Subscribe:

Ads 468x60px

04 ديسمبر، 2011

سفينتنا المهددة بالغرق


صحيفة الشرق القطريه الأحد 9 المحرم 1433 – 4 ديسمبر 2011
سفينتنا المهددة بالغرق – فهمي هويدي

مشغولون نحن بالتراشق الداخلي في قضايانا المصيرية.
نلحظ ذلك حين نجد أن الفضاء المصري يمتلئ بالضجيج والتراشق وتبادل الاتهامات بين الجماعات السياسية المختلفة، في حين أن أحدا لم ينتبه إلى أن السفينة التي تحمل الجميع معرضة للغرق.

وربما كانت الصفحة الأولى لجريدة الأهرام التي صدرت يوم السبت 19/11 معبرة عن الفكرة التي أتحدث عنها. ذلك أن الصفحة كلها كانت مكرسة لصراعات الداخل، من مظاهرة ميدان التحرير وصولا إلى فتح ميناء دمياط الذي ظل متوقفا طيلة 11 يوما وتشكيل لجنة دولية لدراسة الآثار البيئية لمصنع موبكو للأسمدة، الذي فجّر غضب الدمايطة وأهالي رأس البر.

لكن الأهرام ذكرت في ذيل الصفحة خبرا خجولا ذكرت ما يلي:
نتيجة لتدهور الأوضاع الاقتصادية للبلاد يبحث مجلس الوزراء حاليا إمكانية الاقتراض بشروط ميسرة من المؤسسات المالية الدولية.

أغلب الظن أنها مصادفة، أن يقع القارئ على خبر تدهور الأوضاع الاقتصادية بعد أن يمر بمختلف التقارير التي رصدت مظاهر الاشتباك الحاصلة في الساحة المصرية. لكنها مع ذلك تظل مصادفة كاشفة تدعو الجميع إلى الإفاقة والانتباه إلى أن الوطن بحاجة إلى احتشاد ينقذ السفينة من الغرق بدلا من الاشتباك الذي يضيف إلى قاعها ثقوبا جديدة.

رجعت إلى أهل الاختصاص والمسؤولين في القطاع الاقتصادي في محاولة لتحري خلفيات الخبر الذي أعطانا انطباعا سلبيا دون أن يوضح لنا حيثياته أو خلفياته، وكانت خلاصة ما خرجت به ما يلي:

ــ إن المقصود بتدهور الوضع الاقتصادي هو العجز الشديد في السيولة المالية، بما يعنى أن هناك قدرات اقتصادية جيدة لكن النقص في السيولة يكبل تلك القدرات ويحول دون تحريك عجلة الإنتاج على النحو المطلوب.
وكما قال لي مسؤول كبير فإن الوضع في مصر أشبه بسيارة عالية الكفاءة وسليمة مائة في المائة. لكنها لا تجد البنزين اللازم لتسييرها.

ــ إن الدولة في الوقت الراهن تعمل بأقل من نصف ميزانيتها، حيث يذهب أكثر من النصف للدعم الموجه إلى قطاع البترول أساسا، وإلى خدمة الديون المحلية، وما تبقى بعد ذلك يفترض أن يغطي مختلف الأنشطة المتعلقة بالتعليم والصحة والإسكان وغير ذلك من مجالات تنمية المجتمع.

ــ إن عبء الدعم يمثل حملا ثقيلا ومشكلة عويصة، هو حمل ثقيل لأنه يستأثر بنصيب لا يستهان به من الموازنة، الأمر الذي يصعب احتماله طويلا، لأنه أصبح المعوق الأول للتنمية. ثم إنه مشكلة عويصة لأن حلها الأساسي ينبغي أن يوجه إلى قطاع البترول الذي أصبح «بالوعة» الدعم.

ومن شأن خطوة من ذلك القبيل إن تحدث أصداء غير مرحب بها، ربما أفضت إلى موجة من الغضب والاضطراب الاجتماعي. يكفي أن من شأنها إذ تؤدي إلى رفع أسعار عدد هائل من السلع.

ــ إن التحدي الذي تواجهه الحكومة في الوقت الراهن، بل المعادلة الصعبة حقا، هي كيف يمكن أن تتصدى لمشكلة الدعم بحيث لا يثقل ذلك كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمع، وكيف يمكن أن يحمل العبء للقادرين بما لا يؤثر على إقبالهم على الاستثمار.

ــ إن موارد الدخل التي تأتي من الخارج تراجعت إلى حد كبير خصوصا في قطاع السياحة. وأثر ذلك على استمرار السحب من الاحتياطي، لكن ذلك له حدوده.
وربما كان من العوامل التي أسهمت في تفاقم الأزمة أن مصر لم تتلق دعما يذكر من الدول النفطية الشقيقة، إذ بخلاف 500 مليون دولار قدمتها السعودية، وبخلاف مبلغ مماثل قدمته قطر، فإن مصر لم تتلق أي دعم آخر، وإن تلقت وعودا كثيرة وكلاما لم يترجم إلى عون عربي حقيقي.

ــ إزاء ذلك فليس أمام مصر إلا أحد حلين،
 الأول أن تتخذ قرارات قاسية في الداخل، بعد أن تعلن الحقائق على الشعب. وقبل أن تطالب الناس بشد الأحزمة على البطون، يتعين عليها أن تبدأ بنفسها وتضرب المثل في التقشف والاقتصاد.

بعد ذلك عليها أن تشرك الطبقات الثرية في تحمل العبء الأكبر من المسؤولية ــ وبعد أن تستنفد وسائل الداخل وتبدأ بها فلها أن تقترض من الخارج إذا وجدت أن الشروط يمكن احتمالها.

قبل نحو أسبوع (في 23/11) نشرت صحيفة «الشروق» مقالة لرجل الأعمال حسن هيكل دعا إلى فرض ضريبة عالمية لمرة واحدة (أسماها ضريبة ميدان التحرير) تتراوح بين 10 و20٪ على الذين تزيد ثروة الواحد منهم على عشرة ملايين دولار.
واقترح أن توجه عائداتها إلى الدول التي ينتمون إليها،

وقبل ذلك قرأت أن 138 مليونيرا أمريكيا وجهوا رسالة مكتوبة إلى الرئيس أوباما طالبت بزيادة الضرائب عليهم إسهاما منهم في تخفيف العجز في الموازنة العامة.

وأتابع في الوقت ذاته جهود دول الاتحاد الأوروبي لإنقاذ اقتصاد اليونان وتركيا من الانهيار، وأستغرب صمت أثريائنا وإنفاقهم الباذخ على الوجاهات السياسية والقنوات التلفزيونية فإنني أتعجب من موقف الدول النفطية العربية التي تقف متفرجة على الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد المصري.

وفي هذا الشق الأخير كلام كثير ربما كان كتمانه أكرم من البوح به.
..................

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar