Subscribe:

Ads 468x60px

28 أبريل، 2011

يقمعون شعوبهم وينتحرون

صحيفة الشرق القطريه السبت 27 جمادي الاولى 1432 – 30 أبريل 2011


يقمعون شعوبهم وينتحرون – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/04/blog-post_7209.html



أكان ضروريا أن يطلقوا الرصاص على الرأس والصدر، في حين أنهم لو أطلقوه على الأرجل لتسلمنا رسالتهم وفهمنا موقفهم؟


ولماذا استخدموا الرصاص الحي وكان بوسعهم أن يلجأوا إلى الرصاص المطاطي الذي يمكن احتماله، هذا إذا كان المطلوب مجرد فض التظاهرات وترويع المتظاهرين؟



ولماذا عاقبوا بعصيهم الكهربائية كل من خرج إلى الشارع في دمشق يوم الجمعة، ولو أنهم اكتفوا بضرب المتظاهرين وحدهم لحقق لهم ذلك ما يريدون، دون أن يستثيروا غضب كل سكان العاصمة؟



أدهشني منطق صاحبنا القادم لتوه من دمشق، فاضطررت إلى مقاطعته، قائلا:


إنني أستغرب المقارنات التي أوردها. إذ في حين توقعت منه غضبا واحتجاجا على مبدأ إطلاق الرصاص على المتظاهرين، فإنني وجدته يفضِّل إطلاقه على القدمين وليس الرأس، كما أنه يفضِّل الرصاص المطاطي على العادي، ولا يمانع في ضرب المتظاهرين في دمشق، بدلا من تعميمه على كل سكانها.



أطرق الرجل لحظة ثم قال إنه وجيله أُنهك حتى تعب وفقد الأمل في تحسن الظروف التي مازالت على حالها منذ 40 سنة. لذلك فإنهم لم يعودوا يقارنون وضعهم السيئ بوضع أفضل، ولكنهم أصبحوا يقارنون السيئ بالأسوأ. وهو ما يضيق من خياراتهم، بحيث يصبح السيئ مرغوبا، ليس لأنهم راضون به، وإنما لأن ما هو أسوأ منه أشد ضررا وأتعس.



طلبت إيضاحا فقال لي إن المذبحة التي ارتكبتها السلطة في حماة في شهر فبراير عام 1982 كسرت قلوب السوريين وأذلتهم. ذلك أن نظام الرئيس حافظ الأسد استخدم الطيران والدبابات في تأديب المدينة وقتل ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص (البعض يتحدث عن ضعف هذا العدد)، غير الألوف الذين اختطفوا وأحيلوا إلى جحيم السجون وبشاعتها، حيث قطعت أطرافهم وقلعت أظافرهم وفقئت أعينهم، وتم تذويب بعضهم بواسطة حامض الأسيد. وإذا قارنت ما حدث في حماة قبل نحو ثلاثين عاما بما يجرى الآن فقد تدرك لماذا جاءت المقارنات التي أوردتها على النحو الذي لم يعجبك. على الأقل فالطيران لم يستخدم في قمع الناس وسحقهم. والدبابات فقط هي التي حاصرت بعض البلدات واقتحمت بعضها.



أتيح لي أن أستكمل المناقشة مع بعض الناشطين السوريين المهاجرين الذين لقيتهم في اسطنبول هذا الأسبوع، وكانوا قد دعوا للاجتماع فيها من جانب بعض منظمات المجتمع المدني التركية (400 منظمة شكلت ما سموه منبر اسطنبول للحوار السياسي).



من أهم ما قالوه في اللقاء إن أغلب المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع ينتمون إلى جيل لم يعش أحداث مذبحة حماة، من ثَمَّ فهو أكثر جرأة واستعدادا للتحدي. وإلى جانبهم هناك أعداد غير قليلة من المثقفين والناشطين الذين ضاقوا صدرا بممارسات النظام ومن تسويف قيادته في خطوات الإصلاح السياسي.



قالوا أيضا إن الرئيس بشار الأسد كانت أمامه فرصة كبيرة لتحقيق الإصلاح المنشود بعد رحيل أبيه. خصوصا أنه لم يكن مسؤولا عن شئ من ممارسات نظام الأب، ولكن بعد مضي نحو 11 سنة على حكمه فإن السلطة لم تغير من نهجها الذي يصر على مصادرة الحريات وسحق المخالفين. ورغم أن نفوذ حزب البعث تراجع إلى حد كبير، إلا أن النظام كله أصبح خاضعا لنفوذ أجهزة الأمن التي ينتسب أغلبها إلى الطائفة العلوية (أكثر قليلا من مليون نسمة في حين أن أهل السنة نحو 22 مليونا). وهذه الأجهزة مازالت تتصرف بذات الأسلوب الذي اتبع في حماة سنة 1982.



قالوا أيضا إن المظاهرات لم تطالب في البداية بإسقاط النظام، ولكن العملية بدأت باعتقال مجموعة من الشباب في درعا تأثروا برياح الحرية التي هبت على العالم العربي، فقد كتبوا على الجدران عبارات طالبوا فيها بإصلاح النظام. وهؤلاء تم اعتقالهم وتعرضوا لتعذيب وحشي قلعت فيه أظافرهم.



ولأن بعضهم ينتمون إلى أكبر العشائر والقبائل هناك، فإن شيوخ تلك العشائر ذهبوا إلى ممثلي السلطة في درعا يسألون عن أبنائهم. لكنهم قوبلوا بإهانات جارحة مست شرفهم وكرامتهم. فخرجوا غاضبين وثار أهاليهم لكرامتهم وكرامة أبنائهم، حينئذ ردت الأجهزة الأمنية بأسلوبها القمعي الذي لا تجيد غيره.



وكانت تلك هي الشرارة التي عممت الحريق في بقية المدن التي تستشعر القهر وتختزن الحزن. إذ انتقلت الشرارة من درعا إلى بانياس واللاذقية وحمص ودوما وإلى دمشق ذاتها.



وكلما سقط قتيل جديد اشتدت النيران اشتعالا. (العدد تجاوز الآن 600 قتيل)، وحين قرر الرئيس بشار الأسد إلغاء قانون الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة، فإن ذلك جاء متأخرا جدا، فضلا عن أنه لم يغير شيئا لأن قتل المتظاهرين لم يتوقف، الأمر الذي أقنع السوريين بأن الأمل في الإصلاح مفقود، وأنه لا بديل عن المطالبة بإسقاط النظام. وهذا ما حدث



ــ إن المستبدين حين يصرون على قمع شعوبهم، فإنهم قد يسحقونهم لبعض الوقت، لكنهم يهدمون أنظمتهم وينتحرون في نهاية المطاف، سياسيا على الأقل.


..................

ليست مروءة ولا شهامة

صحيفة الشرق القطريه الخميس 25 جمادي الاولى 1432 – 28 أبريل 2011


ليست مروءة ولا شهامة – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/04/blog-post_28.html



مساء يوم الأحد الماضي ٢٤/ ٤ اتصل بي هاتفيا متحدث باسم قناة النيل للأخبار. وقال بصوت غلب عليه الانفعال إنه يريد مني تعليقا حالا علی قرار النائب العام بتحويل الرئيس السابق حسني مبارك من شرم الشيخ إلى مستشفى عسكري بالقاهرة إلى أن يرتب أمر إقامته في مستشفى سجن مزرعة طرة.



وقبل أن أرد عليه طلب مني أن أنتظر لحظة لكي يحولني إلى الأستوديو للتسجيل، لكن قاطعته وقلت إنه ليس لدي ما أقوله في التعليق على الخبر واقترحت عليه أن يسأل غيري فربما وجد لديه بغيته، ويبدو أنه لم يتوقع اعتذاري فسكت، ثم أغلق الخط دون أن ينطق بكلمة.
كنت أستطيع أن أقول كلاما من قبيل إن إخضاع الرئيس السابق للمحاكمة العادلة التي تكفل له حق الكرامة والدفاع عن نفسه بمثابة تصرف متحضر يتناسب مع نبل الثورة السلمية التي وقعت في مصر كما أنه يقتص بحق للشهداء الذين قتلوا في التظاهرات التي طالبت برحيله وآلاف الجرحى الذين أصابتهم رصاصات رجاله.



