بسلامة الموقف المصري وعافيته. مضيفا أن الاطمئنان على مصر يستصحب بالضرورة اطمئنانا على مستقبل القضية، بل ومستقبل العالم العربي بأسره.
من الأمور ذات الدلالة أيضا أنه رتبت لنا إلى جانب الندوة، سلسلة من اللقاءات مع رئيس مجلس الشورى السيد علي لاريجاني، ومستشار الأمن القومي السيد سعيد جليلي، ووزير الخارجية الدكتور علي أكبر صالحي، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ووسط آسيا السفير رضا شيباني.

كما رتب لنا لقاء آخر مع أساتذة وطلاب جامعة الإمام الصادق، التي تخرج نخبة العاملين في المجالين السياسي والدبلوماسي وفي كل هذه اللقاءات كانت الثورة المصرية هي موضوع الحديث من جانبنا، كما كانت وقائعها ومواقفها محور السؤال من جانبهم، ولأن كلا منا كانت له حصته من الحديث ومن السؤال، فسأعرض هنا لحصتي باختصار، تاركا للدكتور حسن نافعة أن يعرض نصيبه بالصورة التي يرتئيها.
(2)
قلت إن العالم العربي شهد في ستينيات القرن الماضي انتفاضة الشعوب العربية ضد المحتل الأجنبي، الإنجليزي والفرنسي، وكانت ثورة يوليو 1952 هي الشرارة الأولى في حملة انطلاق حركات التحرر التي ترددت أصداؤها في أرجاء إفريقيا. وما يحدث الآن في العالم العربي هو ثورة مماثلة، تدافع بها الشعوب عن كرامتها. إذ تقاوم الظلم والذل اللذين أنزلهما بها البديل الوطني، بعدما تحول إلى «احتلال» من نوع آخر، شوه الاستقلال وفرغه من مضمونه، حتى صار ذلك البديل عبئا على الأوطان وعقبة في طريق تقدمها.

استشهدت في ذلك بقصة المرأة الجزائرية التي استشعرت الظلم والعنف بعد إعلان الاستقلال، فقالت إن الاستعمار الفرنسي استمر نحو 130 عاما ثم رحل غير مأسوف عليه، ثم تساءلت: متى ينتهي هذا الاستقلال بدوره؟
قلت أيضا إن ثمة أوجه شبه بين الثورة الإسلامية في إيران وثورة 25 يناير في مصر، كما أن هناك اختلافات عدة بينهما. فهما متشابهتان في أن كلا منهما استهدفت ليس تغيير النظام فحسب، ولكن قلب سياساته رأسا على عقب، وإن اختلفت في ذلك الوسائل.

كما أن الشعب هو الذي قام بالثورة في البلدين وليس قوة سياسية أو عسكرية. كذلك فإن النظامين السابقين في كل من البلدين كانا يقفان في المعسكر الموالي للولايات المتحدة وإسرائيل وأصبحا يشكلان أهم تحديات ما بعد الثورة.

ولئن كان ذلك قد أعلن في إيران إلا أنه لا يزال كامنا ومضمرا في الحالة المصرية. يتشابه البلدان أيضا في الفوضى التي شاعت في كل منهما بعد نجاح الثورة، وأخلت بنظام العمل في جميع أجهزة الدولة ومرافقها العمومية. ثم إن كلا من الثورتين كان لهما تأثيرهما الإستراتيجي على المستوى الإقليمي. فكما غيرت الولايات المتحدة الأمريكية من خطط تعاملها مع «الاتحاد السوفييتي» في أعقاب الثورة الإسلامية، حيث كانت واشنطن تعتبر إيران «كنزا إستراتيجيا» لها، فإن الوصف ذاته أطلق على علاقة الرئيس السابق ونظامه مع إسرائيل. وإذا كانت قضية فلسطين قد اعتبرت عنوانا مهما منذ إطلاق الثورة الإسلامية، فإنها تظل أحد أهم مقومات الأمن القومي المصري.
(3)
مواضع التمايز والاختلاف أكثر بين الثورتين. فالثورة في إيران دينية، لها رأس تمثل في الإمام الخميني، ولها مشروع واضح يقوم على فكرة ولاية الفقيه. وهي في مصر ثورة وطنية، والإسلاميون جزء منها، ثم أنها بلا رأس أو قيادة واضحة المعالم. ومشروعها لا يزال غامضا وغير متفق عليه.

إن شئت الدقة فقل إن الذين قاموا بالثورة في مصر كانوا يعرفون جيدا ما يرفضونه لكنهم ليسوا على وفاق مع ما يقبلون به. ولئن اعتمدت الثورة في البلدين على الجماهير الفقيرة والعزلاء، إلا أن التباين حدث في موقف الجيش في كل منهما، إذ كان ولاؤه لنظام الشاه في إيران الأمر الذي اضطر النظام إلى الاستعاضة عنه بتشكيل حرس الثورة.

أما الجيش في مصر فقد كان ولاؤه للوطن، وقد حسم خياره مبكرا حين أعلن انحيازه إلى جانب مطالب الشعب. والثورة المصرية ركزت على المطالب الوطنية الداخلية، وسكتت عن السياسة الخارجية، في حين أن الثورة الإيرانية فتحت كل الملفات منذ يومها الأول، الذي رفعت فيه شعارات الموت لأمريكا وإسرائيل (مرك بر) وأعلنت القطيعة مع الشيطان الأكبر وتابعه الأصغر، وترتب على ذلك أن البلدين ناصبا العداء للثورة الإسلامية منذ يومها الأول، في حين أنهما تصرفا بحذر ولجآ إلى الملاينة ومحاولة الاحتواء في الحالة المصرية.

والثورة الإسلامية انطلقت في ظل الحرب الباردة واستفادت من التوازن بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وهو ظرف لم يتوفر للثورة المصرية، التي انطلقت في أجواء القطب الأمريكي الواحد، وفي غيبة أي توازن دولي. والثورة الإسلامية قامت في بلد يبعد آلاف الكيلومترات عن إسرائيل، بينما المصرية انطلقت في بلد ملاصق لإسرائيل، الأمر الذي كان له تأثيره على حسابات كل من البلدين.

والثورة الإسلامية كان لها صداها في العالمين العربي والإسلامي. ولم تغير شيئا في واقع أنظمته رغم مضي أكثر من ثلاثين عاما على نجاحها. أما الثورة المصرية فهي في موقف معاكس، حيث أحدث انطلاقها هزات قوية ترددت بسرعة وخلال أسابيع قليلة في أرجاء العالم العربي.

وربما كان ذلك مرتبطا بالوزن التاريخي ودور كل من البلدين في المحيط الإستراتيجي. وإذا كانت الثورة الإيرانية لم تتعرض لهزات اقتصادية موجعة بسبب اعتماد البلد على صادرات النفط، فإن موقف مصر اختلف، حيث أدى نزوح الأموال وتهريبها إلى الخارج إلى إحداث موقف اقتصادي صعب ومؤرق للسلطة، خصوصا في ظل الاعتماد على الخارج في توفير المواد الغذائية.

وقد اعتمدت ثورة إيران على المحاكم الاستثنائية في إزالة آثار النظام السابق وتصفية بقاياه، إلا أن الثورة المصرية ظلت على تعاملها السلمي بعد نجاحها، وأحالت رموز النظام السابق بمن فيهم رأسه إلى النيابة العمومية والقضاء العادي.

وإذا كانت رموز نظام الشاه قد غادرت البلد معه، فإن رموز نظام مبارك بوغتت بما جرى وبقي أغلبهم في مصر، وكان هو في مقدمتهم. وترتب على ذلك أن رجال الشاه ضعف تأثيرهم في داخل إيران، على عكس ما حدث في مصر حيث لم يكف رجال مبارك وأدواته الأمنية بعيدة عن محاولات التآمر على الداخل.
(4)
كان السفير رضا شيباني مساعد وزير الخارجية في زيارة أخيرة لطاجكستان، وحين التقى رئيسها السيد رحماني وتطرق الحديث إلى ما جرى في مصر، فإن الرجل أخبره بأن الثورة المصرية والأحداث التي توالت بعدها في العالم العربي هي من تجليات «الفوضى الخلاقة» التي تحدثت عنها كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا السابقة، لذلك فإنه يعتبرها ضمن خطوات إقامة الشرق الأوسط الجديد.

ولم تكن الملاحظة مفاجئة تماما، لأن أحد الدبلوماسيين سأل أثناء الندوة عن مدى صحة الخبر الذي ذاع في واشنطن عن أن الإدارة الأمريكية دربت 5 آلاف شاب مصري من الذين اشتركوا في الثورة.

وقال لي أحد الخبراء الإيرانيين إن بعض الإصلاحيين يعتبرون الثورة جزءا من المشروع الأمريكي. في حين أن بعض المحافظين يعتبرونها من أصداء الثورة الإسلامية ومن تجليات الصحوة الإسلامية، وقد لاحظت أن هاتين النقطتين كانتا موضوعا للتساؤل المتكرر من جانبهم، كما أنهما ظلتا محل نفي وإيضاح من جانبنا.
الموضوع الآخر الذي احتل مساحة كبيرة من الأسئلة انصب على مستقبل العلاقات المصرية الإيرانية وتفسير العلاقات الباردة بين القاهرة وطهران التي ما زالت مستمرة بعد الثورة وإن بدرجة أقل، وقد كان هذا الموضوع محل مناقشة في اللقاءات التي عقدناها. إلا أننا فوجئنا بما سمعناه من السيد علي لاريجاني في هذا الصدد، إذ نفى أن التوتر سببه الحساسيات والمخاوف الأمنية وموضوع الشارع الذي يحمل اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي.

وقال إنه حين كان مستشارا للأمن القومي زار القاهرة والتقى الرئيس السابق ومدير المخابرات حينذاك السيد عمر سليمان، وإن مبارك قال له إنه يريد شيئا واحدا من إيران، هو أن يسلموا لمصر شخصا اشترك في محاولة اغتياله في عام 1995، وإذا ما تم ذلك فستعود العلاقات طبيعية بين البلدين. أضاف لاريجاني أنه عاد بالاسم إلى طهران وأن الأجهزة الأمنية ظلت طوال شهرين تبحث عنه ولم تجد له أثرا في إيران.
سألوا أيضا عن حظوظ الإخوان المسلمين في الانتخابات القادمة وعن إمكانية إقامة حكومة دينية في مصر. كما سألوا عن العلاقة بين الجيش والإدارة الأمريكية، وعن علاقة مصر بإسرائيل ومستقبل اتفاقية كامب ديفيد، وعن موقف مصر من المقاومة الفلسطينية ومصير معبر رفح. سمعنا منهم عتابا لتجاهل الإعلام العربي معاناة الشيعة في البحرين، وتعاطفا وتضامنا مع النظام في سوريا. وقلة ممن لقيناهم عبروا عن حيرتهم إزاء ما يحدث هناك، وسمعت أحدهم يقول إن استمرار النظام السوري بعد الذي جرى أصبح مشكلة وأن سقوطه سيكون مشكلة أكبر.
طوال 48 ساعة ظلوا يلاحقوننا بطوفان الأسئلة حول الذي يجري في مصر والعالم العربي، الأمر الذي لم يتح لنا أن نطرح ما عندنا من استفسارات بشأن التطورات الحاصلة في إيران. وهو ما جعلني أقول لمرافقي إن المباراة لم تكن عادلة، وإننا لم نستطع أن نحقق التعادل في نهاية المطاف. فرد عليه قائلا ما معناه: خيرها في غيرها.
..................

23 مايو، 2011

سحابات القاهرة وأبو ظبي

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 20 جمادي الاخره 1432 – 23 مايو 2011
سحابات القاهرة وأبو ظبي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_23.html

المصريون في دولة الإمارات العربية يعانون من قلق مضاعف هذه الأيام.

هم قلقون على ما يجري في مصر، التي يتابعون أخبارها من خلال وسائل الإعلام، التي أقنعتهم بأن البلطجية والسلفيين يسيطرون على الشارع، وأن السلطة بين حائرة وغائبة.

هم قلقون أيضا على أوضاعهم في البلد الذي نزحوا إليه، بعدما لاحت في أفق علاقاته مع مصر سحابات رمادية. سربت إليهم شعورا بعدم الاستقرار.
التقيت أعدادا منهم في دبي خلال انعقاد منتدى الإعلام العربى، واختصر بعضهم مشكلتهم في أنهم لم يعودوا مطمئنين إلى العودة إلى مصر، ولم يعودوا مطمئنين إلى الاستمرار في وظائفهم بدولة الإمارات.

