Subscribe:

Ads 468x60px

31 مارس، 2011

أوقفوا استغباءنا رجاء

صحيفة الشرق القطريه الخميس 26 ربيع الاخر 1432 – 31 مارس 2011


أوقفوا استغباءنا رجاء – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/03/blog-post_31.html



لا يقنعنا كلام أي مسؤول طال بقاؤه في منصبه حين يقول إنه نبَّه إلى الفساد في مصر في حينه، لكن أحدا لم ينصت له.



ذلك أنه ليس لدينا ما يدل على أنه نبه فعلا ــ ولكن الثابت أنه ظل جزءا من «العصابة» الحاكمة.



واستمراره في منصبه لعدد من السنوات رغم علمه بالفساد قرينة على أحد أمرين،


إما أنه كان راضيا به وسكت عليه استجلابا لرضا السلطان، وهو ما لا يشرفه بأي حال،


أو أنه كان شريكا فيه ومستفيدا منه، وهو ما يثبت بحقه الإدانة.


أفهم أن يقول المسؤول إنه لم يكن يعلم أو إنه شم رائحة الفساد لكنه ظل بعيدا عن دائرته، الأمر الذي يخرجه من دائرة الاتهام.


أما تلك الادعاءات التي نسمعها هذه الأيام فلا يمكن أن تفسر إلا بحسبانها استعباطا واستهبالا واستغباء لنا.


الحوار الذي أجرته صحيفة «المصري اليوم» مع الدكتور فتحي سرور في الأسبوع الماضي ليس النموذج الوحيد لهذه الحالة، ذلك أنني أزعم أن حالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار جودت الملط أفدح وأسوأ.



ذلك أن الجهاز الذي يديره له وظيفة أساسية هي أن يظل مفتوح الأعين على كل صور الفساد الموجودة في البلد. وحين نرى الفساد بالحجم المهول الذي تكشف هذه الأيام، فإن المرء لا يستطيع أن يتصور أنه كان في مصر طوال هذه المدة جهاز يحاسب أو يراقب.


ما دفعني إلى هذا الكلام وفتح ملف الجهاز أنني قرأت في الأسابيع الماضية تصريحات للمستشار الملط تحدث فيها عن أنه كان يبعث بتقارير وملاحظات الجهاز إلى الجهات المسؤولة، لكن أحدا لم يأخذ بها.



وأمس قرأت على الصفحة الأولى من صحيفة «الدستور» أن الجهاز حذر قبل 12 عاما من فساد عقد بيع مائة ألف فدان في توشكى لشركة «المملكة» التي يمثلها الأمير الوليد بن طلال، وأرسل بيانات بمخالفات العقد وتجاوزاته إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ولكن أحدا لم يحقق في الأمر.


في الوقت ذاته، ثمة مذكرة قدمها ممثلون عن العاملين بالجهاز إلى رئاسة المجلس العسكري تحدثت عن تعليمات أصدرها المستشار الملط بمنع فحص عقود تصرف هيئة المجتمعات العمرانية في الأراضي الجديدة، التي وزعت ملايين الأمتار المربعة منها على أكابر النظام السابق.


وكذلك عدم فحص حسابات الصناديق الخاصة لبعض الوزارات وعلى رأسها وزارة الداخلية التي كانت تحصل على نحو ملياري جنيه سنويا.


كما شملت التعليمات عدم تناول مخالفات كبار الشخصيات أو حسابات بعض الجهات التي توصف بأنها «سيادية».


في المذكرة وقائع مثيرة أخرى تحتاج إلى تحقيق، بعضها يتعلق بتقاضي بعض الوزراء أموالا بغير وجه حق والبعض الآخر يتعلق بوقائع احتكار أحمد عز للحديد أو يتعلق بإجراءات الخصخصة التي ضيعت على الدولة مليارات الجنيهات.


معلوماتي أن التقارير التي كان يرسلها الجهاز إلى الجهات المعنية كانت «تصفى» حتى لا تتجاوز الخطوط الحمراء، أو تمس الأكابر.



