Subscribe:

Ads 468x60px

30 يناير، 2011

شرعيتهم على المحك

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 23 صفر 1432 – 27 يناير 2011
شرعيتهم على المحك – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_5976.html


خلاصات الوثائق التى بثتها الجزيرة خلال الأيام الأربعة الماضية تثير ما لا حصر له من الأسئلة التى تتعلق بمضمونها، لكنى معنى فى اللحظة الراهنة بالعثور على تسمية مناسبة للقضية التى كان يجرى الحديث عنها وللفعل الذى ظل يمارس خلالها.

ذلك أننى بعدما تتبعت محاضر الجلسات وأذهلنى المدى الذى ذهبت إليه العروض الفلسطينية، اعتبرت أن وصف ما جرى بأنه مباحثات أو مفاوضات أو تفاهمات أو تنسيق أمنى هو من قبل التغليط والتدليس.

وأقنعنى ما وقعت عليه بأن أوصافا بريئة من ذلك القبيل يضلل الجماهير ويخدع الفلسطينيين بوجه أخص، من حيث إنه يوهمهم بأن ثمة آلية تتحرك، وأن ثمة أخذا وردا من شأنه أن يأتى للفلسطينيين بشىء فى نهاية المطاف، فى حين أن ما أثبتته الوثائق أن الأمور تمضى فى اتجاه مختلف تماما، وأن محورها الحقيقى هو كيفية تصفية القضية وإجهاض الحلم الفلسطينى بأفضل إخراج سياسى ممكن.


صحيح أنهم ظلوا يقولون للإعلام كلاما آخر حماسيا وجذابا، لكننا اكتشفنا أن كلامهم فى الغرف المغلقة كان مختلفا كثيرا. إذ فى حين ظلوا يتشددون ويتشدقون برفض فكرة يهودية الدولة الإسرائيلية، فإن الوثائق نقلت على ألسنتهم ــ مثلا ــ أنهم يوافقون على أى تسمية تطلقها إسرائيل، لكنهم لا يريدون إعلان ذلك ولا صدمة الرأى العام الفلسطينى والعربى.


بسبب من ذلك، فقد اعتبرت أن تسمية الفعل من الأهمية بمكان. إذ كما يحدث فى التقاضى حين يتم التكييف القانونى للجريمة، وما إذا كانت مخالفة أو جنحة أو جناية، الأمر الذى يترتب عليه توجيه إلى محكمة معينة، ويضع سقفا للعقوبة فيها، فإننا بحاجة لأن نحدد هوية الجريمة السياسية التى كشفت عنها الوثائق لكى نبنى على ذلك التداعيات الأخرى الضرورية.


وأدعو فى ذلك الى التريث وعدم التعجل فى إطلاق التكييف المطلوب إلا بعد الاجابة عن الأسئلة التالية:


● بماذا يوصف «المفاوض» الفلسطينى حين يتنازل عن حق عودة أكثر من خمسة ملايين فلسطينى ويعرض عودة عشرة آلاف فقط خلال عشر سنوات؟


● ماذا نقول فى المفاوض المذكور حين يبدى استعدادا لتقديم تنازلات فى الحرم الشريف، ثم يقول صراحة إنه يقدم لإسرائيل أكبر أورشاليم (يقصد القدس) فى التاريخ؟


● هل يمكن أن نطلق وصف التعاون أو التنسيق بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ونظيرتها الإسرائيلية، حيت يتفاهم الطرفان على قتل بعض قادة المقاومة، وحين يعبر الإسرائيليون عن إعجابهم بالأداء الفلسطينى ويتحفظون فقط على قيام الأخيرين بتعذيب «أشقائهم» المقاومين، الأمر الذى يثير حفيظة الدول المانحة؟


●هل يدخل فى باب التعاون والتنسيق أن يقول صائب عريقات أننا قتلنا أبناء شعبنا للحفاظ على النظام، الذى يقصد به حماية زمن إسرائيل. وحين يعتبر رجال الأمن الفلسطينيون انهم اعتقلوا فى عام واحد 3700 من شباب المقاومة واستجوبوا 4700 آخر للاشتباه فى علاقاتهم بالمقاومة كما صادروا 1100 سلاح كان يفترض أن يوجه إلى صدر اسرائيل، بأنه نجاح؟


●هل يعقل أن يدعو سلام فياض الى تشديد الحصار على غزة ويدعو أحمد قريع إسرائيل الى احتلال معبر فيلادلفيا (صلاح الدين) لإحكام ذلك الحصار؟


●بماذا يوصف قول أبو مازن للإسرائيليين إن أى رصاصة توجه إلى إسرائيل تعد موجهة إلى الفلسطينيين أيضا؟ ومن هم هؤلاء الفلسطينيون المتوحدون مع عدوهم التاريخى؟


● كيف يوصف المشهد الذى طالبت فيه السلطة الفلسطينية بمزيد من السلاح لمواجهة حماس فى غزة،
وكيف نفهم قول وزيرة الخارجية تسيبى ليفنى لكل من عريقات وقريع إن هدف إسرائيل الاستراتيجى هو تقويتكم وإضعاف حماس؟
وبماذا نفسر اعتبار العدو الإسرائيلى تقوية السلطة هدفا استراتيجيا له؟


● بماذا نفسر أيضا قول ابو مازن إنه أقنع أحد رجال الأعمال الفلسطينيين بالتبرع بمبلغ 50 مليون دولار لتمويل إذاعة خاصة بالسيد حسين موسوى المرشح السابق للرئاسة فى إيران؟


أرجو أن تفكر معى جيدا فى العثور على تكييف مناسب للفعل الذى أقدم عليه المفاوض الفلسطينى، وأن تستتبع ذلك بالتساؤل عن شرعيته فى هذه الحالة وجدارته بالحديث عن القضية الفلسطينية وجدارته بالانتساب الى فلسطين.
................

عراة ومنبطحون

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 22 صفر 1432 – 26 يناير 2011
عراة ومنبطحون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_3992.html

بالقنبلة التى فجرتها قناة الجزيرة مساء يوم الأحد الماضى (٢٣-١) استحق شهر يناير الذى بدأت به العشرون الثانية من القرن الجديد أن يوصف بأنه شهر المفاجآت الصاعقة.

ومن المبكر الآن أن نطلق هذا الوصف على العام الجديد، لكن القدر الثابت أن جرعة المفاجآت التى توالت هذا الشهر ستكون لها تداعياتها وأصداؤها على مدار العام.
فقد بدأ الشهر ــ والعام ــ بتفجيرات الإسكندرية التى راح ضحيتها 23 شخصا.
وبعدها بأيام قليلة حسمت مسألة انفصال جنوب السودان عن شماله، وإن كانت شهادة ميلاد الدولة الجديدة لم تحرر بعد.
ولم نكد نخرج من أجواء الانفصال حتى انفجرت الثورة الشعبية فى تونس، التى خطفت الأبصار، ولايزال رنينها يدوى فى الفضاء العربى.
ونحن مشدودو الأبصار إلى تونس، فجرت قناة الجزيرة قنبلتها التى أصابتنا جميعا بالدوار، وألقت بنا فى بحر الحيرة والدهشة.

فنحن لم نكن نحسن الظن بالمفاوضين الفلسطينيين حقا، ولدينا ما لا حصر له من علامات الاستفهام والتعجب حول أداء السلطة فى رام الله، وتعاونها الأمنى مع الإسرائيليين ضد المقاومة الفلسطينية، لكننى واحد ممن لم يخطر لهم على بال أن تصدر عنهم أمثال تلك المواقف التى سجلتها محاضر جلسات المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية، والتى بثتها قناة الجزيرة هذا الأسبوع.

كانت عيننا على تونس تتابع ثورتها، وعيننا الأخرى على لبنان تلاحق تفاعلات بركانها الموشك على الانفجار، فإذا بوثائق الجزيرة تهبط علينا كصاعقة من السماء، فتلهينا على هذا وذاك، مستدعية معها عديدا من الأسئلة الملتهبة والمتفجرة.

وقبل أى حديث عن المضمون فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان سؤال حول مدى صحة هذه الوثائق ومدى دقة المعلومات الخطيرة التى أوردتها.

وقد حاولت أن أتحرى إجابة السؤال منذ شرعت القناة فى بثها مساء الأحد الماضى. وفهمت من الذين رجعت إليهم أنها فى حوزة الجزيرة منذ شهر أغسطس الماضى، وأنها منذ ذلك الحين خضعت لعمليات فحص وتدقيق من جانب مجموعة من الخبراء والمختصين، الذين كان من بينهم أوروبيون وأمريكيون وثيقى الصلة بهذه العملية.
وقد ظل هؤلاء يعملون طوال أكثر من أربعة أشهر، وخلصوا فى نهاية المطاف إلى أن المحاضر أصلية وأنه لا أثر لأى تدخل أو تلاعب فيها.

علمت أيضا أن بعض المعلومات التى يمكن أن تهدد أناسا معينين حجبت فى الوقت الراهن، حيث ارتأى مسئولو وحدة الشفافية بالقناة أن ذلك الحجب لا يؤثر على دفة المحاضر ولا جوهر المناقشات التى جرت.
هى المرة الأولى التى يتسرب فيها هذا الكم من الوثائق (1600) عن المفاوضات العربية الإسرائيلية، الأمر الذى أتاح لنا أن نتعرف على ما يجرى فى الغرفات المغلقة، والذى كان يقال لنا دائما إن السياسيين العرب يقولون فى تلك الغرفات كلاما، فى حين يخاطبون الرأى العام بكلام آخر، وهو ما تؤيده وتؤكده محاضر الجلسات التى أذيعت، والتى بدا فيها المفاوض الفلسطينى ليس عاريا فحسب، وإنما منبطح بصورة فاضحة وصاعقة.

ذلك أن الحوارات التى جرت كشفت عن أن المفاوض الفلسطينى لم تكن لديه أى خطوط حمراء. إذ أبدى استعدادا مذهلا ومروعا للتنازل عن القدس الشرقية وعن حق العودة وعن الحدود. بل أبدى استعدادا مماثلا للتعاون مع الإسرائيليين فى قتل الفلسطينيين المقاومين (إذا كان هذا هو التعاون فكيف يكون التواطؤ إذن؟).

من الملاحظات المهمة على الوثائق أنها كشفت لنا عن أن الطرف الفلسطينى هو الذى يعرض التنازلات واحدا تلو الآخر، فى حين أن المفاوض الإسرائيلى يكتفى بتسجيل النقاط لحسابه وحصد الثمار.

وحين يكون الأمر كذلك فإن مثل ذلك المفاوض الفلسطينى يصبح الوحيد المؤهل لتصفية القضية وإغلاق ملفها. وهو ما يفسر لنا الطروحات الإسرائيلية التى تتمحور حول إمكانات الحل النهائى.

ذلك أن إسرائيل لن تجد مفاوضا يستجيب لطلباتها ويؤمنها أنسب من القيادة الراهنة، التى على رأسها السيد محمود عباس (أبومازن).
وليس ذلك مجرد استنتاج، لأن الأمريكيين ما برحوا يذكرون فى كل مناسبة ــ وهذا ثابت فى المحاضر السرية ــ على أن أبومازن هو الوحيد الذى يريدون التفاوض معه. وإذا أردنا أن نترجم هذا الكلام فهو يعنى أن أبومازن هو القيادى الفلسطينى الوحيد الذى من خلال موقعه كرئيس للسلطة يمكن أن «يؤمن» على تصفية القضية الفلسطينية.

هذه الخلفية تستدعى ملفا آخر مسكوتا عليه، يتصل بملابسات اغتيال الرئيس ياسر عرفات فى عام 2004، والإتيان بالسيد محمود عباس بسرعة ليصبح خلفا له، ويواصل مع الإسرائيليين مسيرة «السلام».

وهو السيناريو الذى تشير الوثائق إلى أن تتابع وقائعه لم يكن من قبيل المصادفات. ولكنه كان ترتيبا جهنميا نلمس نتائجه بوضوح فى محاضر الجلسات المسربة.
.....................

جدل الحدث التونسى وأجراسه – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 21 صفر 1432 – 25 يناير 2011
جدل الحدث التونسى وأجراسه – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_30.html

نُعذر إذا لم نستطع أن نغادر الحدث التونسى، ليس فقط لأنه استثنائى وتاريخى فى العالم العربى، وليس فقط لأنه أحيا فينا أملا ظننا أن تحقيقه يحتاج إلى معجزة، ولكن أيضا لأن تفاعلاته المثيرة مستمرة منذ أكثر من شهر ورسائله تتدفق بغير انقطاع وأجراسه ترن طوال الوقت.

(1)

حتى الآن الشارع هو البطل الحقيقى، هو الذى أطلق الثورة، وهو الذى أجهض محاولة الالتفاف عليها، وهو الذى لايزال مصرا على تحدى الحزب الذى احتكر السلطة واختطف البلاد بعد زوال الاحتلال الفرنسى فى عام 1956.
أما كيف أطلق الثورة فقد بات ذلك معلوما لدى الكافة. أما قطعه الطريق على محاولة الالتفاف على الثورة واختطافها بدورها. فقد تبدى حين خرجت الجماهير معربة عن غضبها بعد إعلان تشكيل الحكومة، التى ظل على رأسها أحد رجال نظام بن على، فى حين استولى رجال الرئيس وأعضاء حزب التجمع الدستورى الحاكم على الوزارات السيادية فيها (الداخلية والدفاع والمالية والخارجية)، الأمر الذى جاء مؤكدا على أن الديكتاتور رحل حقا لكن نظامه ثابت القدم كما هو.
الجماهير لم تنطلِ عليها الحيلة. ولم تقتنع بأن رحيل الديكتاتور وتشكيل حكومة جديدة تضم بعض قيادات المعارضة المدجنة يعنى طى صفحة الديكتاتورية. ولم تصدق شعار القطيعة مع الماضى الذى رفعه رئيس الوزراء وآخرون من قيادات التجمع الدستورى.

وسمعنا أناسا عاديين يقولون لمراسلى الفضائيات العربية إنه لا يعقل أن يكون أعوان الطاغية وأركان الاستبداد أنفسهم دعائم الانتقال إلى المرحلة الديمقراطية، وأن القطيعة الحقيقية يجب أن تتم مع الحزب الفاشى الذى ظل ركيزة النظام الديكتاتورى طوال العقود التى خلت.
غضبت الجماهير لمجرد وجود ممثلى الحزب الدستورى فى الحكومة. وكان مطلبها صريحا فى ضرورة إخراجهم منها. وعبرت عن ذلك المطلب بطرق سلمية ومتحضرة. فبقيت فى الشارع لم تغادره. واحتل بعضهم عددا من مقار الحزب وانتزعوا لافتاته.