وحين قلت إن الصورة التي في أذهانهم عن مصر مبالغ فيها. لأنهم يعيشون في مبالغات وسائل الإعلام بأكثر مما يعيشون واقع البلد، حينئذ قال أكثر من واحد إن الواقع الذي يحيط بهم يكرس القلق ولا يبدده.

طلبت إيضاحا فقيل لي إن تأشيرات الدخول الجديدة أوقفت، وإن تجديد إقامات العاملين أصبح يواجه صعوبات أدت إلى تعثر إنجازها، وإن قرارات صدرت بترحيل البعض كما أنهيت عقود آخرين، بينهم أستاذ جامعي أمضى في البلد 14 عاما.
سألت عما إذا كان ذلك مقصورا على المصريين دون غيرهم، فجاءت الإجابة بالنفي، إذ قيل لي إن هذا التوجس من العمالة العربية شمل أبناء الدول التي شهدت ثورات خلال الأشهر الأخيرة، من تونس إلى سوريا، إلا أن حظوظ المصريين من هذه العقبات أكبر.
أحد المخضرمين عرض الموضوع بشكل آخر، وذهب بجذور المشكلة إلى أجواء أحداث سبتمبر 2001. حين تبين أن اثنين من أبناء الإمارات كانا ضمن المجموعة الانتحارية التي قامت بنسف برجى مركز التجارة العالمى. وهو ما نبه السلطات والأجهزة الأمنية إلى وجود بذور للتطرف والإرهاب هددت الاستقرار في المنطقة، مما جعلها تفتح أعينها جيدا على ما يجري داخل دولة الإمارات، التي كانت معبرا للذاهبين والعائدين من باكستان وأفغانستان. وقد أسهم ذلك في ترجيح كفة السياسة الأمنية بما استصحبته من إجراءات شملت مجالات متعددة، كان الإعلام من بينها.
اقتضت تلك السياسة متابعة أنشطة الوافدين، فضلا عن المواطنين العاديين بطبيعة الحال. وكان إنهاء إقامات العشرات من الدعاة وخطباء المساجد من ثمار تلك المتابعة.

وفي وقت لاحق تم إبعاد عشرات من الشيعة اللبنانيين بحجة انتمائهم إلى حزب الله. وحين انطلقت شرارات الثورات في العالم العربي تزايدت وتيرة الاحتياطات الأمنية. ولا أعرف ما إذا كانت هذه الخلفية لها علاقة أم لا بالتعاقد مع شركة «بلاك ووتر» المتخصصة في الشئون الأمنية ولها باعها الطويل في العراق وأفغانستان والعديد من دول أمريكا اللاتينية.

ولكن الشاهد أن ذلك العقد الذي بلغت قيمته نحو 530 مليون دولار أبرم وسط تلك الظروف الأخيرة، وبمقتضاه تمركز في أبوظبي 800 من مقاتلي الشركة الذين استجلبوا لأداء المهمة المنوطة بهم. أو هكذا ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في 16/5 الحالي.
سألت عن السبب في ارتفاع وتيرة القلق بين المصريين بوجه أخص هذه الأيام، فقيل لي إن بعض أصحاب القرار في الدولة ليسوا سعداء بالتطور الحاصل في مصر لعدة أسباب هي:
أنهم كانوا على علاقة شخصية مع الرئيس السابق وساءهم ما جرى له.
وأنهم لم يستريحوا للتصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية نبيل العربي التي تحدث فيها عن تطبيع العلاقات مع إيران.
وقال إن مصر تريد أن تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع طهران مماثلة لتلك القائمة بين طهران ودول الخليج ذاتها.

السبب الثالث أن أحد رجال الأعمال الإماراتيين مطلوب للتحقيق في إحدى قضايا الفساد المالي التي يباشرها النائب العام المصري.
في مقابل ذلك، قيل لي إنه لا توجد تعليمات بتعطيل معاملات المصريين. وكل الذي حدث أن تلك المعاملات كانت تعرض على الأجهزة الأمنية المصرية، ولم يعد لهذه الأجهزة وجود بعد الانهيار الذي حدث في وزارة الداخلية، وأدى إلى إلغاء جهاز أمن الدولة. إذ كان لمصر في الإمارات نحو 1500 ضابط من الجهاز، وهؤلاء لم يعد لهم وجود هناك.
وكان من نتائج غياب تلك المراجع الأمنية أن معاملات المصريين أصبحت تعرض على القاهرة، مما أدى إلى التأخير الشديد في إنجازها.
اللافت للنظر أن ثمة صمتا رسميا على الموضوع، فتح الأبواب لإشاعة البلبلة والقلق، وسمح بدرجات متفاوتة من إساءة الظن. ولو أن حقائقه أعلنت بوضوح وشفافية لاستراح الجميع، ولعادت علاقات مصر ودولة الإمارات إلى صفائها المعهود، حيث كان البلدان «يدا واحدة»، كما يقول الهتاف الذي انطلق من ميدان التحرير ذات يوم.
..................

22 مايو، 2011

مقارنة مستحقة


صحيفة السبيل الاردنيه الأحد 19 جمادي الاخره 1432 – 22 مايو 2011
مقارنة مستحقة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_22.html

أؤيد الذين عبروا عن استيائهم وغضبهم إزاء إبراز خبر اختطاف بعض الأقباط لإحدى الفتيات وتعذيبها ووشم الصليب على يدها.

وكانت السيدة منى مكرم عبيد أحدث الذين رفعوا أصواتهم معبرين عن تلك المشاعر، فيما نقلته على لسانها أمس صحيفة «الشروق»، في سياق حديثها عن مبررات تجميد عضويتها في حزب الوفد.
إذ تساءلت: «كيف تنشر جريدة حزب ليبرالي «تقصد صحيفة الوفد» تحت عناوين حمراء واقعة كان يمكن «وضعها في صفحة الحوادث، في الوقت الذي يجتهد فيه كل شرفاء مصر محاولين لملمة الأوضاع وتهدئة المشكلة الطائفية.. كما أن هذا ليس وقت الإثارة والسبق الصحفي على حساب السلام المجتمعي؟».
جاءت كلمات السيدة منى مكرم عبيد ضمن تقرير نشرته «الشروق» على الصفحة الأولى أمس (21/5) ذكر أيضا أن خمسة أشخاص بينهم ثلاثة من أعضاء الوفد قدموا بلاغا إلى النائب العام اتهموا فيه رئيس مجلس إدارة الصحيفة وثلاثة من مسئولي التحرير فيها بالتحريض على الانتقام من الأقباط وإثارة الفتنة الطائفية.
كما أشار التقرير إلى أن عددا آخر من أعضاء الوفد قدموا استقالات جماعية من الحزب للسبب ذاته.
كانت صحيفة الوفد قد نشرت القصة في عدد 17/5. إذ أبرزتها بعناوين مثيرة للانتباه على الصفحة الأولى، وعلى الثالثة نشرت القصة كاملة، مدعومة بصور للفتاة قبل أن يحلقوا لها شعرها وبعده، وأخرى ليد الفتاة وقد وشم عليها الصليب.

وكانت العناوين كالتالي:
رغدة (اسم الفتاة): أقباط اختطفوني ووشموا الصليب على يدي
ــ حبسوني مع 4 فتيات مسلمات في غرفة تشبه الزنزانة لمدة ثلاثة أيام
ــ ربطوني بالحبال وضربوني بالأحذية وحلقوا شعري وأجبروني على قراءة ترانيم مسيحية.

وتحت العناوين تفاصيل مثيرة لا داعي لاستعادتها، انتهت بمطالبة أم الفتاة بضرورة ضبط الجناة ومساءلتهم.
في عدد لاحق (يوم 20/5) نشرت «الوفد» على الصفحة الأولى تقريرا ذكرت فيه أن بعض الأقباط المعتصمين أمام مبنى ماسبيرو «مقر التليفزيون» قاموا بالاعتداء على مندوبي الجريدة. وأن قبطيات حاولن خلع حجاب اثنتين من المحررات. كما نشرت الصحيفة تعليقا تحت العنوان التالي:
وقائع مؤسفة نضعها أمام البابا ونطلب رأيه فيها.
هذا الذي حدث مع الفتاة رغدة التي عذبت وتم وشم الصليب على يدها، وكذلك محاولة خلع حجاب اثنتين من الصحفيات، إذا وضعته جنبا إلى جنب مع قصة قبطي قنا الذي تم الاعتداء عليه في الشهر الماضي للاشتباه في أنه يدير بيتا لأعمال منافية للآداب. مما أدى إلى إصابة أذنه وقطعها، فسنجد أن الأمر يستحق المقارنة، كما أن العبرة تظل واحدة.

ذلك أن قصة الرجل القناوي أبرزت على الصفحة الأولى لجريدة الأهرام، وكانت العنوان الرئيسي لها. ورغم أن الدافع إليها كان غيرة على الشرف بأكثر منه غيرة على الدين، إلا أن الخبر نشر بحسبانه تطبيقا لحد شرعي، من جانب بعض السلفيين. وحينذاك ثارت في مصر ضجة دفعت شيخ الأزهر إلى التدخل في الموضوع ومحاولة تسويته..

رغم أنه لم تثبت مسئولية السلفيين عن الموضوع. إلا أننا ما زلنا حتى الآن نقرأ عن إقدام المتطرفين المسلمين على قطع آذان الأقباط، واتهام السلطة بالتقاعس والتستر، لأنها لم تعاقب الذين تورطوا في العملية.
الذي جرى مع الفتاة رغدة جدير بالملاحظة. فإذا صحت المعلومات المنشورة، فإن ذلك يعنى أن ما جرى معها هي وزميلاتها المسلمات كان من فعل بعض المتعصبين الأقباط. لكننا لم نشهد إدانة أو استنكارا له من جانب قيادات الكنيسة، على عكس ما جرى في حادثة قنا. وانصب الاحتجاج على إبراز الخبر وليس على تعذيب الفتاة المسلمة ووشم الصليب على يدها.
المقارنة تقودنا إلى ثلاث خلاصات،

إحداها أن الحماقة والتعصب يتوزعان على الجانبين بدرجات متفاوتة من الغباء والجرأة.
والثانية أن الإعلام حتى في مثل هذه الأمور الحساسة يحرص على الإثارة بأكثر من التزامه بالمسئولية.
أما الخلاصة الثالثة فهي أن الأضواء تسلط على ما هو منسوب إلى التطرف الإسلامي في حين أن ثمة سكونا مثيرا للدهشة على ممارسات التطرف القبطي.

وذلك حاصل بوجه أخص بين شرائح المثقفين الليبراليين المدافعين عن حقوق الإنسان والدولة المدنية. يحيرنا أن يحدث ذلك، لكننا نواجه حيرة أكبر في تفسيره.
..................

21 مايو، 2011

حكاية الحدود


صحيفة السبيل الاردنيه السبت 18 جمادي الاخره 1432 – 21 مايو 2011
حكاية الحدود – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_21.html

إثارة موضوع تطبيق الحدود الشرعية في الإعلام المصري هذه الأيام لا تفسير له إلا بأحد أمرين:
إما خبث القصد أو قلة العلم،
والأول أسوأ من الثاني باعتبار أن سوء النية مبيَّت فيه.

ذلك أن قارئ الصحف المصرية يلمح في الأسابيع الأخيرة على الأقل إشارات واضحة تضع الفكرة على ألسنة بعض المنتمين إلى التيار الإسلامي.
من قبيل ما قرأناه في إحدى الصحف «المستقلة» صحيفة يوم 11/5 عن أن عددا من قيادات التيارات الإسلامية «كشفوا عن أن التحالف بينهم في الفترة الأخيرة، رغم تباين مرجعياتهم الفكرية، هدفه إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الحدود».

ولم تكن تلك هي الإشارة الوحيدة بطبيعة الحال، ولكنها الأحدث في سلسلة الإشارات المماثلة. وإذا أخذتها نموذجا فستدرك أننا بصدد صياغة «مفخخة» لم تستدع فقط فكرة إقامة الدولة الإسلامية وإقامة الحدود، ولكنها اعتبرت ذلك هدفا اجتمعت عليه مختلف التيارات الإسلامية في «تحالف» جديد عقد بينها.

وحين حاولت التثبت من هذه المعلومات فإنني رجعت إلى الذين وردت أسماؤهم في الخبر المنشور، وفي مقدمتهم الأستاذ صبحى صالح عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان، فقال لي إن الكلام جزء من الدسائس الإعلامية التي تروج هذه الأيام لأسباب مفهومة. حيث لا يوجد ما يمكن أن يسمى «تحالف» بين التجمعات الإسلامية، وإن كان من الطبيعى أن تجري اتصالات معها، شأنها في ذلك شأن مختلف الجماعات الموجودة على الساحة.

ووصف تلك الاتصالات بأنها «تحالف» يراد به وضع الجميع في سلة واحدة لتعميم الإدانة والاتهام عليهم، خصوصا في الأجواء الراهنة التي تنسب فيها جميع الأفعال الشريرة الحاصلة في البلد إلى التيار الإسلامي.

أضاف أن أحدا لم يشر إلى مسألة تطبيق الحدود في أى سياق ــ ولا تفسير لذكرها في الخبر المنشور سوى أنه من قبيل التخويف والترويع.
أما إقامة الدولة الإسلامية فمن البديهي أن تكون هاجسا يشغل بال كل المنسوبين إلى المشروع الإسلامي. ذلك أنه إذا كان من حق الليبراليين والاشتراكيين والقوميين أن يتطلع كل منهم لإقامة مشروعه، فلماذا ينكر ذلك على الإسلاميين؟

ليس في نيتي في اللحظة الراهنة مناقشة هذا الموضوع الذي لي فيه كلام فصلته في كتاب «للإسلام والديمقراطية» الذي صدر في عام 1993،
لكني أستأذن في استطراد سريع أنوه فيه إلى رأي سجلته في الكتاب خلاصته أنني أنتمي إلى من يقولون بأنه على من يريد أن يقيم الدولة الإسلامية حقا، فعليه أن يدخل إليها من باب الدفاع عن الحرية والديمقراطية بحيث تصبح تلك مرحلة التأسيس التي تتيح للناس أن يحددوا خياراتهم الحقيقية، من خلال التصويت الحر على مشروع الدولة الذي ينحازون إليه.

في موضوع الحدود الشرعية لدي نقطتان،
الأولى أن إبرازها في وسائل الإعلام هذه الأيام بالذات لا يمكن فصله عن الجدل الدائر حول موضوع الدولة الدينية أو المدنية، ولا يحتاج المرء إلى جهد لكي يدرك أن الأمر ليس بريئا بأي حال.
وأننا بصدد فزّاعة جديدة استدعت من مستودع الفزاعات الذي يبدو أن معينه لا ينضب والخبث في هذا الحال أكبر، ذلك أن بعض الممارسات التي تخوف الناس تنسب في العادة إلى الجماعات بذاتها فتنفر الناس منهم. لكن التخويف من الحدود يوجه السهم إلى الشريعة ذاتها وليس إلى فصيل أخطأ أو أصاب في فهم التعاليم.

النقطة الثانية أن الربط بين الإسلام دين الحدود موقف استشراقي يختلط فيه الخبث مع الجهل. إذ في حين ينص القرآن صراحة على أن الله يأمر بالعدل، فإننا لا نستطيع أن نفترض البراءة فيمن يختزل الإسلام في مجرد تطبيق بالحدود، التي هي من آخر ما نزل من آيات القرآن، علما بأن البحث الجاد في شأنها يبين ثلاثة أمور:

الأول أنها لا تطبق إلا إذا بطلت كل الذرائع التي تحول بين الناس وبين الانحراف. ومعروفة قصة تعليق تطبيق حد السرقة في عام المجاعة، كما أن الفقهاء اشترطوا لإعمال الحد أن يلجأ المرء إلى السرقة مثلا رغم توفر كل احتياجاته الأساسية.

الثاني أن الشارع حدد شروطا تكاد تكون تعجيزية لتنزيلها على الواقع. حتى قال بعض الفقاء إنه أريد بها الإنذار والتخويف من الانحراف وليس التطبيق الحرفي.

الأمر الثالث يدلل على سابقة لأن بعض القضاة كانوا يحثون المتهمين على عدم الاعتراف بالجرم لكي لا يطبق عليهم الحد. فكان الواحد منهم يسأل المتهم مثلا:
هل سرقت؟ ثم ينصحه قائلا: قل لا
ــ كما تذكر كتب السيرة أن رجلا توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام واعترف أمامه بالزنى فقال له النبي: هلّا سترتها بثوبك؟

إن أسوأ ما في تلك التجاذبات ليس فقط أنها تسعى إلى تخويف الناس من الإسلام وأهله، وإنما أنها أيضا تصرفهم عن الانشغال بتحديات اللحظة الراهنة التي ينبغي أن يتصدوا لها ويستنفروا لأجلها.
...................

19 مايو، 2011

اختبار الجهاد الأكبر

صحيفة السبيل الاردنيه الخميس 16 جمادى الأخره 1432 – 19 مايو 2011
اختبار الجهاد الأكبر - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_19.html

هذا خبر استثنائي يستحق التنويه والحفاوة:
أطلق ائتلاف شباب ثورة 25 يناير بالإسكندرية مبادرة لدعم القطاع الزراعي بمحافظتي الإسكندرية ومطروح، وتنفيذ مشروعات شباب الخريجين الذين تم تهميشهم في ظل النظام السابق.
وقال طارق الدسوقي المنسق العام لائتلاف شباب الثورة بالإسكندرية انه تم تنظيم ملتقى للحوار مع المسئولين والزراعيين استهدف تطوير القطاع الزراعي والنهوض به لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الرئيسية.
الخبر نشرته صحيفة «الوفد» يوم 10/5 الحالي، ولم أجد له أثرا في بقية الصحف التي صدرت يومذاك، ليس فقط لأن الصفحات الأولى، ومصر كلها، كانت مشغولة بقصة عبير وفتنة إمبابة، ولكن أيضا لأن الحدث وقع خارج القاهرة، وبالتالي خارج بؤرة الضوء ومركز الاهتمام. وقد اعتبرته خبرا استثنائيا لأن موضوعه هو المجتمع وليس السلطة.

ولعلك لاحظت أن تغير المجتمع والانشغال بهمومه ومعاناته لا يحتل أولوية ليس من جانب الأحزاب السياسية فحسب، وإنما أيضا من جانب أغلب التجمعات التي ظهرت بعد ثورة 25 يناير.

ورغم أن روحا جديدة دبت في أوصال مصر وأرجائها بعد الثورة للنهوض بالمجتمع وتغييره، فإننا وجدنا النخب والتجمعات الجديدة غلب عليها الاهتمام بتغيير السلطة. إذ شغل الجميع بتأسيس الأحزاب والانتخابات الرئاسية والبرلمانية ومخاطبة الرأي العام من خلال شاشات التليفزيون، وليس عبر الوجود في الشارع.
صحيح أن خبر صحيفة الوفد لم يذكر شيئا عن تفاصيل مبادرة ائتلاف ثورة 25 يناير بالإسكندرية، بما يسمح لنا أن نحكم على مدى جديتها، لكن أكثر ما همني فيما نشر هو الفكرة والتوجه.

وكنت قد عبرت في مناسبة سابقة عن خشيتي من افتتان شباب الثورة بالظهور في التليفزيون، بما قد يحولهم من مناضلين اكتسبوا شرعيتهم من الميدان ومن التعبير عن ضمير المجتمع وتطلعاته، إلى نجوم يتعلقون بالشهرة ويكتسبون شرعيتهم من الوجود المستمر على شاشات التليفزيون.

وقلت صراحة إن من شأن ذلك إغواء وإفساد أولئك الشبان بمضي الوقت. وكانت لدي قرائن عدة في ذلك لا مجال لذكرها الآن، لكني لا أذيع سرا إذا قلت إن تلك الغوايات أفسدت العلاقة بين بعض أولئك الشبان، الذين اقتنعوا بأنهم أصحاب الثورة وصناعها، وأنهم الممثل الشرعي الوحيد لها.

وحين يكون هناك أكثر من ممثل شرعي «وحيد»، فإن ذلك يفتح الأبواب لبروز حساسيات ومشكلات لا حصر لها، لكن ما يطمئننا في الوقت الراهن أن الكثرة منهم لم تفتن بعد، وأنهم على قدر الوعي والمسئولية اللذين كانوا عليهما منذ بداية الثورة.
لقد سمعت من بعض القريبين من دوائر أولئك الشباب أن الناشطين منهم خارج القاهرة، في الدلتا والصعيد، أكثر جدية وأكثر اقترابا وتفاعلا مع المجتمع، وإن أولوياتهم مختلفة عن أولويات نظرائهم المقيمين في القاهرة. ويبدو أن هذا الانطباع صحيح، ومن قرائنه ذلك الخبر الذي نشرته صحيفة الوفد.
هذا الانشداد للعمل السياسي المباشر ولأضواء القاهرة ليس مقصورا على شباب الثورة وحدهم، ولكننا لاحظناه أيضا في أنشطة الجماعات الإسلامية التي ظهرت على السطح بعد الثورة، ذلك أن بعضها اتجه إلى تأسيس الأحزاب والدخول في التحالفات السياسية، في حين حرص البعض الآخر على الانخراط فيما يحدث الضجيج والجلبة دون الفعل الاجتماعي والبناء.
وما المسيرات التي ينظمونها هذه الأيام المتعلقة بالسيدات اللاتي قيل إنهن تحولن من المسيحية إلى الإسلام إلا نموذج للجهد الذي يبذل لإحداث ضجيج لا جدوى منه ولا «طحن» من ورائه.
إن ثمة مساحات واسعة للعمل الاجتماعى العام لا تزال تبحث عن جهد الجماعات الأهلية للنهوض بها، في مجالات التعليم ومحو الأمية ونظافة الأحياء والقرى وفي تنشيط الحركة التعاونية والنهوض بالحرف اليدوية وترشيد الاستهلاك ورعاية الضعفاء.. إلى غير ذلك من المجالات التي تحتاج إلى جهد الناشطين المخلصين من أبناء الوطن،

وكنت قد أشرت في وقت سابق إلى مبادرة أهالي قرية ميت حواى بمحافظة الغربية إلى تشكيل جمعية للنهوض بقريتهم في المجالات المماثلة، فتلقيت اتصالا هاتفيا من مكتب منظمة الصحة العالمية بالقاهرة لمتابعة الموضوع، وأخبرنى أحد مسئولى المكتب بأن لديهم اعتمادات لإعانة وتمويل الأنشطة المحلية في مصر، لكنهم لا يجدون الجهات التي يمكن أن تستفيد منها وتستوعبها.
ما زلت عند رأيي في أن تغيير السطة هو الجهاد الأصغر، وأن تغيير المجتمع هو الجهاد الأكبر، الذي لا يمكن أن يتحقق الفوز فيه إلا إذا تم استدعاء واستنفار كل القوى الحية في المجتمع للإسهام فيه.
وذلك اختبار ينبغي ألا نسمح لأنفسنا بالرسوب فيه.
..................

18 مايو، 2011

الإصلاح ليس قضية لغوية

صحيفة السبيل الاردنيه الأربعاء 15 جمادي الاخره 1432 – 18مايو 2011
الإصلاح ليس قضية لغوية – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_18.html

حين يقرأ المرء أن الحكومة السورية شكلت لجنة لإعداد قانون جديد للانتخابات «يحاكي أفضل قوانين العالم» (الحياة اللندنية 12/5) فإنه لا يعرف بالضبط ما إذا كان عليه أن يضحك أم يبكي.

ذلك أننا بهذا الإعلان نصبح أمام وضع غاية في الغرابة. فسوريا منذ أربعين عاما على الأقل لم تعرف أي انتخابات عامة حرة. وبعد تلك المدة الطويلة نفاجأ بأن حكومتها بصدد إعداد قانون جديد من أفضل ما عرفته الكرة الأرضية. علما بأننا لا نعرف بالضبط مدلول العبارة، لأن الانتخابات إما أن تكون حرة أو مزورة ومغشوشة. وليست هناك انتخابات حرة فقط وأخرى حرة جدا وثالثة حرة جدا جدا.

والذي يحدِّث الناس عن انتخابات من الدرجة الممتازة يستغفلهم ويستخف بعقولهم. وهذا الاستخفاف يبلغ درجة العبث حين يطلق الوعد بعد تغييب للانتخابات والديمقراطية طوال أربعين عاما. لأنه لا يريد أن يقنعنا بأن النظام يريد أن ينتقل من زيرو ديمقراطية إلى أعلى درجات الخبرة البشرية في الممارسة الديمقراطية. في الوقت الذي يواصل فيه قتل المتظاهرين وحصار المدن كل يوم.
هذه المزايدة على التحول الديمقراطي تعني أن النظام السوري يحاول من خلال اللغة تحسين الصورة في الخارج، واستخدام أفعال التفضيل لدغدغة مشاعر الناس وامتصاص غضبهم في الداخل. وتعني أيضا أنه لا شيء سيتغير على الأرض، حيث ستظل الأوضاع كما هي. وليس ذلك من قبيل التخمين وإساءة الظن، لأن تعامل النظام السوري مع الاحتجاجات الداخلية التي تجاوزت أسبوعها الثامن لا تدع لنا فرصة لإحسان الظن بسياسته،

ليس ذلك فحسب، وإنما قدم لنا النظام الدليل الذي يقطع بإصراره على إبقاء الأوضاع التي سادت طوال الأربعين سنة الأخيرة دون تعديل يذكر. ذلك أنه حين تصاعدت الحركة الاحتجاجية فإن السلطة أعلنت عن اعتزامها إجراء عدة إصلاحات كان في مقدمتها إلغاء قانون الطوارئ المطبق منذ أربعين عاما. ورغم أن الإلغاء يتم بمجرد صدور قرار ولا يحتاج إلى وقت طويل، إلا أنه بعد مضي نحو عشرة أيام على الإعلان زفت الحكومة إلى الجماهير الخبر، وألغي القانون بالفعل.