ومنها ما كان يحجب (كما كان يفعل الدكتور سرور في استجوابات مجلس الشعب)


ــ وبسبب المجاملات التي روعي فيها خاطر أركان النظام السابق ورئاسته، تم نقل تبعية الجهاز من مجلس الشعب إلى رئاسة الجمهورية.



ولهذا السبب ذاته كوفئ المستشار الملط بالتمديد له نحو 12 سنة. من ثَمَّ فلم يكن غريبا أن يقول صاحبنا في التقرير الذي قدمه إلى مجلس الشعب عن السنة المالية 2008 ما نصه:



إن السيد رئيس الجمهورية يتابع مع الوزراء والمحافظين وجميع المسؤولين بالدولة ما يتعلق بحياة الناس وتوفير الحياة الكريمة لأبناء مصر، والتركيز على مشكلات المواطنين. فالشغل الشاغل للرئيس هو حياة المواطن البسيط، والرئيس يصرح ويوجه ويتابع مع المسؤولين بالدولة كل ما يتعلق بحياة البسطاء والفقراء ومحدودي الدخل وما يستحقونه من حياة كريمة... إلخ.


كان يمكن السكوت على ذلك الكلام لو أن الرجل التزم الصمت ولم يقل إنه قام بما عليه في مواجهة فساد النظام السابق، لكن أما وقد تكلم فربما كان مناسبا أن نذكره بما تناساه أو نسيه.


إن من حقنا أن نسأله هو وأمثاله:


إذا كنتم قد نبهتم حقا إلى الفساد وقوبلت رسائلكم بالتجاهل، فلماذا لم يغضب أحد منكم مرة لكرامته أو كرامة البلد الذي كان ينهب تحت أعينكم؟


.......................

30 مارس، 2011

رسالة من "الفلول"

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 25 ربيع الاخر 1432 – 30 مارس 2011


رسالة من "الفلول" – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/03/blog-post_30.html



الرسالة ليست موجهة إلى مرشد الإخوان وحده، ولكنها مبعوثة إلى الكافة، خلاصتها أن صفحة جهاز أمن الدولة لم تطو بعد، وأن يد فلول الجهاز عصية على القطع، كما أنها مازالت طويلة وقادرة على الوصول إلى البيوت وغرف النوم والأوراق الخاصة.


القصة نشرتها الصحف التي صدرت أمس، وخلاصتها أن مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع عاد من القاهرة إلى بيته في بني سويف، فاكتشف أن مجهولين اقتحموه في غيابه. وقاموا بسرقة ما لديه من أوراق ومستندات وأقراص مدمجة وفلاشة، كما أنهم عبثوا بمحتويات المنزل، إمعانا في إيصال الرسالة.



ومن التفاصيل يلاحظ المرء ما يلي:


< أن المنزل تم اقتحامه دون عنف. فلم يكسر باب أو نافذة، الأمر الذي يعني أن الذين دخلوا إليه استخدموا تقنية عالية. لا تتوافر لدى اللصوص العاديين، ويرجح أنها من التقنيات المعقدة التي تستخدمها الأجهزة الأمنية.


< أن الذين دخلوا إلى المنزل المكون من طابقين يعرفون خريطته جيدا، بما يعني أنهم ممن دخلوا إليه من قبل، ولأنه تعرض للتفتيش أكثر من مرة، فقد كان من اليسير توجيه الاتهام إلى عناصر أمن الدولة في المسؤولية عن الاقتحام. إذ هي من راقب غيابه عن البيت ثم دخلت إليه وهي مطمئنة. ووصلت إلى أوراقه بسهولة، وأرادت من خلال العبث بمحتوياته أن تترك توقيعها على ما جرى.


< الأمر الثالث المهم للغاية أن الذين اقتحموا البيت أرادوا توصيل الرسالة من خلال سرقة «نظيفة»، فلم تمتد أيديهم إلى شيء من محتوياته، التي كان بوسعهم أن يحملوا معهم بعضا منها.