وفى بلدان أخرى فإن هذه الرسالة كانت توجه بأساليب أخرى، عبر إسالة الدماء والفتك برموز القمع والاستبداد. لكن ذلك لم يحدث، وإنما مارس ذلك الحضور ضغطا قويا على النقابات والقوى الوطنية، التى تبنت مطالب الجماهير الواقفة فى الشارع. وكانت استقالة أربعة من الوزراء يمثلون التيار الوطنى عنصرا ضاغطا أسهم فى إحراج الحكومة واهتزاز صورتها.

وحتى كتابة هذه السطور فإن مأزق الحكومة لايزال مستمرا. حيث الجماهير مازالت تعرب عن احتجاجها فى الشارع. والحزب الدستورى يخوض معركته الأخيرة فى الدفاع عن هيمنته وسلطانه.

(2)

إذا كنا قد رأينا مشهد الشارع كاملا، فإنه لم يتح لنا أن نتابع ما يجرى فى السراديب
لست أعنى ما يحيكه أركان نظام بن على من حيل وألاعيب للحفاظ على قبضته،
ولكن أعنى دور القوى الخارجية التى فوجئت بما جرى وأقلقها السقوط السريع للنظام، وما يمكن أن يترتب على ذلك فى المستقبل.

إذاً ليس سرا أن ثمة تنافسا صامتا بين الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا حول النفوذ فى دول المغرب العربى. وهذا التنافس مشهود فى جميع تلك الدول بغير استثناء. إذ لكل منهما رجاله وأدواته. خصوصا فى أوساط القوات المسلحة، التى تعد على رأس قوى التغيير والتأثير.

إذ يتحدث المتابعون للشأن الموريتانى مثلا عن أن فرنسا كانت وراء سيطرة الرئيس الحالى على السلطة، ويشيرون إلى أن بعض قوى المعارضة لجأوا إلى الولايات المتحدة لمقاومة نظامه.

وليس سرا أن الولايات المتحدة كانت وراء استيلاء « زين العابدين بن على» على السلطة فى تونس عام 1987. لكن فرنسا لم تغب مع ذلك عن الساحة.

وقد بات معروفا أن وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل اليومارى عرضت تدريب الشرطة التونسية فى بداية الانتفاضة لقمع المتظاهرين. وتحدثت وسائل الإعلام عن اتصالات ملحة كان يجريها أثناء الثورة النائب اليمينى الفرنسى إريك راءول بالنظام السابق للتحذير من إتاحة الفرصة للإسلاميين فى ظل الوضع المستجد.

أيضا لم تغب الولايات المتحدة عن متابعة المشهد، ففى حين أعرب الرئيس أوباما عن تقديره لشجاعة الشعب التونسى، فإن كبير مستشاريه الأمنيين سارع إلى الذهاب إلى الجزائر لكى يكون قريبا من الأحداث فى تونس، وقيل إنه نقل رسالة أيدت إجراء انتخابات حرة ونزيهة هناك، مشترطا عدم تمكين الإسلاميين من الوصول إلى السلطة.
(3)
أصبحت مشاركة الإسلاميين فى العمل السياسى أحد العناوين المثيرة للغط، محليا وإقليميا ودوليا. والإسلاميون المعنيون هم بالدرجة الأولى حركة النهضة (أول مكتب سياسى لها تشكل فى عام 1981)، ويقودها الشيخ راشد الغنوشى الذى اختار لندن منفى له.أما كوادر الحركة فقد توزعوا بين المنافى والسجون التونسية. والذين تابعوا أدبيات ومواقف الحركة منذ إنشائها أدركوا فى وقت مبكر أنها قدمت نموذجا فكريا منفتحا ومتقدما على كثير من الحركات الأخرى.

وهذا النموذج كان ملهما لحزب العدالة والتنمية الذى تشكل بالمغرب فى وقت لاحق، وهو الاسم الذى اقتبسه الفريق الذى خرج من عباءة حزب الرفاه الإسلامى فى تركيا تحت قيادة الأستاذ نجم الدين أربكان، وشكلوا فى عام 2000 حزبا بذات الاسم الذى عرف فى المغرب. وكان فى مقدمة قادته عبدالله جول رئيس الجمهورية الحالى ورجب طيب أردوغان رئيس الوزراء.فى تونس ــ كما فى مصر ــ كان هناك حزب مهيمن وأحزاب أخرى محظوظة ومرضى عنها، وظلت تستخدم فى إحكام الديكور الديمقراطى، وأحزاب أخرى محظورة ليس مرضيا عنها كان بينها حزب النهضة والحزب الشيوعى، وأحزاب معارضة أخرى.

ولأن النظام كان علمانيا قحًا، فإنه استقطب المتطرفين من العلمانيين والشيوعيين، الذين كانوا ولايزالوا فى الوقت الراهن يدعون إلى إقصاء حزب النهضة ويخوفون من العودة المرتقبة للشيخ راشد الغنوشى من لندن.هذه الدوائر عبرت عن مخاوفها حين قررت الحكومة التونسية فتح الأبواب على مصاريعها للتعددية الحزبية، كما أطلقت سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين، وأعدت مشروعا للعفو عن المحكوم عليهم ومنهم المقيمون فى المنافى، مما يعنى إضفاء الشرعية القانونية على نشاط الأحزاب المحظورة، وفى المقدمة منها حركة النهضة والحزب الشيوعى. إلا أن حركة النهضة لاتزال الوحيدة التى تقف فى حلق الجميع. من نظام زين العابدين بن على إلى المتطرفين من العلمانيين والشيوعيين، إلى الفرنسيين والأمريكان والإسرائيليين.
دعوة استثناء «النهضة» تتعذر الاستجابة إليها من جانب الحكومة الجديدة،
أولا لأن حركة النهضة قدمت طوال الوقت نموذجا فكريا وسياسيا وسطيا ومعتدلا للغاية،
وثانيا لأنها ظلت طوال عهد بن على تتحرك فى إطار تحالف وطنى مع الأحزاب الأخرى التى اطمأنت إليها ووثقت فى مواقفها وهو ما دعا عقلاء العلمانيين والشوعيين إلى المطالبة بعدم استثنائها.
وثالثا لأنه كان من الصعب على حكومة وعدت بإطلاق الحريات والالتزام بقيم الديمقراطية أن تجيز كل الأحزاب فى حين تستمر فى حظر حركة النهضة وإقصائها.
ما يثير الانتباه فى التوافق بين تلك الأطراف على المطالبة بحظر النهضة ــ أنها فى هذا الموضوع بالذات تناست تناقضاتها، واعتبرت أن تناقضها الرئيسى مع الحركة، ولم يعرف ما إذا كان ذلك تصفية لحسابات أو دفاعا عن الذات، أو غيرة على مصالح غربية وإسرائيلية يمكن أن يتهددها وجود حزب إسلامى فى الساحة السياسية.

يثير الانتباه أيضا أن الأطراف المختلفة دأبت على التخويف من تحول النهضة إلى نموذج لطالبان و استنساخ للنظام الإيرانى. ولم يخطر على بال أحد أن يراجع سجلها ليدرك أنها أقرب فى عقلها السياسى إلى حزب العدالة والتنمية فى تركيا.

(4)
اللغط مثار أيضا حول عنوانين آخرين،
أولهما يتعلق بعبرة ما جرى فى تونس،
والثانى حول القواسم المشتركة بين الوضع التونسى وبين نظائره فى العالم العربى.
العنوان الأول أفاض فيه كثيرون ممن اجتهدوا فى قراءة الحدث واستخلاص دروسه التى يتعين على الآخرين استيعابها وليس لدىَّ ما أضيفه إلى تلك الخلاصات، إلا أننى لا أستطيع أن أقاوم التذكير بعدة رسائل تلقيناها من الحدث التونسى تتمثل فيما يلى:
● أن منظر الرئيس بن على فى آخر خطاب له يقنعنا بأن الطغاة والمستبدين ليسوا بالقوة التى نتصورها. إذ نبهنا إلى أنهم أقوياء فقط بسلاح الجند الذى يحرسهم وأجهزة القمع التى تسحق معارضيهم. فيما عدا ذلك فهم مهزومون ومتخاذلون. وإذا كان المشهد التونسى قد بين لنا أنهم أضعف مما نتصور، فإنه أيضا أكد لنا أن الشعوب أقوى مما تتصور.
● إن احتكار السلطة حين يتحول إلى هدف بحد ذاته، فإنه يدفع المستبد إلى القبول بالتلون والتقلب بين مختلف المبادئ والاتجاهات، طالما كفل له ذلك أن يبقى فى موقعه. إذ يبدى استعدادا للانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية والليبرالية ولا مانع لديه من التحول إلى الثيوقراطية، ومن القومية إلى الكونية والقطرية، ومن النقيض إلى النقيض. وليس مهما الثمن الذى يدفع أو ما يستصحبه ذلك من مهانة. لأن الأهم أن يؤدى إلى تثبيت البقاء فى المنصب واستمرار القبض على هيلمان الملك.
● إن الحديث عن الرخاء، والنمو الاقتصادى لا ينبغى الترحيب به إلا إذا عرفنا من المستفيد منه، وهل تذهب عائداته إلى الذين اختطفوا البلد وسرقوه، أم إلى أصحاب البلد وشعبه الكادح.
وما جرى فى تونس يفتح أعيننا على تلك الحقيقة، لأننا اكتشفنا أن «معجزته الاقتصادية» التى تحدث عنها الرئيس السابق جاك شيراك جنى ثمارها الأثرياء وأفراد العصابة الحاكمة، وكان الفتات هو نصيب المجتمع وحظه.
●إن أجهزة الأمن حين تتوحد مع النظام المستبد وتصبح سوطه وسجانه ويده الباطشة، تتحول من مؤسسة تحرس المجتمع وتسهر على أمنه إلى مؤسسة تسحق المجتمع وتعاديه.

وحين أحرق المتظاهرون فى تونس غطاء رأس لضابط الشرطة، وحين تظاهروا أمام وزارة الداخلية، فإنهم كانوا يعبرون عن شعور المرارة والسخط إزاء الدور القذر الذى قام به رجال الشرطة لصالح النظام.

ومن الواضح أنهم أدركوا أخيرا مدى رفض الناس لهم، حتى إنهم خرجوا فى مظاهرات بالعاصمة حملت لافتات تقول:
أبرياء أبرياء من دم الشهداء.
● إن الأنظمة السلطوية حين تمعن فى إحكام الانسداد السياسى وتغلق أفق المستقبل فى وجوه الجميع، فإن لغة الشارع وخروج الجماهير إليه تصبح الخيار الوحيد أمام الضائقين بالاستبداد، والراغبين فى تخليص المجتمع من براثنه. وأية تداعيات تترتب على ذلك يتحمل مسئوليتها الذين صنعوا الأزمة وليس ضحاياها.
الذين يرفضون الاعتبار من الحدث، ومن ثم يرفضون تسلم رسائله، هم أنفسهم الذين ما برحوا يروجون للزعم القائل بأن تونس حالة خاصة ليس لها مثيل فى العالم العربى، ليطمئنوا أنفسهم على مصيرهم، وإن ادعوا أنهم يطمئنون الناس والنظام. وهو زعم انتقدته فى
موضع آخر.

ولاحظت أن كتابات الصحف القومية فى مصر هى الوحيدة التى تتبناه وتروج له، فى حين أن الإعلام الخارجى يعتبر أن التشابه مع مصر بالذات أمر مفروغ منه ومسلم به.

وحين سألنى أحد المراسلين الأمريكيين عن أوجه الشبه بين مصر وتونس والجزائر. قلت إن بينها أربعة قواسم مشتركة على الأقل هى:
استمرار احتكار السلطة
ــ انتشار الفساد
ــ التغريب وفقدان الهوية
ــ الدوران فى فلك السياسة الأمريكية.
وهى أمور يطول فيها الحديث ويضيق بها المكان.
..................

24 يناير، 2011

الفساد قرين الاستبداد

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 20 صفر 1432 - 24 يناير 2011
الفساد قرين الاستبداد – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_24.html


صحف هذه الأيام تحفل بأخبار شبه يومية تتعلق بمظاهر الفساد في أسرة الرئيس زين العابدين بن على هو وزوجته وأفراد عائلتها.

ومثل تسريبات «ويكيليكس» فإنها ما برحت تصدمنا كل حين بما لم يخطر لنا على بال.

فقد قرأنا أن الرئيس التونسي السابق له أرصدة في البنوك الخارجية تقدر بخمسة مليارات دولار، وأنه يملك عقارات وفنادق في العواصم الأوروبية، علاوة على بعض شركات الطيران الخاصة.

كما قرأنا أن زوجته هربت ومعها طن ونصف الطن من الذهب، حصلت عليها من البنك المركزي.
وهي ذاتها التي وزعت أقاربها على مختلف المواقع والمناصب التي تمكنهم من نهب أموال الدولة، حتى تصرفوا في تونس باعتبارها إقطاعية أو عزبة أهديت إليهم.

إلى غير ذلك من المعلومات التي لا نعرف مدى دقتها، لكنها سوغت إطلاق وصف «المافيا» على المجموعة التي حكمت البلاد طيلة العقدين الماضين.
لا تزال التسريبات مستمرة، كاشفة عن وجه شديد القبح لممارسات الرئيس وأسرته وأصهاره، أدركنا معه أنه لم يقم نظاما مستبدا فحسب ولكنه أيضا نظام فاسد لم يتورع عن سرقة أموال البلد ونهب ثرواته، أهم ما في هذه الصورة أنها تنبهنا إلى ذلك التلازم الضروري بين الاستبداد والفساد.

ذلك أن تكميم الأفواه وحرمان المجتمع من المشاركة في القرار السياسي ومحاسبة المسؤولين على تصرفاتهم في أموال دافعي الضرائب وبقية موارد الدولة، فإنه تلقائيا يطلق يد أهل الحكم ويغريهم بالنهب والسلب، دونما حسيب أو رقيب.
لو لم تقع ثورة الجماهير التونسية لما رأينا أو سمعنا عن شئ من ذلك، في العالم العربي بوجه أخص الذي لا يزال الحكام فيه يتمتعون بحصانة وقداسة تحول دون مساءلتهم، بل تحول حتى دون الاطلاع على شئ مما ينشر عنهم في الخارج.