ولم يتح لأحد أن يلتقط أنفاسه أو يحسن الظن بالخطوة التي تمت، لأنه في ذات يوم الإلغاء كانت الرصاصات تحصد أرواح السوريين المحتجين وكانت الدبابات والمدرعات تحاصر بعض المدن وتداهم مدنا أخرى. الأمر الذي يعني أن التعامل مع الطوارئ كان لغويا بدوره. فالقانون شطب حقا ولكن حالة الطوارئ ظلت مستمرة، وعقلية الطوارئ بقيت حاكمة، لذلك فلا غرابة في أن يتم التعامل مع الانتخابات بنفس الأسلوب. بحيث تظل التصريحات الرسمية في واد، في حين أن الواقع في واد آخر مختلف ومعاكس تماما.
أما ما يثير الدهشة حقا فهو تصور المسئولين في دمشق أن مثل تلك الوعود التي تلوح بالرغبة في الإصلاح يمكن أن تنطلى على الناس، رغم أنه لم يتح لهم أن يلمسوا على أرض الواقع ما يمكن أن يؤيد صدقيتها. صحيح أن السوريين تفاءلوا خيرا حين لوح الرئيس بشار الأسد بوعود الإصلاح منذ تولى المسئولية قبل أحد عشر عاما،

وصحيح أيضا أن البلد شهد تطورا نسبيا في الأوضاع الاقتصادية وقطاع الاتصالات والمعاملة في السجون. لكن دائرة الإصلاح السياسي ظلت مغلقة، أعني بذلك ما يتعلق بالحريات العامة وحق الناس في المشاركة في السلطة ومساءلة القائمين عليها. وحين يغلق ذلك الباب فإنه لا يعني فقط موت السياسة، لكنه يعني أيضا ــ وخبرتنا في مصر شاهدة ــ إطلاق يد أجهزة الأمن في إدارة البلد وقمع الناس. وذلك ما حدث في تعامل السلطة مع الاحتجاجات التي انطلقت من درعا قبل شهرين تقريبا.

إذ منذ لاحت بوادرها في الأفق ثم تناثرت شراراتها في بقية المحافظات، فإن وعود الإصلاح كانت تدبج وتطلق في الفضاء من دمشق. في حين كانت عمليات السحق والقمع الأمنيين تتواصل بشكل حثيث على الأرض في طول البلاد وعرضها.
أدري أن للنظام السوري خبرة عريضة في القضاء على الاحتجاجات وسحق أصحابها، مارسها في حماة عام 1982، لكنني أستغرب أن يتبع النظام ذات الأسلوب القمعي بعد نحو ثلاثين عاما. متجاهلا أن كل شيء تغير في داخل سوريا وفي العالم الخارجي.
ولا أخفي دهشة من أن تتصرف السلطة بذكاء مشهود في سياستها الخارجية، وبعقلية معاكسة تماما في السياسة الداخلية. بما يعني أنها معنية بشكل النظام بأكثر من عنايتها بشعبيته.

وحين يحدث ذلك في مرحلة من التاريخ العربي ارتفع فيها صوت الشعوب مدويا، فذلك يعني أن النظام السوري صار يعاند التاريخ بمثل ما عاند شعبه، الأمر الذي يجعله منتهى الصلاحية من الناحية السياسية، ومن ثم فاقدا للشرعية. وتداعيات هذا المصير لن تكون مقصورة على سوريا، وإنما ستكون لها أصداؤها القوية في الدول المحيطة بها، ولبنان أولها.
...................

17 مايو، 2011

العيش المشترك في خطر – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 14 جمادي الاخره 1432 – 17 مايو 2011
العيش المشترك في خطر – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_17.html

إذا كان التوافق على العيش المشترك شرطا لقيام المجتمع الواحد واستقراره، فأخشى أن يكون ذلك التوافق قد أصبح مشكوكا فيه بين النخب المصرية على الأقل.
(1)
أضع أكثر من خط تحت كلمة «النخب»، لأنني أزعم أن وشائج الناس العاديين لا تزال أمتن وأعمق من أن تمزقها المشاحنات والفرقعات التي صرنا نشهدها في مصر خلال الأشهر الأخيرة.

وسواء كان ذلك راجعا إلى البعد الحضاري والتاريخ المشترك، وإلى الجغرافيا التي حصرت المصريين في الوادي الضيق وكدستهم في الدلتا، فالشاهد أن تلاحم المصريين على اختلاف أطيافهم يظل حقيقة ثابتة ومستقرة، من ثَمَّ فإن ما يحدث على السطح من ضجيج أو اشتباك وتراشق أفسد الأجواء وشحن النفوس بالغضب وربما بالبغضاء حقا، لكنه لم يهتك أواصر القاع. على الأقل فذلك ما ألحظه في الدوائر التي أتواصل معها.
تلك حالة ليست فريدة في بابها، آية ذلك أنني قرأت للرحالة العربي ابن جبير (1145 ــ 1217م) ملاحظته التي سجلها إثر تجواله في عالم زمانه قوله إنه:
«من أعجب ما يحدث أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين، مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان منهم ويقع المصاف بينهم، ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض، واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الإفرنج غير منقطع... والاتفاق بينهم على الاعتدال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب».
إذا جاز لي أن أستخدم تعبير ابن جبير فإنني أزعم أن أهل مصر «في عافية» لا يزالون. لكن المشكلة تكمن في «أهل الحرب» الذين يتصدرون المواجهات ويعتلون المنابر والمنصات، ويطلون على المجتمع عبر شاشات التلفزيون. وذلك منطوق يحتاج إلى تحرير.
(2)
أهل الحرب في مصر الراهنة هم عناصر النخبة التي تشكلت في ظل أوضاع سياسية غير ديمقراطية فرضت على المجتمع ولم تكن من اختياره. وقد كان انحياز تلك الأوضاع واضحا للتيار العلماني بمختلف اتجاهاته (القومية والليبرالية واليسارية)، وكانت خصومتها ظاهرة للتيار الإسلامي بفصائله المتعددة.

هذا التحيز فتح أبواب التأثير والتمكين للمنتسبين للتيار الأول، بذات القدر الذي أحكم فيه حصار وحجب عناصر التيار الثاني. ولئن اختلت تلك المعادلة في بعض الأوقات (حين تعرض الشيوعيون للاعتقال في المرحلة الناصرية مثلا وحين اضطهد بعض المعارضين الليبراليين في عهدي السادات ومبارك) إلا أن ذلك الخلل ظل عارضا واستثنائيا، ولم يؤثر على جوهر القاعدة التي ظلت حاكمة، خصوصا للسنوات الثلاثين الأخيرة.
لم يكن التيار العلماني بشقيه الوطني والتغريبي غريبا على مصر، فقد كان له حضوره في الساحتين السياسية والثقافية منذ أواخر القرن التاسع عشر وطوال العهد الملكي، لكن تلك المرحلة تميزت بأمرين افتقدتهما مصر بعد الثورة.
الأول أن التيار العلماني وقتذاك لم يكن مخاصما للتيار الإسلامي، وإنما كان يعبر عن الاحترام لهوية مصر الإسلامية، وهو ما أثبتته بوضوح قاطع وثائق المؤتمر المصري الذي عقد في سنة 1911، وكان في مقدمة المشاركين فيه اثنان من رواد العلمانية في مصر هما عبدالعزيز فهمي «بك». وأحمد لطفي السيد «بك».
الأمر الثاني أن الساحة احتملت حضورا معلنا بين التيارين العلماني والإسلامي، وتعاونا في بعض القضايا المتعلقة بالمصالح العليا للمجتمع (المطالبة بالجلاء ومقاومة الاحتلال الإنجليزي مثلا).
هذا الوضع اختلف بعد ثورة يوليو 1952، إذ بسبب الصدام بين قادة الثورة وجماعة الإخوان المسلمين الرمز الأكبر للتيار الإسلامي فرض الحصار على ذلك التيار. وتضاعف ذلك الحصار بعد اغتيال السادات وظهور جماعات التطرف والإرهاب، خصوصا في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

وطوال تلك الفترة كانت الساحة المصرية حكرا على التيار العلماني بمعتدليه ومتطرفيه. والأخيرون ظلوا محل حفاوة ورعاية من السلطة القائمة، خصوصا الذين التقوا مع سياستها المخاصمة للتيار الإسلامي.

وفي ظل ذلك الرضا أو التوافق فتحت الأبواب على مصارعها لرموز ذلك التيار، وجرى تمكينهم من أغلب مواقع التأثير وتشكيل الرأي العام في مجالي الثقافة والإعلام. وأصبح هؤلاء بمثابة الراعي الرسمي للعقل المصري، والممثل الشرعي الوحيد له. وهو الوضع الذي اختلف بعد زلزال ثورة 25 يناير، الذي أسقط الوصاية على الشعب وكسر القيود التي كبلته.
(3)
حين تقدمت الأجيال الجديدة من الشباب صفوف ثوار 25 يناير نسي الجميع هوياتهم وانتماءاتهم. وكانت تلك لحظة تاريخية التحم فيها الجميع حول هدف واحد مشترك، لكن ذلك لم يستمر طويلا. إذ سرعان ما حدث الشقاق حين طرحت التعديلات الدستورية، وجاءت نتيجة الاستفتاء عليها مفاجئة للجميع وصادمة للتيار العلماني.

كانت فصائل وأطياف التيار الإسلامي قد استعادت حضورها بعدما خرجت من جُب الإقصاء والحظر، وبرز ذلك الحضور في صف الداعين إلى تأييد التعديلات، وتصدر العلمانيون والأقباط صف الرافضين لها.
وتحدد وزن كل طرف حين صوت 77٪ لصالح التعديلات، ورفضها 22٪ فقط، بعد ذلك انقسمت مصر إلى ثلاثة معسكرات،
واحد يضم الإسلاميين،
والثاني يضم العلمانيين،
والثالث اصطف فيه الأقباط الذين التحقت أعداد منهم إلى جانب العلمانيين.
اكتشف العلمانيون أن أغلبية المصريين لم تستجب لندائهم ولم تتلق شيئا من خطابهم الذي يبثونه منذ نحو أربعين عاما. فأعادوا إنتاج خطاب الإقصاء الذي اعتمدوه طول الوقت، وأضافوا إليه خطاب التخويف والترويع لجذب الواقفين بين المعسكرات الثلاثة. وأطلقوا في هذه الأجواء فكرة المفاضلة بين الدولة الدينية التي اعتبروها فزاعة الموسم، والدولة المدنية التي وضعوها قناعا لإخفاء، المشروع العلماني.
بالتوازي مع ذلك فإنهم دعوا إلى استمرار المجلس العسكري في السلطة، بحجة أن إجراء الانتخابات الحرة سوف يأتي بالتيار الإسلامي مستصحبا معه فزاعة الدولة الدينية بالشرور الكامنة في جعبتها. وذهبوا إلى حد التنديد بالمجتمع وتقريع أغلبيته التي صوتت لصالح التعديلات.