إن شئت فقل إنهم أرادوها «زيارة عمل» مما اعتادوا القيام به في الماضي، حتى لا تكون هناك أي شبهة التباس تعطي انطباعا بأنها كانت جريمة سرقة.


هو إذن سطو سياسي، الدلالة فيه أهم وأخطر من الواقعة.


وإذ أشرت إلى مضمون الرسالة في الواقع التي أرادت إبلاغنا بأن الدنيا لم تتغير كما قد نظن، وأن «الفلول» مازالت مفتوحة الأعين وقادرة على العمل، وإذا كانت المسميات قد اختلفت فإن الوظيفة لم تختلف.



(ملحوظة: الفلول في المعاجم العربية هم المهزومون والمنكسرون، ومفردها فل، وكانت العرب تقول فل السيف بمعنى انكسر طرفه، والمفلول هو المنكسر).


هذا الذي نقوله يظل من قبيل الترجيحات التي تشي بها القرائن المتوافرة. ورغم أن مرشد الإخوان اتهم عددا من ضباط أمن الدولة في محافظة بني سويف، ونشرت الصحف أسماءهم، فإننا ونحن نرجح نسبة الواقعة إلى عناصر الجهاز السابق أو فلوله، فإن ما جرى يستدعي عديدا من الأسئلة الحائرة التي تبحث عن إجابة، منها على سبيل المثال:



هل هؤلاء تصرفوا بدوافع نابعة منهم أم أنهم نفذوا توجيها ممن هم أعلى منهم؟


وهل لهم امتدادات أخرى في بقية المحافظات؟


وهل لهؤلاء علاقة بحوادث إحراق وثائق جهاز أمن الدولة وفتح السجون وإطلاق النار على متظاهري ثورة 25 يناير؟


وهل هم فلول الجهاز سيئ السمعة فقط أم أنهم تحركوا بتنسيق مع فلول الحزب الوطني سيئ الذكر؟


قبل أيام تحدث السيد محمد فائق رئيس لجنة تقصي حقائق مقتلة ميدان التحرير التي شكلها المجلس القومي لحقوق الإنسان عن أن الحزب الوطني كان له تنظيم سري شبه عسكري، عماده مجموعات البلطجية الذين كانوا يستخدمون لترويع المعارضين والمتظاهرين.



وهو الموضوع الذي لم ينل حظه من الاهتمام والتحقيق، فيما خص وجوده وأعضاءه وأنشطته خلال الثورة وبعدها.


هذه الخلفية تذكرني بحادثة الاعتداء بالضرب التي تعرض لها زميلنا الدكتور عبدالحليم قنديل قبل عدة سنوات «حدث ذلك أيضا مع زميلنا مصطفى شردي رحمه الله ومجدي حسين».



ذلك أنني وقتذاك سألت ضابطا كبيرا في جهاز أمن الدولة عن الموضوع، فقال لي إن الجهاز لا علاقة له بالواقعة.


وتصادف أنني أتيت على ذكر الموضوع في لقاء آخر مع أحد المطلعين على ما يجري وراء الكواليس، فأيد كلام ضابط أمن الدولة ثم أضاف أن الذين قاموا بالمهمة مجموعة تابعة لزكريا عزمي رئيس ديوان الرئيس السابق.


ليس عندي ما يؤيد هذا الكلام أو ينفيه، كما أنني لا أعرف ما إذا كانت المجموعة سابقة الذكر لها علاقة بالذين بعثوا إلينا رسالة التحذير والتخويف من بيت مرشد الإخوان في بني سويف.



لكن الذي أعرفه أن الأمر لا ينبغي أن يظل معلقا في الفضاء بأسئلته الحائرة والقلقة.



أدري أن الثورة تواجه تحديات جساما منذ قامت، لكنني أزعم أن هذا الملف ينبغي أن يضم إلى قائمة تلك التحديات.


.................

29 مارس، 2011

دعوة لاستعادة روح الثورة – المقال الاسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 24 ربيع الاخر 1432 – 29 مارس 2011


دعوة لاستعادة روح الثورة – فهمي هويدي – المقال الاسبوعي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/03/blog-post_29.html



ليس أمامنا خيار. فنحن لا نملك ترف استمرار الانقسام الذي ضرب الإجماع الوطني في مقتل.


وإذا لم تستثمر اللحظة التاريخية بمبادرة نستعيد بها روح ثورة 25 يناير، فإننا سنجهض بأيدينا الإنجاز الكبير الذي أعاد مصر إلى التاريخ.



(1)


ليست المشكلة أننا اختلفنا حول التعديلات الدستورية، فذلك أمر طبيعي ومفهوم.


ولكن المشكلة أننا فشلنا في إدارة ذلك الاختلاف من ناحية،


وأنه من ناحية ثانية تحول إلى خصومة أفضت إلى استقطاب شق الصف الوطني حتى كاد يجعل البلد الواحد بلدين، كل منهما غريب عن الآخر ومتنمر له. وهو المشهد الذي لو تآمر أبالسة الأرض لإخراجه لما أتقنوه بالصورة التي حدثت.


لقد دخلنا مصريين إلى ميدان التحرير بالقاهرة، وفعلها الملايين الذين خرجوا في أنحاء البلاد، حين جلجل صوتهم فى السماوات السبع وهم يطالبون بإسقاط النظام.


كان الصوت واحدا والأيدي متشابكة والكتل البشرية متلاحمة، ولكن ذلك كله انفرط بعد نجاح الثورة. إن شئت فقل إننا التقينا على مطلب رفض النظام القديم، لكننا تفرقنا عندما بدأنا خطوات تأسيس النظام الجديد. بما يعني أن الخطر وحدنا والبهجة فرقتنا.


كنا في ميدان التحرير وفي بقية الساحات أمة واحدة. لكننا صرنا بعد الاختيار الأولى أمما شتى.


كنا في الميدان مشغولين بالوطن ومهجوسين بحلم استعادته والنهوض به. لكننا صرنا بعد الاستفتاء مشغولين بالقبيلة والطائفة ومهجوسين بتصفية الحسابات والمرارات.



الوطنيون الذين كانوا تغيروا، أصبحوا ثوارا ومنتحلين، وعلمانيين وإسلاميين، وأقباطا ومسلمين، و«إخوانا» وسلفيين، ومعتدلين بين كل هؤلاء ومتطرفين.. إلخ.


تركنا الحلم ونسينا الوطن. اشتبكنا وتراشقنا فيما بيننا وصار كل منا يهون من شأن الآخر، فيلطخ وجهه ويمزق ثيابه، ويتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته.



(2)


الذي يتابع تعليقات الصحف المصرية منذ بداية الأسبوع الحالي، يلاحظ أنها جميعا اشتركت في مناقشة حادث أبرزته صحيفة الأهرام (يوم الجمعة 25/3) وجعلت منه «مانشيت» الصفحة الأولى، وكانت عناوينه كما يلي:


جريمة نكراء بصعيد مصر ــ متطرفون يقيمون الحد على أحد المواطنين بقطع إذنه، والعلماء يبرئون الشريعة.



وفي الخبر أن نيابة قنا بدأت التحقيق في «حادث مروع يهتز له الضمير الإنساني» شهدته منذ أيام مدينة قنا بصعيد مصر. إذ اقتاد مجموعة من المتطرفين أحد المواطنين الأقباط لإقامة الحد عليه بقطع أذنيه وإحراق شقته وسيارته، عقابا له على اتهامهم له بإقامة علاقة آثمة مع فتاة سيئة السمعة، تقيم بشقة استأجرتها منه.


يوم الأحد 27/3 كان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى من جريدة روزاليوسف كالتاليي:


دعوة إخوانية لإقامة الخلافة الإسلامية في مصر.



وتحت العنوان أن نائبا سابقا من كتلة الإخوان عن مدينة الإسماعيلية حضر حفل زفاف ابنة قيادي إخواني آخر، وألقى كلمة في المناسبة ذكر فيها أن إقامة الخلافة في مصر بداية لأستاذية العالم، بعد تأسيس البيت والمجتمع المسلم على طاعة الله ثم تشكيل الحكومة المسلمة.


في اليوم ذاته ــ الأحد 27/3 ــ صدرت صحيفة العربي الناطقة باسم الحزب الناصري صفحتها الأولى بعنوان كتب بحروف كبيرة على أرضية سوداء يقول:


مخاوف من صعود جماعات التكفير،


وسؤال المصير يطرح نفسه بقوة: دولة مدنية أم دولة دينية؟



وعلى إحدى الصفحات الداخلية مقال آخر تحت عنوان يتحدث عن أن «غزوة الصناديق أصابت قطار الثورة بالشلل».


قصة غزوة الصناديق باتت معروفة بعد أن مر عليها نحو أسبوعين، وخلاصتها أن أحد الدعاة السلفيين أبدى سروره بالتصويت لصالح التعديلات الدستورية بنسبة 77٪ واعتبر ذلك انتصارا للدين عبر عنه بطريقته وكأنه بذلك كان يرد على الذين قالوا إن معارضي التعديلات يسعون إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن دين الدولة هو الإسلام ومبادئ الشريعة مرجعية القانون. (في اليوم التالى اعتذر الرجل عما صدر عنه وقال إنه كان يمزح).


ملاحظاتي على هذه الوقائع التي تتابعت خلال الأيام الأخيرة هي: أنها صدرت عن أفراد. معتوه في قنا، وحالم في الإسماعيلية، وسلفي في الجيزة.



وأن عنصر الإثارة فيها شديد الوضوح. فالحادث البشع الذي وقع في قنا اعتبر إقامة للحد، علما بأنه ليس في شريعة الإسلام حد من ذلك القبيل. ولأن الذي قام به شخص أو عدة أشخاص ملتحين فإن التصرف أخذ على الفور بعدا دينيا، ولم يحمل باعتباره من قبيل المشاحنات الخشنة التي يحفل بها صعيد مصر حين يتعلق الأمر بالشرف.



وحين لا يكون هناك مثل ذلك الحد، وحين يحتمل أن يكون الدافع إليه غيرة على الشرف بأكثر منه احتكاما إلى الدين فليس مفهوما أن تتهور صحيفة رصينة كالأهرام وتجعل منه عنوانا رئيسيا للصفحة الأولى، في حين أن مكانه الطبيعى خبر في صفحة الحوادث، ليس إقلالا من بشاعة الجريمة ولكن لإعطائه حجمه الطبيعى، ولكي لا يتحول إلى مادة للتهييج والإثارة خصوصا أن المجني عليه قبطي.


هذه الممارسات الفردية حسبت بحسن نية أو بسوئها على التيار الإسلامي في مجمله، دون تمييز بين فصائله المعتدل منها والمتطرف والسلفي والوسطي.


حتى صاحبنا الذي تحدث عن الخلافة لم ينشر كلامه منسوبا إلى شخصه، ولكن عنوان الجريدة تحدث عن أنها دعوة إخوانية لإقامة الخلافة في مصر، هكذا مرة واحدة ــ وكانت النتيجة أن التعليقات التي تناولت هذه المواقف وضعت الجميع في سلة واحدة، الصالح مع الطالح والمعتوه مع العقلاء.


لم يقف الأمر عند حد المبالغة فى نشر وتعميم المعلومات السابقة، ولكن الصحف حولت هذه الآراء والمواقف إلى قضايا للمناقشة، استفتت فيها نفرا من المثقفين والشخصيات العامة، وأكثرهم كان جاهزا للصراخ والصياح بالصوت العالي، محذرين من المصيبة التي حدثت والكارثة التي تلوح في الأفق والمصير الأسود الذي يهدد الوطن.


موضوع الدولة المدنية والاختيار بينها وبين الدولة الدينية يطرح في هذا السياق، وكأننا فرغنا من كل ما بين أيدينا من مراحل سابقة ومشاكل عاجلة، ثم تعين علينا أن نقرر من الآن ما إذا كنا نريد دولة دينية أم مدنية، دون أن نتعرف على هوية وحقيقة هذه وتلك. ودون أن نعرف من يكون الوكيل الحصري لأى منهما،


وهل ما يصدر عنه آخر كلام فى الموضوع أم أنه يحتمل المراجعة والتصويب؟


الغريب في الأمر أننا بالكاد نحاول وضع أقدامنا على بداية طريق الدولة الديمقراطية التي يتساوى فيها البشر في الحقوق والواجبات. ويحتكم الجميع إلى صندوق الانتخاب، لتكون السلطة فيها للأكثر فوزا برضا الناس.



لكن البعض يلح من الآن على وضع شروط ومواصفات للدولة التي لم تولد. استباقا وسعيا إلى حسم ما هو نهائي قبل إنجاز ما هو مرحلي.



(3)


المشهد بهذه الصورة يعيد إنتاج أجواء النظام السابق. حين كان يعبئ الرأي العام ويشيع الخوف والترويع في مختلف الأوساط قبل أي مواجهة سياسية أو معركة انتخابية.


ولأن جهاز أمن الدولة اعتبر التيار الإسلامي والإخوان بوجه أخص هو العدو الاستراتيجي، فإن التعبئة الإعلامية المضادة كانت تعمد إلى استثارة العلمانيين وتخويف الأقباط وترويع عامة الناس من خطر التصويت أو إحسان الظن بذلك التيار على جملته.


في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن عدم وجود مجتمع مدني حقيقي في مصر، نابع من الناس ومعبر عنهم، أحدث فراغا في المجال العام تولى الإعلام ملأه عبر الصحف والتليفزيون ومواقع الإنترنت.



ولابد أن يثير انتباهنا ودهشتنا في ذات الوقت أنه في الوقت الذي كانت فيه كل تلك المنابر مسخرة لحث الناس على التصويت ضد التعديلات الدستورية، إلا أنها فشلت في توجيهها صوب الهدف الذي أرادته.



ولا تفسير لذلك سوى أن المناخ الذي أحاط بعملية الاستفتاء أفرز نوعا من الاستقطاب بين أنصار تأييد التعديلات ودعاة رفضها. وهذا الاستقطاب أسهمت فيه التعبئة الإعلامية بقسط معتبر، كما كان لدور المؤسسات الدينية نصيبها الأدنى منه.



ساعد على تنامي تلك الأدوار أن التعديلات لم تقدم إلى الناس فلم يتعرفوا على موضوعها. ولكنهم حددوا مواقفهم على أساس الشائعات التي ترددت حولها.



إذ قال لي بعض الأصدقاء في الصعيد إن الناس حين علموا أن الكنيسة الأرثوذكسية دعت رعاياها إلى رفض التعديلات، فإن أعدادا غير قليلة سارعت إلى تبني الموقف المعاكس وصوتت بنعم.



وحين تردد في بعض الدوائر أن الرافضين يبغون إلغاء المادة الثانية من الدستور، فإن أعدادا كبيرة أيدت التعديلات ليس قبولا بمضمونها ولكن دفاعا عن المادة الثانية.



كما أن أعدادا لا يستهان بها أيضا صوتت لصالح التعديلات ليس انحيازا إلى أي من المعسكرين المشتبكين ولكن أملا في أن يؤدي ذلك إلى إعادة الاستقرار إلى المجتمع الذي عانى من الانفلات والفوضى.



(4)


حين تعاركنا فإننا لم ننس الثورة وأهدافها فحسب، ولكننا استهلكنا طاقة المجتمع في التراشق وصرفناه عن الانتباه إلى التحديات الجسام التي تواجهه في سعيه لبناء النظام الجديد الذي ننشده.



آية ذلك مثلا أننا في حين ندعى إلى الجدل حول الدولة المدنية أو الدولة الدينية فإننا نصرف انتباه الناس عن أحد أهم متطلبات اللحظة الراهنة، التي تتمثل في إنقاذ البلد من الشلل الاقتصادي الذي يعاني منه، وإطلاق طاقات المجتمع لتدوير آلة الإنتاج بأقصى سرعة لتجنب كارثة اقتصادية تلوح في الأفق.


إن إعلامنا الذي يعبئ الناس للاحتراب الداخلي، لم يكترث بتوقف عجلة الإنتاج، ولم ينتبه إلى أن أسعار السلع الغذائية التي نعتمد على استيرادها بنسبة تزيد على 50٪ زادت في السوق العالمية بمعدلات مخيفة (الذرة 77٪ القمح 75٪ السكر 98٪ فول الصويا 41٪ الزيوت 47٪)


ــ في الوقت ذاته تراجعت بدرجات مختلفة إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج وإيرادات السياحة وأنشطة المستثمرين الذين لم نكف عن تخويفهم أثناء أحداث الثورة وبعد نجاحها.



وإذا تذكرنا أننا نتحدث عن بلد منهوب وخزانة خاوية. فإن مواجهة هذا الوضع بما يبعد شبح الكارثة لها حل واحد:


أن نندفع إلى زيادة الإنتاج بكل ما نملك من قوة، كي نستعيد بعضا من العافية الاقتصادية التي تمكننا من الصمود واحتمال الضغوط الاقتصادية التي نتوقعها.


إن العقلاء الذين استعلوا فوق المرارات ولم يجرفهم تيار الانفعال والرغبة في الكيد مطالبون بأن يجلسوا سويا للبحث فى كيفية رد الاعتبار لروح 25 يناير وحول أولويات مسؤوليات المرحلة الدقيقة الراهنة، و


إذا لم يفعلوا ذلك فإنهم يخلون الساحة للمجانين والحمقى والمغرضين، الذين لا يقلون خطرا علينا من الثورة المضادة.


...................

28 مارس، 2011

"ثائر" من جنود فرعون

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 23 ربيع الاخر 1432 – 28 مارس 2011



"ثائر" من جنود فرعون – فهمي هويدي


http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/03/blog-post_28.html



اكتشفنا أخيرا أن بعض جنود فرعون كانوا ثوارا ونحن لا نعلم،



صحيح أنهم تعلقوا بأهدابه وتقلبوا في بلاطه، وتغنوا بإنجازاته واستجابوا لنزواته ومكنوا لاستبداده، وباركوا شطحاته وحماقاته، لكنهم ظلوا يكظمون غيظهم ويكتمون استياءهم، وما أن سقط فرعون عن عرشه حتى أفشوا ما أخفوه إبان عشرين عاما، وخرجوا على الملأ قائلين إنهم عاشوا طوال تلك المدة يحدثون أنفسهم بالتمرد وينكرون المنكر بقلوبهم.


ليست هذه تخيلات أو افتراضات، ولكنها معلومات قرأناها في الأسبوع الماضي على لسان الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس برلمان مبارك طوال 21 عاما متصلة، في حوار ختمه بقوله إن ثورة 25 يناير كان يجب أن تقوم «لإحداث التغيير المطلوب نحو الأفضل ولحماية مصالح الشعب»، وذكر أنه مؤيد للثورة ومبادئها.


الحوار أجرته صحيفة المصري اليوم ونشر على ثلاث حلقات (أيام 24 و25 و26 مارس الحالي) قال فيه الدكتور سرور ما يلي:



المرحلة السابقة شابها بعض العيوب التي نبهت لها المسؤولين، لكنهم لم يستمعوا ولم يرتدعوا



ــ لم أكن شخصيا راضيا عن كثير من الأداء، بالنسبة للداخلية أو الحزب الوطني في الانتخابات، وشكوت وزير الداخلية لرئيس الجمهورية، ولم يفعل شيئا


ــ كنت ساخطا ولأنني كنت في الجانب المعارض، فإنهم لم يكونوا يخبرونني بما يجري



ــ الانتخابات التشريعية الأخيرة كانت غباء سياسيا والحكومة كانت تلتف على مطالب نواب الشعب من الأغلبية ومن المعارضة، والفساد كان كثيرا