فالمواطن الفرنسي مثلا كان يعرف أكثر من أي مواطن عربي حقيقة فساد الرئيس وزوجته وأهلها. لأن أكثر من كتاب صدر في باريس فضح ذلك الفساد،
ولم يتح لعالمنا العربي أن يعرف شيئا عن تلك الكتب إلا بعد أن سقط النظام وهرب بن على إلى الخارج. فقط في مساء ذلك اليوم كان غلاف الكتاب الذي صدر عن زوجته (حاكمة قرطاج) يتصدر شاشات مختلف التليفزيونات العربية.
ليس الرئيس بن على حالة خاصة بين قادة الأنظمة المستبدة. لكن قاعدة التلازم بين الاستبداد والفساد تدعونا للاعتقاد بأن كل حاكم مستبد له في الفساد باع ونصيب. لا فرق في ذلك بين حاكم لدولة غنية أو فقيرة. لكن الفرق بين مستبد وآخر أن أحدهما قد يكون ممسكا بمقاليد الأمور في بلده،

ومن ثم لا يجرؤ أحد في بلادنا على الكشف عن حجم ضلوعه في الفساد،
والآخر أفلت منه الزمام وأطيح به، فسقط القناع عن وجهه وأتيح لنا أن نطالع قبح صفحته الحقيقية دونما تدليس أو تزوير.
قبل عدة سنوات حين انشق السيد عبدالحليم خدام نائب رئيس الوزراء السوري ووزير الخارجية الأسبق ولجأ إلى باريس، فضحته السلطات في دمشق فسربت بيانا بممتلكاته وأنشطته التي كان مسكوتا عليها. وقتذاك كنت واحدا ممن أدهشهم حجم تلك الممتلكات واتساع نطاق تلك الأنشطة.

ذلك أن الممتلكات شملت عقارات ومنتجعات وقصورا وشققا سكنية داخل البلاد وخارجها، كما أن الأنشطة شملت محلات للملبوسات والبقالة وتوكيلات تجارية وكل ما يخطر على بالك من مصادر لتحويل الأموال وتكديس الثروة.

عندما أذيع ذلك البيان كتبت مقالة للأهرام أشرت فيها إلى فكرة التلازم بين الاستبداد والفساد، وقلت إن كل مسؤول كبير في المجتمعات غير الديمقراطية لابد أن يكون ضالعا في الفساد بدرجة أو أخرى.

ومن ثم فله «ملفَّه» الذي يسجل وقائع فساده وخطاياه. وهو في أمان طالما ظل على ولائه للنظام،

أما إذا تمرد فإن الكشف عن ملفه بات الوسيلة التقليدية لإسقاطه سياسيا واغتياله معنويا.

لكن هذه الفقرات لم يحتملها الأهرام، وحذفت من المقالة، وقيل لي وقتذاك أن في الكلام رائحة غمز في الأوضاع القائمة في مصر، رغم أن الحدث الأصلي كان في سوريا.
في بعض دول أمريكا اللاتينية تعاملت النخب مع الظاهرة بواقعية شديدة انطلقت من الاختيارين أخف الضررين. إذ في سبيل الخلاص من الحكام المستبدين فإنها باتت تعرض عليهم صفقة بمقتضاها تغض الطرف عما نهبوه وتعفيهم من المساءلة والمحاكمة، مقابل أن يتركوا مناصبهم ويختاروا لأنفسهم ملاذا آمنا.

حيث كانت تلك النخب مخيرة بين استمرار النهب في ظل الاستبداد.
وبين الإعفاء من المسؤولية عن النهب لاسترداد الحرية،

لكن إحدى المشكلات الكبيرة التي نواجهها في هذا الصدد أن مجتمعنا المدني أضعف من أن يفرض مثل هذه الخيارات على الحكام المعنيين، الأمر الذي يطلق أيديهم في ممارسة الخطيئتين الاستبداد والنهب.
وحينئذ يطل الخيار الثالث برأسه، بحيث يصبح الانفجار هو الحل.
.......................

23 يناير، 2011

فتاوى فاسدة

صحيفة الشرق القطريه الأحد 19 صفر 1432 – 23 يناير 2011
فتاوى فاسدة – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_23.html


بدلا من تكفير المنتحرين وتسفيههم. أليس الأجدى والأنفع أن نحاول بشكل جاد أن نجيب عن السؤال الأهم:
لماذا ينتحرون؟

ألحَّ عليَّ هذا السؤال حين وجدت بعض وسائل الإعلام عندنا مهتمة باستطلاع آراء الفقهاء في مصير هؤلاء في الآخرة وعلى أي مراتب جهنم سيتم توزيعهم،

وهناك صحافيون آخرون استطلعوا آراء بعض علماء النفس الذين لم يأخذوهم على محمل الجد، وقال أحدهم إنهم يريدون لفت الأنظار فقط، وكأنهم أرادوا أن يشتهروا قبل أن يموتوا!

الذين أفتوا في الموضوع تسرعوا فيما قالوه وأخطأوا فيما خلصوا إليه، على الأقل فيما نقلته عنهم الصحف المصرية.

وأكبر خطأ وقعوا فيه أنهم حملوا الأحاديث النبوية التي أدانت المنتحر واعتبرته كافرا بأبعد كثيرا مما تحتمل، واعتبروه كافرا بالملة في حين أن المراد هو الكفر بالنعمة التي لا تخرج المرء من الملة.
وأن المقصود هو تحذير المؤمنين حتى لا يسارعوا إلى القنوط ويفقدوا ثقتهم في رحمة الله وفرجه، فيتخلصون من حياتهم التي وهبهم الله إياها.

بالتالي فإن الأحاديث النبوية نهت عن قتل النفس وحذرت من يقدم على ذلك من أنه سيكون خالدا في نار جهنم في الآخرة.

فصل في هذا الموضوع الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم. حيث ذكر أن الأحاديث التي وردت في هذا الصدد وتحدثت عن خلود المنتحر في النار تحمل على ثلاثة أقوال.

قول يرى أن المنتحر إذا كان واعيا بحرمة الانتحار وأقدم عليه رغم ذلك فإن الكفر بالنعمة يثبت في حقه ونال عقوبته في الآخرة.

القول الثاني يرى أن المراد بالخلود طول المدة والإقامة المتطاولة لا حقيقة الدوام، كما يقال خلد الله ملك السلطان،

القول الثالث إن ذلك جزاؤه ولكن الله تعالى تكرم فأخبر (في أحاديث أخرى) أنه لا يخلد في النار من مات مسلما.
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إنه ليس لدينا حكم شرعي عام بتكفير المنتحر، ولكن هناك نهيا عنه وإدانة للمنتحر، إلا أن كل حالة ينبغي أن تبحث في ضوء ملابساتها، ولا ينبغي أن تصدر حكما عاما على الجميع.
يساعدنا على استيعاب هذا الموقف أن نقيس على النص القرآني الذي يقرر أنه:
لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم (النساء – 148).
ذلك أن الأصل هو النهي عن الجهر بالسوء، والمسلم اللعان مدان في أحاديث نبوية كثيرة، إلا أن المظلوم الذي يستشعر الغبن والقهر، يستثنى من الإدانة ويغفر له فعله.
لنا أن نقيس أيضا على الآيات التي وردت في أواخر سورة الشعراء التي تقول:
«والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».
إن الحكم على الشعراء ليس واحدا في هذه الآيات، ولئن كانوا ممن يتبعهم الغاوون، إلا الذين آمنوا منهم وانتصروا بعدما ظلموا مستثنون من الإدانة والعتاب.
إن غضب المظلوم تفتح له أبواب السماوات، وهو معذور في كل ما يقدم عليه، سواء جهر بالسوء أو أشعل النار في نفسه.
ولم أفهم لماذا نشغل أنفسنا بمصيره في الآخرة، الذي هو متروك لعدل الله ورحمته.

وأستغرب جدا أن نطلق حكما بتكفير الشاب التونسي مثل محمد بوعزيزي الذي أشعل النار في نفسه، لتصبح تلك الخطوة بمثابة عود الثقاب الذي فجر الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم الطاغية وتحدت جبروته.
لست أخفي أنني أتشكك في براءة مثل هذه الحملات، التي تثني الناس عن التعبير عن غضبهم بعدما فاض بهم الكيل وتحملوا مظالم لا قبل لهم بها.
فقد سبق أن قرأنا إدانة وتحذيرا من الإقدام على الإضراب عن الطعام، بدعوى أنه يتعارض مع النهي عن أن يلقى الناس بأنفسهم إلى التهلكة.
كما قرأنا تجريما للتظاهرات التي تخرج إلى الشوارع بدعوى أنها تؤدي إلى تعطيل مصالح المسلمين،

وهو ذاته التجريم الذي يدان به معارضة الأنظمة المستبدة والتمرد عليها، بزعم أن ذلك من شأنه إثارة الفرقة والفوضى في دار الإسلام.. إلى غير ذلك من الفتاوى التي تسعى في نهاية المطاف إلى حث الناس على الرضا بالقهر والظلم، وتصرفهم عن تحدى الظلم وإنكار منكراته وفواحشه.


ليت الذين ينشغلون بمصير المنتحرين في الآخرة يتركوا ما لله لله.
ولو كانوا مخلصين و"شجعان" حقا فليتهم يفسرون لنا لماذا أقدم أكثر من ١٠٠ ألف مصري على الانتحار في عام واحد، وهو الرقم الذي فاجأنا به مركز معلومات مجلس الوزراء (الأهرام 20/1).
................

22 يناير، 2011

مناضلون بأثر رجعي

صحيفة الشرق القطريه السبت 18 صفر 1432 – 22 يناير 2011
مناضلون بأثر رجعي – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_22.html


في الأسبوع الماضي بث التلفزيون التونسي تسجيلا لشيخ المدينة (عمدة العاصمة) حيا فيه ثورة الشعب التونسي العظيم التي نجحت في إزاحة الطاغية الأعظم ونقلت البلاد من ظلمات الاستبداد إلى نور الحرية،

وقبل ستة أسابيع فقط كان الرجل ذاته يتحدث في برنامج « قهوة تركية » الذي يبثه التلفزيون التركي الناطق بالعربية مشيدا بالقائد العظيم الذي انتشل تونس من ظلمة التخلف إلى نور الرقي والتقدم والنهوض،

لم يكن الرجل وحيدا في ذلك، ولكنه كان واحدا في طابور طويل من ،« المتحولين » الذين ظلوا طوال السنوات التي خلت يمجدون القائد العظيم ويتقدمون مواكب التهليل له، ثم صاروا يتقدمون الآن مواكب التهليل للثورة ويعبرون عن اعتزازهم بما أنجزه الشعب العظيم الذي أطاح بالطاغية الذي أذل البلاد والعباد،

قبل أشهر قليلة كان هؤلاء جميعا يتسابقون على تسجيل أسمائهم في قوائم المناشدات التي دعت إلى تعديل الدستور وإلغاء قيد السن لتمكين الرئيس بن على من ترشيح نفسه في انتخابات عام 2014 ، كي لا تغيب شمسه الوضاءة عن أرض تونس، ولكي لا يستشعر التونسيون اليتم بغيابه!

لقد قرأت تصريحات لبعض الفنانات والفنانين برروا فيها وضع أسمائهم ضمن المناشدين، قال أغلبهم فيها إن أسماءهم وضعت دون علمهم، وقال آخرون إنهم هددوا وأكرهوا على ذلك، واعترف آخرون بأن الخوف دفعهم إلى ذلك،

وأمثال هؤلاء جيش من الأدباء والشعراء والسياسيين والأكاديميين، وقد تحول هؤلاء الآن إلى مناضلين وطنيين فخورين بثورة الشعب وانتصاره على نظام القهر والفساد الذي ظل جاثما على كل الصدور لأكثر من عشرين عاما، جميعهم غسلوا أيديهم من التزلف للنظام السابق والتهليل له.

الحاصل في تونس رأيناه أيضا في أصداء الحدث في الإعلام العربي، ذلك أن النظام السابق أنشأ وزارة للاتصال الخارجي (ألغيت في الوزارة التي شكلت بعد سقوطه) كانت مهمتها إغواء الإعلاميين في الخارج ورشوتهم، عن طريق استضافتهم وإغراقهم بالكرم التونسي، لكي يشتركوا في حملة تمجيد النظام وتبييض صفحته،

ذلك إلى جانب نشر الإعلانات في الصحف العربية التي ما برحت تتحدث عن إنجازات عصر بن علي وفضائل نظامه، وأي قارئ للصحف العربية، خصوصا في مصر ولبنان، لابد أنه يذكر ما نشرته تلك الصحف من مقالات وإعلانات لم تقصر في عملية التهليل والتضليل.

لن أنسى في هذا الصدد أن اتحاد الصحفيين العرب عقد في العام الماضي دورة في تونس، التي حل فيها ضيفا على وزارة الاتصال الخارجي، وبعد انتهاء اجتماعاته التقى الرئيس بن على وفدا يمثل الاتحاد حيث قدم إليه هدية رمزية تقديرا لدوره في النهوض بالإعلام والدفاع عن الديمقراطية،

على الأقل فإن هذا ما ذكرته الصحف التونسية والعربية، التي نشرت صورة الرئيس وهو يستقبل الوفد، بعدما قامت وزارة الاتصال الخارجي بتوزيعها على كل من هب ودب ضمن سعيها إلى تسويق النظام وتجميل صورته،

وقتذاك (في 2 مايو 2010 ) كتبت تعليقا في هذا المكان كان عنوانه « ليس باسمنا » تحدثت فيه عن القمع الذي يمارسه نظام الرئيس بن على بحق التونسيين عامة والناشطين منهم بوجه أخص، كما أشرت إلى معاناة الصحفيين في عهده،

واعتبرت أن إهداء درع اتحاد الصحفيين العرب إليه بمثابة « فضيحة » ما كان لرئاسته أن تتورط فيها وخلصت إلى أن ذلك الدرع لا ينبغي له أن يقدم باسم الصحفيين العرب، ولكنه في أحسن فروضه يعبر عن موقف الذين قدموه دون غيرهم.

هذا التصرف من جانب رئاسة اتحاد الصحفيين العرب كان له وجهه الآخر، إذ جاء كاشفا عن أن التزلف إلى الحكام ليس مقصورا على تونس وحدها، ولكنه وباء يعم كل المجتمعات غير الديمقراطية، وللنخب حظها الوفير منه،

ذلك أن الأنظمة المستبدة التي لا تستند في شرعيتها إلى رضاء الناس وانتخابهم باتت ترتكز على فئتين هما العسكر والمثقفون.