فمن قائل إنه لا يحسن الاختيار من يعاني الأمية التي بلغت نسبة 40٪،
وقائل إن الواحد ممن قالوا لا بألف واحد من الذين قالوا نعم.
وأطلقت فكرة مضحكة طالبت بأن يعتبر صوت المتعلم ضعف صوت الأمي عند الفرز في الانتخابات.
ودعا بعض «عقلاء» العلمانيين إلى النص في الدستور الجديد على أن يكون الجيش وليس المجتمع حارسا للديمقراطية والشرعية. في استلهام للتجربة التركية التي تجاوزها النظام هناك منذ أربعين عاما.
هذه الأصداء كشفت عن مفارقات جديرة بالملاحظة في مقدمتها ما يلي:

إن النخب العلمانية ظلت متمسكة بموقف الإقصاء الذي تبناه النظام السابق، ومن ثم فإنها اصطفت دون وعي في الأغلب ضمن «فلول» ذلك النظام على الصعيدين السياسي والثقافي.
< إن تلك النخب تحولت بمضي الوقت إلى أصولية أو سلفية علمانية، متخلفة حتى عن التطور الحاصل في العلمانية الليبرالية السائدة في الديمقراطيات الغربية.
< إنها انتقلت تلقائيا إلى صفوف المنددين بالمجتمع والطاعنين في إدراكه. وبدلا من أن تستمد شرعيتها من التعبير عنه، فإنها آثرت أن تضعه في قفص الاتهام وتحاكمه، وبدا أن المطلوب أن يتشكل المجتمع وفقا لرغبات تلك النخبة، لا أن تكون هي مرآة له وناطقة باسمه.
< إنهم أصبحوا يبحثون عن آليات غير ديمقراطية لحماية النظام الجديد، في مسعى غير مباشر لإعادة إنتاج النظام الاستبدادي القديم. وهو ما عبروا عنه بمطالبة الجيش بالبقاء في السلطة لأمد أطول. وباقتراح تولي الجيش ضمان حماية الديمقراطية في مصر.
(4)
لا تقف المفارقات عند ذلك الحد. ذلك أن بعض مدارس التيار الإسلامي التي كانت متوجسة ومتحفظة إزاء الآخر، طورت من نفسها خلال الثلاثين سنة الأخيرة، وأصبحت أكثر انفتاحا وحرصا على مد الجسور والتعايش مع ذلك الآخر.

وتمثل ذلك في انخراطها في صفوف الداعين إلى الديمقراطية والتعددية، التي انحازت إليها دراسات وفتاوى عدة، أبرزها ما صدر عن الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

بالمقابل فإن التيار العلماني الذي بدأ ليبراليا وأعلن تمسكه بالهوية الإسلامية لمصر قبل مائة سنة (كما دلت على ذلك وثائق مؤتمر عام 1911)، فإنه انتهى إقصائيا وسلفيا على النحو الذي نشهده الآن في مختلف نصوص ومواقف المعبرين عنه.
في كتابات المستشار طارق البشري، وكذلك الدكتور عبدالوهاب المسيري، إن عقد الثمانينيات في القرن الماضي شهد بدايات الفرز والفراق بين القوى السياسية في مصر، بل وفي الساحة الدولية أيضا.

ويذكرنا البشري في كتابه «نحو تيار أساسي للأمة» بأن الإخوان المسلمين والشيوعيين أيدوا في انتخابات نقيب المحامين التي جرت عام 1982 شخصية وطنية مستقلة هي الأستاذ عبدالعزيز الشوربجي.
وإن القوى الوطنية كانت لها مواقفها الواضحة قبل ذلك إزاء اتفاقيات كامب ديفيد والقضية الفلسطينية ومشكلة بيع هضبة الأهرام ووضع السلطة القضائية والمحكمة الدستورية وقانون الأحزاب وغير ذلك من القضايا الجامعة.

غير أنه منذ منتصف الثمانينيات دب الخلاف بين الجميع ولاحت بوادر الفراق حين ثار الجدل حول موضوع سلمان رشدي وقصة أولاد حارتنا وقضية تسليمة نسرين ومجلة إبداع ومشكلة نصر حامد أبوزيد.
وهذا الخلاف كانت له أصداؤه التي لاتزال حية إلى الآن.
الموقف أكثر تعقيدا وحدة في المرحلة الراهنة، خصوصا بعد تحديد موازين القوى وظهور الاستقطاب الذي سبقت الإشارة إليه بين التيارات الإسلامية في جانب وبين العلمانيين والأقباط في الجانب الآخر. وليست المشكلة في مبدأ الاختلاف، ولكنها في مداه ومآلاته.
(٥)
في هذا الصدد فلعلي لا أكون مبالغا إذا قلت إننا بإزاء لحظة فارقة. وأن خطاب التعبئة المضادة والتخويف نجح في إقامة ما يمكن أن نسميه بأنه «حاجز نفسي» على الأقل بين التيارات الإسلامية في جانب وبين العلمانيين والأقباط في الجانب الآخر.
إذا كنا جادين في حل الإشكال الخطر، فينبغي أن نتفق أولا على أنه لا مكان للغلاة والمزايدين على طاولة الحل.

نتفق ثانيا على إيقاف الحرب الأهلية والإعلامية المعلنة بين الفرقاء لإتاحة الفرصة للحوار على أساس الاحترام المتبادل.

ينبغي أن نتفق ثالثا على أن إقصاء أي طرف يفاقم المشكلة ولا يحلها فضلا عن أنه يعيدنا إلى مناخ ما قبل 25 يناير.

ينبغي أن نتفق رابعا على أن كل طرف يجب أن يقبل بالآخر كما هو، وألا يطالب بالتنازل عن ثوابته.

أخيرا فإنه ليس أمامنا سوى الاحتكام إلى صناديق الانتخاب الحر، وإن نسلم في ذلك بالقاعدة المعمول بها في كل الديمقراطيات المحترمة. التي تقر مبدأ حكم الأغلبية وحقوق الأقلية حيث لا يستقيم حال ولا يستقر مجتمع تطالب فيه الأغلبية بأن تعيش بشروط الأقلية، حيث يعد ذلك عودة إلى زمن القهر والاستبداد مرة أخرى.
إذا لم تتوافق النخب على ذلك فإنها ترتكب جريمة في حق الوطن وفي حق أهل مصر، لأنها بذلك تدفع بالبلد إلى مجهول لا تحمد عقباه، شروره لا تعد ولا تحصى،

اسألوا الله للجميع الهداية وللوطن السلامة.
...................

16 مايو، 2011

نريدهم أبطالًا في الفن


صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 13 جمادي الاخره 1432 – 16 مايو 2011
نريدهم أبطالًا في الفن – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_16.html

حين قرأت قول المخرجة إيناس الدغيدي أن مهمتها هي محاربة الدولة الدينية، فإنني خشيت أن تكون هذه أول ضربة موجعة تتلقاها الدولة المدنية.

وهو ما ذكرني بما ردده البعض قبل حين تعليقا على تصريح لها قالت فيه إنها ستترك البلد إذا تولى الإخوان السلطة، إذ سمعت أحدهم يدعو الله أن يعجل بوصول الإخوان إلى السلطة، معتبرا أن بعض القضاء أخف من بعض.
ولا أعرف مدى دقة هذا الكلام الذي نسبته إليها الصحف في الشأن السياسي، خصوصا أنه يتضمن أخبارا هامة، من قبيل قولها إن لها موقفا لم تتزحزح عنه منذ أول يوم في حياتها وسوف يستمر معها حتى آخر يوم، مضيفة أنها اختارت أن تحارب علنا وبغير هوادة ذلك التيار الذي يوصل الإخوان إلى الحكم.
من تلك الأخبار التي سربتها أيضا أن الإخوان استولوا على الثورة في مصر.

والخبران أذيعا لأول مرة، لأننا لم نسمع بتلك المعركة الشرسة التي تخوضها منذ ولدت ضد التيار الديني (لم تذكر أسلحتها في ذلك). ولم نكن نعرف أنها كانت تموه علينا وتخدعنا باللغط الذي أثارته الأفلام التي أخرجتها والبرامج التليفزيونية التي قدمتها في شهر رمضان لتشجيع الناس على الإفطار، في حين أنها كانت تخوض في هدوء معركتها السرية ضد التيار الديني والدولة الدينية وكان من نتائجها ظهور الجماعات السلفية.

كما أننا لا بد أن نغبطها على إحاطتها بما هو خافٍ على الجميع، حين أسرَّت أيضا لأسبوعية «الفجر» (عدد 16/5) أن الإخوان استولوا على الثورة، وهو ما لم يسمع به حتى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ذاته.
إذا انتقلنا من الهزل إلى الجد، فإنني لا أخفي دهشة سواء من اهتمام الصحافة الفنية بالآراء السياسية للفنانين، ومن الصحف التي تبرز تلك الآراء وتثير بها فضول الناس؛ حيث ليس مطلوبا من هؤلاء أن يصبحوا محللين ولا زعماء سياسيين، وغاية ما يتوقعه الناس منهم أن يقدموا لهم فنا أصيلا وممتعا.

وهو كلام قلته من قبل تعليقا على تورط بعض الفنانين في تصريحات سياسية لم يكونوا مضطرين إليها، ولكني لاحظت أن ظاهرة ركوب الموجة السياسية برزت بعد ثورة 25 يناير. إذ حرص البعض على أن يقدموا أنفسم بحسبانهم أبطالا للثورة وآباء لها، حتى فتش كل واحد منهم في أعماله لعله لوى شفتيه أو امتعض ذات مرة في أحد المشاهد، ليسارع إلى التدليل بذلك على أنه لم يكن راضيا عن الأوضاع وكان معارضا للتوريث.

وإذا ما فشلت مسرحية أو فيلم قدمه آخر فإنه أصبح يبرر ذلك بأن جهاز أمن الدولة هو الذي ضغط وقام بتطفيش الجمهور.

وقرأت أخيرا أن إعلامية كانت قد تركت مصر في أعقاب إشكال أثارته في حلقة تليفزيونية قدمتها حول فتيات الليل، وحين عادت أخيرا فإنها رفعت لواء الثورة وقالت إن حبيب العادلي وزير الداخلية السابق لفّق لها القضية بإيعاز من سوزان مبارك، كأن المشكلة الحقيقية كانت مع زوجة الرئيس السابق ونظامه.
لا أعرف من نلوم، الصحفيين الذين يؤثرون الثرثرة والنميمة وسؤال الفنانين فيما لا يجيدونه، أم الفنانين الذين يسعون إلى ركوب الموجة وتقديم أنفسهم باعتبارهم مناضلين وضحايا.

أزعم أن الطرفين مسئولان، إلا أن مسئولية الصحفيين أكبر لأنهم من يستدرج الفنانين بأسئلتهم التي كانت تركز في السابق حول رأيهم في حظوظ جمال مبارك. وأصبحت تنصب الآن على رأيهم في القوى السياسية ومواصفات رئيس الجمهورية القادم.

وقد تمنيت باستمرار على الفنان إذا لم يكن ناشطا سياسيا، أن يقول إنه لا يجيد الكلام في السياسة وأن اهتمامه بفنه يستغرقه ولا يتيح له متابعة الشأن العام وحسم الخيارات السياسية
أما إذا كان موجودا في الساحة السياسية وله حضوره في أي تجمع سياسي، فإن ذلك يوفر له شرعية تسمح له بأن يكون له رأي في كل ما يجري.
بذات المعيار، فإنني لم أستسغ إدانة بعض الفنانين من غير الناشطين السياسيين، لأنهم لم يؤيدوا ثورة 25 يناير أو أنهم انتقدوها. وأزعم أنه من التعسف والظلم غير المبرر أن يشهر بهم وتدرج أسماؤهم فيما سُمي بقائمة «العار».
ذلك أن أمثال هؤلاء اجتهدوا في حدود إدراكهم وخبرتهم المحدودة بالموضوع، ولا ينبغي أن يوجه إليهم اللوم إذا تبين أنهم وقعوا في خطأ سياسى، بما يؤدي إلى اغتيالهم أدبيا وفنيا ــ وإذا كان المجتهد إذا أخطأ في الدين فله أجر وإذا أصاب فله أجران، فأولى بنا أن نترفق بمن اجتهد وأخطأ في شئون الدنيا، فلا نعاقبه أو نحاكمه.
بالمناسبة، فليس مطلوبا من الفنانين أن يتسابقوا على إنتاج الأفلام التي تمجد الثورة، لكي يلتحقوا بركب المتنافسين على كتابة الأغانى التي اصبحت تقول كلاما واحدا عن أيامنا السوداء وفرحة الثورة ودماء الشهداء.
إن أكبر خدمة يقدمها الفنانون لنا وللثورة، أن يكفوا عن الإفتاء في السياسة، وأن يقدموا لنا فنا نظيفا راقيا وممتعا، وهم بذلك يطلقون ثورة موازية في مجالهم. وإذا فعلوا ذلك فإنهم يؤدون ما عليهم وزيادة.
إذ نحن نريدهم أبطالا في الفن وليس في السياسة. والأولون قلة نادرة والآخرون على قفا من يشيل.
...................

15 مايو، 2011

حزمة أسئلة مزعجة

صحيفة السبيل الاردنيه الاحد12 جمادي الاخره 1432 – 15 مايو 2011
حزمة أسئلة مزعجة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_15.html

هذه رسالة مهمة حول الموقف الاقتصادي الراهن في مصر تحذر من خطورة الاستدانة من صندوق النقد الدولي، الذي أعلن يوم الخميس الماضي أن مصر طلبت اقتراض ما بين 10 و12 مليار دولار منه. وصاحب هذه الرسالة هو الدكتور محمود الخفيف، الخبير الاقتصادي بالأمم المتحدة، وقد كتبها تعبيرا عن رأيه الشخصي الذي لا علاقة له بالمؤسسة التي يعمل بها.

خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، تراجعت احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي من 36 إلى 28 مليار دولار، الأمر الذي يعنى أنه خرج من مصر خلال تلك الفترة ما يزيد على 8 مليارات دولار، تمثل 22٪ من احتياطي البنك المركزي في شهر ديسمبر الماضي.
وتشير التقارير إلى أن السحب الأكبر من الاحتياطى تم بعد انتصار ثورة 25 يناير، وأن أعلى نسبة كانت في شهر مارس الذي تم فيه سحب أكثر من 3.4 مليار دولار في شهر مارس.

والمرجح أن يكون كل ذلك الانكماش له صلته بتهريب الأموال الفاسدة، التي سطت عليها رموز النظام السابق. والغريب في الأمر أنه في مثل هذه الظروف الاستثنائية، وحتى اللحظة الراهنة، لم يعلن البنك المركزي أو وزارة المالية عن مسببات ذلك التراجع، ولم تتخذ أي إجراءات استثنائية للسيطرة على حركة رءوس الأموال، كما فعلت ماليزيا في عام 2008، علما بأن تسريب أموال شعب مصر وعدم اتخاذ أي خطوات لكبحه أمر خطير لا يقل خطورة عن الفساد ذاته.
الأمر الذي لا يقل خطورة عن ذلك هو اللجوء إلى الاستدانة من الصندوق والبنك الدوليين بمبلغ مهول يمثل ما بين 5 و6٪ من حجم الاقتصاد المصري. الأمر الذي يرفع مديونية مصر بمقدار الثلث تقريبا، ويعنى في ذات الوقت أن الحكومة الانتقالية الحالية ستسلم الخزانة خاوية إلى الحكومة التي ستأتى بعدها.

يعني ذلك أيضا أننا نستهلك مما سننتجه في المستقبل، مما يقلل من قدرتنا المستقبلية على الاستثمار، أما إذا واجهنا صعوبة في السداد تحت أي ظرف فإننا قد نواجه بشروط وقيود ربما تهدد أهداف الثورة الساعية إلى زيادة الإنتاج وتوفير العدل الاجتماعي.
إن اللجوء إلى هذه الخطوة يثير أسئلة عديدة منها مثلا:

هل سنعود إلى «إصلاحات» الصندوق والبنك من جديد رغم أننا نعلم أن الجهتين تتبعان أجندة الدول الغربية التي تمتلك الجزء الأعظم من أموال المؤسستين. وهي ذات الدول التي تستقر فيها وتستفيد من الجزء الأعظم من أموال الفساد في العالم الثالث.

ثم هل نحن بحاجة حقيقية إلى تلك القروض؟

وهل درسنا كل سبل سد العجز والتي يجب أن يكون منها مشاركة الشعب والتقشف والحد من أنواع الإنفاق الباذخ؟

وهل من حق حكومة ستذهب بعد أشهر معدودة أن تقترض وتزيد من ديون مصر دون الرجوع إلى الشعب.

ولأن مثل هذه القروض يجب (قانونا) أن يصدق عليها مجلس الشعب، ولأن المجلس محلول الآن، فمن إذن له الحق على التصويت على قروض بهذا الحجم والثقل؟
هل هو مجلس الوزراء، هل هو وزير المالية، هل هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟
هناك أسئلة أخرى من قبيل:
لماذا تزيد ديوننا بما يتراوح بين 10 و12 مليار دولار؟ ومن صاحب القرار في ذلك؟ وأين ستذهب تلك الأموال؟

وهل هي للاستهلاك وتهدئة الشعب وللوفاء بوعود سياسية واستهلاكية، أطلقها بعض أعضاء الحكومة المؤقتة، وليس لدينا القدرة على احتمالها الآن؟ أم أنها لأغراض الاستثمار في الوطن والصناعة والزراعة والتعليم والصحة؟

وما هي الفترة التي ستستخدم وتستهلك فيها هذه القروض؟ وما هي المدة التي ستسدد خلالها؟ وهل لدينا القدرة على السداد في هذه الفترة؟ وما هي شروط هذه القروض ميسرة كانت أو غير ميسرة؟

وقبل كل شيء.. لماذا الصندوق والبنك، أهما الملجأ الأول والأخير؟

ألا توجد سبل أخرى شعبية وطنية وعربية وإسلامية وأفريقية، كبنك التنمية الإسلامي وبنك التنمية الإفريقي ودول عربية وإسلامية وإفريقية صديقة؟

وألا يوجد حل وطني لسد العجز مثل بعض إجراءات التقشف والسيطرة على حركة رءوس الأموال، كما فعلت كوريا الجنوبية وماليزيا في عام 2008 حتى لا يلجآ للصندوق والبنك، وذلك لمعرفتهما بخطورة اللجوء لمثل هذه المؤسسات، والذي عادة ما يؤدي إلى تقويض قدرتنا على تنمية أنفسنا في المستقبل.
لقد اتبعنا «نصائح» الصندوق والبنك لأكثر من 35 سنة. وكانت النتيجة أننا وقعنا في قبضة نظام ليبرالى متوحش من السياسات والنظم الاقتصادية وبرامج خصخصة لأموال شعب مصر، الأمر الذي أدى بشكل مباشر لكل هذا القدر من الفساد والإفساد وسوء توزيع الدخل وسوء التنمية وسوء تعليم وسوء صحة وسوء الأخلاق.
...................

14 مايو، 2011

فتش عن التمويل


صحيفة الشرق القطريه السبت 11 جمادي الاخره 1432 – 14 مايو 2011
فتش عن التمويل – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_14.html

وجهت وزارة الخارجية الفرنسية الدعوة إلى ستة من شباب التجمعات السياسية المصرية التي شاركت في ثورة 25 يناير لحضور ندوة في باريس عن التطورات التي شهدها العالم العربي.

وقد حضر هؤلاء الندوة التي عقدت يومي 14 و15 أبريل الماضي. وكان بينهما اثنان أحدهما يمثل الإخوان المسلمين والثاني عن حزب الوسط،

وفيما علمت فإن نائب وزير الخارجية الفرنسي حين حدث المهندس أبو العلا ماضي الأمين العام لحزب الوسط بهذا الخصوص فإنه اقترح عليه أن يرشح الحزب فتاة وليس شابا، لسبب غير واضح بالضبط، ولكن الحزب فضل أن يوفد واحدا من نشطائه، وهو ما كان.

قبل الندوة التي نظمتها الخارجية الفرنسية، تمت دعوة ثلاثة من الشبان المصريين من جانب حزب ساركوزي الحاكم (الاتحاد من أجل الحركة الشعبية) للتعرف على أمانات الحزب والحوار مع ممثليه، فيما وصف لاحقا في الصحافة الفرنسية بأنه «تدريب لشباب الثورة في مصر».

وكان ممثل حزب الوسط طبيب الأسنان يامن نوح أحد الثلاثة، في حين استبعد ممثل الإخوان من هذا البرنامج، في هذه الجولة التقى الشبان الثلاثة بعض كوادر الحزب، في المقدمة منهم شخصيتان مهمتان، إحداهما فالاري هوتنبرج وهي يهودية تعمل سكرتيرة للرئيس ساركوزي لشؤون العلاقات العامة والأحزاب، وجان فرانسوا كوبيه الأمين العام للحزب.

خلال اللقاءات جرت حوارات حول التجربة في فرنسا وحول الأوضاع والتطورات الأخيرة في العالم العربي ومصر بوجه أخص.

وتطرق الحديث إلى الحماس الفرنسي للتطور الديمقراطي والنشاط الأهلي في مصر، واستعداد الحكومة الفرنسية لتقديم مختلف صور العون للجماعات السياسية التي ظهرت أثناء الثورة. في هذا الصدد عبر كل من السيدة فالاري والسيد كوبيه عن رغبة الحكومة والحزب الحاكم في التعاون مع الأطراف التي تتبنى أربع قضايا أساسية هي:
علمانية الدولة المصرية
ـ تأييد معاهدة كامب ديفيد والدفاع عن السلام مع إسرائيل ومعارضة سياسة حركة حماس «الإرهابية»
ـ الدفاع عن الرئيس السابق حسني مبارك ورفض تقديمه إلى المحاكمة
ـ الاصطفاف إلى جانب التيارات السياسية التي تتحالف ضد جماعة الإخوان المسلمين، لإضعاف أي حضور لها في المستقبل السياسي لمصر.

حين جادلهم الدكتور يامن نوح معارضا أطروحاتهم في النقاط الأربع. فإنهم ألغوا زيارة كان مقررا أن يقوم بها الثلاثة للبرلمان الفرنسي، ورتبوا لهم جولة في متحف الهولوكوست، الذي يخلد شهداء اليهود الفرنسيين من ضحايا الحرب العالمية الثانية.

لا الزيارة كانت بريئة ولا المساعدات التي تم التلويح بها كانت لوجه الله، ولكن الأمر كله كان مشروع صفقة، إذا تمسكتم بالعلمانية ووقفتم مع إسرائيل وضد حماس والإخوان فنحن مستعدون للدعم والتمويل ومساعدة هذه الديمقراطية وذاك الاعتدال.

لا مفاجأة في الموضوع. ولا سر نسمع به لأول مرة، فهذا شأن الدعم الأجنبي باستمرار، إذ الأجندة حاضرة مسبقا، فقط الجديد في الأمر أن واحدا تلقى الدعوة ولم يستجب ولم يقبض وتكلم بعد ذلك، في حين أن غيره يسمعون ويتجاوبون ويقبضون في هدوء، ولا يتكلمون، ويبدو أن دائرة السوق اتسعت بعد ثورة 25 يناير. لأننا اعتدنا على أن تقوم دول أخرى في الغرب بمثل هذه العروض.

وكان مفهوما تركيز فرنسا على الشمال الإفريقي وربما لبنان أيضا، لكن من الواضح أن ثمة سباقا غربيا على النفوذ والحصول على موطئ قدم في مصر ما بعد الثورة، فلم تعد الولايات المتحدة ولا بريطانيا أو ألمانيا هي التي تحاول اختراق الساحة المصرية، ولكن هاهي فرنسا دخلت على الخط.

وقال لي أحدهم في الأسبوع الماضي إنه تلقى عرضا إيطاليا لتمويله إذا اشترك في اللعبة، وحين علمت أن غرفة التجارة المصرية الأمريكية هي التي مولت مؤتمرا كبيرا عقد في أحد الفنادق الكبرى بالقاهرة لمعارضة التعديلات الدستورية، فإنني أصبحت أتعامل بحذر مع أكثر التحركات التي تحدث في الساحة المصرية هذه الأيام.

مثل تلك الاختراقات ليست مقصورة على الساحة المصرية، لأن هناك غزوا غربيا لمنظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم العربي. وهو ما نشهد نموذجا فادحا له في الضفة الغربية التي تمول الدول الغربية فيها بسخاء شديد أي تجمع فيها يؤيد السلام مع إسرائيل،

إنها أجندة واحدة ترتدي في كل بلد ثوبا مغايرا.
.....................

12 مايو، 2011

حزمة رسائل من إمبابة


صحيفة الشرق القطريه الخميس 9 جمادي الاخره 1432 – 12 مايو 2011
حزمة رسائل من إمبابة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_12.html

نخطئ إذا اعتبرنا أن ما جرى في إمبابة سببه مشكلة عاطفية بين مسلم وقبطية تحولت عن دينها وهربت معه.

ذلك أن هذه المشكلة ليست سوى عود الثقاب الذي ألقي في ساحة مشبعة بالبنزين. بالتالي فإن قضيتنا ليست في العود الذي أشعل الحريق، ولكنها بدرجة ما فيمن أشعل العود وبدرجة أكبر في الساحة الجاهزة للاشتعال والانفجار.

ويكتسب الحدث أهمية خاصة حين يقع في ظل ثورة تعلقت بها عيون وأحلام الملايين في مصر وخارجها ومن ثم يصبح الحدث بمثابة قنبلة انفجرت فجأة في وجه تلك الملايين وفي وجه الثورة ذاتها.
ليس لي أي كلام فيما هو خاص في الموضوع، فلا المسلمون زادوا بتحول السيدة عن دينها ولا الأقباط نقصوا، فضلا عن أن الطرفين خسرا وكان الوطن هو الخاسر الأكبر. وإن كنت أفهم امتعاض العائلات من مثل هذه التحولات، لكني لم أفهم حتى الآن احتجاز المتحولات في بيوت التكريس أو الأديرة، في دولة ذات سيادة ولديها قوانين ومؤسسات حقوقية تحاسب البشر عن أي خرق أو تجاوز.
في ذات الوقت. فلسنا نحن الذين نجيب عن السؤال من أشعل عود الثقاب، وإن كنا نعرف جيدا من صاحب المصلحة في إشعاله. أعني أن سلطة التحقيق وأجهزة التحري والبحث هي الأولى بالكشف عن هذا الجانب. وهي المنوط بها تحديد ما إذا كان التعصب وراء ما جرى، أم أنه البلطجة أم أن لفلول الحزب الوطني يدا فيه، أم أن هناك أصابع أجنبية وراء عملية التفجير. إن تلك كلها أطراف ذات مصلحة مرشحة. لكن ليس بوسعنا أن نحدد مَن مِن تلك الأطراف حضر ومن غاب، وما نصيب كل من حضر فيما جرى.
سيظل ذلك الجانب غامضا إلى أن تنتهي التحقيقات والتحريات وتنجلي تلك الخلفية. لكننا تلقينا مما جرى عدة رسائل من بينها ما يلي:



< إن ثمة غضبا قبطيا وشعورا عميقا بالمرارة، اقترنا بدرجة عالية من الحساسية وسوء الظن. وهي مشاعر قد تكون مبررة، لكن حدودها تظل بحاجة إلى ضبط، بحيث نميز بين ما هو مقبول ومعقول من أسباب الغضب، وما ليس مقبولا أو معقولا. فنحن نفهم مثلا أن ينصب ذلك على ممارسات بعض المسلمين، لكننا لابد أن نستغرب أن يوجه إلى كل المسلمين أو إلى حضور الإسلام في البلد.
< إن السلفيين لم يكونوا الطرف الأساسي في المشكلة. وإذا كان بعضهم قد تواجد أمام كنيسة مارمينا، فإن حضورهم كان ضمن غيرهم من المسلمين الذين تجمهروا تضامنا مع الرجل الذي جاء يبحث عن زوجته التي قيل له إنها محتجزة في بيت «التكريس» المجاور للكنيسة.
< إن قبطيا هو الذي بدأ بإطلاق الرصاص على المتجمهرين وإن طلقات أخرى وزجاجات المولوتوف انهالت عليهم من نظرائه في المنازل المجاورة. الأمر الذي يعطي انطباعا بأنه كان هناك استعداد للتحدي والتصعيد. وذلك تطور نوعي جدير بالملاحظة والانتباه.
< نشرت صحيفة الوفد يوم الثلاثاء 10/5 أسماء 110 من المصابين وجدت أن بينهم 30 قبطيا و80 من المسلمين، الأمر الذي أيد المعلومات التي ذكرت أن المصابين من المسلمين ضعف نظائرهم من الأقباط. وهذه النسبة لم تستوقف أحدا من المحللين أو المعلقين.

على الأقل في البرامج التلفزيونية التي ناقشت الموضوع. وحتى في الحديث عن القتلى الذين توزعوا مناصفة على الجانبين، فإن مقدمي تلك البرامج أبدوا أسفهم لمقتل الأقباط الستة (في رواية أخرى أنهم أربعة فقط) وكانوا محقين في ذلك لا ريب، إلا أنهم تجاهلوا تماما المسلمين الذين قتلوا أيضا. وأهمية هذه الأرقام تكمن في أنها تدعونا إلى قراءة المشهد من زاوية أوسع وربما من منظور مختلف.
< يلفت الانتباه أن كنيسة مارمينا التي قصدها المسلمون في البداية بمظنة أن قسيسها يحتجز الزوجة تعرضت للرشق والتخريب فقط، في حين أن كنيسة العذراء التي توجهوا إليها بعد ذلك أحرقت تماما. ولا تفسير لذلك سوى أن المجموعة حين ووجهت بالرصاص وزجاجات المولوتوف عند الكنيسة الأولى ثم شاع بينهم أن مسجدا أحرق، فإنها قررت الانتقام واستهدفت إحراق الكنيسة الثانية.
< إن الحاضر الأكبر في المشهد كانوا هم البلطجية، أما الغائب الأكبر فكان رجال الأمن. وكان ذلك الغياب أوضح ما يكون حين تبين أن الذين استهدفوا الكنيسة الثانية قطعوا مسافة تجاوزت كيلومترين في مسيرة غاضبة ولم يعترض طريقهم أحد من رجال الأمن.
المشكلة أن عيدان الثقاب كثيرة وأن الساحة المصرية مازالت مشبعة بالبنزين.
.....................

11 مايو، 2011

تحرير ما جرى

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 8 جمادي الاخره 1432 – 11 مايو 2011
تحرير ما جرى – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_11.html

اعتذرت يوم الاثنين الماضي عن التعليق على أحداث إمبابة، وكان ردي على من سألوني أنني عاجز عن فهم ما جرى بسبب نقص معلومات الكارثة.

ذلك أن الصحف التي صدرت صبيحة ذلك اليوم (8/5) ركزت على خبر الحريق دون تفاصيله.
فجريدة «الأهرام» ذكرت في عنوانها الرئيسي أن نار التعصب الطائفي تهدد مصر.
وجريدة «الشروق» قالت إن الكنيسة اتهمت فلول الحزب الوطني.
و«المصري اليوم» تحدثت عن أن التطرف يحرق الثورة.
وقالت «الوفد» إنها حرب أهلية في إمبابة.
أما جريدة «الدستور » فقد ذكرت أن شبح السلفية يحرق مصر، وأن «المرتزقة والبلطجية والخارجين عن القانون ارتدوا ملابس السلفيين وأحرقوا (كنيستي) العذراء ومارمينا.

وحتى ظهر الاثنين، كانت معلومات من سألتهم أن قصة السيدة «عبير» مختلقة ولا أصل لها، وأنها كانت مجرد ذريعة للهجوم على الكنيستين واستدعاء الملف الطائفي إلى الواجهة، من خلال التلويح بفزاعة السلفيين الذين حولهم الإعلام إلى «عفاريت» المرحلة.
هذه الصورة بدأت تتغير مساء يوم الاثنين، ثم أصبحت أكثر وضوحا صباح الثلاثاء. إذ مساء الاثنين اتصل أبى هاتفيا من أخبرني بأن شخصية «السيدة عبير» حقيقية وليست وهمية، وأن في الأمر قصة عاطفية مما يتم تداوله هذه الأيام، عن شاب مسلم وقع في غرام قبطية من أسيوط، فغيرت دينها، وهربا بعيدا، حيث تزوجا عرفيا، فظل أخوالها يبحثون عنها حتى خطفوها وسلموها إلى الكنيسة، التي احتجزتها في بيت للمكرسات في إمبابة، وحين علم الزوج المسلم بالأمر ذهب إلى الكنيسة ليسترد «زوجته» وكانت تلك بداية انفجار الموقف.
لم أتأكد من صحة هذه المعلومات إلا حين قرأت صحف صباح الثلاثاء (10/5)، وكان التقرير الذي نشره «الأهرام» عن الموضوع هو الأوفى. إذ أيد قصة الزواج العرفي، وأن الفتاة أشهرت إسلامها في شهر فبراير الماضي، وأن محكمة الأسرة في قويسنا نظرت في شهر مارس قضية رفعتها «عبير» للتفريق بينها وبين زوجها القبطي، الذي وافق أمام المحكمة على طلب التفريق. وقد أجلت المحكمة نظر القضية إلى 29 مايو الحالي.
ذكر تقرير «الأهرام» أيضا أن الزوج توجه إلى الكنيسة مع آخرين ليسأل عن زوجته، فأشاع تاجر مقيم بجوار الكنيسة أن تجمع الشباب المسلم يستهدف اقتحامها. وكان ذلك التاجر (اسمه عادل لبيب) أول من أطلق الرصاص على تلك المجموعة، وأنه حرض الشبان الأقباط على مهاجمة المسلمين. وذكرت المصادر الأمنية أن التاجر سبق اتهامه في عام 1992 بالتحريض على العنف ضد المسلمين. وكان على صلة قوية بالحزب الوطني المنحل في إمبابة.
صحيفة «المصري اليوم» أضافت أن الاثنين ارتبطا بزواج عرفي في شهر سبتمبر الماضي، وتركا أسيوط حيث أقاما في بنها، وأن «الزوج» عاد إلى بيته يوم 5 مارس فوجد أن زوجته اختفت. واتصل به من أخبره بأنها موجودة في البيت المجاور لكنيسة مار مينا في إمبابة، وحين اصطحب آخرين وذهب إلى الكنيسة فإن صاحب المقهى القبطي كان أول من أطلق الرصاص عليهم، الأمر الذي كان بداية لمعركة استمرت أربع ساعات.
صحيفة «الشروق» ذكرت أن عضو الحزب الوطني الذي أشارت إلى اسمه بالحرفين (ع. ل) ــ هل هو عادل لبيب الذي تورط في تحريض شباب الأقباط على الاشتباك مع الشباب المسلم؟ ــ وأنه أشرف بنفسه على تجهيز زجاجات المولوتوف وتوزيعها على المجموعة القبطية.

أضافت «الشروق» أيضا أن مجموعة الشبان المسلمين تظاهروا سلميا أمام الكنيسة، لكنهم فوجئوا بوابل النيران وزجاجات المولوتوف تنهال عليهم. في حين أن الأقباط تحدثوا عن هجوم عدد من المسلمين على الكنيسة، كان بينهم سلفيون. وهؤلاء كانوا يلقون بالأحجار وزجاجات المولوتوف (لم يتحدثوا عن مصدر إطلاق الرصاص). أضاف الشبان الأقباط في التحقيقات أن بعض أئمة المساجد طلبوا من المتظاهرين المسلمين الانصراف دون جدوى. فاضطروا (الأقباط) إلى الدفاع عن أنفسهم وجرى ما جرى.
صحيفة «الوفد» ذكرت أن المسلمين في المنطقة المحيطة فوجئوا بشاب مسلم يقف أمام الكنيسة ويصرخ معلنا أن زوجته التي أسلمت اختطفت واحتجزت داخل الكنيسة، فالتفوا حوله، لكنهم فوجئوا بأن مجموعة من الأقباط صعدت فوق أسطح المنازل المجاورة وأطلقت عليهم الرصاص وألقت عليهم زجاجات المولوتوف.

ونقلت الصحيفة رواية أخرى معاكسة قال فيها الأقباط إن مجموعة من البلطجية اقتحموا الكنيسة بدعوى البحث عن «عبير»، ولم يجدوا مفرا من رد العنف بالعنف دفاعا عن أنفسهم وكنيستهم.
غدًا بإذن الله نحاول أن نقرأ رسالة ما جرى.
...................

10 مايو، 2011

أيكون الخوف عنوانًا للمئوية الثانية؟ – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 7 جمادي الاخره 1432 – 10 مايو 2011
أيكون الخوف عنوانًا للمئوية الثانية؟ – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/05/blog-post_10.html

إذا جاز لنا أن نقول بأننا عشنا «السكرة» في المائة يوم الأولى من عمر الثورة المصرية، وأننا أفقنا على «الفكرة» مع تباشير المائة الثانية،
فهل يجوز لنا أن نقول بأن النشوة والأمل كانا من عناوين الأولى، وأن «الخوف» مرشح لأن يصبح عنوانا للثانية؟
(1)
إذا قال قائل إن الحكم على الثورة بعد مائة يوم من نجاحها لا يخلو من تعسف وتعجل فلن اختلف معه. ذلك أنه إذا جاز إعمال العرف الذي يقضي ببدء محاسبة أي حكومة جديدة تشكل في ظل أوضاع مستقرة بعد مائة يوم، فإن ذلك لا يجوز حين يتعلق الأمر بثورة شعب أسقط نظاما عاتيا هيمن طوال ثلاثين سنة على مقدرات بلد كبير مثل مصر، وتعين على السلطة الجديدة أن تزيل آثار العدوان على كرامة الشعب الذي تجاوز تعداد سكانه ثمانين مليون نسمة، وأن تضع الأساس لبناء نظام جديد يلبى أشواق تلك الملايين.
ذلك أفهمه، وأعرف أيضا أن القلق وربما الخوف من المشاعر الطبيعية التي تنتاب الكثيرين عقب كل تحول جذري يهز المجتمع ويقلب أوضاعه، سواء كان ثورة أو حربا أو زلزالا.