ــ الرئيس مبارك هو المسؤول عن المادة 76 (التي قصرت الترشح للرئاسة من الناحية العملية على من يقدمه الحزب الوطني)



ــ لم أكن راضيا عن مضمون المادة 76 وكان دوري مقصورا على إدارة الجلسة التي مر فيها التعديل



ــ إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات كان صادما واعتبرته من قبيل الغباء السياسي أيضا


ــ كانت لي ملاحظات على المادة 76 وعلى المادة 179 الخاصة بالإرهاب لكنهم لم يوافقوني عليها



ــ أنا «قرفت» من المجلس الأخير لأن الانتخابات كانت غير مطمئنة



ــ بعض مشروعات القوانين كنت أفاجأ بها قادمة إلينا من الخارج لأن علاقة الرئيس بالحزب كانت أقوى بعلاقته بالمؤسسة التشريعية



ــ طالبت بإلغاء حالة الطوارئ لكني فوجئت بتمديدها فارتفع ضغطي ورقدت بالمستشفى لمدة 24 ساعة



ــ حدثت أزمة في المجلس بسبب قانون الاحتكار الذي أراد أحمد عز تعديله لصالح المحتكرين وضد رغبة وزير التجارة محمد رشيد، فشكوته إلى رئيس الجمهورية الذي اتصل هاتفيا بصفوت الشريف لحل الموضوع ولكن عز أصر على موقفه ونفذ رغبته



ــ حين شكلت لجنة فرعية لترتيب الاستجوابات واستبعدوا ما كان منها موجها إلى وزير الداخلية، رفضت تحمل المسؤولية وقلت «أنا مالي»



ــ أحمد عز تدخل حتى في تشكيل لجان المجلس وقلت إنني لن أكون مثل الأطرش في الزفة، لكنه نفذ ما أراده



ــ مجلس الشعب أدى دوره كاملا



ــ أنا بطبعي من النوع المقاتل، وقد بشرت بالثورة قبل قيامها بشهر تقريبا، إذ قلت في برنامج «مصر النهارده» 7 مرات «فيه حاجة غلط» ونبهت إلى أنني لست مستريحا إلى نتيجة الانتخابات.



هذه مقتطفات من كلام الدكتور سرور «المقاتل» الذي لم تعجبه التجاوزات والانحرافات ومع ذلك ظل في منصبه طوال 21 عاما متصلة، مرر فيها كل القوانين والتعديلات الدستورية سيئة السمعة،



وحجب مقترحات المستقلين (خلال البرلمان السابق قدموا 502 اقتراح لم يسمح إلا بمناقشة خمسة منها فقط)،



كما حجب أغلب تقارير جهاز المحاسبات، وأغلب الاستجوابات خصوصا ما تعلق منها بممارسات الأمن ونهب الأراضي،



ودوره مشهود في الالتفاف على تقرير لجنة تقصي حقائق مأساة العبارة التي قتل فيها أكثر من ألف مصري،


أما سكوته على تغلغل جهاز أمن الدولة في لجان المجلس ومتابعة كل أنشطته فحدث فيه ولا حرج.



ظل الدكتور سرور طوال 21 عاما رجل مبارك الذي لا غنى عنه، وذراع الحزب الوطني وأداته التشريعية ومايسترو التستر على الحكومة، وعلى التجاوزات الأمنية،



وخلال تلك المدة الأسوأ في تاريخ مصر ظل متشبثا بمقعده، لم يفكر لحظة في أن يغضب لكرامته أو لكرامة المجلس أو لكرامة الشعب الذي ظل يهان على يديه في كل دورة.



لقد عبر صاحبنا عن «قرفه» من مجلس الشعب الأخير الذي ترأسه، وليسمح لنا أن نشاطره ذات الشعور الآن، لسبب آخر مختلف تماما، أزعم أن كثيرين يؤيدونني فيه.


.....................

Delete this element to display blogger navbar