الأولون يقمعون ويؤدبون، والآخرون يتسترون ويزينون ويضللون، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال.

والفرق بين الاثنين أن العسكر يؤمرون فيطيعون، أما المثقفون فجرمهم أكبر لأنهم في أغلب الأحوال متطوعون ومنافقون، ومن ثم فلا عذر لهم، وحسابهم ينبغي أن يكون أكثر عسرا من الآخرين.

لا تثريب على من ضموا إلى قوائم المهللين دون علمهم، أو الذين أكرهوا على ذلك ولم يستطيعوا للإكراه ردا،

ولست أطالب المثقفين جميعا بأن يصبحوا مناضلين، لكنني أطالبهم فقط بألا يصبحوا منافقين، ذلك أنه إذا كان من أوجب واجباتهم أن يتصدوا للاستبداد والفساد ويفضحوهما، فإنهم يخونون أماناتهم إذا تستروا عليهما أو سوغوهما،

والمعيار الذي أرجو أن يلتزم به الجميع هو أن المثقف إذا لم يستطع أن يكون صوتا للحق فلا ينبغي له أن يكون سوطا للباطل .
والله أعلم .
....................................

20 يناير، 2011

لا تدفنوا الرؤوس في الرمال

صحيفة الشرق القطريه الخميس 16 صفر 1432 – 20 يناير 2011
لا تدفنوا الرؤوس في الرمال – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_20.html


أصل الداء الذي ساعد على قتل النظام، قمعه الشديد لحرية الرأي والتعبير، وتكميمه لكل الأفواه، وسيطرته على كل وسائل الإعلام التي لم تكن تستطيع أن توجه نقدا لحكومته أو تصرفات بطانته.
وكانت نتيجة هذه السياسات استمرار الغليان تحت السطح.


بهذه القيود التي كبلت حرية التعبير حرم النظام نفسه من فهم أبعاد ما يجري تحت السطح، الذي ازدحم بمظاهر الزلفى والنفاق والحرص على ألا يسمع سوى ما يرضيه..

من ثَمَّ فإنه فقد جسور التواصل مع أجيال جديدة نهشت البطالة روحها وكرامتها، وكانت تلك الأجيال قوام الغضب العارم الذي اجتاح المدن.


قد يكون صحيحا أن النظام حمى البلاد من أخطار تنظيمات متطرفة عصفت بأمن الجيران. لكن الاستقطاب الحاد الذي عاشته البلاد طيلة السنوات الأخيرة، والاعتماد بالكامل على قوى الأمن فقط، والعداء الشديد لكل رأي مخالف حرم النظام من مساندة قوى عديدة كان يمكن أن تكون جزءا من جبهته في الحرب على التطرف.
حين يقرأ المرء الفقرات السابقة سيجد أنها تصف الأوضاع في أقطار عربية عدة. صحيح أن حالة تونس التي تتصدر نشرات الأخبار هي أول ما يخطر على البال، لكن القارئ سيلاحظ أيضا أن تونس لا تنفرد بتلك الصفات، لأنها تنطبق أيضا على أقطار عربية أخرى مغربية ومشرقية.

والحق أن الفقرات كتبت في التعقيب على ما جرى في تونس، ولا غرابة في ذلك، حيث لا نكاد نجد في الحيثيات التي أوردتها أية مفاجأة.

لكن المفاجأة الحقيقية أن تلك الحيثيات تم إيرادها للتدليل على أن ما حدث في تونس يمثل حالة متفردة خاصة لا تنطبق على غيرها من الدول.

والمفاجأة الأخرى أن الذي كتب هذا الكلام زميلنا الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين المصريين (الأهرام 17/1/2011).

للدقة فإنه لم ينفرد بهذا الخطاب، لأن الصحف القومية تضمنت تعليقات أخرى عبرت عن نفس الموقف، وبذلت جهدا ملحوظا لإقناعنا بأن ما حدث هناك لا يمكن أن يتكرر في مصر، وإن الذين يلمحون إلى احتمال انتقال العدوى إلى مصر يعبرون عن تمنياتهم الخاصة، بحيث إن أملهم ذاك لا يختلف عن عشم إبليس في الجنة.
لا أعرف إن كان الترويج لفكرة خصوصية وتفرد الحالة التونسية تم تطوعا من جانب بعض كتاب الصحف القومية الذين التقوا عليها «مصادفة»، أم أن ثمة توجيها بذلك،
ولكن الذي أعرفه أن هناك فرقا حقا بين الأوضاع في تونس ونظائرها في مصر، ولكنه بخلاف ما ادعى زملاؤنا فرق في الدرجة وليس في النوع.

أعني أن ثمة أزمة واحدة في البلدين، ولكن تفاصيلها مختلفة في كل منهما.

أزمة الحريات وإقصاء الرأي المخالف واحدة،
والاعتماد على الأمن واحد.
واحتكار السلطة والتفاف المنافقين والمهللين حول القائمين على أمرها مشهود هنا وهناك.

أما الغلاء الذي طحن الناس والبطالة التي أذلتهم ودفعت بعضهم إلى الانتحار،
والفساد الضارب أطنابه في دوائر عدة،
ذلك كله يكاد يكون وباء لم يسلم منه كل منهما.

ولا أنكر أن ثمة فرقا لابد من الاعتراف به في درجة تكميم الأفواه ومصادرة الآخرين وقمعهم،
وربما كانت هناك فروق مماثلة في المجالات الأخرى،
ولكن تلك الفروق لا تلغي وجود أصل الأمراض. وتظل محصورة في درجة الإصابة بها،

وللعلم فثمة أوضاع في مصر أسوأ منها في تونس، أخص بالذكر منها حالة المجتمع المدني، الذي هو في تونس أقوى وأصلب عودا منه في مصر.
ونظرة على وضع اتحادات العمال والنقابات المهنية في البلد تشهد بذلك. إذ هي حاضرة هناك بقوة في حين أنها غائبة أو مغيبة تماما في مصر.
رغم أي تشابه يمكن رصده بين البلدين، فالذي لاشك فيه أن أحدا لا يتمنى لمصر أن تواجه ذات المصير الذي واجهته تونس. لكن التمني وحده لا يكفي، كما أن دفن الرؤوس في الرمال لا يفيد.

وللعلم فإن تجنب ذلك المصير ليس فيه سر ولا سحر، حيث طريق الاستقرار وكسب رضا الناس معروف للكافة.
وهذا الطريق لا ينفع إلا من خلال الإصلاح السياسي الحقيقي وليس المزور،
ومن خلال الالتزام بقيم الممارسة الديمقراطية وليس غشها أو الالتفاف عليها.
والعبر في هذه الحالة عديدة وماثلة بين أيدينا. لكن المشكلة تكمن في كثرة العبر وندرة المعتبرين.

إن الذين لا يتعلمون من دروس التاريخ ينبغي ألا يلوموا إلا أنفسهم إذا ما ضاقت بهم الشعوب فانتفضت وألقت بهم في مزبلة التاريخ.
.........................

19 يناير، 2011

العصابة لم تغادر

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 15 صفر 1432 – 19 يناير 2011
العصابة لم تغادر – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_19.html


أرجو ألا نخطئ في قراءة المشهد التونسي، فتنسينا الفرحة بما جرى أن الذي تمت الإطاحة به رئيس العصابة ولكن العصابة ذاتها ما زالت موجودة ومتمكنة من مقدرات البلاد.

ولا أخفي أن في نفسي شيئا من استخدام مصطلح «العصابة»، فتلك ليست لغتي في التعبير، لكني سمحت لنفسي بذلك بعدما شاع الوصف في وثائق «ويكيليكس» التي تحدثت عن «المافيا» التي ظلت قابضة على الزمام في تونس طوال سنوات حكم الرئيس السابق بن علي.
لقد قلت في مقام آخر:
إن الاستبداد لا يخرب الحاضر فقط ولكنه يخرب المستقبل أيضا.

ذلك أنه حين يطول به الأجل في السلطة فإن القائمين عليه يسعون إلى تفكيك مؤسسات المجتمع وأجهزة الإدارة وإعادة تركيبها بحيث تتحول في نهاية المطاف إلى أدوات لبسط الاستبداد والتمكين له.
وفي مسعاهم ذلك فإنهم يستأصلون بدائلهم أولا بأول، بحيث ينغلق عليهم الأفق، ويظل استمرارهم هو الخيار الوحيد المطروح على الكافة.
في وصفه لطبائع الاستبداد، ذكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير الذي حمل نفس العنوان ما يلي:

إن الحكومة المستبدة تكون مستبدة في كل فروعها ومراتبها التي يقف المستبد الأعظم على رأسها.
وأعوان المستبد الأعظم ورجاله لا تهمهم الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته. وبهذا يأمنهم المستبد ويأمنونه، فيشاركهم ويشاركونه.

وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقل حسب شدة الاستبداد وخفته. فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له المحافظين عليه.
واحتاج إلى مزيد من الدقة في اتخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدين أو ذمة.
واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المرتبة بالطريقة المعكوسة. وهي أن يكون أسفلهم طباعا وخصالا أعلاهم وظيفة وقربا.

ولهذا لابد أن يكون الوزير الأعظم للمستبد هو اللئيم الأعظم في الأمة. ثم من دونه لؤما، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه ــ انتهى الاقتباس.

لسنا نضيف جديدا إذن، فقد قالها الكواكبي قبل أكثر من مائة عام منبها إلى أن المستبد الأعظم (زعيم العصابة) يختار أعوانه ممن هم على شاكلته، وهؤلاء يتوحدون معه بمضي الوقت بما يؤدي إلى مأسسة الاستبداد، بمعنى إضفاء الصبغة المؤسسية عليه، بما يحول أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة إلى أذرع له،

لذلك تصبح عملية اقتلاع الاستبداد وطي صفحته أمرا بالغ الصعوبة، وربما تتحول تلك العملية إلى معركة يسقط فيها الضحايا، لأنه بعد رحيل المستبد الأعظم فإن وجود ومصير مؤسسة الاستبداد التي ارتبطت به يصبح في خطر محقق. وهو ما يدفعها إلى خوض معركتها الأخيرة بشراسة شديدة، لأن الأمر بالنسبة لها يصبح اختيارا بين الحياة أو الموت.
الحاصل في تونس الآن نموذج لذلك، فحزب السلطة (الدستور الحر) محتكر لها منذ أكثر من نصف قرن، في عهد «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة، الذي اكتسب شرعيته من كونه بطل الاستقلال.

وفي عهد خلفه زين العابدين بن علي الذي استولى على السلطة في عام 1987 بعدما كان وزيرا للداخلية. ومنذ اللحظة الأولى حول تونس إلى سجن كبير. وجعلها نموذجا للدولة البوليسية التي وظفت كل أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع لتكريسها وتثبيت أركانها..

من ثَمَّ تحولت تلك الأجهزة والمؤسسات إلى رموز للاستبداد، وصار القائمون عليها أذرعا وعيونا للمستبد الأعظم.

ورغم أن الإطاحة برأس الاستبداد تعد إنجازا عظيما، إلا أن ذلك لا يعد كافيا، لأنه حين ذهب، فإن مؤسسة الاستبداد التي صنعها على يديه ظلت قائمة.

صحيح أن بعض أركان تلك المؤسسة جرى استبعادهم (وزير الداخلية ومسؤول أمن الرئاسة مثلا) إلا أن ذلك لا يغير من حقيقة توحد الحزب الحاكم مع أجهزة الإدارة، وكون الذين تتابعوا على إدارة البلد طوال الـ23 سنة الماضية كانوا ولا يزالون أعوانا للمستبد الأعظم.

من ثَمَّ فإن استمرارهم في مواقعهم يعني أن العصابة مازالت قائمة وأن مكتسبات الثورة في خطر.
وفي هذه الحالة ينبغي ألا نستغرب إذا وجدنا أنهم يحنون إلى زمانهم ويحاولون استعادته بصورة أو أخرى.
هذا التحليل يعني أن صفحة المستبد الأعظم لم تطو بعد، وتشكيل الحكومة التونسية الجديدة يؤكد على ذلك بمنتهى الوضوح.
وهو يعني أيضا أننا ينبغي لنا ألا نعول أو أن نطمئن طالما بقي للعصابة حضور في الوضع المستجد.

لذلك فإنني أدعو إلى الترقب والحذر، وتأجيل الفرحة الكبيرة حتى نتأكد من أنه لم يعد للعصابة دور في إدارة البلد.
وأرجو ألا ننتظر كثيرا لكي نعيش الفرحة الأكبر التي تحل حين تختفي العصابات المماثلة في كل بلد.
.....................

18 يناير، 2011

السودان في مواجهة الزلزال – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 14 صفر 1432 – 18 يناير 2011
السودان في مواجهة الزلزال – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_18.html

ذهبت إلى الخرطوم متصورا أنني سأشارك في تقديم واجب العزاء لأهلها في انفصال الجنوب، ففوجئت بأن بعضهم أطلق زغاريد الفرح ونحر الذبائح احتفاء بالمناسبة!

ــ1ــ
ظللت طوال الوقت غير مستوعب فكرة انشطار السودان. واكتشفت لاحقا أنني لم أكن وحيدا في ذلك، حيث عبر لي بعض المسؤولين السودانيين الذين لقيتهم، في المقدمة منهم نائب الرئيس علي عثمان أن الانفصال لم يخطر لهم على بال يوما ما، وأنهم فوجئوا ببروز فكرته في الآونة الأخيرة.

لكني صدمت بعد دقائق من خروجي من مطار الخرطوم، حين قال سائق السيارة التي حملتني في رده على سؤال لي.
إنه يشعر الآن أن هما انزاح من على قلبه، ووجدت صدى لهذا الشعور في تصريح أخير للرئيس عمر البشير قال فيه إن الجنوب كان عبئا على الشمال منذ الاستقلال.
اثار انتباهي في هذا الصدد أن مجموعة من المثقفين السودانيين تبنوا الفكرة منذ أربع سنوات، وأنشأوا لهذا الغرض تجمعا أسموه منبر السلام العادل، وأصدروا صحيفة «الانتباهة» التي عبرت عن هذا الموقف وروجت للانفصال، معتبرة أن حدوثه يفتح الأبواب واسعة لتفرغ السودان الشمالي للنهوض والتنمية والتقدم.

وأثار دهشتي أن هذه الدعوة لقيت رواجا واسعا، حتى أن توزيع الجريدة قفز إلى مائة ألف نسخة يوميا، بفارق 70 ألف نسخة عن أعلى صحيفة أخرى في البلاد. وهو معدل للتوزيع لم يعرفه السودان في تاريخه.

وفوجئت بأن مؤسس هذا المنبر ورئيس مجلس إدارة الصحيفة، المهندس الطيب مصطفى يمت بصلة قرابة للرئيس البشير، حيث يعد من أخواله. وقيل لي إن الرجل فقد أعز أبنائه في الحرب ضد التمرد الجنوبي،

كما علمت أن المجموعة التي تدير المنبر وتصدر الصحيفة تضم عددا من الوزراء والمسؤولين الحاليين والسابقين.
وفي اليوم الذي بدأ فيه الاستفتاء (9 يناير) وبدأت فيه إجراءات الانفصال. وقد عبر أعضاء المنبر عن فرحتهم بنحر جمل وثور أمام مقرهم.
حين قلت إن الزيادة الصاروخية في توزيع صحيفة «الانتباهة» بمثابة استفتاء للجماهير الشمالية لصالح الانفصال. تحفظ البعض على الفكرة بقولهم إن الصحيفة لها جمهورها في بعض الأوساط حقا في الشمال، ولكنها مقروءة أيضا في «جوبا» عاصمة الجنوب، الأمر الذي أسهم في زيادة توزيعها.
ناقشت الأمر مع من لقيتهم من السياسيين والمثقفين، وكانت خلاصة ما خرجت به أن الترحيب بالانفصال حاصل بدرجة أكبر بين قطاعات الشباب الذين دعوا إلى الحرب في الجنوب إلى جانب القوات المسلحة.

وهؤلاء المدنيون قتل ٢٣ ألفا منهم في المعارك ضد المتمردين، الأمر الذي رسَّب لديهم شعورا بالنفور والمرارة. وهذه المشاعر لا أثر لها في أوساط النخبة التي لا تزال تعتبر الانفصال كارثة وطنية وإستراتيجية.

وبعض الذين أيدوه متأثرون إلى حد كبير بالحملة الإعلامية والسياسية التي شنها بعض المسؤولين الجنوبيين ضد الشمال في الآونة الأخيرة. إذ عمدوا إلى التشهير بالشماليين وادعوا أنهم كانوا مواطنين من الدرجة الثانية وأنهم عانوا في ظل سنوات الوحدة من العبودية والرق وغير ذلك من المظالم التي كان فيها من التعبئة والتحريض على التصويت لصالح الانفصال، أكثر مما فيها من التصوير الأمين للواقع.


ــ2ــ
إذا كان البعض قد عبر عن الارتياح والحفاوة بالانفصال عن الجنوب، فإن الكل شركاء في الصخب الراهن الذي تشهده الخرطوم، التي هي مدينة بطبيعتها مسيَّسة (رسميا هناك 82 حزبا مسجلا) ولك أن تتصور الطنين الذي يمكن أن تحدثه بيانات وتراشقات تلك الأحزاب في الظروف العادية، وكيف يمكن أن يتضاعف ذلك الطنين أمام ظرف غير عادي ومصيري مثل حدث الانفصال، الذي أزعم أنه بدا صاعقة لم تكن في الحسبان سقطت فوق رؤوس الجميع خلال الأشهر الأخيرة.


صحيح أن الجميع مشغولون بتحديات الحاضر والمستقبل، إلا أن الكلام ينعطف في كل مناقشة ــ مما شاركت فيه على الأقل ــ على الماضي، الذين يرون فيه جذور أزمة الحاضر. فلا أحد يستطيع أن ينسى أن الإنجليز بعد احتلالهم للسودان وضعوا الأساس لشطر الجنوب عن الشمال. حيث لم يكفوا عن محاولة إضفاء هوية متميزة لكل منهما.
آية ذلك أنهم أصدروا في عام 1922 قانون المناطق المقفلة الذي في ظله لم يسمح للشماليين بدخول الجنوب إلا بإذن خاص.

وفي ظل الإقفال طلب من المسلمين تغيير أسمائهم وثيابهم وإلا تعرضوا للجلد. وأطلقت يد بعثات التبشير لتحويل الوثنيين إلى الكاثوليكية من خلال المدارس التي أنشأوها خصيصا لهذا الغرض.
وهذه التغذية المبكرة غرست بوادر الحساسية بين الجنوبيين والشماليين، وكانت لها أصداؤها في تمرد الجنوبيين في أحد معسكرات الجيش عام 1955، قبل أربعة أشهر من إعلان الاستقلال في 1956.
ولا أحد يختلف حول وجود أصابع إسرائيل في أوساط الجنوبيين منذ السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال، على النحو الذي سبق أن فصَّلت فيه
في مرة سابقة، وذكرت أن الضغط على مصر هدفه الأساسي.
أحد الأسئلة التي أثرتها خلال المناقشات ما يلي:

هل كان يمكن الحيلولة دون الانفصال،
ولماذا انتقل الكلام من ترتيب أمر الوحدة إلى المطالبة العلنية بالانفصال؟
في هذه النقطة ذكر أكثر من مسؤول أن السودان وقف وحيدا أمام العاصفة، وخاض تجربة إنقاذ الوطن من التقسيم وحده.

كما أنه مدرك أنه سيخوض معركة ما بعد الانفصال وحده أيضا، بغير معونة من أي طرف عربي، في حين أن الولايات المتحدة والدول الغربية ومن ورائها إسرائيل ويضاف إليهم الفاتيكان كل هؤلاء كانوا يدفعون الأمور باتجاه الانفصال، وإلى جانبهم في ذلك العديد من المنظمات العالمية.
في الإجابة عن الشق الأول من السؤال قالوا إن السودان ظل مشغولا بالحرب طوال الوقت. وأنه ظل يستجيب لطلبات الجنوبيين في المفاوضات أملا في أن يشبع ذلك رغباتهم ويجعلهم يستبعدون احتمال الانفصال.

وكانت ردود الأفعال إيجابية بصورة نسبية من قيادات الجنوبيين، وفي المقدمة منهم جون قرنق الذي ظل يتحدث عن فكرة «السودان الجديد» الموحد وخلفه سيلفاكير الذي ظل يردد في كل مناسبة أنه سيصوت للوحدة.
فيما خص التحول من السودان الموحد أو الجديد إلى انفصال الجنوب سمعت من أكثر من مصدر مسؤول رفيع المستوى أن الطرف الذي لعب دورا رئيسيا في ذلك التحول كان موسيفيني رئيس أوغندا، الذي تربطه صلات وثيقة للغاية مع إسرائيل.

في هذا الصدد تقول الرواية المتواترة إن موسيفيني لم يكن مقتنعا بفكرة السودان الجديد التي تبناها جون قرنق، ودعا فيها إلى السعي لإقامة دولة موحدة في السودان، علمانية وغير عربية بالضرورة، وأن الرجلين اختلفا حول جدوى وإمكانية تنفيذ الفكرة في آخر لقاء بينهما في كمبالا،

وفي أعقاب تلك الزيارة غادر جون قرنق أوغندا على طائرة سقطت به وقتل فيها. وهناك قرائن تدل على أن موسيفيني له يد في عملية القتل، التي كان من نتائجها تولي سيلفاكير قيادة الحركة الشعبية.
تضيف الرواية أن سيلفاكير زار كمبالا في العام الماضي وناقشه موسيفيني في موقفه الذي كان يعلن فيه تمسكه بالوحدة.
وإن الرئيس الأوغندي حذره من مصير جون قرنق إذا تخلى عن فكرة الانفصال، وهو ما اعتبره سيلفاكير تهديدا له بالقتل كما ذكر لبعض خاصته،

من ثَمَّ فإنه خشي على نفسه من ذلك المصير، وقرر أن يتراجع عن موقفه، خصوصا أنه كان يواجه ضغطا داخليا في ذات الاتجاه من بعض قادة الحركة الذين كانوا انفصاليين من البداية. ونقل عنه وقتذاك قوله في حديث علني إنه إذا قتل فعلى رفاقه أن يأخذوا بحقه.
تضيف الرواية أنه بعد ذلك اللقاء مع الرئيس الأوغندي، ذهب سيلفاكير إلى نيروبي ومنها إلى واشنطن، وهناك أعلن أنه سيعطي صوته لانفصال الجنوب.


ــ3ــ
حسب اتفاقية السلام التي وقعت في عام 2005، أعطيت مهلة حتى سنة ٢٠١١ لاختيار إمكانية إقامة وحدة جاذبة بين الشمال والجنوب، بعدها، يجري استفتاء بين الجنوبيين لتقرير مصيرهم،

وإذا صوت 60٪ منهم للانفصال تعطى فترة انتقالية مدتها ستة أشهر تنتهي في يوليو القادم، تقوم بعدها الدولة الجديدة في الجنوب. إلا أن المسؤولين في الخرطوم يرون أن تلك الفترة ليست كافية ويقولون في هذا الصدد إن ثمة 12 قضية متفجرة معلقة بين الشمال والجنوب يمكن أن تؤدي كل واحدة منها إلى إشعال نار الحرب بين الجانبين. وهذه القضايا الاثنتى عشرة يستحيل حسمها في تلك الفترة القصيرة.
وهي تتمثل في الحدود التي تمتد بطول 2300 كيلو متر وعلى جانبيها يعيش نحو عشرة ملايين شخص أغلبهم رعاة يتنقلون بين الجانبين على مدار السنة وراء الماء والكلأ،

والمياه التي لم يتحدد نصيب كل طرف منها بعد،

وعبء الديون التي تبلغ 40 مليار دولار وقد حملت على السودان الموحد من قبل (كان بعضها يمول مشروعات الجنوب).

والبترول الذي يحصل الشمال عليه نصف عائداته ويفترض أن تتوقف بعد إنشاء دولة الجنوب الجديدة رسميا،

الحساسيات والتوترات الدائمة في أبييه بين قبيلتي المسيرية (العربية) ودينكا نقول،

أوضاع المسلمين في الجنوب الذين يمثلون 20٪ من سكانه، (الحركة الشعبية أغلقت فرع جامعة أم درمان الإسلامية في جوبا)... إلخ.
لا يقف الأمر عند الملفات العالقة بين الشمال والجنوب، لأن كل طرف له مشكلاته الداخلية الدقيقة. ذلك أن نجاح الحركة الشعبية في إقامة دولة الجنوب والاستقلال عن السودان قد يكون مغريا لجماعات أخرى في الشمال لكي تسير على ذات الدرب.

وعلى الطاولة الآن ملف دارفور، لكن هناك جماعات أخرى تنتظر في جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان.

بالمثل فشبح الصراعات على السلطة في الجنوب لا يزال قائما سواء بين زعامات قبيلة الدنكا، حيث انشق جورج أطور عن قيادة الجيش الشعبي، أو بين الدنكا والقبائل الأخرى التي ترفض الخضوع لسلطات مثل النوبر والشلك.
يتحدثون في الخرطوم أيضا عن قلق الدول المجاورة من انفصال الجنوب، لأن ذلك يفتح الباب لمطالبة الجماعات الإثنية في تلك الدول بتقرير مصيرها. وهو الحاصل في إثيوبيا مثلا التي ينص دستورها على حق تقرير المصير بما قد يحرك مشاعر قبائل الأوقادين والأورمو نحو احتذاء حذو الجنوبيين.

ــ4ــ
قلت إن السودان بعد عدته لمواجهة التحديات القادمة وحيدا، بعدما علمته التجربة أنه لا ينبغي له أن ينتظر عونا من الأشقاء، خصوصا مصر التي لابد أن يصيبها بعض رذاذ الحاصل في السودان يوما ما،

وقد سمعت من أكثر من مسؤول عتبا على مصر لأنها لم تستخدم ثقلها لترجيح كفة الوحدة، وسارعت إلى التسليم بالانفصال وتأييده.

وهمس في أذني أحدهم منتقدا تصريح وزير الخارجية المصري السيد أحمد أبو الغيط الذي قال فيه إن دولة الجنوب ستأخذ نصيبها من المياه من حصة الشمال.
وذكر محدثي أن كلام السيد أبو الغيط أثار امتعاض الخرطوم، لكنها آثرت ألا تدخل في مشكلة مع مصر بسببه.
ما أقلقني في المشهد السوداني أن خطى الوفاق الوطني الداخلي بين أحزابه وجماعاته السياسية لا تتقدم بالصورة المرجوة، حيث هناك شد وجذب بين حزب المؤتمر صاحب الأغلبية في البرلمان وبين الأحزاب الأخرى التي دخلت 17 حزبا منها فيما سمي تحالف قوى الإجماع الوطني، علما بأن صلابة وتماسك الجبهة الداخلية هما العنصر الأهم في تمكين السودان من مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

لكن بعض الساسة يكتفون أحيانا بالنظر تحت أقدامهم ويظنون أن استمرارهم في مواقعهم وليس الإجماع الوطني هو السبيل الأجدى لتأمين الوطن.

وقد فهمت أن بعض العقلاء يحاولون الآن تجاوز هذا الموقف والتنبيه إلى مخاطر اختزال الوطن في الذات.
ادعوا لهم بالتوفيق.
.....................

17 يناير، 2011

أكاذيبهم التي انفضحت

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 13 صفر 1432 – 17 يناير 2011
أكاذيبهم التي انفضحت – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_17.html

انتفاضة الشعب التونسي لم تكن زلزالا سياسيا عالي الدرجة فحسب، ولكنها مثلت لنا صدمة ثقافية أيضا.

دعك من أنها جاءت تصديقا للمقولة الشائعة في خطابنا السياسي التي تتحدث عن النوازل والمفاجآت التي نتوقعها من الشرق فإذا بها تداهمنا من الغرب.

إذ الأهم أننا كنا قد تصورنا أننا ودعنا عصر التحولات الانقلابية التي تثور على الأوضاع المهيمنة، حتى كاد اليأس يدب في قلوبنا من إمكانية تغيير الواقع، بعدما عاشت المنطقة العربية في حالة من الجمود السياسي لأكثر من عقدين من الزمان، رغم توافر أسباب الانفجار الشعبي في أكثر من بلد عربي.

وكنت أحد الذين دأبوا على القول بأنه طالما أنه لم يعد الموت السريري مؤديا بالضرورة إلى التعجيل بحلول أجل الوفاة، وطالما أنه من الممكن أن يبقى المريض في غرفة الإنعاش لعشر أو خمس عشرة سنة معتمدا على الأجهزة والأنابيب التي تسمح باستمرار تشغيل القلب، فإن الوضع يمكن أن ينطبق على السياسة أيضا، بحيث يظل المجتمع مسكونا بالغضب ومهيأ للانفجار لفترات مماثلة، دون أن ينفجر بالفعل، نظرا لجبروت الدولة الحديثة وإزاء ما توافر لها من إمكانيات غير مسبوقة للقمع والقهر.

ولئن صح ذلك بالنسبة لأغلب الدول العربية، فهو أصح فيما خص تونس، وهو البلد الصغير الذي يسكنه عشرة ملايين نسمة، ويعيش منذ نحو ربع قرن في قبضة نظام بوليسي شديد القسوة والشراسة، استخدم أبشع الأساليب لقهر الناس وترويعهم.
من ثَمَّ كانت المفاجأة أن الانتفاضة وقعت، وفي البلد الذي ظننا أنه آخر مكان يمكن أن ينفجر فيه غضب الناس، على نحو يسقط النظام البوليسي ويطوي صفحته إلى الأبد.


لنا في شأن ما حدث هناك كلام آخر. لكني معني في اللحظة الراهنة بما أحدثته المفاجأة من صدمة ثقافية، هدمت سلسلة الأفكار المغشوشة التي جرى الترويج لها خلال السنوات الأخيرة لتثبيط الناس وإقناعهم بأن الأوضاع القائمة هي قدرهم الذي لا فكاك منه.

من ثَمَّ فخيارهم الوحيد أن يرضوا بالمقسوم والمكتوب وأن يتكيفوا مع ما هو قائم، بمعنى أن يتغيروا هم لأنه لا أمل في تغيير الأوضاع القائمة.
لقد بذل جهابذة الموالاة ومنظرو النظام جهدا كبيرا لمحو فكرة الثورة الشعبية من الأذهان، حتى باتت تلك الفكرة موضوعا دائما للتندر من جانبهم.
وظل خطاب أولئك الجهابذة يلح على ضرورة التحرك من خلال القنوات والمنابر المزيفة التي اصطنعتها الأنظمة، بحيث تظل الدعوة إلى التغيير تحت رقابتها وسيطرتها،

ولكن الذي حدث في تونس بدد تلك الأفكار وأعاد إلى الأذهان بقوة فكرة التغيير الذي تفرضه الجماهير رغم الانسداد السياسي، أي من خارج الأطر والقنوات الخاضعة للرقابة والتوجيه الرسميين.
وأثبت أن إرادة الجماهير تستطيع أن تفرض نفسها، وأن تتحدى جبروت الأنظمة وسلطانها، إذا ما تسلحت بالتصميم، وكانت مستعدة لدفع ثمن موقفها الرافض للاستبداد.


على صعيد آخر فإن بعض المنظرين والباحثين ما برحوا يكررون على أسماعنا أن الجماهير لا تتحرك دفاعا عن الديمقراطية التي لا تشكل مطلبا أساسيا لها، ولكنها تتحرك فقط دفاعا عن احتياجاتها المعيشية، ولطالما استند هؤلاء إلى استطلاعات وقياسات للرأي دسُّوها علينا واستخلصوا منها أن شوق الناس إلى الحرية والكرامة أقل مما يتصور المثقفون،
ولكن مظاهرات تونس أعادت الاعتبار إلى قيم الحرية والكرامة الوطنية، وكان ذلك واضحا في اللافتات التي رفعت وظلت نداءاتها تركز على قضية الحرية وتندد بالاستبداد بكل صورة.
كذلك استهان أولئك الجهابذة بمقومات الهوية ورياح التغريب التي تعصف بمجتمعاتنا. ثم اكتشفنا أن تلك الاستهانة كانت من الأسباب التي فجرت غضب الناس وأثارتهم ضد النظام. جسدت ذلك الغضب على سبيل المثال كلمات أغنية مغنى «الراب» الذي اتهم نظام الجنرال بتضييع الشباب وضرب انتمائهم العربي والإسلامي.


قال لنا الجهابذة أيضا إن العلمانية هي الحل، وإنه لا ديمقراطية بغير علمانية، واختزلوا مشكلتنا في مادة الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة. ووجدنا أن كل ذلك توفر للنظام التونسي، ولكنه لم يؤد إلى شيء مما ادعوه.

فنظام السيد بن علي كان صارما في علمانيته التي قادت البلاد إلى جحيم الظلم وليس إلى سعة الديمقراطية الموعودة وإلى الاستبداد وليس الحرية.

كما أن دستور تونس خلا من أي إشارة إلى الإسلام كدين للدولة. لكن ذلك لم يحل شيئا من مشاكل المجتمع، ولا حال دون تفاقم أزمات البلد وتفجير غضب الناس.


لقد أطاحت ثورة الجماهير التونسية بالنظام المستبد حقا، لكنها أيضا فضحت سلسلة الأكاذيب التي يروج لها بعض المثقفين لتخدير الناس وتيئيسهم.
(للكلام بقية بعد غد بإذن الله).
..........................

16 يناير، 2011

مشكلة أن تكون نزيها

صحيفة الشرق القطريه الأحد 12 صفر 1432 – 16 يناير 2011
مشكلة أن تكون نزيها – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_16.html

لن ترحمك الحكومة إذا كنت معارضا سياسيا،
ولن يرحمك المثقفون إذا كنت نزيها ومتجردا،

والأولى فهمناها وحفظناها جيدا.
أما الثانية فقد باتت بحاجة إلى تحرير، خصوصا في الأجواء الراهنة بمصر. المشحونة بالانفعالات والحساسيات، والمسكونة بقدر هائل من الغضب والحزن.

تلك خلفية دفعت كثيرين إلى إبداء مشاعر التضامن والتعاطف مع ضحايا المذبحة وذويهم، وهو أمر مشروع ومطلوب اكتفى به البعض،
في حين أن آخرين رأوا في المذبحة أنها ليست فاجعة أصابت فئة بذاتها دائما هي أيضا بمثابة طعنة في قلب الوطن. من ثم فإن قلوبهم كانت مع الضحايا حقا، في حين ظلت أعينهم معلقة بخريطة الوطن.

ومن موقعهم ذاك تعاملوا مع المشهد وتداعياته بقدر أكبر من التوازن والعقلانية، وبقدر أقل من الاندفاع العاطفي. وهو ما مكنهم من أن ينبهوا إلى الأخطاء التي وقع فيها الجميع، الحكومة والمسلمون والأقباط.

تحدثوا عن ضعف الحكومة وتراخيها الأمني، وعن تعصب بعض المسلمين وجنوح بعضهم إلى التطرف والإرهاب، وعن استقواء الكنيسة القبطية ورياح التعصب التي هبت على بعض أركانها ورعاياها.

هذا التجرد لم يعجب قطاعات من المثقفين، ولم تتعود عليه الجماهير المفتقدة إلى ثقافة التجرد. إذ لم تعد ترى من الألوان غير الأبيض والأسود، بحيث أصبح الناس عندهم إما مع أو ضد.
غاب عن هؤلاء وهؤلاء أن الواحد يمكن أن يكون مع طرف آخر وينتقده، وأن هناك فرقا بين التعاطف والتحيز.
والتعاطف يسمح بالنقد في حين أن التحيز لا يحتمله.
والتعاطف يسمح لك بأن ترى الحدث في ضوء الظروف والمصالح المحيطة به،
أما التحيز فإنه يضيق من زاوية النظر، بحيث يحصره في الحدث منفصلا عن محيطه.
ليس لي أن أتحدث عن النوايا، فضلا عن أنني لا أشك في إخلاص وصدق المثقفين الذين انفعلوا بما جرى ــ وبعضهم مسلمون محترمون ــ فتحاملوا على المسلمين وضاقت صدورهم بالنقد الذي وجه إلى الكنيسة القبطية،
ولأنهم ذهبوا في تعاطفهم إلى حد التحيز، فقد شنوا هجوما قاسيا على الذين اختاروا أن يقفوا في الوسط وأن يتجردوا في التعبير عن آرائهم، حين شغلوا بالوطن ومستقبله واستعلوا فوق مشاعر الطائفة.

ولا أريد أن أقلل من قدر مشاعر الغيرة على الطائفة. واعتبرها مشاعر نبيلة ومقدرة: لكننا لا ينبغي أن نوجه أصابع الاتهام إلى من عبروا عن غيرتهم على الوطن أيضا.
إنني لا أفهم مثلا لماذا نحتمل نقدا لرئيس الدولة والحكومة وللرموز والجماعات والمؤسسات الإسلامية، في حين ينتفض البعض غضبا إذا وجه أي نقد للكنيسة الأرثوذكسية ورئيسها.

ولماذا يعد ذكر بعض الأخطاء، التي تمس هيبة الدولة إخلالا بالوحدة الوطنية، كأن كتمانها والمداراة عليها وتحويلها إلى قنابل موقوتة يعزز الوحدة ويحميها،

ولماذا تضيق صدور البعض إذا حاولنا أن نعطي مذبحة الإسكندرية حجمها الحقيقي بلا زيادة أو نقصان، فاعتبرناها جريمة بشعة حقا، ولكنها حدث استثنائي في التاريخ المصري المعاصر. فلا مصر صارت كالعراق، ولا هي تحولت إلى معسكرات وطوائف مثل لبنان، ولا «القاعدة» هيمنت على مقدراتها واستولت على عقول شبابها.
حين ضربت التفجيرات لندن قبل خمس سنوات، وقتل بسببها 59 شخصا وجرح 700، فإن البلد صدم حقا، لكنه لم يصب باللوثة التي نشهد أصداءها في مصر الآن، وإنما أعطى الحدث حجمه وتم التعامل مع الجريمة برصانة وهدوء، واعتقل في الحادث رغم فداحته ثمانية أشخاص لا غير، أخذ القانون مجراه في التعامل معهم.
إن الترهيب لم يعد مقصورا على الحكومات والأجهزة الأمنية فقط، ولكن هناك أيضا إرهاب المثقفين الذي تفرضه عليهم تحيزاتهم على نحو يضيق بالتجرد والاستقامة الفكرية.

وهناك كذلك إرهاب الجماهير التي شحنت بالتحيزات وفتنت بالتصنيفات، ووفرت لها ثورة الاتصال إمكانات الجهر بالتلاسن ومحاكمة كل صاحب رأي مخالف.
من المفارقات أن المثقفين الذين يثير غضبهم النقد النزيه هم أنفسهم الذين لا يكفون عن إعطائنا دروسا في ضرورة احترام الرأي الآخر، ودروسا أخرى في الغيرة على البلد وضرورة الارتفاع بمصالح الوطن فوق حسابات الفئة أو الطائفة.
........................

15 يناير، 2011

دعوة لتأييد الطوارئ

صحيفة الشرق القطريه السبت 11 صفر 1432 – 15 يناير 2011
دعوة لتأييد الطوارئ – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_15.html

حين يصرح نائب رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان بأنه لولا الطوارئ لأصبحت مصر عراقا ثانيا. فإنه يصدمنا ثلاث مرات على الأقل.
مرة بسبب مضمون الرسالة فى تصريحه،
ومرة بسبب موقع المرسل
ومرة ثالثة بسبب كونه رجل قانون بالأساس.

لقد نشر تصريح المستشار مقبل شاكر فى الثالث من يناير الحالى. وتصورت أن الرجل أدرك أنه ليس من اللائق أن يصدر عنه هذا الكلام. وتوقعت أن يصححه أو يكذبه خلال الأيام التالية، لكن ذلك لم يحدث. وهو ما يعنى أنه يعبر عن قناعته الحقيقية، وأن ما أفصح عنه لقى رضا واستحسانا ممن يعنيهم الأمر

. ذلك أنه وفر على وزير الداخلية أو رئيس مباحث أمن الدولة ما يمكن أن يقوله فى هذه المناسبة، وأعفاهم من أى تبرير للمطالبة باستمرار قانون الطوارئ، ليس لسنة أو سنتين، وإنما لتأبيده أيضا.
ذلك أنه بشهادة الرجل الثانى فى مجلس حقوق الإنسان لا يمكن لمصر أن تستشعر الأمان والاستقرار إلا إذا حكمت بقانون الطوارئ وعصاه الغليظة.

وهى كارثة أن يكون ذلك رأى الرجل الثانى فى مجلس حقوق الإنسان، وتتضاعف الكارثة إذا علمنا أنه من رجال القانون وأنه كان يوما ما رئيسا لمحكمة النقض.
ذلك أن مجلس حقوق الإنسان يفترض أن يحفظ للناس كرامتهم ويدافع عن إنسانيتهم، وقانون الطوارئ هو الباب الرسمى الذى يبرر إهدار الاثنين. وليست فى ذلك أية مبالغة. ذلك أن القانون ينص فى مادته الثالثة مثلا على أن لرئيس الجمهورية فى ظل الطوارئ أن يأمر كتابة أو شفاهة باعتقال أى مواطن وله أن يكلف أى شخص بأى عمل دون التقيد بأحكام القانون!

من ناحية ثانية فإن أى طالب فى كلية الحقوق يعلم جيدا أن تطبيق قانون الطوارئ يعنى فى واقع الأمر تعطيل القوانين المتعلقة بالحريات العامة وصيانة حقوق الناس وكراماتهم. بما يعنى أنه دعوة لسيادة اللاقانون، وتمكين الأجهزة الأمنية من إطلاق يدها فى الاعتقال والتنصت والرقابة والتفتيش. ومن ثم التنكيل بكل ما لا ترضى عنه السلطة. بل بكل ما لا يرضى عنه ضابط مباحث صغير فى أصغر قرية أو نجع.

وإذا كان ذلك من المعلوم بالضرورة لطلاب كلية الحقوق، فما بالك به إذا كان المتكلم رئيسا لمحكمة النقض يوما ما.

ليت ما قاله الرجل صحيح. لأن تجربتنا مع قانون الطوارئ أنه لم يحل يوما دون التصدى للإرهاب أو إجهاض العمليات الإرهابية.

ومبلغ علمنا أنه جعل الأجهزة الأمنية صاحبة الكلمة العليا فى البلد، حيث بات بمقدورها أن تبطش بمن تشاء وأن تسوق إلى المعتقلات من تشاء. وتلفق التهم للأبرياء.

الذى لا يقل سوءا عن ذلك أن استمرار تطبيق القانون لأكثر من ثلاثين عاما أفسد أجيالا من ضباط الشرطة. الذين تصوروا أن القانون الاستثنائى هو الأصل. وأن القوانين العادية لا قيمة لها ولا وزن. حتى أصبح أغلبهم يتعاملون مع المجتمع بمنتهى الازدراء والاستهتار والقسوة.

إن ما قاله نائب رئيس مجلس حقوق الإنسان يجرح شرعيته كرجل يفترض أنه أحد الذين يقومون على حراسة المجتمع، من حيث إن كلامه يعبر عن انحياز صريح للعصا الغليظة التى تستخدم لقمع المجتمع.

بل لعلى لا أبالغ إذا قلت إن كلامه يعد إهانة للمجتمع وازدراء به.لأن مضمون رسالته يقول إن هذا بلد لا تصلح له القوانين العادية التى تطبق فى أنحاء الكرة الأرضية، ولا يدار إلا بالسوط والعصا.


من ناحية أخرى، فإن الرسالة التى بعث بها صاحبنا فى كلامه المهين تسلط الضوء على حقيقة المستهدف من تشكيل مجلس حكومى لحقوق الإنسان.
ذلك أن اللافتة لا علاقة لها فى حقيقة الأمر بالوظيفة. وأغلب الظن أن الدافع الأساسى لإنشائه كان محاولة تقليد المجتمعات الديمقراطية وحتى لا تنفرد بالساحة المنظمات الأهلية والدولية الناشطة فى ذلك الميدان. ولكى يتولى المجلس التستر على انتهاكات حقوق الإنسان وتجميل ممارسات وزارة الداخلية

لا أظن أن أحدا فى مصر علق أملا يذكر على مجلس لحقوق الإنسان تشكله السلطة لكى يراقب أفعالها. لكنى فى الوقت ذاته لا أشك فى أن أحدا توقع يوما ما أن يدعو مسئول المجلس إلى تأييد قانون الطوارئ،

وإن كان يذكر للرجل أنه كان صريحا ولم يخف شيئا من مشاعره الحقيقية كممثل للسلطة لا علاقة له بحراسة المجتمع أو الدفاع عن كرامته.
وهى الخلاصة التى تنبهنا إلى أن أمثال تلك الهياكل الديمقراطية لا تؤدى دورها الحقيقى إلا فى مجتمعات ديمقراطية.
وأن إقامة تلك الهياكل فى ظل تغييب الديمقراطية بمثابة قلب للآية، بمقتضاه توضع العربة أمام الحصان، فى مشهد هزلى يبعث على الرثاء أكثر مما يبعث على السخرية والضحك.
......................

13 يناير، 2011

هذا المحتل الوطني!

صحيفة الشرق القطريه الخميس 9 صفر 1432 – 13 يناير 2011
هذا المحتل الوطني! – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_13.html


الوضع في تونس قارب مرحلة الخطر. فمظاهرات الغاضبين دخلت أسبوعها الثالث والحريق يزداد اشتعالا في أنحاء البلاد، والسلطة اضطرت لاستخدام الجيش لأول مرة بعد فشل الشرطة، في محاولة بائسة لاحتواء الغضب وقمع المتظاهرين

ــ ثم إن ميليشيات النظام وقناصته وجهوا نيران أسلحتهم صوب المتظاهرين، الذين قتلوا 53 منهم يوم الأحد الماضي 9/1.
وحسب رواية شهود عيان فإن قناصة الميليشيات اعتلوا المباني السكنية لاصطياد قادة المظاهرات في بعض المدن.
إلى جانب ذلك فالأنباء تتحدث عن حملة اعتقالات واسعة بين النقابيين والمواطنين المتظاهرين. في حين تروج المواقع الإلكترونية لحملة طالت الرئيس زين العابدين بن على وزوجته وأفراد عائلتها. وتنسب إليهم قائمة طويلة من الاتهامات المتعلقة باستغلال النفوذ ونهب موارد الدولة.

وتدلل تلك المواقع على أن أحد أفراد أسرة الزوجة كان يعمل جزارا يوما ما، وأصبح الآن من أثرى أثرياء تونس، ويملك أسطولا من الطائرات. إلى غير ذلك من المعلومات التي يصعب التثبت من دقتها، لكنها أصبحت تعني شيئا واحدا هو أن الجماهير التونسية كسرت حاجز الخوف، ولم تعد تتردد في الجهر بصيحات الاحتجاج ونداءات التنديد بممارسات السلطة التي اتسمت بجرأة غير معهودة بين الشباب التونسي، الذي ظل طوال السنوات التي خلت يختزن المرارة والحزن توقيا لعصا النظام الغليظة ويده الباطشة.
لقد انفجر بركان الغضب في منتصف شهر ديسمبر الماضي في سيدي بوزيد، بعدما أحرق شاب نفسه احتجاجا على مصادرة عربة خضار يملكها، الأمر الذي أطلق غضب الجموع التي هدها الفقر.

وكان الظن أن الانتفاضة لن تستمر لأكثر من يومين أو ثلاثة، قياسا على المرات السابقة، التي كانت قوات الأمن المدربة تسارع فيها إلى سحق الغضب واحتوائه. لكن المفاجأة أن شرارة الغضب انتقلت من ولاية إلى أخرى.
وأن جذوتها ظلت متقدة للأسبوع الثالث على التوالي. خصوصا في ولايات الوسط التي عانت من وطأة الفقر وشدة البطالة. وكانت مدينتا تالة والقصرين أحدث مسرحين للتظاهرات والاشتباكات مع الشرطة. وقد وصف شهود العيان تلك الاشتباكات بأنها «عنيفة»،

وذكروا أن المتظاهرين أحرقوا مقر إدارة التجهيز الرسمية، وأن الشرطة استعملت خراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع، قبل أن تطلق النار بعد ذلك على المحتجين. وأضاف هؤلاء أنهم رأوا عربات الجيش تدخل المدينة في مسعى للسيطرة عليها وإعادة الهدوء إلى أرجائها.
ما حدث في تالة تكرر في مدينة الرقاب، التي سارعت فيها الشرطة إلى إطلاق النار على المحتجين فقتلت منهم ثلاثة. وقد تصاعدت الاشتباكات حين ردد المتظاهرون هتافات مناهضة للحكومة ومنددة بالرئيس بن على.
كما هي العادة فإن البيانات الرسمية، التي اعترفت بالصراعات العنيفة، ذكرت أن الشرطة لم تلجأ إلى استخدام السلاح إلا بعد أن قامت بإطلاق أعيرة تحذيرية «في إطار الدفاع المشروع عن النفس»، وبعد أن تعرضت لهجمات من جانب أفراد استخدموا العبوات الحارقة والعصي والحجارة.

كما ادعت تلك البيانات أن مجموعات من المتظاهرين أقدمت على تخريب ونهب وحرق مؤسسات مصرفية ومركز للأمن ومحطة وقود. بما يعني أن الشرطة «البريئة» لم تطلق النار إلا من قبيل الدفاع أمام «العدوان»، الذي تعرضت له من قبل الجماهير الغاضبة.
المعارضة في الخارج اتهمت الحكومة باتباع سياسة القمع وحماية الفساد ودعت الجيش والشرطة إلى عدم إطلاق النار على «إخوانهم» المواطنين المتظاهرين،
في حين أن المعارضة في الداخل طالبت الرئيس بن على بوقف إطلاق النار حفاظا على أرواح المواطنين وأمنهم، واحتراما لحقهم في التظاهر السلمي.

أما الرئيس بن على فإنه حذر من أن أعمال الشغب تضر بصورة البلاد وسمعتها لدى السياح والمستثمرين، وتوعد من وصفهم بأقلية المتطرفين الذين خرجوا في مختلف المدن بالعقاب الحازم.

حين تطلق السلطة النار على جماهيرها يكون النظام قد أدرك أنه يخوض معركته الأخيرة.
وحين تتواصل مظاهرات الغضب لأكثر من ثلاثة أسابيع فمعناه أن المجتمع فاض به الكيل وأنه لم يعد يتوقع خيرا من النظام القائم ويتوق إلى بديل عنه.
وحين تنتقل مظاهر الغضب من مدينة إلى أخرى فمعناه أن البلد كله يواجه أزمة وليس فئة بذاتها.
ما الذي يمكن أن يحدث؟
في النظم المستبدة التي يتم فيها احتكار السلطة وتظل شرعية النظام مستندة إلى قبضة الأمن وليس إلى رضا الناس، فإن المستقبل يبدو معتما وتظل البدائل في علم الغيب،
ومن ثم تصبح كل الخيارات مطروحة باستثناء خيار واحد هو: الانتقال السلمي للسلطة.

يسري ذلك على تونس كما يسرى على غيرها من الدول، التي تعاني قبضة المحتل الوطني، الذي تبين أنه أسوأ من المحتل الأجنبي.
وليس هذا كلامي، لكنه رأى سمعته على لسان عجوز تونسي من سكان سيدي بوزيد كان يترحم عبر إحدى الإذاعات على زمن الاستعمار الفرنسي.
...............................

12 يناير، 2011

هل نغلق المساجد؟

صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 8 صفر 1432 – 12 يناير 2011
هل نغلق المساجد؟ - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_12.html


ما الذي تستطيع قصور الثقافة أن تفعله أمام 120 ألف مسجد وزاوية في مصر؟
السؤال طرحه السيد فاروق حسنى وزير الثقافة أثناء مناقشة أجرتها معه مجلة روزاليوسف في عددها الأخير (8/1).

كان الحوار قد تطرق إلى ملف التطرف المثار هذه الأيام. وكان السؤال الذي وجهه رئيس تحرير المجلة للوزير هو:
لماذا انتصرت عليك مؤسسة التطرف؟
وهو ما رد عليه الوزير بقوله:
قل لي من الأقوى في المجتمع: الخطيب الواقف على المنبر أم المفكر؟
ثم ألحق كلامه بالسؤال عن تناقض الأدوار بين قصور الثقافة والمساجد والزوايا.
لم يكن السؤال استفهاميا بقدر ما أنه احتجاجي واستنكاري، أراد به الوزير أن يعبر عن التضاد بين الدور «التنويري» الذي تقوم به قصور الثقافة، والدور «الظلامي» الذي تؤديه المساجد والزوايا.

والجملة الأخيرة من عندي، لأن الوزير لم يستخدم هذه الكلمات، ولكن سياق حديثه أشار إليها ضمنا. فضلا عن أن ثمة خطابا عبر عنه نفر من المثقفين يعتبر أن التدين هو المشكلة وهو التربة التي تستنبت التطرف.
ولأحد كبار موظفي وزارته كتابات عدة ادعى فيها أن جريمة التدين زادت عن حدها في مصر.
وعبر آخرون عن ذات الفكرة حين زعموا أن «السلفية» زحفت إلى العقل المصري واحتلت مساحة كبيرة منه.

ويبدو أن تلك الأصوات أحدثت مفعولها في الأوساط الرسمية، حتى تردد أن وزارة الإعلام اتجهت إلى تخفيف جرعة التدين في برامجها. في أعقاب فاجعة التفجير التي حدثت في الإسكندرية.

وإذا صح ذلك فإنه يندرج ضمن الآثار الخطيرة للفاجعة. التي وضعت الإسلام وتعاليمه والمتدينين على إطلاقهم في قفص الاتهام، وبات السؤال المطروح هو كيف يمكن التصدي لكل هؤلاء. وكما أن أهل الأمن والسياسة وجدوها فرصة للدفاع عن استمرار العمل بقانون الطوارئ. فإن فئات من الكارهين الذين يبغضون الإسلام وأهله انتهزوا الفرصة ذاتها لإضعاف الإسلام وإيغار الصدور ضده.


رغم أن الوزير لم يستخدم وصف الظلامية في وصف خطاب المساجد والزوايا إلا أن كلامه واضح في أن ذلك الخطاب يتناقض مع الخطاب الذي تتبناه قصور الثقافة. وأعطى انطباعا بأن ثمة معركة بين الطرفين. وهو منطق يثير الدهشة من ناحيتين.

فالوزير أطلق اتهامه وتحدث عن جميع المساجد والزوايا في مصر دون أن يستثنى شيئا منها. وهذا التعميم يعنى أن وجود تلك المساجد والزوايا هو المشكلة، الأمر الذي يستدعى السؤال التالي:
هل يكون الحل بإغلاقها لكي تتاح الفرصة كاملة لقصور الثقافة لكي تبث التنوير على راحتها؟


من ناحية ثانية فإن المنطق والعقل يفترضان أن تتكامل الأدوار التي تقوم بها قصور الثقافة والمساجد، فلا تتنافى أو تتعارك. خصوصا أننا نتكلم عن حكومة واحدة تضم بين أعضائها وزيرا للثقافة مسؤولا عن قصور الثقافة ووزيرا للأوقاف قائما على أمر المساجد، والتكامل المنشود يعد من أبسط مقتضيات التنسيق بين الوزارتين.
أزعم أن هيمنة الخطاب السلفي على العقل المصري فرية خبيثة، فضلا عن أنها فضيحة ثقافية ــ لماذا؟ ــ

هي فرية لأنها غير صحيحة. إذ رغم أن الخطاب السلفي اخترق الساحة المصرية خلال ربع القرن الأخير بسبب الفراغ الذي نشأ فيها والذي صنعته السلطة بأيديها، إلا أن ذلك الاختراق لا يمكن أن يوصف بأنه هيمنة.

وإذا كانت هناك بعض القنوات الفضائية تبث خطابا سلفيا، ففي مقابلها عدد هائل من القنوات لا علاقة لها بالسلفية. وأغلبها معاد لها. وهى خبيثة لأن الذين يتذرعون بهيمنة الخطاب السلفي يتخذون منه قناعا لملاحقة وإعلان الحرب على مجمل الخطاب الديني. تماما كما أن الأنظمة الاستبدادية اتخذت من الحرب ضد الإرهاب ذريعة لقمع كل معارضيها السياسيين وتصفيتهم.


أما كونها فضيحة ثقافية فمرجع ذلك أنه لا يجوز ولا يليق أن تصور مصر بلد الأزهر وقلعة الاعتدال الديني في العالم الإسلامي بحسبانها بلدا انهارت وسطيته واستسلم للفكر السلفي، الذي يتراجع حاليا في السعودية، حاضنته الطبيعية والتاريخية.


لي ملاحظتان أخيرتان،
الأولى تتعلق بانصراف الناس عن قصور الثقافة وإقبالهم على خطاب المساجد والزوايا. إذ لا أعرف لماذا يعد ذلك انتصارا للفكر المتطرف، ولا يعد إعراضا عن خطاب قصور الثقافة وإشهارا لتفاهته وإفلاسه.
الملاحظة الثانية أن الوزير وهو يتحدث ظل نظره مصوبا نحو المسلمين المتطرفين ودعاة التكفير، فلا هو رأى مسلمين معتدلين، ولا هو لاحظ أن ثمة متطرفين بين غير المسلمين. وهى مشكلة أن تكون تلك رؤية وزير في الحكومة، ومشكلة أكبر أن يكون الرجل وزيرا للثقافة.
.......................

11 يناير، 2011

إسرائيليون يروون قصة الانفصال – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 7 صفر 1432 – 11 يناير 2011

إسرائيليون يروون قصة الانفصال – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2011/01/blog-post_11.html

طالما أننا عجزنا عن الدفاع عن وحدة السودان، فربما يفيدنا بأن نفهم ما جرى، ربما نبهنا ذلك إلى أن انفصال الجنوب ليس نهاية المطاف، ولكنه حلقة في مسلسل تفكيك العالم العربي وتطويق مصر.


ــ1ــ


منذ وقت مبكر للغاية أدرك قادة الحركة الصهيونية أن الأقليات في العالم العربي تمثل حليفا طبيعيا لإسرائيل، من ثَمَّ خططت لمد الجسور معها، فتواصل رجالها مع الأكراد في العراق وسكان جنوب السودان، والموارنة في لبنان، والأكراد في سوريا والعراق، والأقباط في مصر،

واعتمدت في مخططها على مبدأ فرق تسد، حيث اعتبرت أن تلك هي الوسيلة الأنجع لتفتيت الوطن العربي من خلال خلق كيانات انفصالية في داخلها،

واستهدفت بذلك إعادة توزيع القوى في المنطقة، على نحو يجعل منها مجموعة من الدول المهمشة المفتقدة لوحدتها وسيادتها، مما يسهل على إسرائيل، وبالتعاون مع دول الجوار غير العربية، مهمة السيطرة عليها الواحدة تلو الأخرى فيما بعد،

يؤكد ذلك أن جميع حركات التمرد التي فجرتها الجماعات الإثنية والطائفية في العالم العربي، استمدت الدعم والتأييد والإسناد من الأجهزة الإسرائيلية التي أنيطت بها مسؤولية تبني تلك الحركات الانفصالية، كما حدث مع الأكراد في العراق وحركة التمرد في جنوب السودان.

هذا الموقف يساعد على فهم واستيعاب الإستراتيجية الإسرائيلية إزاء المنطقة العربية، التي تستهدف تشجيع وحث الأقليات على التعبير عن ذاتها بحيث تمكن في نهاية المطاف من انتزاع حقها في تقرير المصير والاستقلال عن الوطن الأم،

يؤيد هذه الفكرة ويغذيها أن المنطقة العربية، وعلى خلاف ما يدعي العرب، ليست وحدة ثقافية وحضارية واحدة، وإنما هي خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني، وقد اعتادت إسرائيل تصوير المنطقة على أنها فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد اللغوي والديني والقومي، ما بين عرب وفرس وأتراك وأرمن وإسرائيليين وأكراد وبهائيين، ودروز ويهود وبروتستانت وعلويين وصابئة وشيعة وسنة وموارنة وشركسي وتركمان وآشوريين.. إلخ.


إن خريطة المنطقة في النظر الإسرائيلي تعرف بحسبانها بقعة من الأرض تضم مجموعة أقليات لا يوجد تاريخ يجمعها، من ثَمَّ يصبح التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية على حدة،

والغاية من ذلك تحقيق هدفين أساسيين هما:


أولا: رفض مفهوم القومية العربية والدعوة إلى الوحدة العربية، ذلك أن القومية العربية في التصور الإسرائيلي فكرة يحيطها الغموض، إن لم تكن ذات موضوع الإطلاق،

وهم يعتبرون أن الوحدة العربية خرافة، فالعرب يتحدثون عن أمة واحدة، لكنهم يتصرفون كدول متنافرة، صحيح أن ما يجمع بينهم هو اللغة والدين، وهما يجمعان بعض الشعوب الناطقة بالإنجليزية أو الإسبانية دون أن يخلق منها أمة واحدة.


ثانيا: تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي الصهيوني في المنطقة، إذ هي وفقا لذلك التوجه تصبح خليطا من القوميات والشعوب واللغات، وتصور قيام وحدة بينها هو ضرب من الوهم والمحال،

النتيجة المنطقية لذلك هي أن تكون لكل قومية دولتها الخاصة بها، ومن هذه الزاوية تكتسب إسرائيل شرعيتها، حيث تصبح إحدى الدول القومية في المنطقة.


ــ2ــ


لست صاحب الفقرات السابقة، ولكنني نقلتها نصا من كتاب «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» الذي صدر عام 2003 عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا، ومؤلفه هو عميد الموساد المتقاعد موشى فرجي،

وقد سبق أن استشهدت به وأشرت إليه أكثر من مرة من قبل، لكنني اعتبرت أن استعادة الشهادة في الوقت الراهن لها مذاقها الخاص، لأننا بصدد لحظة حصاد ثمار الزرع الذي غرسته إسرائيل والقوى الدولية الواقفة معها منذ خمسينيات القرن الماضي.


استأذن هنا في «فاصل قصير» نترك فيه مؤقتا نص العميد فرجي، لنقرأ نصا آخر ورد في شهادة وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفي إيختر، تطرق فيه إلى السودان في محاضرته التي ألقاها في عام 2008 أمام معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني.


قال صاحبنا عن السودان ما يلي،

كانت هناك تقديرات إسرائيلية منذ استقلال السودان في منتصف الخمسينيات إنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا، بأن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي، لأن موارده إذا ما استمرت في ظل أوضاع مستقرة، ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب.


في ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل بمختلف أجهزتها وأذرعها أن تتجه إلى الساحة السودانية، لكي تفاقم من أزماتها وتسهم في إنتاج أزمات جديدة، بحيث يكون حاصل تلك الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد.


لأن السودان يشكل عمقا إستراتيجيا بمصر، وهو عنصر تجلى بعد حرب عام 1967، حين تحول السودان ومعه ليبيا إلى قواعد تدريب وإيواء سلاح الجو المصري والقوات البرية، علما بأن السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف التي شنتها مصر بين عامي 1968 و1970.


لهذين السببين ــ أضاف ديختر ــ كان لابد أن تعمل إسرائيل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لعدم تمكينه من بناء دولة قوية موحدة، وهذا المنظور الإستراتيجي يشكل إحدى ضرورات دعم وتنظيم الأمن القومي الإسرائيلي،

(لاحظ أن المحاضرة ألقيت في عام 2008 بعد نحو ثلاثين عاما من توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979).


حين سئل الرجل عن مستقبل جنوب السودان كان نص رده كالتالي:

هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لكي يستقل الجنوب، وكذلك إقليم دارفور، على غرار استقلال كوسوفو، حيث لا يختلف الوضع في جنوب السودان ودارفور عن كوسوفو، في حق الإقليمين في التطلع إلى الاستقلال واكتساب حق تقرير المصير بعد أن قاتل مواطنوهم لأجل ذلك.


ــ3ــ


دعم إسرائيل للمتمردين في جنوب السودان، مر بخمس مراحل سجلها العقيد فرجي في كتابه على النحو التالي:


* المرحلة الأولى: بدأت في الخمسينيات، مباشرة بعد تأسيس دولة إسرائيل، وخلال تلك الفترة التي استمرت نحو عقد من الزمن اهتمت إسرائيل بتقديم المساعدات الإنسانية (الأدوية والمواد الغذائية والأطباء)،

كما حرصت على تقديم الخدمات للاجئين الذين كانوا يفرون إلى إثيوبيا، وفي هذه المرحلة بدأت أولى المحاولات لاستثمار التباين القبلي في جنوب السودان ذاته لتعميق حدة وهوَّة الصراع، ومن ثم تشجيع الجنوب على الانفصال،

كما قام ضباط الاستخبارات الإسرائيلية الذين تمركزوا في أوغندا بفتح قنوات الاتصال مع زعماء قبائل الجنوب لدراسة الخريطة السكانية للمنطقة.


* المرحلة الثانية: (بداية الستينيات): اهتمت إسرائيل بتدريب عناصر من الجيش الشعبي على فنون القتال، في مراكز خاصة أقيمت في إثيوبيا،

وفي هذه المرحلة تبلورت لدى الحكومة الإسرائيلية قناعة بأن توريط السودان في الحروب الداخلية كفيل بإشغاله عن أي مساندة يمكن أن تقدم إلى مصر في صراعها مع إسرائيل، وكانت منظمات التبشير تقوم بنشاط ملحوظ في الجنوب، الأمر الذي شجع إسرائيل على إيفاد عناصرها الاستخبارية إلى الجنوب تحت شعار تقديم العون الإنساني، في حين أن الهدف الأساسي كان استيعاب عناصر مؤثرة من السكان لتدريبهم لإدامة التوتر في المنطقة،

وفي هذه المرحلة أيضا عمدت إسرائيل إلى توسيع نطاق دعمها للمتمردين، عن طريق تقديم الأسلحة لهم عبر الأراضي الأوغندية، وكانت أولى تلك الصفقات في عام 1962، ومعظمها كانت من الأسلحة الروسية الخفيفة التي غنمتها إسرائيل في عدوانها على مصر عام 1956،

واستمرت عمليات تدريب المقاتلين الجنوبيين في أوغندا وإثيوبيا وكينيا، ثم الدفع بهم للاشتراك في القتال داخل الحدود السودانية.


* المرحلة الثالثة: التي امتدت من منتصف الستينيات وحتى السبعينيات، وقد استمر خلالها تدفق الأسلحة على الجنوبيين من خلال تاجر أسلحة إسرائيلي وسيط اسمه جابي شفين كان يعمل لصالح الاستخبارات، وأرسلت إلى الجيش الشعبي شحنات من الأسلحة الروسية التي غنمتها إسرائيل في حرب 1967، وقامت طائرات الشحن الإسرائيلية بإسقاط تلك الأسلحة والمعدات على ساحة المعسكر الرئيسي للمتمردين في أورنج ــ كي ــ بول،

كما قامت إسرائيل بإنشاء مدرسة لضباط المشاة في (ونجي ــ كابل) لتخريج الكوادر اللازمة لقيادة فصائل التمرد، وكانت عناصر إسرائيلية تشترك في المعارك لتقديم خبراتها للجنوبيين.

وفي هذه المرحلة أيضا تم استقدام مجموعات من الجيش الشعبي إلى إسرائيل لتلقي تدريبات عسكرية،

وفي بداية السبعينيات ــ فتحت بشكل رسمي نافذة أخرى لإيصال الدعم الإسرائيلي إلى جنوب السودان عبر أوغندا.


وحينما بدا أن حركة التمرد على وشك الانتهاء في عام 1969، بذلت إسرائيل جهدا هائلا لحث المتمردين على مواصلة قتالهم، واستخدمت في ذلك كل أساليب الكيد والدس التي استهدفت إقناع الجنوبيين بأنهم يخوضون صراعا قوميا مصيريا بين شمال عربي مسلم محتمل وجنوب زنجي أفريقي مسيحي ووثني، يعاني فيه أهل الجنوب من الحرمان والظلم.


* المرحلة الرابعة: الممتدة في أواخر السبعينيات وطوال عقد الثمانينيات، وفيها شهدت القارة الإفريقية عدة تقلبات لم توقف دعم إسرائيل للمتمردين، وقد ازداد الدعم بعدما أصبحت إثيوبيا ممرا منتظما لإيصال الأسلحة للجنوب،

وبرز جون فرنق في هذه المرحلة كزعيم ساندته إسرائيل واستقبلته في تل أبيب وزودته بالمال والسلاح وحرصت على تدريب رجاله على مختلف فنون القتال، وكان بينهم عشرة طيارين تدربوا على قيادة المقابلات الخفيفة.


* المرحلة الخامسة: بدأت في أواخر عام 1990 استمر الدعم الإسرائيلي واتسع نطاقه، وأصبحت الشحنات تصل إلى الجنوب عبر كينيا وإثيوبيا، وقد زودت إسرائيل الجنوبيين بالأسلحة الثقيلة المضادة للدبابات والمدافع المضادة للطائرات، ومع بداية العام 1993 كان التنسيق بين إسرائيل وبين الجيش الشعبي قد شمل مختلف المجالات، سواء فيما خص التمويل والتدريب والتسليح والمعلومات وإشراف الفنيين الإسرائيليين على العمليات العسكرية.


ــ4ــ


كما رأيت ــ وبشهادتهم ــ فإنهم لم يغمضوا أعينهم لحظة عن جنوب السودان منذ نصف قرن.


من الملاحظات الأخرى الجديرة بالانتباه أن حركة التمرد في الجنوب بدأت في عام 1955 أي قبل عام واحد من إعلان الاستقلال في عام 1956، بما يعني أن التمرد حين انطلق لم يكن له علاقة بفكرة تطبيق الشريعة التي دعت إليها حكومة الإنقاذ (البشير ــ الترابي) في سنة 1989.


من تلك الملاحظات أيضا أنه في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تدعم الجنوبيين بالسلاح، فإن الدول الغربية كانت تواصل مساعيها الدبلوماسية لترتيب أمر انفصال الجنوب من خلال الاستفتاء،

فاتفاقية نيفاشا للسلام التي وقعت بين حكومة الخرطوم والمتمردين تمت برعاية أمريكية ــ نرويجية ــ بريطانية إضافة إلى منظمة إيقاد، وهذه الاتفاقية تم التوصل إليها عبر سلسلة من المفاوضات المتقطعة في أديس أبابا ونيروبي وأبوجا عاصمة نيجيريا، كما أن اتفاق ماشكوس الأول تم بناء على مبادرة قدمتها الولايات المتحدة.


منذ أكثر من نصف قرن وهم يمهدون للانفصال بالسلاح في جانب وبالضغوط والألاعيب الخبيثة في جانب آخر، ولو أن ربع هذا الجهد الدولي بذل لحل مشكلة فلسطين لأغلق ملف القضية واسترد الفلسطينيون حقوقهم منذ زمن بعيد، لكن تقرير المصير والاستقلال حلال على الجنوبيين حرام على الفلسطينيين.


لقد خططوا لأجل الانفصال وتحقق لهم ما أرادوا،

أما العرب فقد وقفوا متفرجين على ما يجري وذاهلين عن مراميه،

وكانت النتيجة أن الذي زرع حصد الاستقلال،

ومن وقف متفرجا ذاهلا حصد الخيبة، التي أرجو ألا تكون لخيبات أخرى في العام الجديد.

.........................

Delete this element to display blogger navbar