أعرف كذلك أن الأوضاع لم تستقر بعد قيام الثورة الفرنسية إلا بعد مضى عشر سنوات (من 1789 إلى 1799)، عانت البلاد خلالها من مختلف مظاهر الفوضى والصدامات الدموية. إلا أن الحاصل أن أصواتا عدة ارتفعت في مصر عبرت عن الخوف مما يجرى خلال الأسابيع الأخيرة، التي واكبت نهاية المائة يوم الأولى. فقرأنا كتابات عدة تحدثت عن سرقة الثورة وإجهاضها واحتمالات تصفيتها. وحذرت كتابات أخرى من ألاعيب فلول النظام السابق، ومن تفريغ الثورة من مضمونها بحيث تتبخر روح يناير، لتلحق بروح حرب أكتوبر التي تبخرت.

وعبر البعض عن خشيته من تحول الثورة إلى «فولكلور» يحتل مكانه في الذاكرة، دون أن تصبح واقعا يترجم على الأرض، إلى غير ذلك من الرسائل التي تشترك في ثلاثة قواسم مشتركة هى:
أنها أصدرت أحكاما يغلب عليها التشاؤم،
وأنها ركزت على النصف الفارغ من الكوب وتجاهلت النصف الملآن،
كما أنها سلطت الضوء على الحوادث التفصيلية التي تناولتها الصحف ولم تلق بالا للتحولات الاستراتيجية التي حدثت في البلد.
(2)
لا يستطيع أحد أن ينكر أن الإعلام لعب دورا أساسيا في إشاعة مناخ التوجس والخوف، سواء عن طريق المبالغات التي كثيرا ما يلجأ إليها، أو الشائعات التي تسعى بعض صحف الإثارة لترويجها، خذ مثلا ما حدث بقنا في شهر أبريل الماضي، حين اشتبك بعض الأشخاص مع رجل تصادف أن كان قبطيا وقيل إنه يمارس أفعالا منافية للآداب، وأثناء الاشتباك أصيبت أذنه بقطع، فنشرت إحدى الصحف على صدر صفحتها الأولى أن السلفيين طبقوا الحد على الرجل وقطعوا أذنه. وكان النشر بهذه الطريقة نموذجا لسوء التقدير وتعمد الإثارة، لأنه لا يوجد حد في الشريعة بهذا الخصوص، ثم إن الذين اشتبكوا مع الرجل كانوا أكثر من عشرة أشخاص بينهم سلفي واحد، وجاء تحركهم غيرة على الشرف في الصعيد بأكثر منه غيرة على الدين.

والمدهش في الأمر أنه بعد اتضاح الحقيقة فإن بعض الكتاب لا يزالون يستشهدون بالحادث بتفاصيله المضللة، ومنهم من أصبح يتحدث عن «تقطيع آذان الأقباط». الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى إثارة مخاوفهم وترويعهم. هذا التلفيق حدث أيضا مع خبر مكذوب تحدث عن رفع السلفيين الأعلام السعودية في أحد مساجد قنا. ورغم أن الخبر لا أصل له، فإن البعض لا يزال يتداوله ويناقشه باعتباره حقيقة وقعت بالفعل.
لم ينافس أخبار تخويف الأقباط غير شائعات إثارة الفزع من الجماعات الإسلامية من خلال بث الأخبار المكذوبة، التي تحدثت مثلا عن خطف الفتيات غير المحجبات من الشوارع. وتآمر المملكة العربية السعودية لمساعدة وتمويل التيارات الإسلامية لاكتساح الانتخابات القادمة، فتحدثت بعض الصحف عن مخطط لتسريب 3 مليارات دولار إلى داخل مصر لهذا الغرض، ولأن الكلام بالمجان فقد رفع آخرون الرقم إلى خمسة مليارات، لا أحد يعرف كيف يمكن أن تدخل إلى البلد، ولا كيف ستصل إلى أهدافها.

وإلى جانب هذه الرسائل المريبة ثمة رسائل لا حصر لها تتحدث عن التأهب لإقامة الحكم الإسلامي وتطبيق الحدود الشرعية، وكانت تلك مقدمات أثارت جدلا واسعا حول المخاوف من إقامة الدولة الدينية، وعن ضرورة إقامة الدولة العلمانية، لتتولى التصدي لـ«تسونامي» تلك الدولة التي يتخوفون منها.
إلى جانب التحريف والاختلاق كانت هناك المبالغات التي عمد أصحابها إلى اصطياد الأخبار والتصريحات والنفخ فيها لتوسيع دائرة الخوف والقلق. وركزت تلك المبالغات على موضوعين أساسيين هما:
موقف الجماعات الإسلامية والعلاقة مع الأقباط. فحين يتورط بعض السلفيين في هدم ضريح في إحدى محافظات الدلتا يصور الأمر بحسبانه اجتياحا سلفيا يهدد ضريح الإمام الحسين والسيدة زينب وجمال عبدالناصر، وحين تعلق لافتة يتيمة في الإسكندرية تعتبر التصويت لصالح التعديلات الدستورية واجبا شرعيا، لا أحد يذكر الخبر كما هو، ولكن تقوم الدنيا ولا تعقد بدعوى أن الإخوان يستخدمون الدين للتصويت لصالح الاستفتاء.

«لا أحد يشير إلى أن الكنيسة القبطية طلبت من رعاياها معارضة التعديلات».
بنفس الأسلوب تم التعامل مع أخبار الأقباط، فإذا اختلف اثنان لأي سبب وقتل المسلم قبطيا عُد ذلك اضطهادا يبرز على الصفحات الأولى من الصحف، وسببا قويا لتجديد الدعوة إلى علمنة الدولة والمطالبة بإلغاء المادة الثانية من الدستور «التى تتحدث عن مرجعية مبادئ الشريعة الإسلامية»، أما إذا قتل المسلم لأنه تزوج من قبطية غيرت دينها كما قتل أولاده منها، فإن ذلك يعد خلافا عائليا يرحل إلى صفحات الحوادث الداخلية!
(3)
هذه التعبئة الإعلامية وسعت من دائرة الخوف في المجتمع. وكانت الثورة، قد استصحبت مخاوف لها أسبابها المفهومة، فثمة خوف حتى من تداعيات الموقف الاقتصادي، خصوصا بعدما تبين أن مصر تخسر شهريا ثلاثة مليارات من الدولارات، وثمة خوف لدى المستثمرين الذين أوقفوا استثماراتهم أو سحبها بعضهم تحسبا للمستقبل. وهذا الخوف كان ولا يزال له صداه في البورصة التي انخفضت أسعار الأسهم فيها، هناك خوف آخر لدى أصحاب المصانع المحلية من الإضرابات العمالية التي طالبت بتعديل الأجور، كما أن البلطجية والهاربين من السجون أشاعوا درجات مختلفة من الخوف خصوصا في المدن النائية وأحياء الأطراف.
إضافة إلى كل ما سبق أشاع الاصطياد والترويع الإعلامي أسبابا أخرى للخوف. خوف الأقباط من المسلمين عامة والسلفيين بوجه أخص. وخوف العلمانيين من الإسلاميين، وخوف المتصوفة من السلفيين، وخوف الجميع من فلول النظام القديم.
أسوأ ما في هذه المخاوف أنها زعزعت ثقة الناس في مستقبل الثورة، وأنها صرفتهم عن مشروعها الأساسي الذي بدأ طامحا للدفاع عن الحرية والعدالة الاجتماعية. هذا الانفراط ضرب الإجماع الوطني حتى كاد يقسم البلد ويوقع بين قواه الحية، ليس ذلك وحسب، وإنما تحولت هذه الحزمة من المخاوف إلى عناصر توحي بعدم استقرار المجتمع، وإلى قوة طرد للاستثمار الأجنبي وللسياحة.
(4)
في تحليل ملابسات المشهد هناك أسباب منطقية تتصل بطبيعة التفاعلات التي تحدث عقب كل ثورة، أو تحول سياسي واجتماعي جلل من قبيل ما سبقت الإشارة إليه. وهناك أسباب تتحمل مسؤوليتها النخبة صاحبة الصوت العالي في الفضاء السياسي والإعلامي. إذ من الطبيعي أن تتأثر بصورة مؤقتة السياحة والاستثمار الأجنبي والبورصة إلى أن تستقر أحوال البلد ويطمئن أصحاب رءوس الأموال على ثرواتهم ويطمئن السائح إلى أن شيئا لن يفسد عليه عطلته. لكن من غير الطبيعي أن تشيع الفوضى في البلد وأن يشوه الإدراك العام، بحيث ينفرط عقد المجتمع ويشيع فيه الانقسام، بما يفقده «بوصلته» الهادية.
العوامل الأولى لا نملك لها ردا ويفترض أنها محدودة الأجل في كل الأحوال، أما الذي ينبغي أن نتصارح بشجاعة في شأنه فهي تلك العوامل الثانية التي صنعناها بأنفسنا. في هذا الصدد أزعم أن هناك طرفين يتحملان مسؤولية إثارة الفوضى وشق الصف الوطني، أحدهما خفي لا نراه يتمثل في فلول النظام السابق وأي عناصر أخرى داخلية أو خارجية لها مصلحة في ضرب الثورة، أما الطرف الثاني فظاهر في الصورة ويتمثل في عناصر النخبة المصرية المهيمنة على وسائل الإعلام، التي باتت تلعب دورا مهما في تشكيل الإدراك العام، وفي الضغط على القرار السياسي.
في تحليل هذا الدور الأخير، أزعم أن أول شرخ في جدار الإجماع الوطني بعد الثورة حدث بعد تشكيل لجنة تعديل الدستور، التى رأسها المستشار طارق البشرى وتبين أن من بين أعضائها رجلا قانونيا من جماعة الإخوان المسلمين. وهو ما فاجأ شريحة المثقفين الذين اعتبروا أن إقصاء الإخوان هو الأصل في السياسة المصرية.

وقد تعرض هذا القرار لهجوم شديد لا يزال مستمرا حتى الآن، رغم أن اللجنة أنهت عملها ولم تعد قائمة منذ شهرين تقريبا. إذ لم يغفر للمجلس العسكري هذه «الخطيئة»، وتجاهل كثيرون صفة الرجل القانونية وكونه كان عضوا باللجنة التشريعية بمجلس الشعب. وقد شاركت في اجتماع للمثقفين مع ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري، تعرضوا فيه لنقد شديد من جانب بعض المثقفين بسبب ارتكاب تلك «الخطيئة»، حتى وجه إليهم اتهام بمحاباة الإخوان، وسئلوا عن عدد أعضاء المجلس الموالين للجماعة.
فى هذا الصدد أزعم أيضا أن بعض المثقفين حددوا موقفهم من رفض التعديلات الدستورية لمجرد أن للإخوان عضوا في اللجنة وأن رئيسها لا ينتمي إلى الإخوان حقا، لكنه مسلم ملتزم ولا يعاديهم. وكان الجدل حول هذه النقطة مثار اللغط والطنين الذي أثاره المثقفون، حتى حين أيد التعديلات 77% من المصوتين وعارضها 22% فقط. ومنذ ذلك الحين حدث أمران،
أولهما أن أعضاء المجلس العسكري تجنبوا إشراك الإسلاميين في أي تشكيل يصدرونه، لتفادى نقمة المثقفين وتشهيرهم. وكان ذلك أوضح ما يكون في تشكيل المجلس القومى لحقوق الإنسان، حتى قلت إن الذي يدير الإعلام ويوجه السياسة منذ ظهرت نتائج الاستفتاء، هم عناصر الـ22% وليس أهل الـ77%.
الأمر الثاني، أن المجتمع انقسم على نفسه وأصبح هناك ما يمكن أن نسميه حربا باردة ثقافية وسياسية.
بحيث لم تعد القضية كيف تحقق الثورة أهدافها، وإنما كيف يمكن محاصرة التيار الإسلامي وإبعاد شبحه الذي يلوح في الأفق من خلال دعوة الانحياز للدولة المدنية ضد الدولة الدينية، في إعادة إنتاج لنموذج الخطاب الذي كان سائدا قبل 25 يناير.
إن التحدي الذي يواجه الثورة والوطني الآن هو كيف يمكن أن يتفق الجميع على المشترك الذي يخرج البلد من أزمته السياسية الراهنة، التي لا تقل خطورة عن الأزمة الاقتصادية. إذ يبدو أن الأخيرة أخف وطأة، لأن صراع العلمانيين والإسلاميين يبدو أنه تحول إلى «عاهة» تستعصي على العلاج. وذلك سبب آخر للخوف، لأن الوطن سيكون الخاسر الأكبر في هذه الحالة.
...................

Delete this element to display blogger navbar