لكن لم تعجبني لهجة التشفي التي شعرت بها في كلامه، مما أعطاني انطباعا بأنه يريد مني أن أشترك في معزوفة هجاء الرجل ومعايرته بما انتهى إليه حاله باعتبار أنه سجن مصر وأهانها طيلة ثلاثين عاما، ثم ها هو يذوق ما أذاقه لشعبه، إذ يتعرض بدوره للسجن والإهانة.


صدتني طريقته في الكلام ليس فقط لأن بضاعتي قليلة في قاموس الهجاء والشتائم، وليس فقط لأنني أعتبر أن الاجتراء والتطاول على أي شخص في مثل موقف الرئيس السابق ليس من المروءة أو الشهامة في شيء، ولكن لأنني قلت ما عندي في حقه وحق نظامه ومن ثم أديت ما علي وقت أن كان هو ورجاله في كامل سلطانهم وأوج قوتهم



وفي أكثر من مناسبة اختزلت موقفي في أنه في التعبير عن الرأي، ليست الشجاعة أن يسارع المرء إلى التقدم حين يرى الضوء الأخضر، ولكن الاختبار الحقيقي للشجاعة يكون حين يتماس المرء مع الضوء الأحمر ويخترقه غير مبالٍ به، ولا بالثمن الذي يتعين عليه أن يدفعه جزاء ذلك،



قلت أيضاً إن الصحفي النزيه ليس مطالبا بأن يقوم دائما بعمليات انتحارية أو استشهادية في الكتابة، لكنه إذا لم يكن قادرا على أن يكون نصيرا للحق بقلمه فلا ينبغي له أن يصبح عونا للباطل.



ما دعاني إلى هذا الاستطراد أنني أجد كثيرين ممن ساروا في موكب السلطان وحملوا له المباخر يتقدمون الآن صفوف «الثوار» ويبالغون كثيرا في هجاء شخصه ونظامه ربما تكفيرا عن الذنب ومحوا للصورة المنطبعة في الأذهان عن موقفهم السابق ومشكلة هؤلاء أنهم لطول ما تعلقت أبصارهم وأشواقهم بالسلطان، لم يدركوا أن ثمة قارئا ذكيا وداعيا يصعب استغفاله والضحك عليه، ويعرف لكل صاحب قلم قدره.



من المفارقات أن الذين يسرفون هذه الأيام في التشفي والدعوة إلى الانتقام ويزايدون على الجميع في فضح فساد النظام السابق، هم من إفرازات ذلك النظام وأبنائه الشرعيين، لذلك فلا يحق لهم أن يدعوا أنهم يمارسون شجاعة أو أنهم يؤدون استحقاق المهنة، بل إنهم في حقيقة الأمر يتاجرون بالماضي ويسوقون للثرثرة والنميمة.



إن التنافس اليومي الحاصل الآن بين الصحفيين على إغراق القراء بتفاصيل حياة رموز النظام السابق في سجن طرة خرج من نطاق المتابعة الخبرية، وأصبح أقرب إلى مادة «حكاوي القهاوي».



لذلك فقد صرنا بحاجة إلى التعامل بمسؤولية مهنية مع ما يجري، توفر للناس حقهم في المعرفة وتسمح للعدالة بأن تمضي في مجراها الطبيعي، لكنها لا تشوه مدارك الناس، أو تلهيهم عن استحقاقات بناء النظام الجديد والوعي بما يجري حولهم بالتوازي مع المسؤولية المهنية التي أدعو إليها فإننا بحاجة لأن نفكر بشكل جاد في كيفية طي صفحة الماضي ومداواة جراحه، كي نصرف الجهد ونشحذ الهمم لبناء المستقبل الذي قامت الثورة لأجل تصحيحه على نحو أفضل،


ذلك أن الذين يطيلون النظر إلى الوراء يعجزون عن التقدم إلى الأمام.


..................

26 أبريل، 2011

حديث الإفك والبغض

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 24 جمادي الاولى 1432 – 27 أبريل 2011


حديث الإفك والبغض – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/04/blog-post_5980.html



هذه نماذج من الرسائل المفخخة التي أطلقت في فضائنا الإعلامي مؤخرا:



<
اختلفت قنا كثيرا نتيجة شيوع أفكار السلفيين وغيرهم من الجماعات الدينية، التي وصلت إلى حد المطالبة بتطبيق الحدود وقطع الأيدي والأذن. (وهى جماعات) تعتمد فقط معايير الكفر والإيمان، التي تجعل من كل قضية خلافية صغرت أو كبرت اختبارا للإيمان دونه الموت. يحتكم لحد السيف.. ويسد كل صور الحوار وهذا ما يفسر لجوء هذه الجماعات إلى (عدة إجراءات) منها التهديد بإعلان قنا إمارة إسلامية ــ (مكرم محمد أحمد في الأهرام ــ 23/4).



<
رفعوا العلم السعودي وطالبوا بتنصيبه أميرا للمؤمنين ــ السلفيون يعلنون قيام جمهورية قرشي «السعودية» في قنا ــ مسيحيون يقتلون أسرة لاعتناقها الإسلام ــ سلفيون: سنحاصر الكاتدرائية وسنمنع الأقباط من الاحتفال بيوم القيامة ــ (من عناوين صحيفة صوت الأمة ــ عدد 25/4).



<
بعد الذي نشر عن قيام بعض السلفيين بهدم ضريح في إحدى قرى الدقهلية ذهب المحرر إلى شخص مجهول يدعى محمد سعيد في حي إمبابة بالجيزة، وسأله عن رؤيتهم للأضرحة فأجاب قائلا إن «ضريح جمال عبدالناصر بكوبري القبة يجب هدمه أيضا طالما أنه مقام داخل المسجد».


هذه الكلمات الأربع عشرة بنى عليها المحرر تقريرا ضم بعض التعليقات والأصداء،


واحتل ربع صفحة كان من بين عناوينها ما يلى: دعاوى السلفيين تشعل الفتن في مصر ــ يهددون بهدم ضريحي جمال عبدالناصر وسعد زغلول ــ (جريدة العربي الناصرية 24/4).



<
هل تذكر هدم وإحراق كنيسة صول بأطفيح؟


ــ هل تتذكر قطع أذن المواطن المصري أنور رمزي في قنا وحرق مسكنه وإجباره على الصلح؟


هل تذكر الاعتداء على المواطن المصري القبطي في مدينة أبوالمطامير بمحافظة البحيرة وحرق محله (متجره) إثر اتهامه بمعاكسة جارته؟


ــ هل تذكر ذبح المواطن القبطي في سوهاج وإلقاءه من الطابق الثالث من قبل الجماعات السلفية؟


هل تذكر الاعتداء على سيدة مسيحية وحرق منزلها بمدينة السادات بالمنوفية؟


هل تذكر ما حدث في أبوقرقاص من قتل وتدمير وحرق مما اضطر الجيش إلى حظر التجول؟


ــ (شارل فؤاد ــ المصري اليوم 23/4).



<
لو اختار الإخوان (المسلمون) مرشدا مسيحيا لن نصدقهم


ــ هل يقبل قادة الجيش أن يكون (الدكتور) محمد بديع (مرشد الإخوان) القائد الأعلى للقوات المسلحة إذا ما وصل التيار الديني للحكم؟


ــ لن يستطيع أحد أن يفرض على المسيحيين شريعة غير شريعتهم مهما كان الثمن.


(من عناوين حوار أبرزته على صفحة كاملة «صحيفة المصري اليوم» (في 24/4) وأجراه شارل المصري مع الدكتور وليم ويصا الذي وصفه بأنه ناشط حقوقي مقيم في باريس).



<
إذا وضعت هذه الرسائل التي توالت خلال أيام قليلة جنبا إلى جنب مع سيل المقالات والتعليقات المنشورة والصحف، والتي تضمنت هجوما ضاريا على كل فصائل التيار الإسلامي، استهدف الترويع والتخويف من «عفريت» الدولة الإسلامية وشبح تطبيق الحدود،ستخرج بنتيجة خلاصتها أن هناك من يريد إشعال حريق في البلد أو تفجيره من الداخل. الأمر الذي يعنى أن عملية التفجير لم تعد بحاجة إلى ثورة مضادة لكي تقوم بها.



ليس أسوأ ما في هذه الممارسات أنها تضع كل فصائل التيار الإسلامي في سلة واحدة،


ولا أنها ذات لغة النظام السابق وخطاب جهاز أمن الدولة،


ولا أنها تصب في مجرى تجريح الإسلام وتخويف الناس منه.


لكن الأسوأ أن الخطاب المرسل مشحون بالإفك والبغض على نحو يثير الدهشة.



صحيح أن ممارسات بعض الفصائل المنسوبة إلى التيار الإسلامي لها حماقاتها التي لا تنكر،


وصحيح أيضا أن بعض المتحدثين باسم الإخوان كثيرا ما يخونهم التوفيق في التعبير عن آرائهم،



لكن من الصحيح كذلك أن هناك على الجانب الآخر من يتربص ويتصيد، ويجعل من الحبة قبة. ولا يتردد في تسويق الافتراءات والأكاذيب.



ذلك أوضح ما يكون فيما حدث في قنا، كانت وقائع ما جرى هناك نموذجا للافتراء والكذب. ومن أسف أن تلك الأكاذيب تلقفها المتصيدون وتعاملوا معها بحسبانها حقائق. ومضوا يبنون عليها التحليلات والتعليقات.



فلا أساس لمسألة تطبيق الحدود ولا أصل لحكاية الإمارة الإسلامية، ولم ير أحد العلم السعودي، والصورة التي أظهرته مشكوك فيها. خصوصا أن السلفيين لا يجرؤون على الاجتماع في مسجد الصوفية الذي يحمل اسم سيدى عبدالرحيم القنائي.



وجريمة قطع أذن المواطن القبطي وحتى الاعتراض على المحافظ القبطي من نماذج الحوادث التي لا علاقة لها أصلا بالصراع الطائفي، لكنها وظفت لصالح إشاعة الإفك وتكريس البغض


ــ لذا لزم التنويه والتحذير.


........................

في أن التقشف هو الحل – المقال الاسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 23 جمادي الاولى 1432 – 26 أبريل 2011


في أن التقشف هو الحل – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/04/blog-post_26.html



هل نستكثر على المصريين الذين تحدَّوا جبروت نظام مبارك حتى أسقطوه من عليائه، أن يقوموا بما عليهم إزاء مسؤولية بناء النظام الجديد؟



(1)



ما دعاني إلى طرح السؤال هو تلك الجولة التي يقوم بها في منطقة الخليج، رئيس وزراء الثورة المصرية الدكتور عصام شرف.


وكان قد سبقه إلى واشنطن وزير المالية الدكتور سمير رضوان، الذي ذهب مخاطبا صندوق النقد وآملا في تدخله لمساندة الوضع الاقتصادي المصري. وهى المهمة التي أحسب أن جولة رئيس الوزراء ليست بعيدة عنها.



إذن لست أخفي أن في نفسي شيئا إزاء الهدف من الزيارتين، هو في حده الأدنى شعور بعدم الارتياح المسكون بالاستياء. ذلك أنني ما تمنيت أن يعالج الأمر بهذه الصورة، التي تحضر فيها الحكومة ويغيب المجتمع، كما تبدو فيها مصر الثورة طالبة لا مطلوبة.



أدرى أننا بصدد أزمة اقتصادية لأسباب متوقعة ومفهومة. وذلك أمر لا مفاجأة أو غرابة فيه، علما بأن بعض الدول الأوروبية تواجه الآن أزمات اقتصادية تتفاوت درجاتها، من فرنسا وانجلترا إلى إسبانيا واليونان مثلا. وهى تتعامل معها بهدوء، وبغير ذعر أو ضجيج.



أضيف إلى ما سبق ثلاث ملاحظات من حيث الشكل على التحركات التي تقوم بها الحكومة في تعاملها مع المشهد الاقتصادي بعد الثورة هي:



* إن موقفها لا يتسم بالشفافية الكافية. وهذه ملاحظة الاقتصاديين الذين حدثتهم، ووجدت أنهم يدركون جيدا أن ثمة أزمة لكنهم لا يعرفون شيئا عن حقائقها. ولا ما إذا كانت قد بلغت مرحلة الخطر أم أنها في الحدود الآمنة.


صحيح أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة دعا إلى ندوة في 7/4 تم فيها عرض الموقف الاقتصادي من مختلف جوانبه، إلا أن أغلب حضور الندوة كانوا من الإعلاميين والسياسيين وأقلهم كانوا من الاقتصاديين.



* إن بعض الدول الخليجية التي زارها رئيس الوزراء لم تكن سعيدة ولا مرتاحة للثورة المصرية، حتى إن إحداها منعت إعطاء تأشيرات زيارة أو السماح بتعيينات جديدة لأبناء الدول التي شهدت ثورات أو انتفاضات مؤخرا، ومنها مصر. وهذه الخلفية تشكك في حماس تلك الدول للتفاعل مع المهمة التي يسعى رئيس الوزراء لإنجازها.



* إن لجوء الحكومة إلى مخاطبة الخارج ما كان له أن يتم إلا بعد استنفادها لوسائل التعامل مع الأزمة في الداخل.


في هذا الصدد أزعم أن ثمة استحقاقات داخلية أخرى لو تم الوفاء بها لكان موقف الحكومة المصرية أفضل في مخاطبة أي طرف خارجي.



(2)



لا أخفي أنني فيما عبرت عنه من مشاعر قلقة، انطلق من موقف شخصي يتحفظ على بعض الأطروحات التي تتردد في الساحة المصرية، في المقدمة منها ما يلي:



لدي تحفظ على المبالغة في الاهتمام بالسلطة مع تجاهل دور المجتمع، الذي تشكل عافيته خانة أساسية لاستقامة السلطة والحيلولة دون جنوحها.


وأستغرب مثلا انشغال وسائل الإعلام وإشغال الرأي العام بالتالي بالمرشحين لرئاسة الجمهورية دون أي ذكر للإعداد لانتخابات مجلس الشعب التي تسبق انتخابات الرئاسة. علما بأن الانتخابات البرلمانية تشكل أول خطوة باتجاه التمثيل الشعبي الحر وتأسيس النظام الديمقراطي الذي يتوق إليه المصريون.



لدى تحفظ أشد مقترن بالشك والارتياب إزاء الإلحاح على فكرة الدولة المدنية مع تجاهل وجود المجتمع المدني. وأستغرب الحملة الإعلامية التي يقودها مثقفون وسياسيون دفاعا عن لافتة تلك الدولة، دون أن يبذلوا أي جهد يذكر للدفاع عن المجتمع المدني ممثلا في المنظمات الأهلية التي تنشط في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. الخ. وكانت النتيجة أننا لم نشهد أي تطور لافت للنظر في محيط تلك المنظمات الأخيرة.



لدىّ تحفظ أيضا على فقدان الثقة بالناس والتهوين من قدرتهم على العطاء فضلا عن الابتكار والإبداع. ومما يثير الدهشة في هذا الصدد أننا خارجون من مشهد أثبت للقاصي والداني مدى قوة المجتمع وبأسه، وهو ما تجلى في خروج الملايين في أنحاء مصر وإصرارهم على إسقاط النظام وتحدى زبانيته بشجاعة نادرة. كأن الثورة أخرجت من الناس ما كان كامنا فيهم من عزم وشجاعة. وهو ما ينبغي أن يعزز ثقتنا في الجماهير العريضة، وما يستدعى سؤالا كبيرا هو: كيف يمكن استعادة تلك الروح واستثمار تلك الطاقة في بناء النظام الجديد، بعد نجاحها في هدم النظام القديم.



لأنني ممن يتمثلون الحديث النبوى الذي يقول إن اليد العليا خير من اليد السفلى. فإن لدي تحفظا على فكرة أن تكون مصر طالبة لا مطلوبة. حيث ليس سرا أن الذي يطلب يظل دائما في الموقف الأضعف.



أدرى أن الاقتراض من المؤسسات الدولية أو من المصارف أمر معمول به في كل مكان. لكن هناك فرقا بين أن تقترض بكرامة كما يفعل الجميع ثم تلتزم بالرد وأنت مرفوع الرأس وإذا عجزت عن الرد فلك أن تطلب مهلة للسداد، وبين أن تلتمس إسقاط الدين والإعفاء منه. ومثل ذلك الالتماس الذي قدمه وزير المالية المصري في زيارته الأخيرة إلى واشنطن يخصم من رصيد نظام ما بعد الثورة، وينال من صدقيته وكفاءته في إدارة البلد.



(3)



إذا لم نستسلم لمنطق التعويل على الحكومة وتجاهل المجتمع في مواجهة التحدي. فسنجد أن استحقاقات المواجهة تتوزع على الجانبين.



وقد رجعت فيما خص الحكومة إلى عدد من الخبراء وأهل النظر الذين وجدت أن لديهم كلاما كثيرا في الموضوع، وما أسجله هنا هو مجرد خلاصة وبعض العناوين التي يمكن الانطلاق منها إلى مناقشة موسعة.



إذ تحدثت في هذا الصدد إلى كل من: الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء الأسبق، والدكاترة والأساتذة حازم الببلاوي ومحمود عبدالفضيل وإبراهيم العيسوي وأشرف بدرالدين (الأخير كان عضوا بلجنة الخطة والمواطنة في مجلس الشعب).



وأثار انتباهي أن الاتفاق منعقد بينهم حول ثلاثة منطلقات أساسية هي:


ضرورة مصارحة الرأي العام بحقائق الوضع الاقتصادي


ــ أهمية إجراء حوار مع أهل الاختصاص للاتفاق على حلول للأزمة ووضع جدول ترتب فيه الآجال والأولويات


ــ عدم التردد في إعلان سياسة للتقشف تبدأ فيها الحكومة بنفسها بحيث تراجع باب المصروفات لاستبعاد كل ما لا لزوم له، خصوصا ما تعلق بالوجاهات وبذخ والسفرات والحفلات والإسراف في مكاتب التمثيل غير الدبلوماسي بالخارج.



وحين يتحقق ذلك. وتصبح الحكومة قدوة يضرب بها المثل في التقشف الذي يلمسه الناس، يكون لها بعد ذلك أن تطالبهم بشد الأحزمة والالتزام بذات النهج الذي ارتضته لنفسها.



أثار أولئك الخبراء نقطتين أخريين،


الأولى تتعلق بضرورة الحد من سفه الواردات التي أصبحت قوائمها تضم سلعا استفزازية لا حصر لها، لا يعقل أن يكون لها مكان في مجتمع يواجه أزمة.


الثانية تتصل بإيرادات الصناديق الخاصة التي أنشأتها بعض الوزارات والمؤسسات العامة، وقدرت حصيلتها في السنة المالية الأخيرة بنحو 21 مليار جنيه. وقد رأوا أنها تمثل رصيدا مهولا ينبغي أن يستثمر لصالح التنمية، ولا يترك نهبا للعابثين وأصحاب الأهواء في كل قطاع. حيث لا رقيب ولا حسيب.



لابد أن يكون لأهل الاقتصاد كلام أكثر وربما أفضل مما ذكرت. ولذلك لن أستطرد فيه لأن ما عندي بخصوص المجتمع يستحق أن نفكر فيه جيدا.



(4)



كنت قد وقعت على فتوى لإمام الحرمين عبدالملك الجويني في كتابه «غياث الأمم» قال فيها إن ولي الأمر إذا اعتزم أداء فريضة الحج، وأدى ذلك لتعطيل مصالح الخلق، فإن مراده يصبح «محرما على الحقيقة».



وحين قرأت أن حكومة الثورة بحاجة إلى سيولة تقدر بنحو 2 مليار دولار لتلبية احتياجات السنة المالية الحالية (حتى شهر يونيو المقبل)، ووجدت أن المصريين يدفعون المبلغ ذاته كل سنة تقريبا لأداء العمرة وفريضة الحج، توجهت بالسؤال التالي إلى الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين:



هل يجوز دعوة الراغبين في أداء العمرة أو الحج إلى توجيه المبالغ التي خصصوها لهذا الغرض لصالح صندوق يدعم اقتصاد البلد في الظروف الراهنة؟


وما مصير العمرة أو الحجة في هذه الحالة؟


وهل يدخل دعم اقتصاد البلد ضمن مصارف الزكاة التي يتعين على المسلمين الوفاء بها؟



هاتفيا وجهت إليه السؤال. وحين رد صغت إجابته وقرأتها عليه وأجازها. وكانت كالتالي:


إذا حل ظرف طارئ ببلاد المسلمين عانت فيه من الشح في الموارد المالية، فلولي الأمر أن يقيد العمرة لأنها نافلة وليست فرضا، ويسري ذلك أيضا على حج التطوع الذي يعد نافلة بدوره (المسلم مكلف بحجة واحدة وما زاد على ذلك عد نافلة).



والقيد هنا ينصب على الحالة التي يدفع فيها الراغب مالا للحج أو العمرة، ولا يشمل ما كان منها بالمجان. وإذا أودع المسلم حصته من المال في هذه الحالة بعد أن عقد نيته على السفر، فإن العمرة أو الحجة تحسب له.


أما توجيه الزكاة لصالح إنقاذ اقتصاد البلد المسلم أو حتى تنميته والوفاء بحقوق أهله فذلك مما يعد في سبيل الله، الأمر الذي يدخل ضمن المصارف الشرعية المعتبرة.



هذه الفتوى المهمة إذا توافقت عليها المؤسسات الدينية ومجمع البحوث الإسلامية في المقدمة منها، فإنها يمكن أن تشكل إسهاما إيجابيا في مواجهة الأزمة، فضلا عن أنها تضع أيدينا على باب لاستثمار الطاقات الإيمانية لصالح المجتمع، يخرجنا من دوامة الشائعات والتلويحات الفجة التي تروج لتنفير الناس من القيم الدينية أو محاولة تشويهها وتوظيفها لتفكيك المجتمع والوقيعة بين مكوناته المختلفة.



خارج هذه الدائرة فليت خطابنا الإعلامي المشغول بالماضي وبتتبع تفاصيل حياة أركان النظام السابق في معتقلهم بسجن طرة، يصرف بعض اهتمامه نحو هدفين هما



تعبئة الرأي العام لصالح إعادة تشغيل المصانع بطاقتها الطبيعية، بعد أن تراجعت إنتاجيتها بنسبة تجاوزت 40٪، إلى جانب تراجع إنتاجية العمال أنفسهم، الأمر الذي بات يهدد بعض المصانع بالإغلاق.



أما الأمر الثاني فهو ترشيد الاستهلاك الذي لم يعد يخضع لأي منطق في بعض الحالات. يكفي أن تعلم مثلا أن مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم (تستورد سنويا 6 ملايين طن بما يعادل 2 مليار دولار).


وأن استهلاك المواطن المصري هو الأعلى أيضا في العالم، حيث تصل حصة الفرد إلى 130 كيلو جراما في العام، في حين أن المعدل في الدول النامية يتراوح بين 60 و70 كيلو جراما.


وثمة كلام كثير حول تسريب الدقيق المدعوم إلى السوق السوداء التي لم تنجح محاولات القضاء عليها إلى الآن، وحول استخدام الخبز كعلف للماشية.



تلك مجرد نماذج لما ينبغي أن يستنفر لأجله المجتمع قبل أي تحرك خارجي. هذا إذا كنا جادين في مواجهة التحدي ومطالبة الناس بربط الأحزمة والتقشف. وهى مسؤولية ينبغي أن ينهض بها المجتمع المدني، الذي نسيه مثقفوها الذين يصرون على استمرار إشغالنا بالحرب بين الدولة المدنية والدولة الدينية.


........................

Delete this element to display blogger navbar